مكسيم مرشد
وصل نظام الجولاني للسلطة في 8 كانون الأول / ديسمبر عام 2024 بشكل مفاجئ و لم يتوقعه أحد. صعد هذا النظام كما لو أنه روح شريرة تم استحضارها في جلسة أرواح لتعذيب من تبقى من الجماهير في سوريا و جعلهم يعيشون أسوء كوابيسهم. لكن هذا التوصيف لا ينتمي لعالم السياسة. لذلك كل من يريد التغيير الجدي هو مطالب بتقديم تعريفات علمية لما نراه في سوريا اليوم.
على ما يبدو أنه لا أحد قادر على تفسير طبيعة هذا النظام بشكل دقيق لا من معارضيه و لا حتى من مؤيديه. هذا الوصول وضع الجماهير أمام حالة من الذهول و التيارات السياسية وخصوصاً التي تسمي نفسها يسارية أمام حالة من التخبط. هذا التخبط نتيجة طبيعية لضياع هذه التيارات نظرياً.
بالوقت الذي ذهب فيه بقايا حزب العمل الشيوعي للاستمرار بالحديث عن تجمعات ديمقراطية برجوازية وتجنب أي حديث جدي عن أي استقلال طبقي للعمال وحلفائهم الطبقيين و تقديم حلول أقل ما يمكن تسميتها انبطاحيه و انتهازية ذهب تيار اليسار الثوري لتسمية نظام الجولاني بأنه نظام تيرميدوري و استجلاب تكتيك الجبهات المتحدة بشكل مبتذل، كوسيلة للنضال في تكيف قصير النظر مع الأمر الواقع.
في سلسلة المقالات هذه سوف نناقش مصطلحات أصبح من الضروري على كل ساع للتغيير اتقانها. لا بد من الدخول في تفاصيل وتعريفات اصطلاحية قد يراها البعض غير ضرورية لكنها بالحقيقة هي الأساس الذي يجب البناء عليه في حال أردنا تنظيم مقاومة جماهيرية ضد النظام الرأسمالي و التدخلات الامبريالية. ذكر تروتسكي في مقاله حول الفاشية و البونابرتية:
تتجلى الأهمية العملية الهائلة للتوجه النظري الصحيح بأوضح صورة في فترات الصراع الاجتماعي الحاد، والتحولات السياسية السريعة، والتغيرات المفاجئة في الأوضاع. ففي مثل هذه الفترات تُستنفد بسرعة التصورات والتعميمات السياسية، وتصبح بحاجة إما إلى استبدال كامل (وهو الأسهل)، أو إلى تجسيدها، أو تدقيقها، أو تصحيحها جزئيًا (وهو الأصعب). وفي مثل هذه الفترات بالذات تنشأ، بحكم الضرورة، شتى الأوضاع والتركيبات الانتقالية والوسيطة، التي تقلب الأنماط المألوفة وتتطلب، على نحو مضاعف، اهتمامًا نظريًا متواصلًا. وبكلمة واحدة، إذا كان من الممكن في فترات السلم (ما قبل الحرب) أن يعيش المرء على عائدات عدد قليل من التجريدات الجاهزة، فإن كل حدث جديد في زماننا هذا يرسخ بقوة أهم قانون من قوانين الجدل: الحقيقة دائمًا ملموسة
كلمة السر لدى تروتسكي واضحة جداً و أثبتت صحتها في كل منعطف تاريخي للحركة العمالية: “الفهم النظري الصحيح”. على كل حال فقد دخلت سوريا في مرحلتها الانتقالية من لحظة بداية المد الثوري وأصبح مما لا شك فيه أن وصول الجولاني للسلطة هو النتيجة المنطقية على فشل كل التيارات السياسة اليسارية التي واكبت تلك الفترة والتي مازالت تقف وبكل فخر على هامش الحركة الجماهيرية كونها كانت وما زالت تعيش على ريع تعميمات سياسية انتشرت على مدى عقود وهي بالأساس خاطئة.
” التكويع” في عصر الانحطاط الامبريالي
لقد انتشر في سوريا مصطلح اسمه “التكويع”، أي ما معناه تبديل الموقف السياسي بين ليلة وضحاها، حيث أصبح أكبر الكارهين لنظام الجولاني هم من أكثر الداعمين له . هذا المصطلح، ورغم شعبويته، له أساس طبقي للحقيقة.
الماركسية تنطلق من أن البنية الفوقية – من سياسة وأيديولوجيا وقانون وثقافة – ليست مستقلة عن نمط الإنتاج، بل هي انعكاس جدلي له. عندما يدخل نمط الإنتاج في أزمة ممتدة، فإن أشكال الوعي والسلوك السياسي تتعرض لاهتزازات حادة.
ظاهرة ” التكويع” عند الذين تعودوا على الارتزاق من أمثال بعض الاعلاميين و المؤثرين والسياسيين البرجوازيين ليست بحاجة لتفسير كونها ناتجة عن انتهازية هؤلاء. بينما عندما شريحة واسعة من الجماهير لا يمكن أن نعتبرها ضعف أخلاقي ولا نزعة نفسية معزولة، بل تعبير سياسي عن أزمة عميقة يعيشها نمط الإنتاج الرأسمالي في مرحلته المتأخرة.
عندما تدخل الرأسمالية في طور التخبط المستمر —أزمات اقتصادية، انهيار في اليقين، إنعدام الأمان — يجد الأفراد أنفسهم تحت ضغط مادي مباشر يهدد ليس فقط شروط عيشهم بل يهددهم وجودياً. في مثل هذه اللحظات، يتغير المزاج العام للجماهير لا بدافع قناعة فكرية عميقة، بل كآلية تأقلم مع ميزان قوى مختل ومع خوف موضوعي من الإقصاء أو العقاب أو فقدان الموارد.
لقد وصف لينين الإمبريالية بوصفها مرحلة الاحتكارات ورأس المال المالي والصراع على إعادة تقسيم العالم. وفي هذه المرحلة، تصبح الأزمات أكثر عنفًا وأقل قابلية للاحتواء.
وجود الاتحاد السوفياتي سابقاً كان عاملاً هاماً في التوازن ليس فقط على المستوى العالمي بل ضمن البلدان الرأسمالية. كانت الرأسمالية تسعى لاحتواء الصراعات الطبقية بأي طريقة. لذلك فقد حصل العمال في البلدان الرأسمالية على هامش أكبر من الحقوق. بينما ساعد التوازن العالمي على التقليل من شدة التدخلات الامبريالية المباشرة في البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة.
إن المرحلة التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي لم تكن “نهاية التاريخ”، بل انتقالًا إلى طور من الانفراد الإمبريالي أعاد فيه رأس المال المالي ترتيب أدواته عالميًا. غير أن الأزمة المالية عام 2008 كشفت حدود هذا الانفراد، وأظهرت أن الرأسمالية دخلت أزمة ربحية وتراكم طويلة الأمد، تتجلى في اضطراب مراكز القرار، وتصاعد الصراعات الجيوسياسية، وإعادة تدوير التحالفات والوجوه السياسية بصورة فجّة وهذا ما رافقه أيضاً بتغيرات فجة في أمزجة الجماهير وبالتالي ظهور مصطلح مثل ” التكويع”
هذه هي الرأسمالية في مرحلة انحطاطها الإمبريالي، وما ينتج عنها من انعكاسات في البنية الفوقية للمجتمع. أصبح تغيير المواقف السياسية بين ليلة وضحاها بالنسبة للانتهازيين هو سمة المرحلة. أما بين بعض من يسمون أنفسهم “شيوعيين” أو “ثوريين”، فسلوك طريق الانتهازية الواضح أمر صعب، لذلك كان لا بد من البحث في القواميس الماركسية عن صفة يلصقونها بالنظام الجديد تتناسب مع وضعهم المهزوز.
إن مقولة فلاديمير لينين بأننا نعيش في عصر الحروب والثورات، التي أضاف عليها ليون تروتسكي لاحقًا “والثورات المضادة”، قد أثبتها التاريخ إثباتًا وافيًا منذ أكثر من مئة عام. نادرًا أن مر التاريخ بفترات تحمل هزات عنيفة وصراعًا بين الأمم والطبقات كهذه الفترة.
فقط انظروا حولكم ولاحظوا كم التغييرات والتلاعبات بالأنظمة السياسية التي يحافظ بها الرأسمال المالي على نفوذه وسيطرته على الجماهير. يتم خطف رئيس من كاراكاس بكل وقاحة، وبنفس الوقت يأتون بإرهابي مسؤول عن آلاف الضحايا إلى دمشق. لم يتوقع حتى أكثر المتشائمين أن يصل شخص كانت قد قدمت الولايات المتحدة لقاء أي معلومة عنه 10 ملايين دولار إلى السلطة في دمشق، وبدعم أمريكي أيضًا.
كل رأسمالي منافق حتى لو أثبت العكس
هذه ليست المرة الأولى التي يعيد فيها ” الديمقراطيون” تدوير الفاشيين من أجل مصالحهم الخاصة. رغم كل دموع التماسيح التي ذرفها هؤلاء الأوغاد على ضحايا الهولوكوست وما رافقها من ضخ إعلامي لمحاكم نورينبرغ ضد عدد من شخصيات النظام النازي إلا أن الحقيقة كانت غير ذلك. هذه الحقيقة والتي تم دفنها تحت جبال من الأكاذيب تقول بأن عدد النازيين الذين تم محاكمتهم أقل بكثير من عدد الذين تم تسوية أوضاعهم ودمجهم في مؤسسات المعسكر الغربي.
بعد الحرب العالمية الثانية و في إطار التحشيد ضد الاتحاد السوفياتي عمل المعسكر الغربي على ما تم تسميته استراتيجية ” الجيش الألماني النظيف”. تم الضغط لإعادة دمج الضباط السابقين ومنحهم معاشات، وتجنب التشهير بالمجندين. هذا كان جزءًا من سياسة الحرب الباردة. سادت فكرة آنذاك أن معظم جرائم الحرب ارتكبتها وحدات ال (SS) فقط وليس الجيش النظامي. هذه الأسطورة انتشرت في ألمانيا الغربية والولايات المتحدة.
تحدث الكاتب الألماني فولفرام فيته و هو متخصص بتاريخ الجيش الألماني بجامعة فرايبورغ:
نشأت أسطورةُ “الفيرماخت النظيف” بعد عام 1945، وكانت تهدف إلى إعادة دمج الجنود السابقين سياسيًا واجتماعيًا. وقد أخفت بشكلٍ منهجي مشاركةَ الجيش الألماني النظامي في الجرائم الجماعية1
بين ال 5 و 9 من أكتوبر عام 1950 اجتمع عدد من ضباط الجيش الألماني النازي الفيرماخت (Wehrmacht) السابقين وكان الهدف هو إعادة دمج ألمانيا الغربية ضمن حلف الناتو لمواجهة الاتحاد السوفياتي حيث أصدروا آنذاك مذكرة هيميرود (Himmerod Memorandum) وناقشت هذه الوثيقة إعادة بناء الجيش الألماني الغربي (Bundeswehr) وسط الحرب الباردة، وتخفيف العقوبات عن بعض الضباط السابقين.
أكد العديد من الباحثين أنه و في ظل الحرب الباردة، تراجعت مسائلة المذنبين على نحوٍ متزايد. وقد قبلت القوى الغربية الصورةَ التي صاغها ضباط الفيرماخت عن نفسها بوصفها شرطًا مسبقًا لتأسيس الجيش الاتحادي (Bundeswehr). على كل حال فقد انهارت هذه الأسطورة بعد 1990، مع انتشار صور ووثائق عن جرائم الجيش على الجبهة الشرقية وأماكن مثل بابي يار. أي أنها انهارت بعد زوال الغرض منها أساساً و أًصبحت هذه الأسطورة غير ذات أهمية بالدعاية.
على كل حال فإن إعادة التدوير لم يتوقف على أعضاء الجيش النازي. بل أيضاً على جهاز ال (SS). هل سمع أحدكم ب ألويس برونر (Alois Brunner)؟
تمكّن ألويس برونر، بمساعدة شخص أصبح لاحقاً رئيس الاستخبارات الخارجية الألمانية (BND)، من الفرار من ألمانيا، وعاش منذ عام 1954 تحت الاسم المستعار “الدكتور جورج فيشر” في سوريا، وعمل من بين أمور أخرى لصالح جهاز المخابرات الألمانية الذي كان من المفترض أنه يلاحق النازيين. المضحك المبكي هو أن هذا الشخص نفسه عمل أيضاً مستشارًا لـ “قضايا اليهود” لدى المخابرات السورية.
انضم برونر إلى الـ SS عام 1938، وهي منظمة نازية صنفت بعد الحرب كمنظمة إجرامية، وكانت مسؤولة إلى حد كبير عن قتل اليهود الأوروبيين. في عام 1941، نظم ترحيل 48,000 يهودي ويهودية من فيينا، وفي عام 1943 شارك في ترحيل 40,000 يهودي ويهودية من مدينة سالونيك اليونانية و25,000 يهودي ويهودية من فرنسا إلى معسكرات الإبادة. في عام 1944، تولّى ألويس برونر مسؤولية ترحيل 12,000 شخص من سلوفاكيا إلى معسكر الإبادة أوشفيتز-بيركيناو. في عام 1954، حُكم على برونر في فرنسا غيابيًا بالإعدام مرتين، وفي عام 2001 صدر حكم بالسجن مدى الحياة ضده. يُقال إنه توفي في دمشق عن عمر ناهز 89 عامًا.2
بالوقت الذي كان محكوم عليه بالاعدام في فرنسا كان يعمل مع المخابرات الألمانية والسورية في دمشق. و بطبيعة الحال لم يكن الوحيد. هل برأيكم سيكون من الصعب عليهم تدوير الجولاني وفصائله رغم كل جرائمهم؟
معارك جديَّة
صدر منذ فترة مقال يتحدث عن “الفاشية السنية” ووصف الفاشية بأنها “تمجيد ماضٍ أسطوري، والترويج لفكرة ‘نحن’ ضد ‘هم’، ومعاداة الفكر، وعبادة الزعيم الهرمية، وخطاب الضحية، والدعوة إلى الوطن والوطنية،” ومن يقوم بهذه السلوكيات هم طائفة دينية معينة. وفق هذه الصفات يمكننا ايضاً اعتبار نظام إردوغان – كما قال بعض من يسمون أنفسهم شيوعيين ثوريين- بأنه فاشي. لكن في الحقيقة هذا التفسير لا يفسر شيء. الفاشية ليست مذمة نطلقها على خصومنا أو صفة يمكن الصاقها بسهولة بأي نظام لا يلقى استحساننا و بنفس الوقت ليست حالة فئوية ثقافية منفصلة عن الأساس الطبقي.
لقد حذر إنجلز مراراً من مغبة استهلاك المصطلحات عن طريق سوء استخدامها. في رسالته إلى كونراد شميدت، بتاريخ 05 آب / أغسطس كتب فريدرك إنجلز:
إن كلمة (مادي) هي على العموم بالنسبة لكثير من الكتاب الشباب في ألمانيا مجرد كلمة بسيطة يطلقونها على كل ما يطيب لهم دون أن يكلفوا أنفسهم عناء الدراسة الجادة وهذا يعني أنهم يلصقون هذا النعت ثم يعتبرون أن المسألة قد حلت
و هذا ينطبق أيضاً على مصطلحات أخرى غير ” مادي” مثل ” الفاشية” أو ” الترميدوري”. لا يمكننا وصف نظام إردوغان بالفاشي لأنه لا يعجبنا و بنفس الوقت لا يمكننا وصف نظام الجولاني بالترميدوري بحجة أنه يمثل الثورة المضادة.
لذلك و بصفتنا مهتمين بخوض معارك حقيقية ضد النظام الرأسمالي لا بد لنا إذا من اتباع وسائل جدية وهذا يترتب عليه تقديم تعريفات دقيقة لبعض المفاهيم الاصطلاحية حتى نستطيع أن نجد لها الحلول. فالماركسية بالنهاية علم مثل غيرها من العلوم.
الأساس الاقتصادي و أدوات الهيمنة
إن الطابع السياسي للنظام يتحدد أساساً بطبيعة العلاقة بين الطبقات داخل المجتمع و التي هي بطبيعة الحال تختلف في مراحل مختلفة. العامل الحاسم الأخير – و ركزوا على كلمة أخير- هو نمط الإنتاج وهذا هو ما يحدد الطبيعة الأساسية للنظام. يمكننا وفق هذا الشكل القول بأن نظام بشار الأسد و الجولاني والسيسي و سعيد و الغنوشي و مرسي والملك محمد السادس كلها أنظمة رأسمالية لأنها تقوم على أساس الاستغلال الرأسمالي.
ولكن، إن الاقتصار على طبيعة النظام الاقتصادي لتحديد ماهية النظام السياسي هو ليس سوى تسخيف بسيط للماركسية و مادية مبتذلة من أسوء الأنواع. لا يكفي أن نقول إن النظام رأسمالي بل يجب أن نحدد موقع العمال في هذا النظام. إن وصف نظام بأنه ” رأسمالي” لا يعفينا و لا بأي شكل من الأشكال بأن نتعمق بوصف الأداة التي تضمن لهذا النظام الرأسمالي هيمنته الطبقية. هذه الأداة لا تتحدد وفق رغبات الرأسماليين أنفسهم بل تفرضها الظروف المادية للعلاقة بين الطبقات في مرحلة معينة.
لذلك فقد طورت النظرية الماركسية مفرداتها العلمية الخاصة من أجل نقل مفاهيم أكثر تحديداً مثل ” البونابرتية، الفاشية، الديمقراطية البرجوازية” بصفتها جميعها أدوات تضمن للطبقة الرأسمالية هيمنتها الطبقية.
أين تكمن أهمية ذلك؟ إذا كنا نعرف أن هناك عدو آت لقتلنا و كان هذا العدو يحمل مسدس و نحن كنا نظن أنه يحمل عصا فالنتيجة سوف تكون معروفة للجميع. معرفة ماهي الأداة التي يستخدمها عدونا الطبقي تساعدنا على معرفة الطريقة الأضمن لمواجهته و الانتصار عليه.
أنظمة حكم مختلفة لرأس المال
كان تروتسكي قد أشار ذات مرة إلى أن قوة رأس المال المالي لا تكمن في قدرته على إقامة أي نوع من الأنظمة (أدوات الحكم) في أي وقت بحسب مشيئته، فهو لا يملك هذه المقدرة. إن قوته تكمن في أن كل حكومة غير بروليتارية مُجبَرة على خدمة رأس المال المالي، والأدق من ذلك أن رأس المال المالي يمتلك إمكانية أن يستبدل، بكل نظام من أنظمة سيطرته الذي يضمحل، نظامًا آخر يتلاءم بصورة أفضل مع الشروط المتغيّرة.
النظام البونابرتي يظهر عندما لا تكون هناك أي طبقة قادرة على حسم الصراع فيأخذ هذا النظام استقلالية نسبية تجعله يتوازن بين الطبقات وهذا التوازن لا يكون معلق بالهواء كما ذكر تروتسكي، فالمحور الحقيقي له يمرّ عبر الشرطة والبيروقراطية والطغمة العسكرية.
أما الديمقراطية البرجوازية فهي تعتمد إلى حد كبير على سلبية الطبقة العاملة، وهي سلبية تحافظ عليها القيادات الإصلاحية في المنظمات العمالية، بينما تعتمد الفاشية على حركة البرجوازية الصغيرة التي أصبحت متطرفة بفعل الأزمة، وعلى الميليشيات الفاشية التي تم تجنيد أفرادها من تلك الطبقة والبرولتياريا الرثة. على كل حال لن نكتفي عند هذا القدر بل سوف نتعمق بشكل أوسع في الأجزاء القادمة من هذه السلسلة عن البونابرتية و الفاشية والديمقراطية والتيرميدور و الجبهات المتحدة.
هوامش
1 Die Wehrmacht. Feindbilder, Vernichtungskrieg, Legenden
2 In Syrien: NS-Verbrecher Alois Brunner starb unter elenden Bedingungen, Frankfurter Allgemeine Zeitung vom 11.1.2017, Internet: https://www.faz.net/aktuell/politik/inland/ns-mann-alois-brunner-starb-2001-in-syrien-14621833.html, Aufruf 18.6.2020 sowie Kellerhoff, Sven-Felix: Was man überden NS-Täter Alois Brunner noch wissen will, Welt.de vom 12.12.2019, Internet:https://www.welt.de/geschichte /article204255816/Geheimhaltung-Was-man-ueber-den-NS-Taeter-Alois-Brunner-noch-wissen-will.html.