مكسيم مرشد
تحدثنا في المقال الماضي عن جذور ظاهرة الاغتراب التي تلعب دوراً كبيراً في صعود الأفراد وكأنهم محرك للتاريخ وصعود الدولة بصفتها مصلحة جماعية وهمية. لكن للحقيقة فإن هذا ليس كافٍ. بالنهاية فإن أي ظاهرة معينة في المجتمع هي نتيجة علاقة جدلية ما بين البنية التحتية والبنية الفوقية.
إذا ما نظرنا إلى وسائل الإعلام البرجوازية وحتى الكتب المدرسية والأفلام الوثائقية نجد جميعها تصب في ضرورة الاعتقاد أن التقدم التاريخي هو ثمرة “رجال ونساء عظماء” ذوي “أفكار عظيمة”، حيث لا تكون الجماهير سوى متلقّي سلبي لأفراد كاريزميين حازمين ذوي إرادة قوية. أما المنظور الماركسي فهو مختلف تماماً وقد أكد عليه ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي عندما أشارا إلى أن “تاريخ كل المجتمعات القائمة حتى الآن هو تاريخ صراع الطبقات”.
هذه الجملة بدورها أُسيء فهمها من قبل العديد من النقاد الأكاديميين وكذلك الأمر بعض من يسمون أنفسهم شيوعيين على حد سواء. ذلك عندما قاموا بتصوير الماركسية على أنها جامدة وآلية، واختصروا نظريات الاشتراكية العلمية بأنها حتمية اقتصادية. هذا الكلام رد عليه ماركس وإنجلز أنفسهم، فهما لم ينكرا أبداً أهمية الفاعلية الإنسانية في تحديد مسار التاريخ. في الواقع، شددا على أن التاريخ ليس قوة غامضة وبنفس الوقت هو ليس شخصية مستقلة، فلا وجود لقدر محتوم أو مصير مكتوب.كتب ماركس وإنجلز في العائلة المقدسة:
التاريخ لا يفعل شيئاً، لا يمتلك ثروات هائلة، ولا يخوض معارك. الإنسان، الإنسان الحقيقي الحيّ، هو من يفعل كل ذلك، من يملك ويقاتل، فـ‘التاريخ’ ليس شخصاً قائماً بذاته يستخدم الإنسان وسيلةً لتحقيق غاياته، إنما التاريخ ليس إلا نشاط الإنسان الساعي وراء أهدافه
وهنا قد يتبادر على ذهن القارئ سؤال محق: إن لم يكن التاريخ ولا الأفراد هم المحركين الأساسيين، كيف يمكننا حسم هذا النقاش؟ ما هو المنظور الماركسي للفرد؟
أفراد المرحلة وليس أفراد القدر
كان قد كتب بليخانوف مؤسس الماركسية الروسية ذات مرة:
إن الرجل العظيم لا يكون عظيماً لأن صفاته الشخصية تضفي طابعاً فردياً على الأحداث التاريخية الكبرى، بل لأنه يمتلك من الصفات ما يجعله أكثر قدرةً على تلبية الحاجات الاجتماعية الكبرى لعصره، تلك الحاجات التي نشأت عن أسباب عامة وخاصة
لا تنكر الماركسية دور الفرد في حركة التاريخ، بل في بعض الحالات يمكن أن يكون هذا الدور حاسماً ومركزياً. غير أن حتى “العظماء” من شخصيات التاريخ لا يستطيعون العمل إلا ضمن الحدود التي تفرضها ظروف زمانهم.
أي بمعنى آخر، على عكس “نظرية الرجل العظيم” لتوماس كارليل، ترى الماركسية أن الناس يصنعون تاريخهم الخاص، لكنهم لا يصنعونه كما يحلو لهم؛ فهم لا يصنعونه في ظروف اختاروها بأنفسهم، بل في ظروف قائمة فعلياً ومنقولة لهم من الماضي. أي أننا لا نمتلك إرادة حرة بالمعنى الذي يفترض قدرة غير مقيدة على تقرير مصيرنا، ولا نحن خاضعون لقوى قدرية حتمية تقرر مصيرنا.
لذلك نجد أفراداً يلعبون دوراً حاسماً إيجابياً كما لينين وتروتسكي في الثورة البلشفية، وأفراداً يلعبون دوراً حاسماً همجياً نتيجة مرحلة تاريخية بأكملها كما هتلر وموسوليني وفرانكو. وهناك أفراد يلعبون دور “الشخص المعبود” كما ستالين وماو والخامنئي. كل هذه الأمور تأتي نتيجة علاقة جدلية بين العديد من العوامل الذاتية والموضوعية سوف نأتي على ذكرها بالتفصيل.
المثل الشعبي: كل شخص ابن بيئته
لقد أشار لينين ذات مرة إلى أن المادية هي فلسفة الماركسية. المادية بمعناها الفلسفي تعني الواقع المادي الملموس الذي نعيش فيه. لذلك نجد أن الكثير من الأمثلة الشعبية، وكونها نتاج واقع مادي، فهي تعبر بشكل أو بآخر عن تفسير ماركسي معين. إن كل شخص ابن بيئته وهو محدود بحدودها.
في حين نتمتع جميعنا بدرجة نسبية من الحرية باتخاذ القرارات التي تخص حياتنا، إلا أننا نضطر، وبفعل موقعنا الطبقي، إلى اتخاذ قرارات محددة خارجة عن إرادتنا. الأشخاص الذين لا يملكون أي وسائل إنتاج أو ثروة لا يوجد أمامهم خيار سوى بيع قوة عملهم ولو بأرخص الأثمان من أجل الحصول على أجر يوفر الطعام على المائدة. هذا العمل بمعظم الأحيان لا يناسبنا، لكننا مضطرون لاختياره.
وكما هو الحال بالنسبة لنا كعمال وفلاحين فقراء وطلاب، يصبح الأمر كذلك بالنسبة لهؤلاء الأشخاص “العظماء”. هم لا يستطيعون العمل إلا ضمن الحدود التي يفرضها زمانهم، والتي هي بطبيعة الحال نتيجة للذين سبقوهم. بعبارة أخرى: حتى الأفراد الأكثر عزيمة وذكاء ليسوا أحراراً بالكامل، بل يخضعون للقيود التي تفرضها الشروط المادية عليهم.
الثورة البلشفية في روسيا
في تقريره حول ثورة عام 1905، والذي كان لينين قد ألقاه أمام مجموعة من الشباب الاشتراكيين في سويسرا في كانون الثاني / يناير من عام 1917، تحدث لينين:
نحن، الشيوخ، لربما لن نعيش حتى المعارك الفاصلة في الثورة المقبلة. ولكن بوسعي، كما أعتقد، أن أعرب بثقة كبيرة عن الأمل في أن الشباب الذي يعمل جيداً جداً في الحركة الاشتراكية في سويسرا وفي العالم أجمع – في أنه سيكون من حظ هذا الشباب لا أن يناضل وحسب، بل أيضاً أن ينتصر في الثورة البروليتارية المقبلة
لقد كانت هذه الكلمات قبل أيام فقط من اندلاع ثورة شباط / فبراير في روسيا، والتي أطاحت بالقيصر. لينين ذاته لم يكن يتوقع بأنه سوف يعيش ليشهد المعركة الفاصلة. هل كان هذا يعني أن لينين لم يكن ثورياً؟ بالطبع لا. لكن الظروف المادية آنذاك لم تستدعِ لينين بعد، ولم تفسح له المجال ليلعب دور العامل الحاسم في التغيير، ولو حتى في مخيلته. بعد 8 أشهر فقط، وصل العمال بقيادة البلاشفة إلى السلطة بعد فشل المناشفة والاشتراكيين الثوريين في تحقيق أي شعار من شعارات الثورة (الأرض – الخبز – السلام). ما الذي حصل؟
عندما بلغ الصراع الطبقي ذروته، أصبحت متطلبات المجتمع واحتياجاته تميل إلى استدعاء أفراد يتمتعون بصفات وخصائص محددة. وهنا يبرز دور الأفراد الذين يحملون صفات مميزة. فإن كانوا موجودين بما يكفي من إمكانيات، سوف تصبح إمكانياتهم هذه هي العامل الحاسم للتغيير.
لقد كانت الثورة في روسيا من صنع الجماهير، لكن العامل الحاسم لنجاحها في النهاية لم يكن ليصبح ممكناً دون الدور الحاسم الذي لعبه لينين وتروتسكي. على جميع الأحوال، لقد كان تروتسكي متواضعاً بما يكفي ليؤكد على أن دوره كان ثانوياً بالمقارنة مع لينين.
كتب تروتسكي في يومياته في المنفى:
لو لم أكن حاضراً في بتروغراد عام 1917، لكانت ثورة أكتوبر قد وقعت مع ذلك – بشرط أن يكون لينين حاضراً ويتولى القيادة
و أضاف:
أما لو لم يكن لا لينين ولا أنا في بتروغراد، لما حدثت ثورة أكتوبر على الإطلاق: قيادة الحزب البلشفي كانت ستمنع وقوعها – وليس لدي أدنى شك في ذلك! ولو لم يكن لينين في بتروغراد، أشك أنني كنت سأستطيع التغلب على مقاومة قادة البلاشفة… لكنني أكرر: بوجود لينين، كانت ثورة أكتوبر ستنتصر على أي حال
النازية أم هتلر؟
عادة ما يلجأ المؤرخون البرجوازيون إلى استخدام السمات الشخصية لأفراد بعينهم لتفسير الأحداث والفظائع التاريخية التي لا يستطيعون فهمها أو لا يريدون فهمها. وهكذا يتم نسب الحرب العالمية الثانية والهولوكوست إلى الوحشية الفردية لأدولف هتلر ودائرته المقربة منه فقط، من دون أي إشارة إلى النظام الرأسمالي نفسه الذي أدى إلى صعود الفاشية كخيار أخير ضد المد العمالي.
صعود شخص مثل هتلر لم يكن صدفة، بل كان نتاجاً لفترة تاريخية بكاملها. ويؤكد ذلك أيضاً ظهور شخصيات وحركات مماثلة — مثل موسوليني في إيطاليا وفرانكو في إسبانيا — في الفترة نفسها تقريباً، نتيجةً لظروف مشابهة في أوروبا.
قال هتلر مادحاً نفسه بأنه وصل إلى السلطة “من دون أن يكسر حتى لوحَ زجاج واحد”. هذه سردية ترسخها أيضاً الروايات البرجوازية لكن بطريقتها. وبطبيعة الحال هذه سردية كاذبة. فقد تكسر الكثير من الزجاج والعظام حتى في طريق الوصول إلى السلطة. وهذا الوصول كان بدعم رأسماليين ألمان. لم يكن من الممكن للنازية والفاشية، وبالتالي لهتلر وموسوليني، أن يصلوا إلى السلطة لو كان في ألمانيا قيادة ثورية استطاعت الوصول بالعمال إلى السلطة عام 1918.
أفعال هتلر، بلا شك، قد أثّرت في مسار التاريخ. لكنه هو نفسه كان نتاجاً للفترة التي عاش فيها: قامت الجماهير في ألمانيا بمد ثوري كبير بين عامي 1918 – 1923، لكن للأسف لم تصل إلى السلطة بسبب غياب القيادة الثورية، خصوصاً بعد اغتيال روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنشت. وبعد ذلك سياسة “المرحلة الثالثة” التي فرضها ستالين على الأحزاب الشيوعية، والتي منعت الحزب الشيوعي من تشكيل تحالف مع الاشتراكيين الديمقراطيين ضد هتلر وحزبه.
تزامن ذلك مع إذلال ألمانيا وانتقاص سيادتها بعد الحرب العالمية الأولى، وتجسد ذلك في فرض معاهدة فرساي. كانت المحصلة نشوء طبقة واسعة من البرجوازية الصغيرة المُفقَرة، المحاصَرة بين الرأسمالية الاحتكارية من جهة، والطبقة العاملة المتجهة نحو الشيوعية من جهة أخرى. وهذه الكتلة الوسطى المحطمة الهائجة هي التي وفرت الأساس الاجتماعي لصعود الفاشية. ومع الدعم الرأسمالي الكبير لهتلر كضمانة وحيدة ضد العمال، أصبح الطريق ممهداً أمام النازية، وبالتالي أمامه للعب هذا الدور التاريخي.
لقد كان الانقلاب الفاشل الذي قام به هتلر في عام 1923 دليلاً على افتقار تلك الحركة إلى قاعدة جماهيرية واسعة في البداية. لكن تلك القاعدة بدأت تتشكل بعد أزمة 1929، بعدما عانت الطبقة العاملة من هزائم كبيرة في ثوراتها السابقة.
بن غوريون و الصهيونية
أيضاً بالنسبة لبن غوريون، يرجع المؤرخون البرجوازيون نجاحه إلى حنكته السياسية أو رؤيته الثاقبة. لكن الواقع الحقيقي له رأي آخر. بن غوريون لم يكن ليستطيع أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه لولا سلسلة من الوقائع التي حدثت ومهدت له ذلك.
صدر وعد بلفور المشؤوم في عام 1917، لكن هذا الوعد مر أمام أعين جميع اليهود في أوروبا ولم يتم أخذه على محمل الجد. وعلى الرغم من وصول النازيين إلى السلطة عام 1933 وبدء حملتهم المضادة لليهود، إلا أن معظم اليهود الأوروبيين لم يكونوا يريدون الهجرة إلى فلسطين، وإنما على العكس تماماً.
في يومياته، تحدث مؤرخ “غيتو وارسو” إيمانويل رينجلبلوم عن النصر المذهل للبوند الاشتراكي اليهودي في الانتخابات التي حصلت في بولندا في كانون الأول / ديسمبر عام 1938. كانت نتائج انتخابات بلدية وارسو (العاصمة وأكبر تجمع يهودي في أوروبا حينها) صادمة للصهاينة ومبهرة للاشتراكيين:
البوند (الاشتراكيون): فازوا بـ 17 مقعداً من أصل 20 مقعداً مخصصاً للقوائم اليهودية. في حين أن الصهاينة بجميع تياراتهم (المتطرفين والمعتدلين) حصلوا على مقعد واحد فقط، أما الكتل الدينية (أغودات يسرائيل): حصلت على مقعدين. وارسو لم تكن الاستثناء. في مدينة لودز (Łódź): حصل البوند على 11 مقعداً من أصل 17 مقعداً يهودياً، وفي فيلنا (Vilna): حصلوا على أغلبية ساحقة أيضاً.
“البوند” كان تنظيماً اشتراكياً علمانياً ينظم نقابات عمالية ومدارس بلغة “اليديشية”، وكان يرى في الصهيونية “حركة برجوازية تخدم الاستعمار”. في ذلك الوقت، الغالبية العظمى من اليهود البولنديين (الذين كانوا يمثلون قلب اليهودية العالمي) لم يكونوا يريدون الذهاب إلى فلسطين، بل أرادوا النضال ضد الفاشية والفقر في بولندا جنباً إلى جنب مع العمال غير اليهود. لم تكن الظروف المادية قد تغيرت بعد لدرجة استدعاء بن غوريون للجلوس في مقعد “القائد الملهم”.
إلا أن اجتياح النازيين لبولندا عام 1939 أدخل القارة الأوروبية والعالم أكمله في الهمجية، وتغيرت كل الموازين. في عام 1941 تحدث تروتسكي – والذي ينحدر من عائلة يهودية أيضاً – في رسالة للعمال اليهود مؤكداً أن الصهيونية فخ دموي، وأن خلاص الشعب اليهودي لا يمكن أن يحصل إلا عن طريق الثورة الاشتراكية. رغم ذلك، لم يمتلك تروتسكي القدرة على التأثير على العمال اليهود الذين ساروا بطريق بن غوريون.
لماذا؟ هل لأن تروتسكي لا يملك الكاريزما بينما بن غوريون يملكها؟ لا يمكن أن يظن ذلك سوى الأحمق. لقد كان تروتسكي من الصف الأول في الحزب البلشفي، وهو مؤسس الجيش الأحمر، وقاد ببراعة السياسة الخارجية السوفياتية في اتفاقية بريست – ليتوفسك. لقد مثل تروتسكي إلى جانب لينين، بما امتاز به من فكر شيوعي أممي وجرأة الحماسة الثورية لعام 1917. هذه الحماسة لم تعد موجودة في عام 1939. ما كان موجوداً في ذلك الوقت هو الخوف والدمار وغريزة البقاء عند العمال اليهود وغير اليهود أيضاً. هؤلاء العمال اليهود أنفسهم الذين كانوا قبل عامين فقط يريدون البقاء إلى جانب بقية العمال في صراعهم ضد الفاشية ورفضوا الصهيونية، لم يتبق أمامهم سوى المشي بطريق بن غوريون نفسه للهرب من آلة القتل النازية.
لقد كانت فترة همجية لدرجة أنها لم تستدعِ فقط أشخاصاً مثل بن غوريون ليلعبوا دور القيادة، بل استدعت أيضاً ضرورة عدم الإبقاء على تروتسكي نهائياً على قيد الحياة، حيث تم اغتياله على يد عميل ستاليني، فقط بعد أيام من رسالته التي كتبها للعمال اليهود، وذلك بعد أن فضح ستالين وطبقته البيروقراطية.
عبادة الفرد و البروباغاندا الرأسمالية
كما ذكرنا سابقاً، يميل المفكرون والمؤرخون البرجوازيون لنسب كل ما حصل من همجية في أوروبا بعد صعود النازية إلى شخصية هتلر الشريرة، وليس إلى بنية النظام الرأسمالي نفسه، إلا إنهم عندما يبدؤون بالحديث عن الاتحاد السوفياتي تصبح كل مظاهر عبادة الفرد والسياسات الكارثية التي قامت بها البيروقراطية الستالينية هي نتيجة للشيوعية والبلشفية بأكملها، وتصبح الستالينية نتيجة طبيعية للبلشفية.
عبادة الشخصية التي أحاطت ستالين لم تخرج من البلشفية أو الشيوعية، بل انبثقت من صعود البيروقراطية التي كانت نتيجة الحرب الأهلية التي مولها الرأسماليون أنفسهم، وقد دمرت الطبقة العاملة في روسيا، بالإضافة إلى هزيمة الثورة الألمانية عام 1918، الأمر الذي أدى إلى زيادة عزلة الثورة البلشفية.
إنّ سبب انحطاط الاتحاد السوفييتي إلى ديكتاتورية شمولية لم يكن في أفكار الماركسية أو اللينينية أو البلشفية، ولا في شخصية ستالين المهووسة بالعظمة، بل في استحالة بناء «الاشتراكية في بلدٍ واحد» — خصوصًا في بلدٍ متخلّفٍ اقتصادياً وغالبية سكانه من الفلّاحين مثل روسيا؛ أي في فشل الثورة في الانتشار عالمياً. لقد انبثق صعود الجهاز البيروقراطي السوفييتي — ومن ثمّ صعود ستالين — من هذه الحقيقة ذاتها.في كتابه عن ستالين، تحدث تروتسكي في الفصل الرابع عشر:
لم يصعد ستالين إلى السلطة بفضل صفاته الشخصية، بل بفضل جهازٍ لا شخصيٍّ. فلم يكن هو من خلق الجهاز، بل الجهاز هو من خلقه
إنّ «الرجال الأقوياء» أمثال ستالين وحتى يوليوس قيصر ونابليون يظهرون تاريخياً، لا بسبب عزيمتهم أو طموحهم الذي لا يلين، بل لأنّ التناقضات الاجتماعية في فترات معيّنة تفرض مثل هذا النمط السلطوي من القيادة. أي أن ستالين لم يصعد بسبب عبادة الشخصية، بل على العكس تماماً، بسبب افتقاره إلى الكاريزما والتميز الشخصي، وهو ما كان يتوافق مع تلك المرحلة.
لقد أدرك تروتسكي ببراعة هذا الأمر منذ البداية. كان بإمكانه أن يستأثر هو بالسلطة مستخدماً نفوذه في الجيش الأحمر كونه هو مؤسسه، ولديه تأثير على أكبر جنرالاته. لكنه لو فعل ذلك، كان سوف يصبح أسير بيروقراطية عسكرية.
من عالم الضرورة إلى عالم الحرية
لقد اعتقد الاشتراكيون الطوباويون – أسلاف ماركس وإنجلز – أن كل ما يلزم لتحقيق الاشتراكية هو “الرجل العبقري الذي ظهر الآن وفهم الحقيقة”. لقد كانت هذه نظرة مثالية للاشتراكية فرضها واقع مادي متمثل بأن الطبقة العاملة بصفتها الحامل الطبقي للثورة الاشتراكية كانت ما زالت في حالتها الجنينية.
أما ماركس وإنجلز فقد طرحا الرؤية الاشتراكية العلمية، مؤكدَين أنّه لا كمٌّ ولا نوعٌ من «العظماء» في العصور السابقة كان بوسعه أن يقود المجتمع نحو الاشتراكية الحقيقية.
قبل مئة عام، حتى أعظم الأفراد لم يكن ليستطيع أن يستحضر قوى سحرية ليتحدث مع صديقه هاتفياً وهو يمشي في وسط الغابة. لكن من خلال تطوّر العلم أصبح من الممكن، مع الوقت، أن نفهم طرق الاتصال اللاسلكية ونخترع الهاتف الجوال.
والأمر نفسه ينطبق على العلاقة بين الفرد والتاريخ، فلا يمكن لأيّ شخصيةٍ تاريخية أن تنتصر في وجه قوى اجتماعيةٍ جبّارة تعمل ضدّها. ومن دون الشروط المادية الضرورية، لا يستطيع حتى أذكى القادة وأكثرهم كاريزما وتصميماً أن يذهب بعيداً.
لهذا السبب لم يستطع الجناح اليساري المتطرف لليعاقبة، ورغم كل كفاحيتهم، أن يخطو باتجاه الاشتراكية لأن الطبقة العاملة الفرنسية كانت في طور نشوئها. وكذلك الأمر بالنسبة للبلاشفة، رغم وجود الحزب البلشفي ووجود لينين وتروتسكي، إلا أنه في النهاية انتصرت الستالينية لأنه لا يمكن تحقيق الاشتراكية في بلد واحد.
الآن أصبحت الطبقة العاملة كبيرة جداً. حتى في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة أصبح للعمال والفلاحين الفقراء كلمتهم الحاسمة. في الغرب نجد محاولات جادة جداً لبناء القيادة الثورية العالمية، وهذا ما يضع على جدول أعمالنا بناء قيادة ثورية في منطقتنا أيضاً، والتي سوف تصبح لاحقاً جزءاً من نضال عمالي أممي.
القيادة الثورية
إن غياب القيادة الثورية يؤدي بطبيعة الحال إلى عجز سياسي لدى الجماهير. وأحد أهم نتائج هذا العجز السياسي هو التعبير بفرح أو بغضب على مقتل شخصية مثل خامنئي. تحدثنا مع الكثيرين من الشباب الإيرانيين في أوروبا، وكانوا يظنون فعلاً أن اغتيال خامنئي سيحسن الأحوال. نفس الأمر كان يظنه السوريون أيضاً في عام 2011، بأنه إذا رحل بشار الأسد فالأمور سوف تصبح أفضل.
رحل بشار الأسد وتم اغتيال خامنئي. ماذا تغير؟ الأمور أصبحت أسوأ. أدى هذا الاغتيال إلى تماسك السلطة في إيران وصعود جناح أكثر تشدداً، وهذا ما قد يجعل، في حال نجح النظام بالاستمرار، الجماهير الإيرانية في وضع أسوأ بكثير. وأدى رحيل الأسد إلى وصول نظام يقوم بوظائف فاشية للسلطة.
في فترات الأزمات تتصاعد الحاجة إلى اليقين، وفي حال غياب القيادة الثورية التي هي بطبيعة الحال العامل الوحيد المانح لهذا اليقين -كونها تحدد وبدقة من هو العدو الطبقي والنظام المسؤول والطريق للحل- سوف يتم اختزال كل هذه الحاجات بأشخاص بدلاً من الواقع المادي الذي ينتج هؤلاء الأشخاص.
لقد رأينا ذلك بشكل واضح في الحراك الثوري السوري عام 2011. لو كان يوجد قيادة ثورية حقيقية لقيادة الجماهير، لكانت المطالب الرئيسية هي مطالب اقتصادية مربوطة ببرنامج انتقالي واضح، وشعارات تجمع حولها كل الفقراء والمسحوقين. لكن غياب هذه القيادة جعل الثورة تسير بشكل عفوي، وأصبحت شعارات من قبيل “يلعن روحك يا حافظ” هي الشعارات السائدة. هكذا تم اختزال النظام بفرد، والأسوأ من ذلك أن هذا الفرد لم يكن على قيد الحياة.
انطلاقاً من هذه الظروف سوف يصبح اللعن والتقديس والتمجيد والمهاجمة لشخص أو مجموعة أشخاص سلوكاً طبيعياً ومنطقياً. هذا السلوك ليس غباءً عند الجماهير، وإنما شكل من أشكال التكيف النفسي مع واقع مادي يسوده الاغتراب السياسي بسبب غياب القيادة الثورية.
وفي النهاية، كما علّق إنجلز في الفصل الحادي عشر من كتابه “ضد دوهرينغ”، مستشهداً بهيغل، فإنّ الحرية الحقيقية “لا تكمن في أيّ استقلالٍ متخيَّل عن القوانين الطبيعية، بل في معرفة هذه القوانين، وفي الإمكانية التي تمنحها هذه المعرفة لجعلها تعمل بصورةٍ منهجية نحو أهدافٍ محدَّدة“.
ويضيف: وينطبق هذا على كلٍّ من قوانين الطبيعة الخارجية، وعلى تلك التي تحكم الوجود الجسدي والذهني للإنسان نفسه — وهما نوعان من القوانين يمكننا أن نفصلهما في الفكر فحسب، لا في الواقع.“
لذلك لا بديل عن بناء القيادة الثورية التي سوف تضع الجماهير أمام عدوها الطبقي الحقيقي. عندها فقط لن يمكن للرأسماليين اختزال المنظومة بشخص واحد، ولن تكون قادرة على التنصل من محارق جديدة ولصقها بشخص واحد، ولن تكون قادرة على إقناع الجماهير بأن رضا بهلوي هو أفضل من الخامنئي، ولن تكون قادرة على توجيه غضب الشارع بأكمله نحو شخص مثل بشار الأسد لتستطيع المحافظة على النظام الطبقي كما هو مع تغيير فقط في رأس هذا النظام.
عندها سوف تعلم الجماهير أن بشار الأسد والجولاني والخامنئي وغيرهم هم جميعهم ينتمون لنفس الطبقة، لكنهم يملكون أدوات مختلفة من الحكم. عندها سوف يصبح من الممكن أن يتم توجيه الطاقة الكامنة لدى العمّال والشباب والجماهير المقهورة — تلك الطاقة الموجودة اليوم في جميع أنحاء العالم — نحو التحويل الثوري للمجتمع وضد عدونا الطبقي الحقيقي وهو: الرأسمالية.
إن بناء هذه القيادة هي المهمة التي نضعها نحن في إيسكرا نصب أعيننا، وندعوكم للانضمام إلينا لنخوض معاً هذا النضال المشترك.
لدينا مستقبل لنكسبه.