استفاق العالم في 28 شباط/فبراير على شرق أوسطٍ مشتعلٍ برمّته. الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا بشنّ هجومٍ واسع على إيران، ومن جهتها استهدفت إيران سفنًا حربية أمريكية، وأغلقت مضيق هرمز، وأمطرت القواعد الأمريكية في المنطقة بصواريخها الباليستية ومتوسطة المدى. حتى لحظة كتابة هذا المقال، يبدو أن الأمور تتجه نحو التصعيد، وفق ما أكده متحدث باسم الحرس الثوري الإيراني عندما صرّح بأن الرد سيكون طويل الأمد. هذه الحروب التي تشنها إسرائيل وأمريكا على إيران تُعمّق، في الحقيقة، أزمة الجماهير المنتفضة داخل إيران، وتزيد من إنهاكها.
الترامبية: سقوط قناع الأخلاق
منذ أشهر فقط، صعد ترامب إلى منصته ليتحدث بكل ثقة عن أن الضربات الأمريكية الخارقة للتحصينات التي أمر بها قد أزالت من الوجود طموحات إيران النووية. إن ربط مثل هذا التصريح بما يحدث اليوم يؤكد لنا مدى نفاق هذا الشخص وطبقته.
لطالما استخدمت الطبقة الرأسمالية الأخلاق كميدان للصراع الطبقي. فقد برّرت الأخلاق الطبيعة الاستغلالية للنظام الرأسمالي، وفي الوقت نفسه جرّمت أي محاولة للخلاص منه. لكن، في ظل عمق أزمة النظام الرأسمالي، أصبح من الصعب استخدام قناع الأخلاق.
طوال عقود، ولكي يشنّ الإمبرياليون الحروب، كان لا بد لهم من حشد الرأي العام خلفهم. فهم لا يستطيعون جمع الرأي العام بالقول مثلًا: «نحتاج إلى غزو هذا البلد لأنه موقع استراتيجي في الصراع». إن بروباغندا تبرير الحروب الإمبريالية، بوصفها حروبًا رجعية لا تصبّ في مصلحة العمال والشباب، تعمل دائمًا عبر استثارة العواطف واللجوء إلى الأخلاق.
لقد كان للحرب ضد نظام صدام حسين حاضنة جماهيرية بحجة امتلاكه أسلحة كيماوية، كما وُجدت حاضنة جماهيرية للحرب على أفغانستان بحجة محاربة الإرهاب وتحرير النساء. وتبيّن لاحقًا أن كل ذلك كان هراءً خالصًا. فجميع هذه الحروب شُنّت من أجل النفط وتقاسم النفوذ.
اليوم، لم يعد بالإمكان جمع الرأي العام خلف الحروب باستخدام هذه الدعاية الرجعية. ويتجلى ذلك بوضوح عند مقارنة الرأي العام تجاه الحرب على العراق أو أفغانستان بالرأي العام اليوم. فربع الأمريكيين فقط يؤيدون الحرب على إيران.
ترامب، وبصفته الشخصية الأكثر تعبيرًا عن تناقضات هذا النظام، لم يكن ينقصه شيء من الوقاحة عندما صرّح بأن «إيران يحق لها أن تصنع ثروة من النفط، لكن من غير المنطقي أن تحصل على كل النفط الذي لديها»، ليتبع ذلك بتصريح آخر يقول فيه: «سوف نستولي على كوبا وديًّا». كل ذلك جاء بعد قيامه بخطف الرئيس الفنزويلي في عملية لا يمكن وصفها إلا بأنها بلطجة سياسية هدفها سرقة نفط فنزويلا، وتنصيب رئيس على رأس نظام جهادي في سوريا مقابل حصول شركة شيفرون على النفط. لقد أصبحت الأمور واضحة الآن، ولم تعد عمليات التجميل الإعلامية تنفع.
وصل ترامب إلى السلطة بفضل تبنيه خطابًا شعبويًا مختلفًا عن الخطابات التقليدية، حيث وعد بتحسين الأوضاع وإيقاف الحروب. غير أن هذه الديماغوجيا لم تعد تنطلي على العمال الأمريكيين اليوم. ومع ذلك، قد يكون من الخطأ الاعتقاد أن حرصه على الظهور بمظهر الملتزم ببرنامجه أمام ناخبيه هو المحرك الأساسي لقراراته. فالمحرّك الأساسي لقراراته، بصفته رجل أعمال، هو المصالح الاقتصادية المرتبطة بما تبقى له من وقت في الرئاسة. وبكل الأحوال، لن يكون ترامب قادرًا على الترشح مرة أخرى، ولذلك فإن سمعته الانتخابية هي آخر ما يعنيه.
لكن حتى لو كان قادرًا على الترشح مرة أخرى، لما اختلف الأمر كثيرًا. فقد وصل النظام الرأسمالي إلى حدوده القصوى قبل الحرب العالمية الأولى، ومنذ ذلك الحين وهو يعمل خارج هذه الحدود، على الرغم من الازدهار الاقتصادي المؤقت الذي أعقب الحرب العالمية الثانية. في تلك المرحلة، كان السياسيون البرجوازيون قادرين على تمثيل مصالح الطبقة الرأسمالية بصورة أكثر تماسكًا، أما اليوم فالوضع مختلف.
إن عالم السياسة الرأسمالي هو، في نهاية المطاف، انعكاس جدلي لنمط الإنتاج الرأسمالي نفسه. فهو يزدهر بازدهاره، ويتأزم بأزمته، ويكتسب صفاته الإنتاجية ذاتها. فالرأسمالي، الأناني بطبيعته، يرتبط نشاطه بالربح المباشر؛ وعندما يبيع بضاعته بسعر معقول، لا يعنيه ما سيكون مصير هذه البضاعة لاحقًا.
وينطبق الأمر ذاته على السياسيين. فأزمة النظام الرأسمالي، وانعدام أي أفق أمامهم، دفعتهم إلى تبنّي سياسات قصيرة النظر تتيح لهم تحقيق أرباح مباشرة، بغضّ النظر عمّا ستؤول إليه الأمور على المدى الطويل. وهذا لا يحدث في الولايات المتحدة فقط، بل في جميع الدول الإمبريالية. انظروا مثلًا إلى المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي تسلّم دفة القيادة في سفينة غارقة فعليًا، وكل ما عليه فعله هو تأخير غرقها لتغرق في عهد من يليه.
إسرائيل : أصوات المدافع لإسكات الصوت الطبقي
تعتمد الطبقة السائدة في إسرائيل بشكل دوري على حروب خارجية أو تصعيدات عسكرية، ليس فقط لتعزيز مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية، بل أيضًا كوسيلة لـ تصدير الأزمات الاجتماعية الداخلية إلى الخارج، وتحويل انتباه الجماهير عن المشكلات الطبقية المتفاقمة داخل المجتمع الإسرائيلي، تحت دعايات الوحدة الطبقية.
وفق بيانات معهد التأمين الوطني الإسرائيلي،يعيش نحو مليوني شخص تحت خط الفقر، أي ما يقارب 20.7–21% من السكان، بينما بلغت نسبة فقر الأطفال حوالي 28%، ما يجعل إسرائيل من بين أعلى معدلات الفقر ضمن دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
في الوقت نفسه، أدت الحروب المتواصلة – ولا سيما حرب غزة – إلى خسائر اقتصادية مباشرة تُقدَّر بما يزيد على 60 مليار دولار، مع تقديرات أخرى تصل إلى 250–300 مليار شيكل عند احتساب النفقات العسكرية والأضرار الاقتصادية. يضاف إلى ذلك تضاعف الإنفاق الأمني وارتفاع العجز والدين العام. وتشير تقارير اقتصادية إلى ارتفاع العجز المالي إلى نحو 5.2% من الناتج المحلي الإجمالي نتيجة النفقات العسكرية والتصعيدات الإقليمية.
في هذا السياق الداخلي المتدهور، يبدو أن بنيامين نتنياهو وحلفاءه في اليمين الإسرائيلي يعتمدون على الحالة الأمنية الدائمة والحرب كآلية للبقاء في السلطة وتثبيت التحالفات السياسية، خاصة في ظل التحديات السياسية الداخلية والجدل حول الانتخابات وقضايا الفساد. فمن خلال تعزيز حالة “التهديد الأمني”، تستطيع النخبة الحاكمة تبرير توسيع الميزانية العسكرية، وخفض المطالب الاجتماعية، وقمع أي حركة جماهيرية ذات طابع طبقي، وهو نهج يخدم ديمومة حكمهم وسياساتهم الاستبدادية.
نظام الملالي: لا يُلغي الرأسمالية، ولا يعادي رأس المال، ويتاجر بالقضية
نظام الملالي في إيران ليس نظامًا دينيًا خارج الرأسمالية، بل هو يجسّد مصالح الرأسمال الإيراني عبر عقيدة الإسلام السياسي. رأسمال الذي راكم ثروة على حساب العمال والفقراء في إيران والمنطقة باستخدام ايدلوجية دينية. بعد الثورة في إيران، جرى تصفية برجوازية الشاه المرتبطة بالغرب، لكن لم يتم إلغاء نمط الإنتاج الرأسمالي، وإنما أُعيد بناؤه بما يخدم تحقيق التراكم الرأسمالي، بشكل أساسي عبر بلدان المنطقة.
إحدى أهم أدوات هذا النظام هي الحرس الثوري الإيراني، الذي يقوم في الواقع بحراسة عملية التراكم الرأسمالي لنظام الملالي. إذ يمتلك الحرس الثوري ويدير شركات في مجالات الإنشاءات والطاقة والاتصالات والموانئ، كما يقوم بعمليات تهريب منظمة للالتفاف على العقوبات. ومن أبرز المؤسسات المرتبطة به مؤسسة “خاتم الأنبياء”، وهي ليست شركة اعتيادية على غرار الشركات الخاصة، بل مؤسسة ضخمة مرتبطة بالجيش الإيراني، وتُعد الذراع الهندسية والاقتصادية للحرس الثوري، ومن أكبر شركات المقاولات في البلاد.
على الجهة الأخرى، توجد البُنياد (Bonyads)، التي تُقدَّم رسميًا على أنها مؤسسات خيرية لدعم الفقراء وذوي “الشهداء” والمحاربين، إلا أنها عمليًا تملك شركات في قطاعات متعددة مثل الصناعة، والزراعة، والعقارات، والسياحة، والمصارف، والتجارة. وبعد سقوط نظام الشاه، صودرت أملاك شركات ورجال الأعمال المقربين منه، ووُضعت تحت إدارة هذه البُنياد، التي تعمل غالبًا خارج رقابة الحكومة المباشرة، وترتبط ببنى السلطة الدينية والسياسية.
وبما أن أي سياسة خارجية هي امتداد للسياسة الداخلية، فقد استخدمت الطبقة السائدة الإيرانية الحرس الثوري وفيلق القدس كأداة للمراكمة الرأسمالية الخارجية. ولطالما كان التبجح بـ”نصرة القضية الفلسطينية” هو الغطاء الأخلاقي الذي تخفي خلفه أسسها الطبقية الرأسمالية. فليس كل من يقف ضد إسرائيل هو بالضرورة مع فلسطين. إن موقف النظام الإيراني من إسرائيل نابع من صراع نفوذ في منطقة تمثل لإيران امتدادًا جيوسياسيًا وجوديًا، خاصة في ظل العقوبات التي تقيّد وصولها الجزئي إلى السوق العالمي.
إن التدخل الإيراني في سوريا ولبنان واليمن والعراق ليس تدخلًا أيديولوجيًا صرفًا، بل يتضمن فتح أسواق، وتصدير خامات، والحصول على عقود إعادة إعمار، وتهريب النفط والسلع. ويمكن ملاحظة ذلك بوضوح في العراق، حيث تحصل الشركات الإيرانية على عقود للاستثمار في الكهرباء، والإسمنت، والغذاء، والوقود، عبر نظام المحاصصة الذي يتيح لها نفوذًا سياسيًا داخل البرلمان، بدعم من فصائل عسكرية حليفة.
بالنسبة للإمبرياليين: نظام الملالي أفضل من سلطة العمال
قبل أن يُحكم تيار الإسلام السياسي الإيراني قبضته على الحكم في عام 1979 ارتكبت قيادة حزب تودة الشيوعي الإيراني آنذاك خطأ فادحاً حين تبنوا سياسة التحالف مع هذا التيار و الذوبان في قيادة برجوازية-دينية بدعوى أن المرحلة هي “وطنية ديمقراطية” وأن التناقض الرئيسي هو مع الإمبريالية فقط وذلك للعمل وفق توصيات ستالين و نظريته المنشفية بالثورة على مراحل.
بدلاً من الدفع نحو تنظيم مستقل للطبقة العاملة عبر المجالس العمالية (الشورى) التي بدأت تتشكّل في المصانع والجامعات، اختار الحزب دعم قيادة دينية محافظة باعتبارها “قوة معادية للشاه والإمبريالية”، متجاهلاً طابعها الطبقي المعادي لاستقلال العمال وخوفها من أي سلطة تنشأ من القاعدة. هذا المنظور المرحلي عطّل إمكانية بلورة بديل عمالي ثوري في اللحظة التي كانت فيها الجماهير في حالة حركة واسعة، وساهم سياسياً في نزع سلاح الطبقة العاملة عبر كبح شعاراتها الاجتماعية وتأجيل برنامجها الاشتراكي.
ماذا كانت النتيجة؟ كما في باقي البلدان التي نهجت فيها الأحزاب الشيوعية سياسة الثورة على مراحل تعرضت الطبقة العاملة ومنظماتها للسحق . في موجة القمع الأولى (1979–1983) أي مباشرة بعد وصول نظام الملالي للسلطة تم إعدام و اعتقال الآلاف من أعضاء المنظمات اليسارية مثل حزب تودة و منظمة خلق وجماعات ماركسية أخرى حيث تشير بعض الإحصائيات الغير رسمية أن عدد الشيوعيين واليساريين الذين تم تصفيتهم يتجاوز ال 10 آلاف.
في عام 1988 حصلت أكبر موجة من المجازر بحق الشيوعيين واليساريين وعٌرفت آنذاك بمجزرة السجون حيث تم إعدام آلاف السجناء بأمر من روح الله الخميني حيث وصل عدد الضحايا وفق المنظمات إلى 5000 آلاف ضحية في حين تحدثت مصادر المعارضة عن 30 ألف.
أما الموجة الثالثة فقد كانت بين عامي (1988-1998) فيما يسمى ” الاغتيالات المتسلسلة” قتل أكثر من 80 كاتباً ومثقفاً ومعارضاً و أغلبهم شيوعيين. وبطبيعة الحال لن ننسى أيضاً الرفاق مهدي عامل و حسين مروة الذين تم اغتيالهم أيضاً على يد أذرع إيران الخارجية.
في ذلك الوقت توافقت مصالح نظام الملالي و الإمبرياليين في القضاء على الحركة الجماهيرية الإيرانية و أي إمكانية لتأسيس سلطة عمالية و ما ساعدهم على ذلك السطوة الستالينية على حركات التحرر في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة. بالنهاية أنظمة الاسلام السياسي من إيران إلى تركيا إلى سوريا هي أنظمة رأسمالية و تخشى الصراع الطبقي أكثر مما يخشاه الإمبرياليون حتى.
موقفنا
موقفنا بسيط للغاية: نقف وبكل حزم ضد العدوان الإمبريالي على إيران، ونؤكد أن إسقاط نظام الملالي في إيران هو ضرورة لا يمكن أن يُنجزها إلا العمال الإيرانيون وحلفاؤهم الطبقيون في إيران والمنطقة.
إن الضربة العسكرية الأخيرة على إيران، بوصفها عملًا عدوانيًا إمبرياليًا، تخدم فقط مصالح الرأسمال العالمي والهيمنة العسكرية، وتهدد بجرّ شعوب المنطقة إلى دوامة جديدة من الحروب والدمار. فهذه الضربة ليست دفاعًا عن الجماهير الإيرانية المنتفضة، كما ينافق ترامب وابن الشاه، بل هي استمرار لسياسات الهيمنة التي مارستها الإمبريالية عبر العقوبات الاقتصادية، والحصار، والحروب بالوكالة، والتي دفع الشعب الإيراني ثمنها من معيشته وصحته ومستقبله.
لقد أُنهك الشعب الإيراني بعقود من العقوبات التي فرضتها القوى الإمبريالية، والتي استهدفت العمال والفلاحين وصغار الموظفين، لا الطبقة السائدة. فقد دمّرت العقوبات العملة، ورفعت الأسعار، وقيّدت وصول الناس إلى الدواء والغذاء والتكنولوجيا، بينما بقيت النخب الحاكمة قادرة على الالتفاف عليها. إن معاناة الجماهير الإيرانية ليست قدرًا محتومًا، بل هي نتاج مباشر للنظام الرأسمالي العالمي ولسياسات الولايات المتحدة وحلفائها.
لكننا، في الوقت نفسه، نؤكد أن معارضتنا لهذا الهجوم الامبريالي هي معارضة من موقع اليسار، ولا تعني بأي شكل من الأشكال دعم النظام الإيراني أو تبرير سياساته القمعية والبرجوازية. فهذا النظام قام على سحق التنظيمات العمالية، وقمع الحريات، وخدمة مصالح طبقة سائدة رأسمالية. وإن تحرر الجماهير الإيرانية لن يأتي عبر القنابل الإمبريالية، ولا عبر المناورات الدبلوماسية للقوى الكبرى.
إن إسقاط النظام الإيراني هو مهمة تاريخية للطبقة العاملة الإيرانية نفسها، متحالفة مع الفلاحين الفقراء والشباب المضطهَدين. وحدها ثورة عمالية، تقوم على المجالس العمالية والتنظيم المستقل، قادرة على إنهاء الاستبداد الداخلي والتبعية الخارجية معًا، وبناء مجتمع قائم على المساواة والتخطيط الاقتصادي لصالح الأغلبية.
لا للحروب الإمبريالية
يا عمال العالم اتحدوا
هيئة تحرير إيسكرا
01-03-2026