بقلم الرفيق مكسيم مرشد
منذ أيام تم اغتيال علي خامنئي بإحدى الغارات التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران. هذا الاغتيال ترافق بردود أفعال جماهيرية تراوحت ما بين الفرح الشديد و الغضب الشديد. التداول الإعلامي الذي ترافق مع خبر اغتيال خامنئي والمشاعر المرتبطة بهذا الخبر تجاوزت أضعافًا مضاعفة خبر القصف الإجرامي الذي طال مدرسة “الشجرة الطيبة للفتيات” في مدينة ميناب بمحافظة هرمزكان جنوب إيران، والتي ذهب ضحيتها 148 شخصًا حسب تقارير إعلامية.
لماذا تم التفاعل على مقتل شخص واحد فقط بشكل أكبر بكثير من التفاعل مع مقتل 148 طفلة في مدرسة ابتدائية؟ هذه الحالة ليست استثنائية، وهذا السؤال قد يبدو بسيطًا بشكله، والإجابات عليه تأتي بالغالب ضمن الأطر الأخلاقية التي هي بالحقيقة لا تفسر شيئًا. تقديس الفرد أو شيطنته له جذور تاريخية مرتبطة بصعود الأنظمة الطبقية، وتطور بشكل ديالكتيكي ضمن هذه البنية.
إن أهم العوامل التي تلعب دورًا كبيرًا في هذه السلوكيات تجاه الأفراد هو الاغتراب السياسي، أي عندما تكون المسافة ما بين الجماهير وآليات اتخاذ القرار الفعلية بعيدة، الأمر الذي يؤدي إلى عدم قدرة الجماهير على فهم طبيعة السلطة. بذلك يصبح من الممكن أن يتم اختزال نظام بأكمله بشخص واحد أو عدة أشخاص. سوف نناقش هذه السلوكيات على مقالين: في الأول سوف نتحدث، من وجهة نظر مادية تاريخية، عن مفهوم الاغتراب، وفي المقال الثاني سوف نتحدث عن النظرة الماركسية للفرد ودوره.
التقسيم الاجتماعي للعمل و عواقبه
في مجتمعات الشيوعية البدائية لم يكن هناك تقسيم إجباري للعمل. وبطبيعة الحال كان هناك اقتصاد يسود فيه إنتاج يكاد يكفي احتياجات البشر. مع اكتشاف النار الذي مكّن من التغذي على الأسماك وباقي الحيوانات البحرية، استطاع البشر الزحف باتجاه السهول إلى جانب الأنهار والبحيرات، وهذا ما ساهم في اكتشاف الزراعة وتدجين الحيوانات لاحقًا.
الزراعة وتدجين الحيوانات خلقتا لأول مرة فائض الإنتاج أعطى لمجموعة من الأشخاص دون غيرهم إمكانية التحكم بالموارد. قبل ظهور فائض الإنتاج كانت المصلحة السائدة مصلحة جماعية. لم يكن البشر قادرين على الاستمرار لولا هذه المصلحة الجماعية. عبارة أرسطو أن “الإنسان هو حيوان سياسي” – كان يقصد هنا اجتماعيًا – لم تأتِ من فراغ.
مع ظهور الملكية الخاصة بدأ تقسيم العمل يتحول إلى كونه تقسيمًا تفرضه الملكية الخاصة نفسها. وبحسب تعبير إنجلز وماركس في الإيديولوجية الألمانية فإن: “تقسيم العمل والملكية الخاصة تعبيران متماثلان؛ يعبر الأول عما يتعلق بالنشاط، فيما يعبر الثاني عما يتعلق بإنتاج هذا النشاط”. لذلك فقد وزّع تقسيم العمل هذا العمل والإنتاج بشكل غير متكافئ، وبدأت تظهر ليس فقط المصلحة العائلية، بل أيضًا المصلحة الفردية ضمن العائلة نفسها عندما أصبحت المرأة والأولاد عبيدًا للرجل.
هذه الصيغة من العمل المقسّم بالنسبة للأفراد تنبثق عفويًا من النشاط المشترك ذاته، وليس بصورة طواعية أو اختيارية. لذلك نجد أن الأفراد جاهلون بأصل هذه القوة الإنتاجية وأهدافها، والمشكلة الأكبر أنهم يجهلون حتى أنهم يجهلون ذلك. وكما أشار إنجلز وماركس، فإنه وبهذه الصيغة من تثبيت النشاط الاجتماعي وتحجّر المُنتَج في قوة موضوعية تعلو وتفلت من رقابتنا، وتخالف توقعاتنا وتفسد حياتنا، نصبح مغتربين عن ذاتنا وعن ما تنتجه هذه الذات.
الدولة: مصلحة اجتماعية وهمية
قبل ظهور الملكية الخاصة كانت المصلحة جماعية فقط، وكانت هذه المصلحة تلقائية وغير منفصلة عن مصلحة الفرد، أي لم يكن هناك انشقاق بين ما يريده الفرد وما يريده المجتمع، لأن العمل لم يكن قد تَقَسَّم بعد بشكل يجعل الإنسان حبيس مهنة واحدة مدى الحياة. لقد كانت وحدة المصلحة الفردية والاجتماعية هي العامل الرئيسي في قدرة البشرية على الاستمرار. أما بعد ظهور الملكية الخاصة فقد نشأ تناقض في المجتمع.هذا التناقض هو الأساس الذي يقوم عليه ما يمكن أن نسميه “اغتراب المصلحة” كما شرح ماركس وإنجلز في الإيديولوجية الألمانية:
… ما دام هناك انشقاق بين المصلحة الخاصة والمصلحة المشتركة، وكذلك ما دام النشاط غير مقسم بصورة إرادية…
… فإن عمل الإنسان الخاص يتحول إلى قوة غريبة معارضة له، تستعبده بدلًا من أن تكون خاضعة لسيطرته. ذلك أنه حالما يبدأ توزيع العمل فإن كل امرئ يحصل على مجال محدد للنشاط، مجال حصري، وهو مجال يفرض عليه ولا يستطيع الإفلات منه…
… ولا بد له أن يثابر على ذلك إن لم يكن راغبًا في فقدان وسائل عيشه
مع ظهور الملكية الخاصة بقيت الجماعات موجودة فعليًا على أساس روابط الدم واللغة والتجمعات العائلية والقبلية، لكن المصلحة الجماعية أخذت شكلًا طبقيًا مشروطًا بتقسيم العمل، وبالتالي بقيت المصلحة الجماعية موجودة لكنها اتخذت صيغة جديدة فرضتها طبيعة العلاقات الجديدة.
المصلحة الجماعية لم تعد قائمة على التعاون الإرادي، وإنما على التبعية المتبادلة. أنا أحتاج لك لأنك تقوم بذلك العمل، وأنت تحتاج لي لأنني أقوم بهذا العمل، وكلانا بحاجة إلى أصحاب الملكية الخاصة لنعيش، وهو بحاجة إلينا ليعظم ملكيته.
ظهور المصلحة الجماعية بهذه الصيغة خلق تناقضًا داخل الجماعات نفسها وبينها. ووفق تعبير ماركس وإنجلز في الإيديولوجية الألمانية:
“هذا التناقض بالذات بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية هو الذي يدفع هذه المصلحة الجماعية لأن تتخذ شكلًا مستقلًا على اعتبارها الدولة، وهو شكل مستقل عن المصالح الفردية والجماعية”.
لقد أطلق إنجلز على هذه الصيغة من المصلحة الجماعية اسم المصلحة الجماعية الوهمية. أي أن الدولة في نهاية المطاف هي تعبير وهمي عن المصلحة الجماعية، وهو وهمي لأنه لا ينشأ من المصلحة الجماعية الحقيقية، بل من مصلحة نشأت بسبب وجود طبقة تملك كل وسائل الإنتاج وطبقة لا تملك.
وفي ظل مجتمع يعطي القوة لمن يملك أكثر، تصبح المصالح الفردية تطغى أكثر فأكثر، لأن المصلحة الجماعية بطبيعة الحال هي مصلحة وهمية، ولا تعبر عن مصلحة جماعية فعلًا، وإنما عن مصلحة طبقة ربطت مصالح المجتمع بأكمله بمصلحتها الخاصة. وكما المغناطيس الذي لا ينجذب إليه المعدن طواعية بل بشكل قسري، تصبح المصلحة الفردية كذلك كالمغناطيس.
في المجتمعات الإقطاعية كان الأقنان مضطرين للعمل عند الإقطاعيين من أجل الحصول على السكن والحماية. كانت هذه مصلحة جماعية وهمية تفرضها طبيعة الملكية الخاصة للأرض. في المجتمعات الرأسمالية تنظر الجماهير للنظام الاجتماعي بصفته مصلحة جماعية، وعلينا أن ندفع الكثير من الضرائب من أجل مساعدة كبار السن أو العاطلين عن العمل. لكن لم يكن ليكون لدينا عاطلون عن العمل لولا النظام الرأسمالي، ولسنا مضطرين لدفع ضرائب عالية لو لم يحتكر 1 بالمئة من البشر أكثر من 70 بالمئة من الثروة.
وهكذا في المجتمع الطبقي لا تختفي المصلحة الجماعية تمامًا، بل يتم تزييفها، وبدلًا من أن يرى الأفراد مصلحة جماعية حقيقية فإنهم يرون المصلحة الجماعية على شكل مؤسسات (الدولة، القانون، الإعلام) تتحدث باسم الوطن أو الشعب أو حقوق الإنسان أو الديمقراطية أو الله. وقد يرونها على شكل أفراد يتحدثون عن القضية الفلسطينية أو معاداة الإمبريالية. إلا أنه في نهاية المطاف: كل هذه الأمور ليست سوى شكل أو أكثر من أشكال المصلحة الجماعية الوهمية.
وفي منطقتنا، ومن أجل الاستمرار في نهب الثروات، يجب تجزئة الأكثرية الفقيرة إلى فئات طائفية أو قومية. وهكذا يصبح لدينا مصالح جماعية وهمية متناقضة أيضًا. بهذه الطريقة يصبح بشار الأسد ممثلًا للمصلحة الجماعية للأقليات الدينية، أو الجولاني ممثلًا للمصلحة الجماعية للأكثرية الدينية. أو يصبح مسد وقسد ممثلين للمصلحة الجماعية للكرد، وحكمت الهجري ممثلًا للمصلحة الجماعية للدروز، وغزال غزال ممثلًا للمصلحة الجماعية للعلويين. في نهاية المطاف: جميعها مصالح وهمية.
ديالكتيك الاغتراب و الثورة: من اغتراب الذات إلى وعي الطبقة
الاغتراب في ظل المجتمع الرأسمالي ما زال يستمر بالتطرف. أشار البيان الشيوعي إلى نقطة غاية في الأهمية في هذا السياق عندما قال:
ومزقت البرجوازية الحجاب العاطفي الذي كان مسدلًا على العلاقات العائلية، وإحالتها إلى علاقات مالية بحتة
إن هذا النوع من العلاقات يخلق عتبات مرتفعة جدًا من الاغتراب لدى الجماهير. لقد ذكر ماركس في مقاله ” حول المسألة اليهودية ” في عام 1848:
إن حق الانسان في الحرية لا يقوم على ارتباط الانسان بالإنسان بل بالأحرى على انفصال1 الانسان عن الانسان. إنه حق هذا الانفصال، حق هذا الفرد المحدود، المنكفئ على ذاته
إن تحول المصلحة الجماعية إلى حالة وهمية تؤدي إلى أن يفقد الفرد الثقة بالمجتمع و بما أن الانسان كائن لا يستطيع العيش في الفراغ سوف يبدأ بالتحول إلى ” الأنا” بصفتها الملاذ الوحيد و الآمن ، لأنها تبدو له حقيقية، على عكس “الكل” الذي يظهر له كشيء وهمي.
قد يبدو ذلك للبعض وكأنه قدر محتوم لا يمكن الإفلات منه، إلا أن الماركسيين يرون في هذا الواقع أمورًا أخرى تجري تحت السطح. في النهاية فإن هذا النفور هو نفور من المصلحة الجماعية الوهمية، الذي يجسد في الحقيقة النفور من المصلحة الجماعية التي فرضها النظام الطبقي بحد ذاته. وهذا النفور هو أولى عمليات الإدراك بأن المصلحة الحقيقية لا تكمن في الانتماء إلى البطاقة البنكية، بل إن هناك مصلحة جماعية حقيقية نحن بحاجة إليها لنستطيع الاستمرار.
في كتاب الإيديولوجية الألمانية شرح ماركس و إنجلز هذه النقطة على النحو التالي:
هذا الاغتراب (Entfremdung)2لا يمكن طبعا نقضه إلا بتوافر شرطين عمليين: فحتى يصبح هذا الاغتراب قوة “لا تُطاق”، يعني قوة يقوم البشر بثورة ضدها، ينبغي أن يتحول السواد الأعظم من البشرية إلى كتلة “محرومة من الملكية”، وبالتالي تجد نفسها في الوقت ذاته في تناقض مع عالم من الثراء والثقافة قائم فعليًا، وهما شيئان يفترضان كلاهما نموًا هائلًا للقوة المنتجة ودرجة رفيعة من تطورها. ومن جهة أخرى فإن هذا التطور للقوى المنتجة (الذي يتضمن سلفًا أن وجود البشر التجريبي الفعلي يجري على صعيد التاريخ العالمي بدلًا من أن يجري على صعيد الحياة المحلية) هو شرط ومقدمة عملية ضرورية…
بطبيعة الحال لم يقصد إنجلز بأن توافر هذين الشرطين كافيان للانتقال إلى الاشتراكية. في النهاية فإن الماركسية لا تقوم على الحتمية الاقتصادية الميكانيكية، بل على الحتمية الجدلية التي تعتبر أن التدخل البشري – عن طريق بناء القيادة الثورية – هو ما سوف يحول هذه الضرورة إلى انتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية.
ومن جهة أخرى فإن الوضع الآن في منطقتنا يختلف بشكل جذري عن أيام ماركس وإنجلز. لقد نشأت في المنطقة رأسماليات إما أن تكون جزءًا من الإمبريالية العالمية، وإما ضمن إطار إمبريالي صاعد، وعليه فإن النضال ضد الإمبريالية كشعار لا يمكن فصله عن النضال ضد الرأسمالية.
إن كنتم مقتنعين بهذه الأفكار أو لديكم أسئلة أو اعتراضات، فتواصلوا معنا وتعرّفوا علينا وانضموا إلينا كي نستطيع تحويل هذه الأفكار إلى قوة مادية من أجل مستقبل أفضل.
في الجزء الثاني سوف نتحدث عن المنظور الماركسي لدور الفرد.
1- في النص الألماني استخدم ماركس كلمة (Absonderung) و التي تعني عزل أو انفصال أو إعطاء للإنسان حالة تخصصية به فقط
2- أضاف انجلز هنا عبارة ” كي نستخدم عبارة مفهومة لدى الفلاسفة”