11/02/2026
مجلة إيسكرا النظرية

وثيقتنا التأسيسية

iskra.png

لماذا إيسكرا و لماذا الآن؟ 

إيسكرا ليست صحيفةً صادرةً عن حزب، وإنما تسعى إلى بنائه. وكما أشار لينين ذات مرة، ينبغي أن تكون نقطة الانطلاق لنشاطنا، وأول خطوة عملية نحو إنشاء التنظيم الذي نطمح إليه، وأيضًا الخيط الرئيسي الذي يمكننا بواسطته أن نطوّر هذا التنظيم ونعمّقه ونوسّعه بثبات، هي إقامة جريدة سياسية.

إذا ما نظرنا حولنا الآن، نجد أن الحروب والمجاعات والدمار في كل مكان. وفي الوقت نفسه، فإن الساحة السياسية خالية من أي تنظيم ثوري، ولا يوجد حتى أفق لبناء هذا التنظيم على المدى القريب. فقد تراوحت المنظمات الموجودة ما بين أحزاب شيوعية تقليدية لم تعد سوى جثث هامدة، أو مجموعات تابعة لأمميات كبيرة، جزءٌ منها تائه نظريًا، والجزء الآخر يملك نظرية قوية جدًا، لكن تربطه ببيروقراطية مراكزهم —التي تركز على البناء في الغرب— آلاف الخيوط المرئية وغير المرئية.

إن العمل الأممي، من وجهة نظرنا، هو ضرورة تاريخية لا بديل عنها إذا ما أردنا الوصول إلى الاشتراكية، كونه وبكل بساطة لا يمكن بناء الاشتراكية في بلد واحد. إن بناء حزب ذي عادات بلشفية، يقوم على أساس الديمقراطية المركزية، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومتجذر في نضالات الجماهير، ويسعى للوصول إلى فيدرالية اشتراكية شرق أوسطية، هو ضرورة وليس رفاهية.

القيادة الثورية

شهدت المنطقة برمتها في العقد الماضي حالةً من المدّ الثوري، قدّمت فيها الجماهير دروسًا في الكفاحية. لكن للأسف، الكفاحية وحدها لا تكفي. والإطاحة بالأنظمة السياسية وحدها لا تكفي. يجب الإطاحة بالنظام الرأسمالي الطبقي، وهذا لا يمكن أن يتم إلا بوجود عاملٍ ذاتيّ قادر على حسم السلطة لصالح العمال والفلاحين الفقراء.

كما أشار تروتسكي في مقاله الطبقة والحزب والقيادة:

التاريخ هو سيرورة الصراع الطبقي. لكن الطبقات لا تحمل ثقلها الكامل تلقائيًا وفي الوقت نفسه. في عملية النضال، تخلق الطبقات أجهزة مختلفة تلعب دورًا مهمًا ومستقلًا، وتخضع للتشوهات… يمكن أن تصبح القيادة السياسية، في اللحظات الحاسمة من المنعطفات التاريخية، عاملًا حاسمًا مثل دور القيادة العامة خلال اللحظات الحرجة للحرب. التاريخ ليس عملية أوتوماتيكية. وإلا فلماذا القادة؟ لماذا الأحزاب؟ لماذا البرامج؟ لماذا النضالات النظرية؟

عندما نتحدث عن ضرورة بناء حزب ثوري، فنحن لا نتحدث عن آلة دستورية أو برلمانية. الحزب هو علاقة جدلية ما بين النظرية والممارسة الثورية ومن برنامج يتشكل ويتمايز من هذه العلاقة الجدلية، ومن طرق تنفيذ البرنامج، وعندها فقط نكون قد حصلنا على هيكل المنظمة القادرة على نشر البرنامج في جميع النضالات الجماهيرية وكسب الناس إليها. ولا بدّ لهذه الأفكار أن تكون، قبل كل شيء، ثورية، وتسعى لمواجهة الرأسمالية عن طريق الإطاحة بها.

القيادة الثورية ما تزال غير موجود في منطقتنا ، حتى في حالتها الجنينية. ولكي نتجاوز هذه المرحلة، نحن بحاجة إلى بناء كوادر منظَّمة وقادرة على الاستمرار. لقد علمتنا التجربة أن الحصول على مثل هذه الكوادر يحتاج وقتًا طويلًا، وللأسف فإن تاريخ منطقتنا لم يمنحنا هذا الوقت حتى الآن. لقد مرّت ثورات المنطقة بأسرها أمام أعين من يسمّون أنفسهم شيوعيين، من دون أن يطوّروا أساليبهم في العمل، ولذلك انتهى بهم المطاف جميعهم في العصبوية.

في النهاية، كل شيء يعتمد على أن نوجد أولًا، وعلى مدى نمونا ثانيًا. وهذا سوف يستغرق وقتًا. كتب تروتسكي في نوفمبر 1931:

إن الوقت، في الوضع العالمي الحالي، هو أثمن المواد الخام

لذلك يجب علينا ألّا نضيّع الوقت. يجب أن نجمع قوانا من أجل المرحلة القادمة، وأن نُسلّحها بقوة الإرادة والأفكار. هذا لا يعني أنه علينا أن نحرق المراحل أو أن نغوص في مستنقع الحركية. على العكس، يجب أن نُسرع في بناء الكوادر وإيجاد الأدوات والمنهجيات لهذا البناء. حلقات القراءة التقليدية وحدها لم تعد تتناسب مع الوضع الراهن؛ فهي تقوم بخلق خطابيّين فقط: تقول لهم هذه هي المشكلة، فيقولون لك اقتباسًا إن استطاعوا تذكّر الاقتباس.
البشرية تقف اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، على مفترق طرق: إمّا الاشتراكية أو الهمجية.

الثورة الدائمة

تعتبر النظرية الماركسية أن التطور المادي لقوى الإنتاج هو القوة المحرِّكة للتقدم التاريخي، وعليه فإن النظام الرأسمالي قد فقد تقدميته منذ وقت طويل. لم يعد هذا النظام قادرًا على تطوير قوى الإنتاج، وإنما على العكس، فهو يدمّر جزءًا منها في كل فترة للخروج من أزماته. وفي فترة الانحطاط هذه وصلت الرأسمالية إلى مناطقنا، و بوصولها تشكّلت طبقة برجوازية غير قادرة على أداء مهامها التاريخية. تقوم نظرية الثورة الدائمة على فكرة أن الرأسمالية قد استنفدت نفسها بشكل كامل على الصعيد العالمي، إلى درجة أنها غير قادرة حتى على تنفيذ مهام الثورة الديمقراطية البرجوازية في البلدان المتخلفة.

من جهة أخرى، اعتقد ماركس وإنجلز أن الثورة الاشتراكية سوف تبدأ في فرنسا، وتستمر في ألمانيا، وتُختتم في إنكلترا. في ذلك الوقت لم تكن الطبقة العاملة موجودة سوى في تلك البلدان. لكن هذا الوضع، بعد وفاة ماركس وإنجلز، تغيّر جذريًا، حيث ظهرت الإمبريالية بصفتها أعلى مراحل الرأسمالية. أوضح لينين أن أحد أهم سمات الإمبريالية هو تصدير رأس المال المالي إلى المستعمرات وشبه المستعمرات. هذا رأس المال خلق طبقة عاملة، والتي رغم صغر حجمها، إلا أنها شديدة الكفاحية وتمسك بزمام الأمور في أكثر قطاعات الاقتصاد حيوية. إلا أن نشوء هذه الطبقة لا يغيّر شيئًا من طابع هذه البلدان بوصفها متخلفة وشبه إقطاعية.

تشمل الثورة الدائمة قضية الانتقال من الثورة الديمقراطية إلى الثورة الاشتراكية، وهنا تكمن الفكرة الرئيسية في هذه النظرية. بينما يقول الرأي الانتهازي إن الطريق إلى الاشتراكية يمكن أن يمر من خلال مرحلة ديمقراطية برجوازية طويلة، أكدت نظرية الثورة الدائمة أن الطريق إلى الاشتراكية في البلدان المتخلفة لا يمكن أن يمر إلا من خلال الديمقراطية العمالية. كما أكدت نظرية الثورة الدائمة على الطابع الأممي للثورة الاشتراكية، كون هذا الطابع ليس مفهومًا مجردًا، بل هو انعكاس نظري وسياسي لطبيعة الاقتصاد العالمي، ولتطور قوى الإنتاج، وللصراع الطبقي على الصعيد العالمي.

في نظام ديمقراطية عمالية معزول، لا بد أن تنمو التناقضات الداخلية والخارجية، إلى جانب الانتصارات التي يجري تحقيقها. وإذا بقيت الدولة العمالية معزولة، فلا بد في النهاية أن تقع ضحية لهذه التناقضات. لذلك لا بد أن يتبع بناء الدولة العمالية عملٌ حثيث على تصدير الثورة إلى الخارج، حتى لا يتم عزلها كما حصل في الاتحاد السوفياتي، عندما صعدت البيروقراطية الستالينية وأجهزت على منجزات الثورة البلشفية. إن الثورة الأممية عملية دائمة، بالرغم من الانتكاسات والانحسارات الآنية. لذلك نقولها وبالصوت العالي:

يا عمّال الشرق وثوريي الشرق، ليكن شعاركم: الثورة الدائمة.

الديمقراطية العمالية ضد الديمقراطية البرجوازية

يتحدث الجميع عن الديمقراطية، لكن وحدهم الماركسيون يسألون: لصالح أي طبقة هذه الديمقراطية؟ تؤكد نظرية الثورة الدائمة أن التغيير الحقيقي والجذري في المجتمع لا يمكن أن يتم إلا بالمشاركة النشطة للجماهير، وبوحدة جميع الفئات الثورية تحت قيادة العمال. إن المشاركة النشطة للجماهير لا يمكن أن تضمنها الديمقراطية البرجوازية، أي البرلمانية.

تعني الديمقراطية البرلمانية أن تنشط الجماهير نصف ساعة لانتخاب أفراد الطبقة السائدة الذين سوف يمارسون القمع عليهم خلال السنوات البرلمانية الخمس القادمة. أمعنوا النظر فقط في بلدان برلمانية مثل ألمانيا وفرنسا وغيرها؛ سترون أن عمل الدولة الحقيقي يجري وراء الكواليس، وتنفذه مجالس إدارة الشركات الكبرى وهيئات الأركان، أما في البرلمان فيكتفون بالنقاشات الفارغة التي تهدف إلى خداع الجماهير. طبعًا، هذا هو الحال في الدول البرلمانية “الأصيلة”. أما إذا نظرنا إلى مصر وتونس، حيث توجد طبقة برجوازية ضعيفة أصلًا، فما كانت نتائج النظام البرلماني؟ تعميق فقر الفقراء وتعظيم ثروة الأثرياء.

سيقول لنا البعض إن هذا حلم طوباوي. نقول لهم: لكن هذا قد حصل فعلًا في السنوات الأولى بعد الثورة البلشفية. فقد نصّ البرنامج الذي وُضع على أساس تجربة كومونة باريس على الشروط الأساسية، ليس للاشتراكية أو الشيوعية، بل للفترة التي تلي الثورة مباشرة، أي الفترة الانتقالية بين الرأسمالية والاشتراكية، والمتمثلة بالديمقراطية العمالية، وهي:

  1.  انتخابات حرة وديمقراطية، مع الحق في عزل جميع المسؤولين.
  2.   لا يحق لأي مسؤول تقاضي أجر أعلى من أجر عاملٍ مؤهّل.
  3.  لا جيش دائم، بل الشعب المسلّح.
  4.  يجب تدريجيًا أن تتم جميع مهام تسيير الدولة من قبل جميع العمال بالتناوب؛ فعندما يصبح الجميع بيروقراطيين بالتناوب، لا أحد يكون بيروقراطيًا.

هذا برنامج أساسي للديمقراطية العمالية، وهو موجّه بشكل مباشر ضد خطر البيروقراطية، وقد شكّل بدوره أساس برنامج الحزب البلشفي عام 1919. وبعبارة أخرى، وعلى عكس ما يزعم أعداء الاشتراكية، كانت روسيا في عهد لينين وتروتسكي من أكثر الأنظمة ديمقراطية في التاريخ.

البرنامج الانتقالي

الستالينيون ومدّعو التروتسكية، الذين رفعوا شعارات الديمقراطية البرجوازية بشكلها المجرّد، يبيعون الجماهير وهمًا كبيرًا. هذا الوهم هو أنه يمكن أن تكون هناك ديمقراطية إذا ما استمرت البرجوازية في السلطة، أو أنه يمكن الوصول إلى الاشتراكية عبر سلوك طريق الديمقراطية البرجوازية. إن هذا الكلام محض هراء. إن كان للديمقراطية أي معنى، فيجب أن تعني نقل السلطة إلى الأغلبية الساحقة من الناس، أي إلى العمال والفلاحين الفقراء، وهذا لا يمكن أن يتم إلا عن طريق ثورة اشتراكية، وليس عبر ديمقراطية برجوازية. لكننا لسنا عصبويين ولا نمانع أن تُستَخدم تكتيكياً هذه الديمقراطية لكشف حدودها وحشد الجماهير ضمن صراع مستقل عن طريق برنامج انتقالي واضح. 

ظهر البرنامج الانتقالي نتيجة التناقض ما بين نضج الظروف الموضوعية للثورة الاشتراكية وعدم نضج الوعي الطبقي لدى البروليتاريا وطليعتها. فالحل لا يكون بالإبقاء على الوعي الذي تريد البرجوازية المحافظة عليه، كما يفعل المطالبون بالديمقراطية البرلمانية بحجة التواجد بين الجماهير، بل بالعمل على رفع الوعي بضرورة إنجاز التحول الاشتراكي.

لكن كيف يمكن إقناع الجماهير بضرورة التحول الاشتراكي؟ إن الثورة الاشتراكية لا يمكن أن تتحقّق بفعل أقلية صغيرة، بل لا يمكن إنجازها إلا بواسطة الجماهير نفسها. كيف يمكن للقوى الصغيرة الممثِّلة للماركسية الثورية أن تكسب الجماهير؟ وكيف يمكننا الانتقال من «أ» إلى «ب»؟ هنا يمكننا القول إن المطالبة بالاشتراكية سوف تزداد بقدر ما يدرك العمال والفلاحون أن احتياجاتهم الأساسية لن تُلبّى ما دامت الأرض والبنوك والصناعات الكبرى في أيدي أقلية صغيرة من الطفيليين الأثرياء، وهذا ما يجب أن يتم عن طريق البرنامج الانتقالي.

العبرة ليست بالمطالب نفسها، بل بالوعي الطبقي الذي سوف يترتّب عليها. إن تحقيق هذه المطالب سوف يتطلّب نضالًا، وانطلاقًا من هذا النضال سوف تفهم الجماهير أنه، بغضّ النظر عن ماهية النجاحات الفورية التي قد تنتج عنه، لا بديل عن توسيع هذه المطالب وصولًا إلى تصفية العبودية الرأسمالية. أي أن مهمة هذه المطالب هي وضع الجماهير أمام قناعة راسخة بأنه لا يمكن إصلاح النظام الرأسمالي، وبالتالي فإن ضرورة التحول الاشتراكي سوف تعبّر عن نفسها من خلال المطالب اليومية للجماهير المسحوقة.

وهذا بدوره هو ما يشكّل الجوهر الأساسي للمطلب الانتقالي: ليس محتواه الذي يبدو ثوريًا بشكل خاص، بل كونه يساعد العمال عمليًا وأيديولوجيًا على استخلاص استنتاجات ثورية بأنفسهم.

الدولة إما بيد العمال أو ضدهم

إن مفهوم الدولة لدى الماركسيين شُرح ببراعة في كتاب لينين “الدولة والثورة”. انطلق لينين من كتابات فريدريك إنجلز، الذي كان يسعى بقوة إلى لفت انتباه العمال الواعين طبقيًا إلى ما يبدو، من وجهة نظر التافهين ضيّقي الأفق، أقلَّ الأمور مدعاةً للانتباه. لقد أوضح لينين، ومن قبله إنجلز، أنه في ظل الدولة البرجوازية يكون الجيش والأمن والشرطة و البيروقراطية الدائمون الأداةَ الرئيسية لقمع العمال والفلاحين الفقراء والطلاب وباقي الفئات الثورية.

عندما يسأل أحد المواطنين الفقراء عن ضرورة وجود فصائل خاصة من الرجال المسلحين تُوضَع فوق المجتمع وتنسلخ عنه، يأتيه الرد من الليبراليين أو الإصلاحيين العاجزين عن أي إصلاح، وحتى من بعض من يسمّون أنفسهم شيوعيين، بأن السبب هو تعقّد الحياة الاجتماعية، وضرورة تحقيق الأمن والأمان، والدفاع عن الوطن.

مثل هذا التفسير ليس سوى تخدير، لأنه يطمس الحقيقة الهامة والأساسية، وهي أن المجتمع منقسم إلى طبقات متناقضة لا يمكن التوفيق بينها. وبالتالي فإن صيغة الدولة التي يمكن أن تضمن حقوق الأكثرية في المجتمع، وهم الفقراء، هي فقط الدولة العمالية. وعليه، نحن نرفض ما يدعو إليه هؤلاء الذين يسمّون أنفسهم شيوعيين، والذين يطالبون بإصلاح الدولة البرجوازية بعبارات رنّانة مثل «محاربة الفساد» أو «إصلاح الأجهزة الأمنية والجيش». فالدولة البرجوازية هي أداة للحفاظ على السيطرة الطبقية للبرجوازية، ولا يمكن القضاء على هذه السيطرة ما لم يتم القضاء على الدولة البرجوازية بالعنف الثوري المنظم.

المركزية الديمقراطية و استقلال الخط السياسي

إيسكرا منظمة ممولة ذاتيًا أو من تبرعات الداعمين لخطّنا السياسي، ويُمنع استقبال أي تمويل آخر حفاظًا على استقلالية العمل السياسي والوضوح الإيديولوجي. إن المركزية الديمقراطية هي الوسيلة الأمثل للقدرة على البقاء. والمركزية الديمقراطية، في العديد من الأحيان، توازنٌ هشّ يجب الموازنة بين نقيضيه بحسب الظروف الذاتية والموضوعية. فأي تمدّد للديمقراطية على حساب المركزية سيؤدي إلى الوقوع في فخّ التشتت والانتهازية، وأي تمدّد للمركزية على حساب الديمقراطية سيؤدي إلى الوقوع في فخّ البيروقراطية.

تضمن المركزية الديمقراطية أعلى درجات الديمقراطية في النقاشات الداخلية حينما يتعلّق الأمر بتحديد الخط السياسي. لكن عندما يتم اعتماد هذا الخط بالأكثرية، فعلى جميع الكوادر الالتزام به، حتى الذين لا يتوافقون معه، مع إمكانية فتح المجال للنقاشات الداخلية والاعتراض حتى بعد الإقرار. وباختصار: من حدود المنظمة إلى الداخل ديمقراطية، ومن حدود المنظمة إلى الخارج مركزية.

إن ضمان هذه الصيغة ليس بالأمر السهل. لذلك يجب العمل، ومنذ البداية، على تحرير المركزية الديمقراطية من أسلوب عمل الحلقات الصغرى قدر الإمكان، واتخاذ تدابير مستقبلية تمنع تحوّل الجهاز التنظيمي إلى جهاز بيروقراطي. ويتطلّب هذا، على سبيل المثال، عدم وجود متفرغين لفترات طويلة. إن وجود رفاق أو رفيقات متفرغين بشكل دائم يخلق فئة بيروقراطية داخل التنظيم، تقف حاجزًا بوجه القنوات من الأسفل إلى الأعلى، وفي الوقت نفسه تلعب دورًا في ترسيخ هيمنة القنوات من الأعلى إلى الأسفل.

من جهة أخرى، فإن ممارسة المركزية الديمقراطية لها شروطها. لا يمكن لأي شخص يدخل إيسكرا أن يمتلك حق التصويت مباشرة. لقد ركّز لينين في كتابه “خطوة إلى الأمام، خطوتان إلى الوراء” على أهمية بناء حزب الكوادر من الأعلى إلى الأسفل. وما نقصده هنا بالأعلى إلى الأسفل ليس بالشكل الميكانيكي، بل إن البناء يبدأ من نواة واعية ومنضبطة، ثم يتوسع تحت رقابة سياسية وتنظيمية صارمة، يلي ذلك الوصول إلى حق الممارسة الديمقراطية داخل إيسكرا، عبر التصويت—مثل التصويت على المنظورات والخط السياسي، وانتخاب الهيئات القيادية من القاعدة.

يتطلّب هذا، وقبل كل شيء، المرور بفترة من التصليب النظري يجب على كل رفيق/ة الالتزام بها والتعامل معها بجدية. عندها نضمن أننا، إن اتفقنا، سوف نتفق على الأساس النظري نفسه، وإن اختلفنا، سوف نختلف على الأساس النظري نفسه. فلا ديمقراطية بلا قاعدة نظرية مشتركة.

 إيسكرا من أجل فيدرالية اشتراكية شرق أوسطية 

نحن نناضل من أجل حق جميع العمال والفلاحين الفقراء والشباب، بجميع انتماءاتهم، في العيش الكريم. إن جميع وصفات الحل في ظل الرأسمالية وتحت الهيمنة الإمبريالية لن تحلّ أيًّا من المشاكل التي تعانيها الجماهير الفلسطينية والكردية وباقي الأقليات الدينية. نحن ندعم حق تقرير المصير، حتى ولو عن طريق الاستقلال، لجميع الشعوب والجماعات المظلومة، بصفته الضامن الوحيد لوحدة العمال. لكن، وخلال دعمنا لحق تقرير المصير هذا، نؤكد أنه لا تقرير مصير على أساس رأسمالي.

بالنسبة للشعب الفلسطيني، لن يكون حل الدولتين مجديًا. لا يمكن أن يوجد حل بوجود دولة رأسمالية فلسطينية ضعيفة إلى جانب دولة رأسمالية إسرائيلية قوية. ومن جهة أخرى، لا يكمن الحل أيضًا في كفاح مسلح معزول عن الجماهير. كما أن أساليب النضال المعتمدة على ما يسميه الماركسيون الإرهاب الفردي (التفجيرات، الاغتيالات ضد الأفراد، الاختطافات، تحويل مسار الطائرات، العمليات الانتحارية… إلخ) هي أساليب خاطئة، ولا يمكنها مطلقًا أن تؤدي إلى قلب السيطرة الصهيونية على الفلسطينيين، بل على العكس تمامًا. وحدها انتفاضة الجماهير المسلحة، المنظمة والمقادة من طرف لجان منتخبة ديمقراطيًا وتحت رقابة العمال وجماهير الفقراء الفلسطينيين، هي الطريقة الأكثر ملاءمة. ليس هناك من خلاص ممكن للجماهير الفلسطينية سوى الثورة الاشتراكية.

وكذلك الأمر بالنسبة للشعب الكردي. فإن الحفاظ على الحقوق الثقافية واللغوية المكتسبة يتطلب تجاوز حدود الرأسمالية باتجاه الاشتراكية. إنجاز التحول الاشتراكي هو الضامن الوحيد للحفاظ على الحقوق الديمقراطية للجماهير الكردية، وإلا فإن الهمجية ستعود لتضرب بين الفينة والأخرى، وربما تكون إحدى الضربات ضربة قاضية. لا حلول في إدارات ذاتية وأقاليم قائمة على أسس رأسمالية. لا يمكن أن تعزلوا أنفسكم في بيوت من زجاج. طالما أن النظام الرأسمالي قائم في المنطقة، فإن أحجار الهمجية ستحطم هذا المنزل عاجلًا أم آجلًا.

وكذلك الأمر بالنسبة للأقليات الدينية. لا حلول على أسس رأسمالية. ولإحراز النصر، يجب أن ترفرف راياتكم إلى جانب راية الاشتراكية الأممية الحمراء.

تحرر النساء 

تعاني العاملات والفلاحات الفقيرات في المجتمعات الطبقية من اضطهاد مزدوج: اضطهاد في عملهن من قبل مالكي وسائل الإنتاج لأنهن عاملات أو فلاحات ونساء، واضطهاد خارج العمل من قبل المجتمعات البطريركية لأنهن نساء. لقد قررت الكثير من النساء النضال ضد هذا الاضطهاد، فاتجهن إلى المنظمات النسوية، وهناك انتهى بهن المطاف إما بالإحباط، أو بالسير في طريق الانتهازية، أو بالبحث عن بديل ثوري حقيقي.

لكن ما هي المنظمات النسوية؟ لا يوجد تعريف واضح للنسوية، لذلك عندما نتحدث عن المنظمات النسوية فإننا لا نعرّفها بما تقول عن نفسها، بل بما هي عليه فعليًا: أي منظمات لا تملك نظرة صحيحة للسبب الحقيقي لاضطهاد المرأة، ولا أسلوبًا صحيحًا للنضال ضد أسباب هذا الاضطهاد.

لذلك، نحن في إيسكرا علينا أن نرسّم الحدود بشكل واضح بيننا وبين النسوية. ليس لأننا ضد تحرر المرأة، بل على العكس تمامًا، لأن النضال من أجل تحرر المرأة هو في صلب برنامجنا. ونرى أن حتى أفضل أشكال المنظمات النسوية لا تؤدي إلا إلى الارتباك، وإلى خلق شعور زائف بالوحدة العابرة للطبقات.

إن هذا الترسيم ضروري حتى لا نخلق جسرًا تتسلل عبره أفكار البرجوازية الصغيرة والمثالية الفلسفية إلى صفوف إيسكرا. نحن على يقين أن هذه المنظمات تحتوي في قواعدها على العديد من المناضلات النزيهات اللواتي يرغبن فعلاً بإحداث تغيير جذري في وضع النساء. إلى هؤلاء المناضلات نتوجه منذ الآن ونقول: دعونا نخوض معاً نضالاً مشتركاً قائماً على أساس طبقي و ليس جندري. هذه هو الطريق الوحيد للتحرر الكامل للمرأة. 

بالنسبة لبعض النسويات، فإن جذر المشكلة هو النظام البطريركي. صحيح أن النظام البطريركي يسبب اضطهاد المرأة، لكن ما هو جذر النظام البطريركي؟ إنه، بكل بساطة، النظام الطبقي. فالنظام البطريركي لم يكن حالة دائمة في تاريخ البشرية. قبل ظهور المجتمعات الطبقية،كانت المجتمعات تسلك خط الأمومة ضمن نظام القرابة السائد آنذاك و كان للمرأة نفس وزن الرجل في المجتمع إذا لم يكن أكبر. هذا النوع من النسوية يظن أنه يمكن، بطريقة ما، القضاء على اضطهاد النساء قبل القضاء على السبب الجذري لهذا الاضطهاد، أي الرأسمالية والمجتمع الطبقي بشكل عام.

وبالنسبة لقسم آخر من النسويات، فإنهنّ يرَين المشكلة متأصلة في الرجل بصفته ذكرًا. هذا القسم لا يحتاج وقتًا طويلًا لإدراك محدودية هذا التفسير، كونه لا يملك أي أفق للحل. وهناك قسم من النسويات يطلقن على أنفسهن «ماركسيات نسويات». لقد أدركن الأساس الطبقي لاضطهاد المرأة، لكنهن فشلن في النضال ضد هذا الاضطهاد لأنهن عزلن أنفسهن عن رجال الطبقة العاملة عبر تشكيل منظمات منفصلة.

بالنسبة لنا في إيسكرا، فإن التحرر الكامل للنساء لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال ثورة اجتماعية تقضي على الاستغلال الذي يقوم عليه اضطهاد المرأة. هذا لا يعني أننا نرفض الإصلاحات أو أي تحسين في وضع المرأة. على العكس، فإن أي تحسّن في أوضاع الطبقة العاملة، سواء للنساء أو للرجال، هو موضع دعم من قبلنا. لكننا نعرف تمامًا أن الإصلاحات التي تُمنح باليد اليسرى ستسحبها الطبقة السائدة باليد اليمنى. لذلك، لا حلول جذرية لاضطهاد المرأة إلا بالقضاء على النظام الطبقي.

وبالنسبة لنا، فإن الشرط المسبق لخوض نضال ناجح من أجل تحرر المرأة هو وحدة العمال والعاملات. نحن ننظر إلى المجتمع ونضالاته من وجهة نظر طبقية، لا من وجهة نظر جندرية. في النهاية، المرأة البرجوازية تنتمي إلى طبقتها لا إلى جنسها، وستكون أول من يساهم في قمع العاملات والفلاحات والشابات الكادحات الساعيات إلى مستقبل أفضل.
لا اشتراكية من دون تحرر المرأة، ولا تحرر للمرأة من دون اشتراكية.

منظمات العمل المدني

تلعب منظمات العمل المدني والمنظمات غير الحكومية، بصفتها أداةً لترويج المنظومة الرأسمالية، دورًا خطيرًا في تقويض الديمقراطية العمالية. تقوم هذه المنظمات والتيارات بربط شعوب بلداننا بصنّاع القرار في الدول الغربية، ضمن صيغة تُبقي أي حركة سياسية أو اجتماعية في المنطقة داخل المسار المحدَّد لها من قبل الدول الرأسمالية، والذي سيحافظ، بطبيعة الحال، على تبعية شعوب المنطقة لهذه المنظومة العالمية. نحن هنا لا نتحدث عن الفعاليات المتواضعة التي يقوم بها العديد من الشابات و الشبان النزيهين الذين يليون واجبهم الأخلاقي اتجاه المحتاجين. نحن نتحدث عن المنظمات الممولة من قبل رأس المال العالمي.  

يستخدم هؤلاء خطابًا شعبويًا ضبابيًا، إلى جانب مصادر تمويلهم، لتوجيه الشارع نحو إجراء إصلاحات سياسية–قانونية فقط، وليس نحو تغيير اقتصادي–اجتماعي جذري على مستوى البنية التحتية. ففي حين قد تبدو هذه المنظمات ذات صبغة «تقدمية» خلال فترات المدّ الثوري وتقدّم النضالات الشعبية، تتحوّل منظمات العمل المدني والمنظمات غير الحكومية إلى ما يشبه بوليصة تأمين، تضمن للرأسمالية عدم صعود أي بديل يعبّر عن مصالح الطبقات المسحوقة.

انضموا إلى إيسكرا

ناضلوا معنا من أجل القيادة الثورية في شمال افريقيا و الشرق الأوسط

يا عمال العالم اتحدوا