يشهد الشباب والعمّال في العراق إقبالًا ملحوظًا على الشيوعية. ويُعدّ هذا مؤشرًا بالغ الأهمية على عمق أزمة البرجوازية العراقية ورجعية التيارات السياسية السائدة. فقد أصبحنا نرى آلاف الشباب ينشطون ضمن مجموعات افتراضية على وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى الأرض في بعض الأحيان. إن هذا الإقبال على الشيوعية يؤكد استعداد الشباب والطليعة العمالية في العراق للانطلاق من أفكار لينين وماركس.
إن الوضع في العراق مليء بالتناقضات الطبقية التي قد تنفجر في أي وقت. لذلك نرى أنه من واجبنا محاولة فهم هذه العملية التراكمية للثورة والاستفادة منها، ووضع الشباب وطليعة العمال في العراق على تماس مباشر مع الدروس الثورية للمنطقة. إن آراء وتجارب الرفاق في الحزب الشيوعي العراقي، وبحكم الأهمية المتزايدة التي تحظى بها بين أوساط الشباب، تكتسب أهمية خاصة بالنسبة لنا أيضًا، ونأمل أن تسهم وجهات نظرنا، بطريقة أو بأخرى، في توضيح المشكلات والتحديات التي تواجه الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء والشباب في العراق.
من الواضح أن دور الحزب الشيوعي في العراق في هذه العملية يُعدّ عنصرا مهمًا في المعادلة. ونحن نتابع باهتمام بالغ العديد من النقاط البرنامجية التي يدافع عنها، والتي نجد أنفسنا متفقين مع قسمٍ منها. ومع ذلك، نعتقد أن هناك عددًا من المسائل الجوهرية التي تتطلب نقاشًا جديًا، نظرا لما قد يترتب عليها من نتائج سلبية على الجماهير المسحوقة في حال استمرارها.
وقد صرّحت إحدى المجموعات الشبابية النشطة في العراق، في أحد منشوراتها، بأن الأحزاب الشيوعية في المنطقة كلّها أصبحت بحكم المختفية، باستثناء الحزب الشيوعي العراقي الذي ما يزال موجودًا وبقوة. وللأمانة، فإن هذه النقطة تحديدًا تستوجب نقاشًا ديالكتيكيًا، لأنها تنطوي في طياتها على العديد من التناقضات.
لذلك نتوجّه في هذا المقال إلى الشباب الثوري والطليعة العمالية في العراق، وهدفنا واحد فقط: كيف نواجه الكارثة المحدقة قبل وقوعها. لكن، وقبل كل شيء، وبما أننا نخاطب شريحة من الجماهير التي ترى في أفكار لينين وماركس بديلًا لهذه الهمجية الرأسمالية، فإننا لن ننطلق من محاولة إقناع القارئ بأفكار ماركس وإنجلز ولينين، بل من تسليط الضوء على الفهم الخاطئ الذي يقدّمه الرفاق في الحزب الشيوعي العراقي لهذه الأفكار.
ولإنجاز ذلك، اطّلعنا على عدد من منشورات الحزب الشيوعي العراقي على موقعه الرسمي، وتعاملنا مع ما كتبه الرفاق بجدية تامة. وقد يرى البعض في لهجتنا حدّةً أو قسوة، لكن دعونا نكون صريحين: إن مجابهة الأفكار الدخيلة على الماركسية لا يمكن أن تتم بأسلوب ناعم أو هادئ.
وسننطلق في نقدنا، أولًا، من وضوحنا الأيديولوجي، وثانيًا، من قناعة مفادها أن العمّال والشباب الجادين لن يروا في كلامنا موقفًا هجوميًا فارغًا، بل نتوقع منهم أن يتعاملوا مع ما ورد في هذا المقال بالجدية نفسها التي التزمنا بها في كتابته. أمّا من يتحجّج بـ«حدّة نبرتنا» للتغطية على عجزه عن التخلي عن الأفكار البرجوازية الصغيرة، فسوف نقول له، كما قال كارل ماركس في مقدمة الطبعة الألمانية الأولى لرأس المال:
إنني أرحّب بكل حكم يرتكز على نقد علمي. أمّا تحيّزات ما يُدعى بالرأي العام، الذي لم أقدّم له يومًا أدنى تنازل، فشعاري الآن، كما من قبل، حكمة الشاعر الفلورنسي العظيم: سر في طريقك، ودع الناس يقولون ما يشاؤون
لماذا نناقش هكذا مسائل اليوم؟
إن تعاطي قيادة الحزب الشيوعي العراقي مع القضايا التاريخية جعلهم ينتهون إلى تحليل رفضوا فيه الماضي بأكمله، رغم محاولتهم إظهار غير ذلك في فقرة هنا أو عبارة هناك. لكنهم، وهم في طريقهم إلى رفض الماضي، رفضوا الماركسية ذاتها. وكالعادة، أصبح المذنب الرئيسي بكل ما حصل هو النظرية الماركسية، لا المتمركسون. وهنا قدّم الرفاق وجهة نظرهم بضرورة تعديل المفاهيم النظرية للماركسية — وكان ذلك، بطبيعة الحال، تحريفًا لا تعديلًا — وعندما يقبل الإنسان بصحة فرضيتهم الأولى، يصبح من السهل عليه تقبّل كل ما سيأتي بعدها، رغم ما ستحتويه من أخطاء قاتلة.
ومن وجهة نظرنا، فإنه إذا ما قامت الثورة يومًا ما في العراق، وصعدت الطبقة العاملة وحلفاؤها إلى مسرح التاريخ، واستطاع الحزب الشيوعي العراقي بصيغته الحالية كسب الجماهير، فإن هذا الحزب نفسه سيكون هو الباب الخلفي الذي ستخرج منه الجماهير من هذا المسرح إلى مثواها الأخير.
في الأوضاع الراهنة، قد لا يستشعر أحد المخاطر الكامنة في تحليلات الرفاق ومواقفهم. لكن دعونا نقدّم هذه المقاربة: إن أي صدعٍ صغير في جناح طائرة لا تظهر آثاره ما دامت الطائرة على الأرض. لكن في اللحظة التي تصعد فيها الطائرة إلى السماء وتصبح مضطرة إلى الطيران بسرعة عالية، فإنها ستخضع لضغوط خارجية هائلة. عندها، يتحوّل هذا الخلل الصغير إلى سببٍ في دمار الطائرة وموت كل من عليها. فما بالكم إذا كان هذا الخلل كبيرًا بما يكفي لأن تسقط الطائرة لحظة إقلاعها؟
وقبل البدء، نؤكد أن غايتنا ليست تسجيل نقاط رخيصة. لذلك، ومن أجل تحقيق غايتنا من هذا النقد، سنقوم بعرض اقتباسات للنقاط التي سنقدّم وجهة نظرنا بشأنها. وقد تجنّبنا، قدر الإمكان، عرض أي اقتباسات معزولة حتى لا تكون عرضة للتشويه أو التزوير، الأمر الذي اضطرنا إلى إيراد فقرات كاملة، وأحيانًا إلى تكرار أجزاء منها في مواضع أخرى. وهذا قد يجعل القراءة أكثر صعوبة، لكن النقد سيكون أكثر نزاهة. وعندما يُخيَّر الماركسي بين الجانبين، فلا بدّ أن ينحاز، ومن دون أي تردّد، إلى نزاهة النقد، حتى لو كانت القراءة أصعب.
فهم خاطئ للتاريخ
في الوثيقة المعنونة بـ«خيارنا الاشتراكي: دروس من بعض التجارب الاشتراكية»، وهي إحدى وثائق المؤتمر الوطني الثامن للحزب الشيوعي العراقي عام 2007، والتي تضمنت مناقشات جدية لتقييم تجربة الاتحاد السوفياتي، أظهر رفاقنا في الحزب فهمًا غير دقيق لدروس التجارب الستالينية وأثرها في حركات التحرر الوطني والقومي حول العالم.
وعلى الرغم من نقدهم التجربة الستالينية، فإن الرفاق وقعوا، وفي كل فقرة من فقرات وثيقتهم، في الأخطاء نفسها التي كان يقع فيها ستالين عندما كان يسعى إلى التعميم. فقد كان من عادة ستالين، عندما يحاول التعميم، أن يناقض في الجملة الثانية ما ورد في الجملة الأولى، وأن يستنتج في الثانية ما لا يترتب إطلاقًا على الأولى. ومع وجود فرقٍ بسيط، طبعًا، يتمثل في أن تركيبات ستالين، التي كانت تفتقر حتى إلى المنطق الشكلي فضلًا عن الديالكتيك، كانت تستمد قوتها من حقيقة أنه لم يكن أحد يجرؤ على تحدّيها. أمّا تركيبات الرفاق، ولحسن الحظ، فسيكون بمقدورنا تقديم نقد رفاقي لها.
إن عنوان الوثيقة وحده يبرز مسألة تستحق النقاش. فالإصرار على وصف هذه التجارب بأنها «اشتراكية» لا يعكس سوى استمرار وجود إشكال نظري داخل الحزب لم يتم التعامل معه بجدية، رغم ما قدّمه التاريخ من دروس واضحة. إن وصف الاتحاد السوفياتي بأنه «اشتراكي» من دون أي تحليل تاريخي هو وصفٌ مجرّد، لا تقدّمه سوى التيارات البرجوازية من جهة، والتيارات الستالينية التي قام الرفاق أنفسهم بنقدها من جهة أخرى.
فالتيارات البرجوازية تفعل ذلك لأنها تسعى إلى تشويه سمعة البلشفية بأكملها، إذ تعمل، وبشكل ممنهج، على ربط لينين بستالين، وربط الاشتراكية بالستالينية. أمّا الستالينيون فيفعلون ذلك لأنهم يبحثون عن الشرعية المفقودة للبيروقراطية عبر هذا الربط. وهنا نتوجه إلى الرفيقات والرفاق في الحزب الشيوعي العراقي بهذا السؤال: إذا كنتم، يا رفاق، تقدّمون نقدًا لتجربة الستالينية، فلماذا تنطلقون من أساسها النظري نفسه؟إن تسمية «اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية» يجب وضعها في سياقها التاريخي والأساس النظري الذي بُنيت عليه. فالمنظور الذي طرحه لينين للاشتراكية كان قد عبّر عنه عام 1918 في مقاله «الطفولية اليسارية والعقلية البرجوازية الصغيرة»، حين قال:
يشير مصطلح الجمهورية الاشتراكية السوفياتية إلى إصرار السلطة السوفياتية على تحقيق الانتقال إلى الاشتراكية، وليس إلى أن النظام الاقتصادي الحالي معترف به كنظام اشتراكي
تختصر هذه الكلمات جوهر المشكلة برمتها. فتحت قيادة لينين، كانت الاشتراكية تعني إصرار سلطة العمال على تحقيق الانتقال نحو الاشتراكية. أمّا في الحقبة الستالينية، فقد أصبح معنى هذه الكلمة أن الاتحاد السوفياتي قد وصل فعلًا إلى الاشتراكية، وأنه بات بالإمكان الانتقال إلى الشيوعية، وهو خطأ كارثي كلّف الحركة العمالية العالمية أنهارًا من الدماء.
فالاشتراكية، وفق الماركسية، لا يمكن بناؤها في بلد واحد. وعندما قال ماركس وإنجلز: «يا عمّال العالم اتحدوا»، لم يقولا ذلك من فراغ. وهنا لا بدّ من تذكير الرفاق بأن الأممية الأولى، التي صاغ ماركس معظم وثائقها، قد تأسست على هذا الأساس. فالرأسمالية نظام عالمي، ولا يمكن مواجهتها إلا على المستوى العالمي.
الاشتراكية في بلد واحد؟
وفي حديثهم عن أسباب الانهيار، كان طرح الرفاق مضلِّلًا بشكلٍ كبير، وانتهى بهم المطاف إلى اللعب على الكلمات للخروج من التحليل بأقل الخسائر. ولتوضيح ذلك، سنبدأ باقتباس من وثيقة الرفاق:
لم يكن خافيًا على لينين ورفاقه أن روسيا، لحظة الاستيلاء على السلطة، لم تكن تمتلك الشروط المادية لقيام الاشتراكية. فقد تحدّث لينين في أكثر من مناسبة عن تخلّف قوى الإنتاج في روسيا، والطابع البرجوازي الصغير لرأسماليتها، وعدم بلوغ العلاقات الرأسمالية فيها درجة النضج الكافي لإنجاز البناء الاشتراكي. لكن البلاشفة لم يجدوا في التعارض القائم بين نضج الشرط السياسي، المتمثل باستيلاء الطبقة العاملة وحلفائها على السلطة، وعدم توفّر بعض عناصر الشرط الموضوعي لإقامة الاشتراكية، سببًا كافيًا لعزوف الطبقة العاملة عن الاستيلاء على السلطة والمضي قدمًا على طريق بناء الاشتراكية.
لعلّ السند الفكري الرئيسي لموقفهم يكمن في التعويل الواضح، خلال المراحل المبكرة التي أعقبت انتصار الثورة، على قيام ثورات عمالية ظافرة في البلدان الأوروبية التي بلغت فيها الرأسمالية مرحلة متطورة، وبشكل خاص في ألمانيا. لذلك دافع لينين عن فكرة إمكانية قيام الاشتراكية في بلد واحد، والانتقال السريع بالثورة من مرحلتها البرجوازية-الديمقراطية إلى المرحلة الاشتراكية، أي تطبيق مفهوم الثورة المستمرة لماركس، في حين دعا المناشفة وماركسيون آخرون إلى حصر الثورة ضمن أفقها البرجوازي-الديمقراطي. وربط قادة آخرون للثورة، منهم تروتسكي، الانتقال إلى الاشتراكية بقيام ثورات عمالية في البلدان الرأسمالية المتطورة
ما الذي يعنيه كلام الرفاق أعلاه؟ يعني أنه، فيما يخص الموقف من إمكانية إقامة الاشتراكية في بلد واحد، توجد ثلاثة تيارات:
المناشفة، الذين دعوا إلى حصر الثورة في أفقها البرجوازي-الديمقراطي، وهذا صحيح، وخصوصًا في فترة حكومة كيرنسكي. وعلى الجهة الأخرى يأتي تروتسكي، الذي أكّد أن الانتقال إلى الاشتراكية يتطلب قيام ثورات عمالية في البلدان الرأسمالية المتطورة، وهذا صحيح جزئيًا فقط، لأنه تفسير اختزالي ومجتزأ من سياق أوسع بكثير. وفي الوسط يأتي لينين، الذي دافع – بحسب هذا الطرح – عن إمكانية قيام الاشتراكية في بلد واحد، وربط الرفاق هذا الموقف بمفهوم الثورة الدائمة عند كارل ماركس. وبهذا الشكل، خرج معدّو الوثيقة والموافقون عليها منتصرين، لكن على جثث ماركس ولينين وتروتسكي مجتمعين.
إن من يقرأ تفسير الرفاق ينتهي إلى استنتاج مفاده أن البلاشفة، عند وصولهم إلى السلطة، اصطدموا بالواقع المتخلّف للاقتصاد الروسي، وعندها ظهر الأساس النظري للاشتراكية في بلد واحد على لسان لينين نفسه. ومن لسان لينين نفسه سنقدّم الردود التي تُظهر عدم صحة ما ورد في تحليل الرفاق.
خط لينين الأممي منذ البداية حتى النهاية
في عام 1905 ذكر لينين:
إن البروليتاريا تكافح بالفعل للحفاظ على المكتسبات الديمقراطية في سبيل الثورة الاشتراكية. سيكون هذا النضال ميؤوسًا منه تقريبًا للبروليتاريا الروسية وحدها، وستكون هزيمتها حتمية
وفي المؤتمر السابع للحزب الشيوعي الروسي في آذار/مارس 1918، عبّر لينين عن قناعته الراسخة التي لا تتزعزع قائلًا:
إنها حقيقة مطلقة أننا من دون الثورة الألمانية سنُهزم — ربما ليس فقط في بتروغراد أو موسكو، بل في فلاديفوستوك أو في مناطق أبعد منها، حيث سنضطر إلى التراجع، على الأرجح، أبعد حتى مما تفصل به المسافة بين بتروغراد وموسكو؛ ولكننا، في جميع الأحوال، إزاء كل ما يمكن تصوّره من تقلبات، سنهلك إذا لم تقع الثورة الألمانية
وبالمعنى نفسه، صرّح لينين بعد شهر في خطاب ألقاه أمام سوفييت موسكو قائلًا:
إن تخلّفنا هو الذي دفعنا إلى الأمام، وسنُهزم إذا لم نحسن الصمود فترةً كافية إلى أن نحصل على دعمٍ قوي من العمال المنتفضين في البلدان الأخرى
وفي «الرسالة المفتوحة إلى العمال الأميركيين»، الصادرة في آب/أغسطس 1918، صاغ لينين المسألة بطريقة متشابهة جدًا قائلًا:
ما دامت جمهوريتنا السوفييتية منطقةً معزولة على أطراف العالم الرأسمالي بأسره، فإن الاعتقاد بأننا مستقلون اقتصاديًا بالكامل سيكون خيالًا سخيفًا تمامًا وواحةً من أوهام الطوباوية
وفي آخر فترة من إنتاجه النظري، أشار لينين في آذار/مارس 1923 إلى ما يكفي لإظهار أن المشكلة بالنسبة له بقيت نفسها حتى نهاية حياته:
نحن نقف حاليًا أمام السؤال التالي: هل سننجح، في ظل إنتاجنا الفلاحي الصغير والزراعي القزم، وفي ظل انهيار اقتصادنا، في الصمود طويلًا إلى أن تُكمل دول أوروبا الغربية تطورها نحو الاشتراكية؟
وهنا سنصدم رفاقنا الأعزاء بمعلومة ربما غابت عن أذهانهم، أو ربما أخفوها عمدًا، لإنجاز نقدهم للتجربة السوفييتية بأقل عناء وأكثر إقناعًا. فستالين ذاته، صاحب نظرية «الاشتراكية في بلد واحد»، كان قد كتب في شباط/فبراير 1924، في كتابه «أسس اللينينية»، أن لينين كان يدرك أنه لا مجال لاستمرار الإنتاج الاشتراكي على المستوى الوطني، وقد لخّص ستالين وجهة نظر لينين حول بناء الاشتراكية كما يلي:
إن إسقاط سلطة البرجوازية وإقامة سلطة البروليتاريا في بلاد واحدة لا يعني بعد ضمان انتصار الاشتراكية انتصارًا كاملًا. إن مهمة الاشتراكية الرئيسية — تنظيم الإنتاج الاشتراكي — ما تزال قضية مستقبل. فهل يمكن حل هذه القضية، وهل يمكن الوصول إلى انتصار الاشتراكية انتصارًا نهائيًا في بلاد واحدة دون جهود مشتركة يبذلها بروليتاريو عدة بلدان متقدمة؟ كلا، هذا مستحيل. فلإسقاط البرجوازية تكفي جهود بلد واحد — وهذا ما يؤكده لنا تاريخ ثورتنا — أمّا لانتصار الاشتراكية انتصارًا نهائيًا، أي لتنظيم الإنتاج الاشتراكي، فإن جهود بلد واحد، ولا سيما في بلد فلاحين كروسيا، لا تكفي. لذلك لا بد من تضافر جهود بروليتاريا عدة بلدان متقدمة
هذه، على العموم، هي السمات المميزة للنظرية اللينينية عن الثورة البروليتارية
حتى النصف الأول من عام 1924، لم يكن هناك أي خلاف حول أن تلك هي السمات المميزة للنظرية اللينينية عن الثورة البروليتارية. وقد أكدها لينين مرارًا وتكرارًا في مئات الخطب والمقالات والوثائق منذ عام 1905. وقد قدمنا ما يكفي من الاقتباسات، بدءًا من عام 1905، مرورًا بالثورة البلشفية، وصولًا إلى آخر أيام لينين، بحيث أصبح من الممكن للقارئ أن يتأكد من الطابع الأممي لأفكار لينين حول بناء الاشتراكية. ومهما حاول الستالينيون وصغار البرجوازيين ابتكار الحيل لنسب فكرة «الاشتراكية في بلد واحد» إلى لينين، فإنها تبقى أفكارهم الخاصة، لا أفكار لينين.في الواقع، لم يكن أحد يجرؤ على طرح فكرة الاشتراكية في بلد واحد حتى عام 1924، وذلك مع تأسيس المدرسة الستالينية التحريفية بعد وفاة لينين، كردّ فعل على عزلة الثورة وتعثر امتدادها الأممي. ثم تحولت هذه النظرية نفسها إلى سبب لسلسلة طويلة من الكوارث. عندها بدأ ستالين بتغيير كتاباته التي كان قد كتبها بنفسه، واضعًا فيها موقفًا معاكسًا تمامًا لمواقفه قبل وفاة لينين. وبحلول تشرين الثاني/نوفمبر 1926، صار في إمكان ستالين أن يؤكد، دون أدنى خجل، ما يلي:
لقد كانت نقطة انطلاق الحزب دائمًا هي فكرة أنه يمكن تحقيق انتصار الاشتراكية في هذا البلد، وأنه يمكن إنجاز هذه المهمة بقوى بلد واحد»
لم يكن من السهل على العصبويين والتحريفيين فهم مواقف لينين في المرحلة الانتقالية؛ ولذلك قاموا، بعد وفاته، بتحويل برنامجه الانتقالي للوصول إلى الثورة الاشتراكية إلى نظرية مكتفية ذاتيًا. ولم يكن هذا التحويل يستند إلى نصوصه بقدر ما كان يعكس حاجات سياسية لاحقة لتبرير مسار وطني معزول. وهذا تحديدًا ما قام به الرفاق في الحزب الشيوعي العراقي، إذ سعوا، في كل مرحلة، إلى تطويع موقف لينين ليتناسب مع مواقفهم الوطنية المعزولة، وهو ما سنتناوله لاحقًا، إلى جانب أثره الخطير في وعي وفكر الشباب العراقي الثوري. إلى هنا نكون قد وصلنا إلى نهاية المقال الأول. في المقالات اللاحقة سوف نناقش قضايا ذات أهمية أيضاً حول الثورة الدائمة و الجمعية التأسيسية.