لمتابعة نقدنا، لا بدّ من أن نعرض جزءًا من الاقتباس السابق مرة أخرى هنا:
لذلك دافع لينين عن فكرة إمكانية قيام الاشتراكية في بلد واحد، والانتقال السريع بالثورة من مرحلتها البرجوازية-الديمقراطية إلى المرحلة الاشتراكية، أي تطبيق مفهوم الثورة المستمرة لماركس، في حين دعا المناشفة وماركسيون آخرون إلى حصر الثورة ضمن أفقها البرجوازي-الديمقراطي. وربط قادة آخرون للثورة، منهم تروتسكي، الانتقال إلى الاشتراكية بقيام ثورات عمالية في البلدان الرأسمالية المتطورة
هنا يراودنا سؤال نرغب في طرحه على الرفاق في الحزب الشيوعي العراقي، وهو سؤال يبدو للوهلة الأولى وكأنه يتعلّق بأمور لغوية فقط. لكن بالنسبة لنا، كشيوعيين ثوريين، فإن مسألة اللغة هي أيضًا مسألة أساسية في صلب نضالنا الأيديولوجي، لما اختبرناه من ممارسات لألعاب اللغة في الكتابات ذات الطابع البرجوازي الصغير.
لماذا، يا رفاقنا، استخدمتم في هذا الاقتباس مصطلح «الثورة المستمرة» وليس «الثورة الدائمة»؟
هل لأن استخدام مصطلح «الثورة المستمرة» بدلًا من «الثورة الدائمة» يتيح لكم، ربما، جعل موقف تروتسكي وكأنه موقف منفصل عن موقف لينين وماركس؟ وهل يعود ذلك إلى أن ليون تروتسكي عُرف في الأوساط السياسية بوصفه صاحب نظرية «الثورة الدائمة»، بحيث بدا لا بدّ من استخدام مصطلح مختلف، هو «الثورة المستمرة»، لكي يصبح من الممكن الفصل بين مواقف لينين وماركس من جهة، وتروتسكي من جهة أخرى، ولو لغويًا على الأقل؟ ولماذا قدّمتم موقف لينين وماركس إلى جانب نظرية «الثورة المستمرة»، بينما عرضتم موقف تروتسكي على ضفة أخرى وبصورة منفصلة، على الرغم من كونه هو من طوّر هذه النظرية؟ وهل ما يزال هذا نابعًا من استمرار ثقافة التهميش والتشويه بحق ثوري بارز، مثل مؤسس الجيش الأحمر، ليون تروتسكي؟
نأتي الآن إلى نقد المحتوى النظري لهذا الاقتباس الأخير. وهنا يحق لنا أن نتوجّه بسؤال آخر إلى رفاقنا معدّي الوثيقة: كيف استطعتم وضع مفهوم «الاشتراكية في بلد واحد» إلى جانب مفهوم «الثورة الدائمة» في جملة واحدة وسياق واحد؟
من خلال السياق المستخدم، يبدو أنكم استندتم في تعريفكم للثورة الدائمة إلى استعارات مما ورد في خطاب كارل ماركس وفريدريك إنجلز إلى عصبة الشيوعيين الثوريين عام 1850. لكن، يا رفاق، إن العيش ضمن إطار الصيغ الجاهزة هو نفيٌ للمادية الديالكتيكية. وما بالكم إذا كان استخدام هذه الصيغ الجاهزة شبيهًا بمن يضع الملح فوق كأس الشاي.
لكن، طالما أنكم قمتم بأنفسكم بنَسْب مفهوم الثورة الدائمة إلى ماركس، فقد اختصرتم علينا نصف الطريق. إن فهم نظرية الثورة الدائمة ينطلق من اسمها نفسه؛ فهي دائمة، ليس فقط لأنها لا تقتصر على المطالب البرجوازية، بل أيضًا لأنها لا تنحصر في حدود وطنية وقومية، وإلا فلن تكون دائمة. إن الثورة دائمة بمعنيين:
أولًا، إنها تبدأ من المطالب البرجوازية وتتجاوزها باتجاه المطالب الاشتراكية، وهذا ما شرحه ماركس وإنجلز في خطابهما إلى عصبة الشيوعيين.وثانيًا، لأنها تبدأ من المستوى الوطني وتتجاوزه باتجاه المستوى الأممي.
قد يُثار هنا اعتراض مفاده أن الديمومة الأممية للثورة الدائمة تمثل إبداعًا لتروتسكي وحده، إذ إن ماركس كان يتحدث فقط عن ديمومة الثورة الاجتماعية، أي تجاوز المطالب البرجوازية نحو الاشتراكية. غير أن هذا الفصل بين ماركس وتروتسكي لا يمكنه أن يصمد أمام قراءة دقيقة للماركسية.
صحيح أن تروتسكي بلور نظرية الثورة الدائمة في شكلها الأكثر اكتمالًا، لكنه فعل ذلك انطلاقًا من أسس ماركس ومنطق الديالكتيك المادي ذاته، وليس بوصفه طرحًا مستقلًا أو منفصلًا. كما أن فهم الثورة الدائمة عند ماركس لا يمكن اختزاله في خطاب واحد، إذ إن تحليلاته كانت دائمًا مرتبطة بالمستوى التاريخي والاجتماعي والطبقي لكل بلد.في 21 كانون الثاني/يناير 1882، ذكر كارل ماركس في مقدمة الطبعة الروسية الثانية للبيان الشيوعي:
إذا أصبحت الثورة الروسية إشارة لانطلاق ثورة بروليتارية في الغرب، بحيث يُكمّل كلٌّ منهما الآخر، فإن الملكية المشاعية الحالية للأرض في روسيا يمكن أن تشكّل نقطة الانطلاق لتطور شيوعي
لقد ربط ماركس، وبشكل واضح لا لبس فيه، نقطةَ الانطلاق لأي تطور شيوعي في روسيا بالثورة البروليتارية في الغرب، واعتبر الثورتين مكملتين إحداهما للأخرى. وبالتالي، فقد أكّد ماركس نفسه، وفيما يخص الوضع الروسي تحديدًا، الديمومةَ الأممية للثورة الدائمة.
قد يقول البعض إننا، باستخدام هذا الاقتباس، نقوم إما بإسقاط ظروف عام 1917 على كتابات ماركس، وهو خطأ، أو نعتبر أن ماركس «تجاوزته الأحداث»، وهو أيضًا خطأ.
فماركس، في عام 1882، لم يُغفل البروليتاريا الروسية، بل حلّل بدقة ضعفها التاريخي الفعلي في تلك المرحلة. ففي ذلك الزمن، كانت الطبقة العاملة الروسية ما تزال في مرحلتها الجنينية، الأمر الذي جعلها غير قادرة على إنجاز تحول اشتراكي مستقل.
ورغم أن البروليتاريا الروسية قد شهدت، لاحقًا، تطورًا كبيرًا من حيث الحجم والتركيز والخبرة النضالية، فإن مسألة إنجاز الاشتراكية بقيت، حتى بعد عام 1917، مرتبطة عضويًا بامتداد الثورة على الصعيد الأممي، لا بقدرة بلد واحد معزول، لأن ظروف التخلف الاقتصادي التي دفعت ماركس إلى التأكيد على ضرورة أممية الثورة الاشتراكية عام 1882 كانت ما تزال موجودة عام 1917. وعليه، فإن الأساس الطبقي الذي دفع ماركس إلى كتابة هذه الكلمات كان ما يزال قائمًا عام 1917، وهو ما استند إليه تروتسكي، إلى جانب خبرته الثورية، في بلورة أسس نظرية الثورة الدائمة.
الجمعية التأسيسية
بعد نسبتهم نظرية «الاشتراكية في بلد واحد» إلى لينين، ينتقل الرفاق إلى نقاش الأسباب التي دعت لينين والبلاشفة إلى حلّ الجمعية التأسيسية، وكان عرضهم للمسألة كما يلي:
وتطبيقًا لهذه الوجهة الثورية، وفي إطار الصراع المحتدم حول اتجاهات تطور الثورة، ونشوب الحرب الأهلية إثر تمرّد بعض الجنرالات المعادين للثورة، واشتداد مقاومة قوى الثورة المضادة المدعومة من الخارج، أقدمت السلطة البلشفية، في سياق النضال الضاري من أجل الدفاع عن وجودها واستمرارها، بعد أشهر قليلة من استيلائها على السلطة، في الخامس من كانون الثاني/يناير عام 1918، على حلّ الجمعية التأسيسية وتحويل السلطة كاملة إلى السوفييتات
إن هذه الكلمات وحدها، ومهما سبقها أو تلاها من محاولات لتخفيف وطأة كارثيتها، تفتح الباب أمام رأيٍ مفاده أن حلّ الجمعية التأسيسية كان نابعًا من تطورات — بعضها غير متوقّع — حصلت بعد وصول البلاشفة إلى السلطة، وأنه لولا هذه التطورات لما تم حلّ الجمعية. ووفقًا لما يطرحه الرفاق معدّو الوثيقة، فإن ضغط الظروف والحرب الأهلية دفعا لينين والبلاشفة إلى دفاعٍ اضطراري عن السلطة، وعليه توجّب عليهم حلّ الجمعية التأسيسية. وبالتالي، ولو لم تكن هذه الظروف موجودة، لما كان حلّ الجمعية التأسيسية قد حصل، وربما كان لينين قد خاض الانتخابات البرلمانية أيضًا.
إن هذا الطرح يضع خرساناتٍ إسمنتية — أكبر من تلك التي كانت في مفاعل تشيرنوبل — بين الواقع الحقيقي والوعي الذي سيتشكّل في عقول الشباب عند قراءتهم هذه التحليلات. فكلمات الرفاق هذه حوّلت لينين من فاعلٍ واعٍ إلى مستجيبٍ اضطراري.
ليست الظروف: بل التكتيك، والبرنامج الانتقالي
لا يمكننا فهم موقف لينين من الجمعية التأسيسية من خلال قراءة عدد من مقالاته المنشورة في «الأعمال الكاملة» الصادرة عن دار التقدم بمعزل عن سياقها التاريخي. بل يجب أن يتم ذلك عبر تحليل كتابات لينين مع إدخال عامل الزمن في هذا التحليل، إذ إن كتاباته حول الجمعية التأسيسية لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن تكتيك وبرنامج انتقالي متكامل يتعامل مع تلك المرحلة الانتقالية. وعليه، فمن الطبيعي أن يختلف التعاطي التكتيكي مع هذه القضية بين ما قبل ثورة أكتوبر وما بعدها.
لقد عارض لينين بحزم، في تلك الفترة أيضًا، الشعار الذي طرحه بعض البلاشفة اليساريين المتطرفين: «تسقط الحكومة المؤقتة»، رغم أن الحكومة المؤقتة كانت تواصل الحرب الإمبريالية، وترفض تنفيذ إصلاح زراعي، وتساوم قوى الرجعية. وهنا يحق لنا أن نطرح على معدّي الوثيقة السؤال التالي: هل يعني هذا أن لينين كان مع الحكومة المؤقتة؟ من يقول ذلك إما مختل أو انتهازي أو برجوازي، أو كل ذلك معًا.
ومثال آخر من تلك المرحلة الانتقالية: طرح لينين شعار «كل السلطة للسوفييتات»، على الرغم من أن السوفييتات في ذلك الوقت كانت خاضعة بالكامل لهيمنة المناشفة والاشتراكيين-الثوريين، الذين كانوا يدعمون البرجوازية ويسعون إلى وضع حدّ للثورة. فهل كان لينين فعلًا معجبًا بسياسة المناشفة والاشتراكيين-الثوريين أو يسعى إلى دعمها؟ بالتأكيد لا. لكن لماذا طُرحت مثل هذه الشعارات آنذاك وبهذه الصيغة؟ هنا علينا أن ندخل أكثر في تفاصيل تلك المرحلة.
تولد السوفييتات عندما تدخل حركة الجماهير مرحلةً ثوريةً مكشوفة، وهي تفتح طور ازدواجية السلطة في البلاد، حيث تمثّل السوفييتات سلطة العمال، في حين تمثّل الحكومة البرجوازية سلطة رأس المال. فهل كان يعني هذا أن لينين كان يقف إلى جانب الحكومة المؤقتة؟ ووفق تحليل الرفاق، يمكن أن نصل إلى مثل هذا الاستنتاج.
إن ازدواجية السلطة هي بدورها ذروة المرحلة الانتقالية، حيث يتعارض نظامان — النظام البرجوازي والنظام البروليتاري — من دون أي مجال للتوفيق بينهما. والصدام بينهما أمر حتمي، وعلى نتيجة هذا الصدام يتوقف مصير المجتمع.
بعد ثورة فبراير عام 1917 في روسيا، كانت الأحزاب الإصلاحية (المناشفة والاشتراكيون-الثوريون) تملك الأغلبية في مجالس العمال (السوفييتات)، وقد دعمت هذه الأغلبية الإصلاحية الحكومة الانتقالية الرأسمالية. وكانت الجماهير لا تزال تثق بهم، لأنها لم تكن قد استوعبت بعد الفرق بين الإصلاحيين والثوريين. لذلك لم يكن برنامج البلاشفة آنذاك هو الاستيلاء على السلطة، بل كسب أغلبية العمال والجنود الذين كانوا ما يزالون يؤيدون القادة الإصلاحيين القدامى من الاشتراكيين-الثوريين والمناشفة. وبالتالي، فإن أي شعار غير مدروس حول الجمعية التأسيسية كان سيُترجم عمليًا إلى انتصار لصالح الانتهازيين.
كان يمكن للبلاشفة أن يقولوا ببساطة: «أيها العمال، لا تثقوا بهؤلاء الخونة!»، لكن هذا لم يكن ليقنع الجماهير. فقد كان على العمال والفلاحين الفقراء أولًا أن يتعلموا بأنفسهم، ومن خلال الممارسة، أن الإصلاحيين خونة. ولذلك قال البلاشفة: «أيها المناشفة والاشتراكيون-الثوريون، أنتم تملكون الأغلبية في السوفييتات وتطلقون على أنفسكم اسم الاشتراكيين. نطالبكم بأن تكسروا تحالفكم مع الرأسماليين وحكومتهم، وأن تتولوا السلطة باسم الطبقة العاملة. وفي هذه الحالة، سنكتفي بنقاش سلمي داخل السوفييتات».
لقد لاقى هذا المطلب دعمًا واسعًا من الجماهير التي كانت تكره الرأسماليين، لكنها كانت لا تزال تحمل أوهامًا تجاه المناشفة والاشتراكيين-الثوريين، وبدأت هذه الجماهير بتبنّي هذا المطلب. وخلال الأشهر التالية، اكتسبت الجماهير الروسية خبرةً عملية مفادها أن الإصلاحيين لم يكونوا مستعدين، تحت أي ظرف من الظروف، لكسر تحالفهم مع الرأسماليين. وابتداءً من شهر أيلول/سبتمبر، بدأ البلاشفة في كسب الأغلبية في عدد متزايد من السوفييتات. وهكذا جرى تمهيد الطريق لثورة أكتوبر. وبالأسلوب نفسه تعامل لينين مع مسألة الجمعية التأسيسية ومع الأوهام الدستورية المرتبطة بها.
الجمعية التأسيسية كشعار ديمقراطي برجوازي: متى يكون تقدميا؟ ومتى يصبح رجعيا؟
ما هي الجمعية التأسيسية؟ إنها برلمان ديمقراطي برجوازي. وبالتالي فإن شعار «الجمعية التأسيسية» هو شعار ديمقراطي برجوازي، وليس اشتراكيًا. فهل يعني هذا عدم النضال من أجله؟ بالتأكيد لا. ففي الوضع الروسي، بوصفه بلدًا لم تكن توجد فيه برلمانات أو انتخابات أو حقوق ديمقراطية، لم يكن صحيحًا فقط أن تناضل البروليتاريا من أجل شعارات ديمقراطية برجوازية، بل كان من الضروري تمامًا القيام بذلك.
في ظل الظروف الملموسة لروسيا القيصرية، كان مطلب الجمعية التأسيسية مطلبًا صحيحًا إلى حدّ كبير. فقد ساعد هذا المطلب على إثارة وتحريك أوسع شرائح السكان في كفاح شامل ضد الاستبداد القيصري. وعليه، فمن البديهي أن على الماركسيين الاستفادة من المطالب الديمقراطية، ولكن بالقدر الذي تكون فيه ذات صلة بالوضع القائم وتحتفظ بمضمون تقدمي، أي بدفع الصراع الطبقي إلى الأمام، عبر تعبئة أوسع شرائح السكان — ليس العمال فقط، بل أيضًا الفلاحين الفقراء والشرائح الأكثر فقرًا — في النضال الثوري.
لكن ما يكون إيجابيًا وتقدميًا في فترة النضال ضد الاستبداد القيصري يمكن أن يصبح رجعيًا وسلبيًا عند وصول الجماهير إلى السلطة، لأنه يتحول، وبشكل واضح، إلى تعبير عن مصالح الثورة المضادة، وهو ما كان على لينين والبلاشفة محاربته بحذر شديد. فأي خطأ في التشخيص سيؤدي إلى خطأ في العلاج، وبالتالي إلى الموت.
كتابات لينين في سياقها الزمني
في 28 أيلول/سبتمبر 1917 كتب لينين مقالًا بعنوان «كيف نضمن نجاح الجمعية التأسيسية»، وكتب فيه:
في أوائل نيسان/أبريل، إذ كنتُ أعرض موقف البلاشفة من مسألة ما إذا كان ينبغي عقد الجمعية التأسيسية، كتبتُ:
“نعم، وبأسرع ما يمكن. ولكن ليست هناك إلا طريقة واحدة لضمان انعقادها ونجاحها، وهي زيادة عدد وقوة السوفييتات وتنظيم وتسليح جماهير الطبقة العاملة. فهذا هو الضمان الوحيد
كان هذا المقال قد كُتب قبل ثورة أكتوبر، وكان لينين حينها يتعامل مع شعار «الجمعية التأسيسية». لكن كيف تعامل معه؟ ليس بوصفه مطلبًا مجردًا، بل بإخضاعه لمطلب اشتراكي أوسع، من خلال ربط «نجاحها» بانتقال السلطة فعليًا إلى السوفييتات. أي أن الجمعية لم تكن، بالنسبة إلى لينين، غايةً بحدّ ذاتها.وفي 11 كانون الأول/ديسمبر 1917 كتب لينين «أطروحات حول الجمعية التأسيسية»، ومنها نقتبس:
بينما تطالب بالدعوة إلى عقد الجمعية التأسيسية، أكدت الاشتراكية الديمقراطية الثورية منذ بداية ثورة 1917 مرارًا أن جمهورية السوفييتات هي شكل أعلى من الديمقراطية مقارنةً بالجمهورية البرجوازية المعتادة المزيّنة بالجمعية التأسيسية
كان هذا النص قد كُتب بعد انتصار ثورة أكتوبر وقبل انعقاد الجمعية التأسيسية، وقد أشار فيه لينين أيضًا بوضوح إلى أن السوفييتات هي الشكل الأرقى للديمقراطية، وأن الجمعية التأسيسية تعكس ميزان قوى تجاوزه التطور الثوري، ولا يمكن اعتبارها سلطةً أعلى من سلطات السوفييتات.
دعوها تنعقد و ستدين نفسها بنفسها
في 19 كانون الأول/ديسمبر 1917 كتب لينين، وبسطور قصيرة، نصًا بعنوان «حول افتتاح الجمعية التأسيسية»، وهنا سنعرضه بأكمله:
نظرًا للتأخير في انتخابات الجمعية التأسيسية، والذي يرجع أساسًا إلى خطأ لجنة الانتخابات الروسية العامة السابقة، ونظرًا لقيام الجماعات المضادة للثورة بتشكيل لجنة خاصة للجمعية التأسيسية في معارضة للمفوضية التي أقامتها السلطة السوفييتية، فقد جرى تداول شائعات مفادها أن الجمعية التأسيسية، بصيغتها الحالية، لن تُعقد على الإطلاق. ويرى مجلس مفوضي الشعب ضرورة التصريح بأن هذه شائعات كاذبة تمامًا، جرى نشرها عمدًا وبسوء نية من قبل أعداء سوفييتات نواب الفلاحين والعمال والجنود. ووفقًا لمرسوم مجلس مفوضي الشعب، الذي أقرّته اللجنة التنفيذية المركزية للسوفييتات، فإن الجمعية التأسيسية ستجتمع فور تسجيل نصف أعضائها، أي أربعمائة نائب، تسجيلًا أصوليًا في ديوان قصر توريدا
من يقرأ هذا النص قد يظن، للوهلة الأولى، أن لينين كان مقتنعًا بالجمعية التأسيسية بحدّ ذاتها، ودافع بشراسة عن ضرورة انعقادها انطلاقًا من هذا الموقف. وهكذا يصبح من الممكن تصور لماذا فهم الرفاق في الحزب الشيوعي العراقي أن لينين والبلاشفة قاموا بحلّ الجمعية التأسيسية بسبب ظروف استجدّت، لا بسبب وعي مسبق بضرورة القيام بذلك.
لكن لينين لم يدافع عن انعقاد الجمعية التأسيسية و«نجاحها» بوصفها سلطةً عليا أو بديلًا عن سلطة السوفييت، بل بوصفها مسألة تكتيكية–سياسية تهدف إلى نزع سلاح الخصوم وكشفهم، مع تثبيت أولوية سلطة السوفييت. فلماذا كان هذا مهمًا في تلك اللحظة؟
أولًا: كان لا بدّ من نزع الذريعة من قوى الثورة المضادة، المتمثلة بالكاديت والمناشفة والاشتراكيين-الثوريين، الذين كانوا يريدون تصوير البلاشفة وكأنهم يسعون إلى اغتصاب السلطة لأنهم خائفون من الديمقراطية وإرادة الشعب.
ثانيًا: كان لا بدّ من كشف التناقض بين الجمعية التأسيسية وسلطة السوفييت على أرض الواقع، من حيث إن الجمعية التأسيسية لا تعكس ميزان القوى الطبقي الجديد. وبالتالي، وبمجرد انعقادها، كان عليها إمّا أن تعترف بسلطة السوفييتات، أو أن تدخل في صدام معها، وهو ما حدث فعلًا. فقد رفضت الجمعية الاعتراف بسلطة السوفييت، وبذلك فقدت مبرر وجودها أمام الجماهير، وأصبح من الممكن حلّها. ولو كان لينين والبلاشفة قد لجؤوا إلى حلول إقصائية بحق الجمعية التأسيسية قبل انعقادها، لكانوا قد قدّموا خدمة على طبق من ذهب للثورة المضادة.
ثالثًا: كان لا بدّ من التأكيد أن سلطة السوفييت هي السلطة الشرعية الوحيدة.
الخلاصة:
إن دفاع لينين عن انعقاد الجمعية التأسيسية لا يمكن فهمه بوصفه دفاعًا عن الديمقراطية البرجوازية، ولا بوصفه تراجعًا عن مبدأ سلطة السوفييتات تحت ضغط الظروف، بل على العكس تمامًا. فقد كان هذا الدفاع جزءًا من تكتيك ثوري يهدف إلى دفع التناقض بين الجمعية التأسيسية وسلطة السوفييت إلى نهايته المنطقية، أي إلى لحظة انكشافها أمام الجماهير بوصفها جهازًا تمثيليًا متجاوزًا لا يعكس الواقع الطبقي الجديد. ومن هنا، فإن انعقاد الجمعية لم يكن هدفًا بحدّ ذاته، بل وسيلة لفضحها.
إلى هنا يكون قد انتهى الجزء الثاني.