02/11/2026
 إيسكرا / Iskra

الماركسية و تحرر النساء

Web Cover(4)(1)

في رسالته إلى كوجلمان بتاريخ 12  كانون الأول/ ديسمبر 1868 كتب كارل ماركس ما يلي: 

كل من يعرف شيئًا عن التاريخ يدرك أن التحولات الاجتماعية الكبرى مستحيلة من دون ذلك الحراك الذي تُحدثه النساء. ويمكن قياس التقدم الاجتماعي بدقة من خلال المكانة الاجتماعية للجنس اللطيف

لا تتوقف مشاكل النساء عند باب المصنع أو مكان العمل بل تمتد لتصل إلى المنزل وغرفة النوم أيضاً. تعيش النساء في العالم بشكل عام و المنطقة بشكل خاص اضطهاداً مزدوجاً في ظل النظام الرأسمالي. لأنهن عاملات و لأنهن نساء. أما في الشرق الأوسط و شمال أفريقيا فقد وصلت أزمات النساء إلى مستوى أزمات وجودية. في شهر تموز / يوليو من عام 2026 هزت أحد سجون الديوانية حادثة يندى لها الجبين عندما اعتدى ضابط برتبة نقيب و ثلاثة منتسبين في مركز شرطة حي النهضة على سجينة تبلغ من العمر 26 عاماً بعد أن قاموا بفصل الكاميرات لمدة ثلاث ساعات تناوبوا خلالها على اغتصابها. 

في العراق أيضاً فقدت المناضلة ينار محمد حياتها بعد اغتيالها على يد القوى الظلامية. وقد اضطلعت ينار محمد بمهام، أهمها إنشاء ملاجئ آمنة للنساء المهددات بالعنف الأسري وما يسمى بجرائم الشرف، ومكافحة الاتجار بالشابات وحمايتهن من العبودية الجنسية أو الدعارة وكانت على دراية مسبقة بالواقع المزري للسجينات في العراق لذلك أجرت ينار أيضًا مقابلات مع 200 سجينة، وأطلعت الحكومة على ظروفهن السيئة، وقد نجحت جهودها في إنقاذ سيدة من حكم الإعدام. وكان عمل المنظمة بالنسبة إلى ينار سلسلة من الكفاح المتواصل، حيث عزت العنف ضد المرأة إلى تواجد القوات الأمريكية التي تسمح للعنف الطائفي بالازدهار.

 أما في سوريا فحدّث ولا حرج. في 10 آب / أغسطس 2026 لقيت الفتاة رغد العنداري (21 عاماً) حتفها على يد والدها في محافظة السويداء السورية. سبب الجريمة هو أن رغد وقفت إلى جانب والدتها التي قررت ترك المنزل بعد تعرضها للتعنيف الجسدي و اللفظي من قبل زوجها. القاتل ما زال مختبئاً و مصادر محلية أكدت أنه مختبئ لدى عناصر من الحرس الوطني التابع لمشروع حكمت الهجري.

 بالتوازي مع غياب القاتل تم الترويج لشائعات بأنه مصاب باضطرابات نفسية و هي إشاعات جرت العادة أن تنتشر كخطوة استباقية لتبرئة المتهم من جريمته. هذه الشائعات نفتها والدة الضحية و أكدت أن زوجها لا يعاني من أي اضطرابات فقد كان يتحدث بشكل بليغ و متوازن في المناسبات الاجتماعية و أكدت أن كل هذه الإشاعات محاولات لإخراج قاتل ابنتها من دائرة العقاب. ليس فقط في الديوانية العراقية و إنما أيضاً في السويداء السورية: عدو المرأة هو نظام طبقي بأكمله و ليس فقط مجرم أو مجموعة من المجرمين. 

أما باقي أنحاء سوريا و التي تقع تحت سلطة الجولاني فحدّث ولا حرج. في شهر آب / أغسطس وخلال أسبوع فقط تم الإعلان عن اختفاء خمس فتيات. شهد الجاسم (11 عاماً) غائبة عن منزلها في مدينة سقبا بريف دمشق منذ 12 يوماً. لانا شاملة (14 عاماً) اختفت قرب ناحية الصليبة أثناء توجهها لدرس خصوصي. 

أما آلاء تركماني (30 عاماً) فقد اختفت أيضاً عقب خروجها من درس خصوصي في حي الخالدية بحمص دون أي أخبار عنها. كل هذا يجري تحت أعين نظام الجولاني لا بل و بمشاركة عناصره الذين اعتادوا على خطف الفتيات العلويات و من ثم عرض فيديو تظهر فيه الفتاة وهي تقول إنها هربت مع خاطفها لأنها تحبه. 

طرحنا أمثلة من سوريا و العراق إلا أن هذا الواقع يمكن إسقاطه على المنطقة بأكملها من إيران حتى المغرب. 

 إحدى الفتيات المتعاطفات مع ضحية سجن الديوانية في العراق كتبت تعليقاً على الخبر قالت فيه:

 و بعدين يقولو لك النسوية تدمر المجتمع… و هي اصلا تحمي النساء من هيك شي هنيئا لكل بنت نسويه

هذه ردود أفعال عفوية وطبيعية على مثل هكذا جرائم شنيعة تحدث بحق النساء كل يوم. يقف الماركسيون و بكل حزم ضد كل أشكال اضطهاد المرأة ويجب عدم التقليل من هذا العنف أو تجاهله تحت حجة وحدة رجال و نساء الطبقة العاملة أو تحت حجة حماية الحزب الثوري من عمليات مفتعلة من قبل أجهزة الدولة. لكن من جهة أخرى نحن الماركسيون لا ننظر إلى الأمور من منظور عاطفي. 

يجب أيضاً الإشارة بصراحة إلى الأزمة التي تعاني منها الحركة النسوية على المستوى العالمي بشكل عام و المنطقة بشكل خاص.  فقط بنظرة سريعة إلى الإحصائيات نجد أنه يوجد الكثير من التناقضات التي يجب الوقوف عندها إذا ما أردنا فعلاً تحقيق حلول جذرية لإيقاف العنف ضد المرأة. 

في بودكاست مساحة الصادر بتاريخ 21 تشرين الأول / أكتوبر 2019 ذكرت إحدى الناشطات النسويات أن الحركة النسوية في المنطقة حققت إنجازات كبيرة في مجال حقوق النساء. إلا أن الأرقام الرسمية تعكس واقعاً مختلفاً.  أصدرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة تقريرها عن نشاطها في المنطقة العربية حيث ذكر التقرير أن أنشطتها وصلت بين عامي 2009 و 2019 إلى 35700 مستفيدة ومستفيد مباشرين وكانت نفقات الأمم المتحدة للمرأة في المنطقة العربية لوحدها لعام 2025 فقط أكثر من 57 مليون دولار أمريكي. 

ومع ذلك نجد أن العنف ضد المرأة يزداد بشكل مضطرد. حيث وضحت بيانات مأخوذة من أكثر من مصدر أن العنف خلال آخر 12 شهر في شمال أفريقيا و الشرق الأوسط  قد ارتفع من 13 % في عام 2018 إلى 15.8% في عام 2023. 

لماذا يستمر إذن تدهور أحوال النساء في شمال أفريقيا و الشرق الأوسط رغم كل هذه الأموال الهائلة و العدد المتزايد للمنظمات النسوية؟ هذا السؤال لا تستطيع الأرقام والإحصائيات الإجابة عنه. نحن بحاجة إلى إلقاء نظرة أعمق لفهم أصل اضطهاد المرأة وكيف نواجهه.  

الرأسمالية و اضطهاد المرأة 

إن شكل العائلة الأبوي هذا ليس ابتكاراً رأسمالياً بل هو شكل عائلة ورثته الرأسمالية عن عصور سابقة و قامت بصياغته وفق مصالحها. كتب ماركس في كتابه رأس المال:

شكل عمل النساء و الأطفال أو شيء بحث عنه الرأسماليون الذين استخدموا الآلات. هذه البدائل للعمل و العمال تحولت فوراً إلى وسائل من أجل زيادة عدد العمال الذين يتقاضون أجر من خلال دمج جميع أعضاء أسرة العامل تحت السيطرة المباشرة للرأسمال دون أي تمييز من حيث السن والجنس”. تنظر الرأسمالية إلى النساء بصفتهن مصدراً سهلاً للحصول على عمالة منخفضة الأجر و كجزء من الجيش الاحتياطي الذي يشكله العاطلون عن العمل و الذي تستخدمه الرأسمالية للضغط على من هم على رأس عملهم كي لا يطالبوا بالمزيد من المزايا.

بطبيعة الحال شكل دخول النساء إلى سوق العمل نقلة تقدمية هامة للنساء لأن خروج النساء من الحدود الضيقة للمنزل و الأسرة الأبوية يتيح لهن الانتماء إلى مفهوم أوسع بكثير ألا وهو الطبقة العاملة و يحررهن من هيكلية العائلة الأبوية وهذا ما يشكل بطبيعة الحال شرطاً مسبقاً لتحرر النساء من حدود هذه العائلة. 

أما الآن وقد وصلت الرأسمالية إلى مرحلة تعفنها أصبحنا نرى الهجوم على الطبقة بشكل عام و النساء بشكل خاص. تعاني النساء بشدة في إيجاد العمل، وفي العمل يتعرضن للتمييز و للابتزاز و في أوقات التراجع فإن النساء أول من يتعرضن للتسريح من أجل التهرب من التعويضات مثل إجازات الأمومة لذلك يتم رميهن من جديد في وضع العبودية تحت اسم العائلة.  

دور الطبقة العاملة

احتجاجات النساء أصبحت تتصاعد بشكل كبير. لكن حتى الآن ما زالت هذه الاحتجاجات في طور يمكن القول عنه بأنه عفوي و غير مسلح ببرنامج قادر على الذهاب بعيداً بهذه الاحتجاجات. بعد كل موجة نسوية نشهد صعود قوى جديدة تطرح برامج جديدة و تقدّم نفسها بكل جرأة على أنها تمتلك الحل الذي سوف يتلافى مشاكل الماضي. لكن كل هذه الطروحات ما زالت تنحصر ضمن قناعة مفادها أن التغيير  يمكن أن يحصل عن طريق حركة نسوية منظمة مستقلة بعيداً عن الطبقة العاملة و أحزابها. بطبيعة الحال هذا طرح أثبت التاريخ أنه غير ممكن.

 ليس فقط ضمن سياق حقوق المرأة. الحركات الطلابية التي لم تستطع استقطاب الطبقة العاملة بقيت مسدودة الأفق. حتى العمل النقابي الذي يصر على عزل نفسه عن العمل السياسي و الأحزاب العمالية الجماهيرية و انحصر بالمطالب الاقتصادية فقط، لم يستطع، حتى عند طرح أكثر المطالب جذرية، أن يحقق إلا مكاسب للعمال يتم الآن سحبها واحدة تلو الأخرى من قبل الرأسماليين أمام أعين القيادات النقابية.

يسعى النظام الرأسمالي إلى الإبقاء على النساء غير مباليات سياسياً ومن دون تنظيم سياسي عمالي حقيقي. هكذا يستطيع أن يضمن هذا النظام إبقاء النساء بصفتهن قاعدة اجتماعية للرجعية. ويستخدم هذا النظام كل مؤسساته الدينية و التعليمية و القضائية و الصحافية للحفاظ على هذا الوضع. لكن الأزمة الرأسمالية تزداد تعمقاً.

 ومع تعمقها، تزداد الهجمات المتواصلة على النساء و هذا ما سوف يدفع بالمزيد منهن بطريق الثورة. إيران على سبيل المثال فقد شكلت انتفاضات النساء فيها منارة للملايين حول العالم. 

وحدها الطبقة العاملة هي القادرة على إيلام الرأسماليين و إيقاف هجومهم على العمال بشكل عام و العاملات بشكل خاص. هذا واقع بديهي. لا يمكن لأي رأسمالي أن يحقق الأرباح إن أيقن العمال مقدار ما يملكون من طاقة. يجب ربط نضالات النساء بنضالات الطبقة العاملة كون أن المساواة و عدم التمييز لا يمكن للأطر القانونية أن تضمنها بشكل ثابت.    

حركة تحرر النساء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتطلب الآن و أكثر من أي وقت مضى النضال ليس فقط من أجل الحقوق القانونية، بل من أجل ربطها بالحقوق الاقتصادية. وهذا لا يمكن أن يتم إلا عن طريق برنامج ماركسي ينطلق من المطالب اليومية ويسير خطوة بخطوة باتجاه استيلاء الطبقة العاملة برجالها و نسائها على السلطة. 

إن استمرار الحديث عن الأمور القانونية و الثقافية فقط دون أي ربط طبقي لنضال النساء أدى إلى عزل الحركات النسوية في شمال أفريقيا و الشرق الأوسط عن المجتمع لأنها بكل بساطة انفصلت عن الواقع الموجود في المنطقة فعلاً. هذا الواقع الذي وضحته العديد من نتائج الاستبيانات التي أُجريت في بلدان المنطقة. 

الموجة الخامسة من الاستبيانات التي أجراها الباروميتر العربي أوضحت أن أكثر من نصف النساء في 10 بلدان من أصل 12 بلداً يعتقدن أن الرجال أفضل من النساء في المناصب السياسية و في 6 بلدان من أصل 12 يعتقدن أن الرجل يجب أن يكون صاحب القرار في المنزل. 

 في كتاب ” مأزق الشباب في الشرق الأوسط و شمال أفريقيا” وهو مشروع مولته مؤسسة فريدريش إيبرت بالاشتراك مع جامعة لايبزيغ عُرضت نتائج استبيان حول الكثير من القضايا التي تخص الشباب و النساء. فقد كانت الإجابات على أحد بنود الاستبيان مفاجئة نوعاً ما. طرح الباحثون الفكرة التالية: ” لا يجب على النساء اللواتي يرتدين ملابس غير ملائمة الاشتكاء من التحرش الجنسي”. أظهرت النتائج أن الرجال و النساء و بغض النظر عن خلفياتهم التعليمية و الاجتماعية يتشاركون بالقدر نفسه ذهنية معادية للمرأة. 

ماذا يعني ذلك؟ هل نقف الآن أمام مجتمع متخلف غير قادر على التطور تقف فيه النساء ضد النساء؟ هذا هو الكلام الذي تريد الطبقة السائدة إقناعنا به. بالنهاية وحسب ماركس فإن الواقع هو الذي يحدد الوعي و ليس العكس. و الوعي يتطور بشكل ديالكتيكي بالتفاعل مع العامل الموضوعي.  إذا ما تابعنا بعرض نتائج استبيان الموجة الخامسة من الباروميتر العربي سوف نصل لنتائج هامة جداً تمكننا من تحديد نقطة البداية التي يمكن البناء عليها. 

الملفت للانتباه هو أن 79 بالمئة من الرجال و النساء القادرين على تغطية مصاريفهم الحياتية في موريتانيا صوّتوا دعماً لفكرة أن الرجال و النساء يجب أن يحصلوا على فرص عمل متساوية فيما اعتبر 59 بالمئة من غير القادرين على تغطية مصاريفهم الحياتية أنه لا يجب حصول ذلك. وقد لوحظ ذلك أيضاً في كل من لبنان و المغرب. يوضح هذا كيف أن الاستقرار الاقتصادي النسبي يمنح الأفراد مرونة فكرية واجتماعية أكبر، بينما يفرض العوز المادي قيوداً ضاغطة على الأفق الاجتماعي.

 لكن حتى في البلدان التي شهدت فيها الإجابات المؤيدة للمساواة نسباً أعلى بين غير القادرين على تأمين مصاريف حياتهم مثل تونس فالسبب الرئيسي وراء ذلك هو وحدة مصالح الرجال و النساء في القدرة على إيجاد عمل كون أن عمل الشريكين سوف يحسن من شروط الحياة. 

تؤكد هذه البيانات وجهة النظر الماركسية القائلة إن النضال من أجل العدالة الاجتماعية والمساواة لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن التحرر الاقتصادي. التغلب على التفاوتات الفكرية والمواقف المتحفظة تجاه المساواة يتطلب أولاً تفكيك أسباب الفقر والهشاشة الاقتصادية، وتوفير الأمان المادي الأساسي لجميع المواطنين باعتباره الشرط المادي الضروري لارتقاء الوعي المجتمعي وهذا نفسه ما ذكره ماركس قبل أكثر من 200 عام عندما قال: “ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل على العكس، وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم” و في نهاية المطاف فإن الصراع الطبقي والوعي الطبقي يمكن أن يؤدّيا إلى قفزات نوعية في فهم الواقع.  تحرر النساء بحاجة إلى حزب سياسي متسلح ببرنامج ثوري يجعل الحقوق القانونية و المدنية مرتبطة بالحقوق الاقتصادية و الحقوق الجندرية و جميعها مرتبطة بالصراع الطبقي. وهذا ما يتطلب بالضرورة أن تكون الطبقة العاملة هي الأساس الذي يقوم عليه نضال النساء. 

الحركة النسوية و تشعباتها

لا يمكن لأي شخص أن ينكر حالة عدم التجانس ضمن الحركة النسوية نفسها. حالة عدم التجانس هذه يتم استخدامها أحياناً لإبطال مفعول أي نقد موجه للحركة النسوية نفسها. التناقض و عدم التجانس الكبير الموجود ضمن الحركة النسوية ليس هو منطلق نقدنا أساساً وليس عائقاً يمنعنا من تقديم النقد. 

وجود آلاف المنظمات النسوية لا يمنع من تصنيفها. و هذا لا يمكن أن يتم إلا بربط هذه المنظمات بأساسها الطبقي.  يمكن القول أن الحركة النسوية في الغرب يسودها تياران بارزان. الحركة النسوية الليبرالية و التي ورغم تأثيرها على نسبة من النساء أصبحت بعيدة بشكل كبير عن معاناة النساء و طرق التعامل مع هذه المعاناة. و التيار الثاني هو من تسميه النسويات الليبراليات ب ” النسوية الراديكالية” و يسمين أنفسهن ” نسويات ماركسيات” أو ” نسويات اشتراكيات” و أكبر مشكلة عانى منها هذا التيار هي الانجراف مع عفوية الحركة و مطالبها و عدم تقديم أي نقد حقيقي للحركة النسوية. 

في كتابه نقد فلسفة الحق عن هيغل كتب ماركس ” أن تكون راديكالياً يعني أن تمسك الأمور من جذورها” وهذا ما لم تتمكن “النسويات الراديكاليات” من القيام به. الكثير من التيارات “النسوية الاشتراكية” تناولت قضية النظام الأبوي بشكل منفصل عن جذوره الطبقية أي بصفته نظاماً اجتماعياً منفصلاً عن النظام الرأسمالي وعند الانطلاق من فرضية خاطئة بالأساس سوف نسلك الطريق الخاطئ حتماً.  عندما نعتبر أن النظام الأبوي والرأسمالية نظامان منفصلان سوف نضع أنفسنا في مجموعة تكتيكات و استراتيجيات تفترض بأنه يمكن النضال ضد النظام الأبوي و العائلة البطركية من دون النضال ضد الرأسمالية. 

أما في شمال أفريقيا و الشرق الأوسط فإن أكبر ما تعانيه الحركة النسوية -التي هي بالأساس تتناهى للعدم -هي أنها استوردت أفكارها و تكتيكات نضالها من الحركات النسوية بالغرب و أسقطتها على المجتمعات في مناطقنا بشكل ميكانيكي. وبالتالي فقد تم استيراد الكثير من التكتيكات الخاطئة وتم إسقاطها بشكل خاطئ على واقع مختلف.  

النسوية الليبرالية سلكت طريق منظمات الأمم المتحدة بإقامة مشاريع قامت بتحسين حياة نسبة ضئيلة تتناهى للعدم من نساء المنطقة و بطبيعة الحال حسنت هذه المشاريع حياة النسويات الليبراليات أنفسهن. أما النسويات اليساريات فقد سلكن طريقاً أكثر قرباً من ” النسوية الراديكالية” في الغرب لذلك لم نشهد حتى الآن أي برنامج حقيقي يعالج فكرة اضطهاد النساء.

النسوية الاشتراكية

في حديثنا مع إحدى الرفيقات التي قدمنا لها نقدنا للحركة النسوية قالت بأن الحركة النسوية ليست متجانسة و يوجد هناك نسويات اشتراكيات يرغبن بتغيير الواقع. وللاطلاع أكثر على برنامج هذا التيار من النسوية أرسلت لنا حلقة من بودكاست مساحة الذي أشرنا إليه أعلاه.  دار الحديث في هذا البودكاست على عدة نقاط نتوافق مع بعضها ونختلف مع بعضها الآخر. 

في البداية جرت الإشارة بوضوح إلى الرأسمالية بوصفها نظاماً يضطهد الكثيرين. ثم تحدث البودكاست عن عمل الخادمات في المنطقة من حيث إذلال النساء المهاجرات و استغلالهن و انتحار عدد لا بأس به منهن و تسجيل الكثير من الممارسات الجنسية بحقهن وهذا ما نؤكد عليه بشدة وما عايشناه شخصياً. 

في رحلة لرفاقنا بين عمان و بيروت صعدت ما لا يقل عن 40 فتاة إثيوبية كن ذاهبات للعمل كخادمات في لبنان وجزء لا بأس منهن كن قاصرات و يجلسن على الأرض بالمطار ومنهن من لا يملكن حتى حذاء وكان الجو بارداً بشكل كبير. سمع رفاقنا العبارات العنصرية مباشرة في الطائرة عندما قال أحد الركاب ” هذه البلد لم تعد لنا بوجود هؤلاء”. 

بالعودة للبودكاست أضافت المتحدثة فيما بعد بأنه يتعين على الدولة توفير خدمات الرعاية الاجتماعية بشكل واسع النطاق وهذا ما نتفق معه أيضاً  لكن ما لم نفهمه هو البرنامج الذي يقترحونه لتحقيق ذلك. ليس كافياً الاعتراف بمعاناة النساء و الإشارة بأصابع الاتهام للرأسمالية. يجب أن نقدم صورة واضحة لأصل اضطهاد المرأة والبرنامج الجذري للتغيير. 

أتى البودكاست نفسه على ذكر جذر مشكلة اللامساواة بين الجنسين وجاء فيه ما يلي:

أوجه عدم المساواة بين الجنسين الذي نراه في المنزل والعمل جذورها موجودة في التمثيل الجندري للأدوار الإنتاجية و التناسلية. وهذا موجود في كل مكان باختلاف السياقات الاجتماعية و الثقافية و الاقتصادية….

….. كل منظومة العلاقات الاجتماعية هي منظومة قمعية وهي تأتي من النظام البطريركي الذكوري، زعزعة النظام الذكوري تبدأ بتغيير أدوار و مسؤوليات أعمال الرعاية…

كلمات تلخص لماذا وصلت الحركة النسوية إلى طريقها المسدود هذا. عندما نفشل بتحديد أصل اضطهاد النساء سوف نفشل بمواجهته وسوف يقتصر نضالنا على محاربة أمور هي في حد ذاتها نتائج وليست أسباباً للمشكلة الأساسية. تماماً كالطبيب الذي يخطئ بتشخيص المرض و يقوم فيما بعد بوصف أدوية التهاب لمريض السرطان. 

إن عدم المساواة بالتمثيل الجندري و النظام البطريركي في حد ذاتهما ليسا جذر المشكلة. جذر المشكلة يكمن في النظام الطبقي. العائلة الأبوية و النظام البطريركي ليسا حالة اجتماعية ثابتة قائمة منذ الأزل وتقف فوق المجتمع و التاريخ. بل هما تشكيل اجتماعي حديث العهد نشأ بنشوء فائض الإنتاج و الملكية الخاصة و الطبقة. في مجتمعات المشاعية البدائية كن النساء متساويات مع الرجال و في كثير من الأحيان أهم من الرجال نظراً لما يقمن به من وظيفة الإنجاب واستمرار الجنس البشري عندما كان الإنسان يواجه الطبيعة بيديه العاريتين. 

كانت رعاية الأطفال تقوم على عاتق الجماعة بأكملها لأنه لم تكن هناك عائلة أبوية كالتي نشهدها الآن. حتى أن معظم الآلهة كنّ إناثاً و كانت الرسومات الجدارية على الكهوف تظهر النساء بأعضاء تناسلية بارزة كإشارة للتقديس. كان خط النسب هو خط الأم لذلك فقد كانت المجتمعات أمومية. 

بدأت هذه الأمور تتغير عند اكتشاف الزراعة و تدجين الحيوانات و عندها بدأ يظهر فائض الإنتاج الذي تطور مستقبلاً إلى ملكية خاصة و عمليات مقايضة و عندها بدأ دور الإنجاب للمرأة يلعب دوراً بإنزالها عن مسرح التاريخ. 

الملكية الخاصة قضت تدريجياً على المصلحة الجماعية و بدأت أعباء تربية الأطفال تنتقل إلى عاتق الأم لوحدها الأمر الذي أخرجها من المجتمع و أدخلها بإطار المنزل و أفسح المجال للرجال بإدارة الملكية الخاصة وبالتالي حصولهم على أداة سيطرة اقتصادية على كل من النساء و الأطفال. 

انطلاقاً من هذا فإن من يريد محاربة النظام الأبوي بدون محاربة النظام الرأسمالي كمن يقف على جدران طروادة لمحاربة أكيليس بعصا خشبية. 

من يسمع البودكاست من بدايته لنهايته يمكنه أن يستنتج بكل سهولة أن الرجل هو الأزمة الرئيسية للمرأة كونه التجسيد الأساسي للنظام الذكوري. هذا الطرح سلبي لسببين: الأول، لأنه يؤدي وبشكل مباشر إلى عزل النساء عن امتدادهن الطبقي المتمثل برجال الطبقة العاملة و عدم تمكنهن من رؤية العدو الحقيقي ألا و هو النظام الطبقي. الثاني، إن كانت المشكلة فعلاً هي الرجل فلا يمكن أن يوجد أي حل حقيقي لاضطهاد النساء إلا بالقضاء على الرجال وهذا طرح لا يملك أي أفق بالتغيير. لمواجهة اضطهاد النساء يجب ألا نفصل ولا بأي شكل من الأشكال بين النظام الأبوي و النظام الرأسمالي و أن نناضل ضد كليهما معاً. 

ما العمل؟

لطالما كانت النهايات الخاطئة سبباً كافياً لضياع قيمة كل ما ورد في مقال تحليلي رائع. و أي طرح لأزمة النساء ومهما كان عميقاً سوف يفقد معناه من دون إلحاقه ببرنامج جذري يمكن اختباره بأرض الواقع.

مواجهة هذا الواقع تتطلب أكثر من تعديل القوانين أو إطلاق حملات التوعية. القوانين ضرورية، لكن تطبيقها يظل محدودًا ما لم تتوفر للنساء الشروط المادية التي تمكنهن من ممارسة حقوقهن.  ولا تستطيع امرأة أن تتحرر فعليًا من علاقة عنيفة إذا كانت محرومة من الدخل والسكن والرعاية الاجتماعية، كما لا تستطيع العاملة أن تحقق المساواة بينما تُستخدم هشاشتها الاقتصادية لفرض أجور منخفضة وظروف عمل أسوأ.

لكن ربط اضطهاد النساء بالرأسمالية لا يعني اختزال جميع أشكاله في الاستغلال الاقتصادي، أو تأجيل مواجهتها إلى ما بعد تغيير النظام الاجتماعي. إن النضال ضد العنف والتمييز والقيود القانونية جزء من الصراع الراهن، ويجب أن تخوضه الحركة العمالية منذ اليوم.

من هنا، ينطلق هذا البرنامج من المطالب اليومية للنساء، ويربطها بتنظيمهن المستقل وبنضال الطبقة العاملة برجالها ونسائها.  وهو لا يقدم الإصلاحات بوصفها حلًا نهائيًا، بل يسعى إلى انتزاع مكاسب ملموسة، وبناء ميزان قوى يسمح بتوسيعها، وطرح مسألة السيطرة الديمقراطية على الموارد الاقتصادية والاجتماعية باعتبارها جزءًا من النضال الاشتراكي

المحور الأول: لا تحرر دون استقلال اقتصادي

لا يمكن تحقيق المساواة الفعلية في ظل اعتماد النساء اقتصاديًا على أزواجهن أو عائلاتهن، أو اضطرارهن إلى قبول الاستغلال بسبب غياب البدائل. لذلك يجب أن يكون الاستقلال الاقتصادي في صلب برنامج تحرر النساء.

المطالب

  1. توفير فرص عمل لائقة للجميع، ومكافحة البطالة بين النساء والشباب من خلال الاستثمار العام في الصناعة والزراعة والصحة والتعليم والنقل والخدمات الاجتماعية.
  2. فرض المساواة في الأجر عن العمل المتساوي القيمة، ومكافحة التمييز في التوظيف والترقية والفصل.
  3. تحديد حد أدنى للأجور يضمن حياة كريمة، وربطه بتكاليف المعيشة، مع ضمان الحق في التفاوض الجماعي.
  4. ضمان عقود العمل والتأمينات الاجتماعية والتقاعد وإجازات الأمومة والأبوة المدفوعة.
  5. إدماج العاملات في الاقتصاد غير الرسمي والعمل الزراعي والمنزلي ضمن أنظمة الحماية الاجتماعية وقوانين العمل، مع مراعاة خصوصية كل قطاع.
  6. ضمان حق النساء في امتلاك الأموال والممتلكات وإدارتها، وفتح الحسابات المصرفية والحصول على الخدمات المالية دون وصاية تمييزية.
  7. توفير برامج تدريب مهني مجانية مرتبطة باحتياجات الاقتصاد الفعلية، لا ببرامج شكلية تنتهي دون فرص عمل.

المحور الثاني: إنهاء العنف ضد النساء والإفلات من العقاب

لا يمكن اعتبار العنف ضد النساء شأنًا عائليًا خاصًا، ولا يمكن تبريره بالتقاليد أو الدين أو ما يسمى الشرف. كما لا يجوز تبرير الاعتداءات التي ترتكبها أجهزة الدولة أو الجماعات المسلحة بحجة حماية الاستقرار أو الوحدة الوطنية أو التنظيم السياسي.

المطالب:

  1. تجريم العنف الأسري والاغتصاب الزوجي والاعتداء الجنسي والتحرش، وإلغاء الأحكام التي تبرر العنف أو تخفف العقوبة على مرتكبيه بسبب الشرف أو الزواج من الضحية.
  2. التحقيق المستقل في جرائم العنف والقتل والاختطاف والاعتداء الجنسي، ومحاسبة المسؤولين عنها، بمن فيهم أفراد أجهزة الدولة والقوى المسلحة، دون حصانة سياسية أو عسكرية.
  3. إنشاء مراكز إيواء آمنة ومجانية للنساء المهددات بالعنف، مع توفير المساعدة القانونية والنفسية والرعاية الصحية.
  4. ضمان حق الناجيات في تقديم الشكاوى والحصول على الحماية دون التعرض للتشهير أو الضغط الأسري أو الانتقام.
  5. توفير فرق متخصصة للتعامل مع بلاغات العنف والاختفاء، مع ضمان عدم التمييز على أساس الطبقة أو الطائفة أو القومية أو الدين أو المنطقة.
  6. توفير دخل طارئ وسكن ومساعدات اجتماعية للنساء اللواتي يضطررن إلى مغادرة منازل عنيفة.
  7. ضمان عدم استخدام التشخيصات النفسية أو الشائعات الاجتماعية وسيلة تلقائية لتبرئة المتهمين، بل إخضاع الادعاءات ذات الصلة للتحقيق المهني والقضائي.

المحور الثالث: من العمل المنزلي الفردي إلى الرعاية الاجتماعية الجماعية

تؤدي النساء قدرًا غير متناسب من أعمال الطبخ والتنظيف وتربية الأطفال ورعاية المسنين والمرضى. ويتيح هذا العمل، رغم عدم حصول جزء كبير منه على أجر، استمرار الحياة الاقتصادية وإعادة إنتاج قوة العمل التي يعتمد عليها المجتمع.

لا يكفي الاعتراف بأهمية هذا العمل؛ المطلوب تغيير الطريقة التي يُنظم بها، ومن يتحمل تكلفته ومسؤوليته.

المطالب: 

  1. إنشاء دور حضانة عامة مجانية أو منخفضة التكلفة و ذات جودة عالية، تبدأ بالمناطق الأكثر احتياجًا ومواقع العمل والأحياء العمالية.
  2. توسيع خدمات الرعاية العامة للمسنين والأشخاص ذوي الإعاقة والمرضى، بحيث لا تقع مسؤوليتها تلقائيًا على النساء داخل الأسرة.
  3. توفير إجازات ولادة مدفوعة الأجر للأمهات والآباء، مع ضمان حماية العاملين من الفصل والتمييز.
  4. تحسين أجور العاملات والعاملين في الحضانات والرعاية المنزلية والمؤسسات الصحية والاجتماعية، وضمان حقوقهم النقابية.
  5. توفير مطابخ جماعية وخدمات غذائية مدعومة ومغاسل عامة حيث تكون مجدية وضرورية، خصوصًا في المناطق العمالية والمناطق المحرومة.
  6. ضمان حق العاملات المنزليات المأجورات (الخادمات) في الأجر العادل والراحة الأسبوعية والإجازات والحماية من العنف والاستغلال.
  7. الاعتراف باحتياجات الأشخاص الذين يقدمون رعاية غير مدفوعة، وتوفير خدمات تتيح لهم العمل أو الدراسة والمشاركة السياسية دون حرمان من الدعم الاجتماعي.

المحور الرابع: المساواة القانونية والحقوق الديمقراطية

لا يمكن بناء حركة لتحرر النساء على أساس أن حقوقهن القانونية يمكن تأجيلها إلى حين تغير الظروف الاقتصادية. التمييز القانوني نفسه أداة لإعادة إنتاج التبعية، ويجب مواجهته الآن.

المطالب:

  1. إلغاء القوانين التمييزية ضد النساء في الزواج والطلاق والحضانة والميراث والجنسية، وضمان المساواة القانونية والاستقلال الشخصي.
  2. ضمان حرية الزواج أو عدمه، وتجريم الزواج القسري وزواج الأطفال، واعتماد سن الثامنة عشرة حدًا أدنى للزواج دون استثناءات.
  3. إلغاء أنظمة الوصاية القانونية التمييزية على النساء البالغات، وضمان حريتهن في التنقل والعمل والتعليم واتخاذ القرارات الشخصية.
  4. ضمان المساواة في منح الجنسية للأبناء والأزواج، دون تمييز بين النساء والرجال.
  5. ضمان المساواة في الحقوق السياسية وحق الانتخاب والترشح والتنظيم والتعبير والتجمع.
  6. إلغاء القوانين التي تجرّم النساء بسبب خياراتهن الشخصية أو لباسهن، ورفض فرض الوصاية على أجسادهن وحياتهن.
  7. ضمان حق النساء في الوصول إلى العدالة والمساعدة القانونية، بصرف النظر عن الدخل أو الوضع الاجتماعي أو الجنسية.

المحور الخامس: التعليم والصحة والسكن والحماية الاجتماعية

لا تستطيع النساء ممارسة حقوقهن في ظل الحرمان من الخدمات الأساسية. لذلك فإن الدفاع عن الخدمات العامة جزء مباشر من النضال النسائي والطبقي.

المطالب:

  • ضمان تعليم عام مجاني وجيد، ومكافحة التسرب المدرسي بين الفتيات، وتوفير النقل المدرسي الآمن.
  • توفير الرعاية الصحية العامة، بما يشمل الصحة الإنجابية والحمل والولادة والرعاية النفسية مع ضرورة توفير المستلزمات النسائية و وسائل منع الحمل بأسعار مدعومة متاحة للجميع.  
  • توفير سكن اجتماعي ميسور التكلفة، مع حماية المستأجرين من الإخلاء التعسفي.
  • إنشاء أنظمة حماية اجتماعية تشمل العاطلات عن العمل والعاملات في الاقتصاد غير الرسمي والنساء المعيلات لأسرهن.
  • توفير خدمات عامة يسهل الوصول إليها للنساء ذوات الإعاقة والنساء النازحات واللاجئات.
  • ضمان الوصول إلى وسائل تنظيم الأسرة والمعلومات الصحية الموثوقة والرعاية الطبية دون تمييز طبقي.
  • حق النساء في أن يقرّرن بأنفسهن متى يُرِدن الإنجاب، وما إذا كنّ يُرِدن الإنجاب أصلاً.

المحور السادس: النساء في مواجهة الحروب والاحتلال والنزوح

تضاعف الحروب والنزاعات والاحتلال من تعرض النساء للعنف والفقر وفقدان السكن والعمل، كما تُستخدم أجسادهن وأمنهن في الصراعات السياسية والطائفية.

المطالب: 

  • توفير السكن والتعليم والصحة والدعم النفسي للنساء النازحات واللاجئات.
  • ضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للنساء اللواتي فقدن المعيل أو أصبحن مسؤولات عن إعالة أسرهن.
  • التحقيق في جرائم العنف الجنسي والاختطاف والاستغلال خلال الحروب، ومحاسبة مرتكبيها.
  • ضمان مشاركة النساء المستقلة في تحديد أولويات إعادة الإعمار.
  • إعطاء الأولوية لإعادة بناء المدارس والمستشفيات وشبكات المياه والكهرباء والنقل والمساكن، وخلق فرص عمل لائقة.
  • رفض توظيف قضية النساء لتبرير الاحتلال أو التدخلات العسكرية أو فرض الوصاية الخارجية.

المحور السابع: بناء حركة جماهيرية لتحرر النساء متجذرة في الطبقة العاملة

المطالب:

  • ضمان المساواة الكاملة بين النساء والرجال في الحقوق والمشاركة في الحياة السياسية والنقابية والاجتماعية، ومواجهة جميع أشكال التمييز والإقصاء.
  • تعزيز مشاركة النساء في النقابات واللجان العمالية والتنظيمات السياسية والحركات الشعبية، وضمان حقهن في تولي مواقع القيادة وصنع القرار.
  • مكافحة الأفكار والممارسات الأبوية والتمييز ضد النساء داخل الحركة العمالية والمنظمات السياسية والاجتماعية، ورفض تبريرها باسم وحدة الطبقة أو أولوية الصراع الطبقي.
  • بناء تعاون بين التنظيمات النسوية والنقابات واللجان العمالية والحركات الشعبية على أساس برنامج مشترك لتحرر النساء، مع احترام استقلال التنظيمات النسوية وحقها في طرح مطالبها.
  • توحيد نضالات النساء والرجال من الطبقة العاملة والفئات الشعبية ضد الاستغلال والاضطهاد والتمييز، وربط المطالب النسائية بالنضال من أجل تغيير المجتمع على أسس اشتراكية.
  • بناء قوة سياسية عمالية جماهيرية ذات برنامج ماركسي، تجعل تحرر النساء جزءًا أساسيًا من نضالها من أجل إنهاء الاستغلال والاضطهاد، وتستند إلى المشاركة الديمقراطية الفعلية للنساء والرجال في صنع القرار.

المحور الثامن: من المطالب الاجتماعية إلى السيطرة الديمقراطية على الاقتصاد

قد تتحقق بعض الإصلاحات عبر الضغط الشعبي والتشريعات، لكن استمرارها وتوسيعها يصطدمان بمصالح أصحاب رؤوس الأموال حين تتعارض الحقوق الاجتماعية مع الربح الخاص.

لذلك ينبغي أن يتضمن البرنامج مطالب تمس توزيع الموارد والسلطة الاقتصادية.

المطالب

  •  فرض ضرائب تصاعدية على الثروات والأرباح الكبيرة، ومكافحة التهرب الضريبي.
  •  وقف خصخصة الخدمات الأساسية عندما تؤدي إلى حرمان الفئات الفقيرة منها، والدفاع عن الملكية العامة للقطاعات الاستراتيجية.
  •  توسيع الاستثمار العام في الصناعة والزراعة والصحة والتعليم والسكن والرعاية، على أساس خلق وظائف لائقة وتلبية الحاجات الاجتماعية.
  •  إخضاع الشركات التي تتلقى دعمًا أو امتيازات عامة لالتزامات واضحة بشأن الأجور وظروف العمل وعدم التمييز.
  •  ضمان رقابة العمال والمجتمعات المحلية على خطط إعادة الإعمار والمشاريع العامة.
  • إخضاع القرارات الاقتصادية التي تمس حياة الملايين لرقابة ديمقراطية، بدل تركها لمصالح المستثمرين وأصحاب الثروات.

إن تحقيق هذه المطالب لا ينفصل عن ميزان القوى القائم في المجتمع، ولا يمكن التعويل فيه على القوانين أو مؤسسات الدولة وحدها، بل يتطلب بناء حركة جماهيرية قادرة على انتزاع الحقوق وفرض تنفيذها.

 وتختلف أدوات النضال بحسب طبيعة كل مطلب والظروف السياسية والاجتماعية في بلدان المنطقة، فتشمل التنظيم في أماكن العمل والأحياء والجامعات، والنقابات واللجان العمالية، والتنظيمات النسائية والمبادرات الشعبية، والحملات القانونية والإعلامية، والاحتجاجات والإضرابات وأشكال التضامن الجماعي.

 ولا تعني هذه الأدوات مسارات منفصلة أو متنافسة، بل ينبغي ربطها ضمن نضال مشترك يجمع النساء والرجال من الطبقة العاملة والفئات الشعبية، ويحافظ على استقلال التنظيمات النسائية وحقها في تحديد مطالبها، ويواجه التمييز والأفكار الأبوية داخل الحركة العمالية نفسها.

 ومن خلال هذا الترابط، يمكن تحويل المطالب المباشرة إلى خطوات عملية توسّع قدرة الجماهير على التنظيم والتأثير، وتربط النضال اليومي من أجل تحرر النساء بالنضال الأوسع ضد الاستغلال والاضطهاد ومن أجل تغيير المجتمع على أسس اشتراكية.

ومن هنا، فإن تحديد أدوات تحقيق كل مطلب هو جزء أساسي من البرنامج الانتقالي، لأنه يربط المطالب بالأشخاص والقوى القادرة على النضال من أجلها، ويوضح كيف يمكن الانتقال من المطالبة بالتغيير إلى فرضه عمليًا: 

  •  الاستقلال الاقتصادي والمساواة في العمل: تنظيم العاملات في النقابات واللجان العمالية، حيثما أمكن، وتأسيس تنظيمات مستقلة حيث تغيب؛ بناء لجان نسائية تضم العاملات في القطاع غير المنظم والزراعة والعمل المنزلي والعاطلات عن العمل؛ استخدام المفاوضات الجماعية والإضرابات والاحتجاجات والحملات القانونية لفرض المساواة في الأجور والعقود الرسمية والحماية الاجتماعية؛ وربط هذه النضالات بحملات نسائية وشعبية من أجل فرص عمل مستقرة وخدمات عامة تضمن الاستقلال الاقتصادي للنساء.
  • مكافحة العنف ضد النساء: بناء تنظيمات نسائية مستقلة وشبكات تضامن في الأحياء والجامعات وأماكن العمل لمساندة الناجيات وتسهيل وصولهن إلى الدعم القانوني والطبي والنفسي؛ تنظيم حملات جماهيرية واحتجاجات للمطالبة بتجريم العنف والتحرش وإلغاء القوانين التي تبرر العنف أو تحمي مرتكبيه؛ التعاون مع المحامين والعاملين في الصحة والخدمات الاجتماعية لتوفير الحماية والملاجئ؛ وإشراك النقابات في مواجهة التحرش والعنف في أماكن العمل، والضغط من أجل تمويل الخدمات العامة اللازمة لحماية النساء.
  • العمل المنزلي والرعاية غير المدفوعة:  تشكيل لجان محلية من النساء والأسر والعاملين في الرعاية لتحديد الاحتياجات والمطالبة بتوفير الحضانات وخدمات رعاية المسنين وذوي الإعاقة؛ تنظيم العاملات المنزليات المأجورات للدفاع عن حقوقهن؛ ربط نضال العاملين في الصحة والتعليم والرعاية بحملات النساء من أجل توسيع الخدمات العامة وتحسين أجور العاملين فيها؛ تطوير مبادرات تعاونية ومجتمعية بحسب الإمكانات المتاحة، من دون أن تحل محل مسؤولية المؤسسات العامة؛ والنضال من أجل دعم مادي للنساء الأكثر تضررًا، بالتوازي مع توزيع مسؤوليات الرعاية بين الجنسين وتقليل الاعتماد على العمل المنزلي غير المدفوع.
  • المساواة القانونية والحقوق الديمقراطية:  إطلاق حملات تقودها التنظيمات النسائية المستقلة، بالتعاون مع المحامين والحقوقيين والطلاب والنقابات والقوى السياسية المتضامنة، للمطالبة بإلغاء القوانين التمييزية في الزواج والطلاق والحضانة والميراث والجنسية؛ استخدام التظاهرات والعرائض والتحركات السياسية والتقاضي حيثما أمكن لفرض التعديلات المطلوبة؛ مراقبة تطبيق القوانين وكشف الانتهاكات في المؤسسات والممارسات اليومية؛ وحشد الحركة العمالية والشعبية لدعم هذه المطالب، مع إبقاء المبادرة في صياغة المطالب النسائية وتنظيم النضال بشأنها بيد النساء وتنظيماتهن المستقلة.
  • الخدمات العامة والصحة والتعليم والسكن:  تشكيل لجان في الأحياء والقرى من النساء والسكان والعاملين في الخدمات لتحديد النواقص ومراقبة توزيع الموارد؛ تنظيم حملات مشتركة بين التنظيمات النسائية والنقابات والطلاب والمبادرات الشعبية للدفاع عن الخدمات العامة ومواجهة الخصخصة وتقليص الإنفاق؛ الضغط من أجل توجيه الموارد إلى الصحة والتعليم والسكن والحضانات، مع إعطاء الأولوية للمناطق الفقيرة والنساء النازحات واللواتي يعِلن أسرهن؛ وتطوير مبادرات تضامن محلية لتلبية الاحتياجات العاجلة حيث تضعف المؤسسات العامة، من دون أن تتحول هذه المبادرات إلى بديل عن مسؤولية الدولة.
  • الحرب والاحتلال والنزوح وإعادة الإعمار:  تشكيل لجان محلية مستقلة تضم النساء والسكان المتضررين والعاملين في الخدمات لتنظيم التضامن وتحديد الاحتياجات الأساسية؛ التعاون مع التنظيمات النسائية والنقابات والروابط المهنية والهيئات الإنسانية لضمان وصول المساعدات من دون تمييز؛ تنظيم العاملات والعمال في قطاعات البناء والنقل والصحة والتعليم للدفاع عن حقوقهم والمشاركة في تحديد أولويات إعادة الإعمار؛ الضغط من أجل إشراك النساء والسكان المتضررين في مراقبة توزيع الموارد والعقود؛ توثيق الانتهاكات وبناء حملات تضامن محلية وعابرة للحدود للمطالبة بالمحاسبة، مع رفض استخدام حقوق النساء لتبرير الاحتلال أو التدخل الإمبريالي.
  •  بناء حركة جماهيرية من أجل تحرر النساء، متجذرة في الطبقة العاملة: بناء حركة تجمع النساء والرجال من الطبقة العاملة والفئات الشعبية في النضال المشترك ضد الاستغلال والاضطهاد، من خلال تطوير النقابات واللجان العمالية والتنظيمات السياسية والمبادرات الشعبية في أماكن العمل والأحياء والجامعات والريف؛ وتشجيع النساء على المشاركة الفاعلة في هذه المنظمات وقيادتها، مع تنظيمهن حول المطالب التي تخصهن، ومواجهة الأفكار والممارسات الأبوية والتمييز داخل الحركة العمالية نفسها؛ وبناء تعاون بين هذه المنظمات والتنظيمات النسوية المستقلة على أساس برنامج مشترك، من دون فصل النضال النسائي عن النضال الطبقي أو إخضاع قضايا النساء لأولويات القيادات العمالية؛ والعمل على توحيد النضالات الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية ضمن برنامج اشتراكي ثوري يربط تحرر النساء بتحرر الطبقة العاملة بأكملها من الاستغلال والاضطهاد.
  • إعادة توزيع الثروة والرقابة الديمقراطية على الاقتصاد:  بناء حركة جماهيرية تجمع التنظيمات النسائية والنقابات واللجان الشعبية والعاملين في الخدمات والعاطلين عن العمل للمطالبة بزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم والرعاية والسكن، وفرض ضرائب تصاعدية على الثروة والأرباح ومكافحة التهرب الضريبي والفساد؛ تنظيم حملات جماهيرية وإضرابات وتحركات سياسية للضغط من أجل كشف الموازنات والعقود ومراقبة الإنفاق العام؛ الدفاع عن الملكية العامة للقطاعات الحيوية وإخضاع إدارتها لرقابة ديمقراطية من العاملين والمجتمعات المستفيدة؛ وفرض شروط اجتماعية على الاستثمارات وإعادة الإعمار لحماية حقوق العاملات والعمال وتوجيه الموارد نحو الحاجات الاجتماعية، ضمن نضال أوسع من أجل اقتصاد يضع تلبية الاحتياجات الإنسانية فوق الربح الخاص- أي الاشتراكية.

وبطبيعة الحال نحن هنا لا نقصد بالاشتراكية تلك المسوخ المشوهة التي نشأت و دارت في فلك الاتحاد السوفياتي الستاليني مثل تجربة حزب البعث في سوريا والعراق. بل الاشتراكية التي دعى لها ماركس و إنجلز و لينين و تروتسكي و روزا لوكسمبورغ. 

في المجتمع الاشتراكي، ستكون الصناعات الكبرى والمصارف والمؤسسات المالية مملوكة ملكية عامة، وستُدار وتُراقَب من قبل الطبقة العاملة، في إطار خطة ديمقراطية للإنتاج والتوزيع و ليس من قبل حفنة بيروقراطية. وسيتيح ذلك تحرير الموارد اللازمة لضمان الاستقلال الاقتصادي الحقيقي للنساء، وتوفير خدمات عامة تخفف الأعباء المنزلية الملقاة على عاتقهن. وفي نظام لا تحكمه دوافع الربح ولا تراتبيات الثروة والسلطة، ويقوم على المساواة والتعاون، ستنعكس هذه القيم في المجتمع بأسره، بما في ذلك العلاقات الشخصية، مما يضع الأساس لإنهاء اللامساواة بين الجنسين والتمييز والعنف والإيذاء وجميع أشكال الاضطهاد.