نُشر في: إيسكرا، العدد 23 في 1 آب (أغسطس)، والعدد 24 في 1 أيلول (سبتمبر) 1902.
النص المعتمد: نص إيسكرا.
المصدر: الأعمال الكاملة للينين، منشورات بروجريس، موسكو، 1964، المجلد 6، الصفحات 186–207.
الترجمة: غير مذكورة
النسخ/الترميز: آر. سيمبالا و د. وولترز
الملكية العامة: أرشيف لينين على الإنترنت (2003). يرجى نسب المصدر إلى “أرشيف الماركسيين على الإنترنت”.
I
نحن نعيش في زمنٍ عاصف، تتقدم فيه مسيرة التاريخ الروسي بخطوات عملاقة، بحيث قد يعني عامٌ واحد في بعض الأحيان أكثر مما تعنيه عقودٌ من الهدوء. تُراجَع الآن نتائج نصف قرن من مرحلة ما بعد الإصلاح1، وتُوضَع الحجارة الأولى للبناء الاجتماعي والسياسي الذي سيحدد مصير البلاد بأسرها لسنوات طويلة قادمة. والحركةُ الثورية مستمرة في النمو بسرعة مذهلة وتياراتنا2 تنضج (وتذبل) بسرعة غير معهودة. فالتيارات التي تضرب جذورها بعمق في البنية الطبقية لبلدٍ رأسمالي سريع التطور كروسيا، تستقرّ سريعًا في مستواها الطبقي الحقيقي، وتجد طريقها إلى الطبقات التي ترتبط بها. مثال ذلك تطور السيد ستروفه3، الذي كان العمال الثوريون قد اقترحوا قبل سنةٍ ونصف فقط “نزع قناع الماركسية” عنه، والذي خرج اليوم من تلقاء نفسه من دون هذا القناع، بصفته زعيمًا (أم خادمًا؟) لليبراليين من ملاّك الأراضي، أولئك الذين يفاخرون بأرضيتهم الواقعية وبحكمتهم الرصينة.
ومن ناحية أخرى، فإن التيارات التي لا تعبّر إلا عن حالة عدم استقرارٍ تقليدية في أفكار شرائح وسيطة وغير محددة من المثقفين، تحاول أن تعوّض غياب التقارب الحقيقي مع طبقات اجتماعية محددة بإطلاق تصريحات صاخبة، تزداد ضجيجًا كلما اشتدّ هدير الأحداث. “على الأقل نحن نُحدِث ضوضاء جهنمية” — هذا هو شعار كثير من الأشخاص ذوي النزعة الثورية الذين اجتاحتهم دوّامة الأحداث، وهم يفتقرون إلى مبادئ نظرية راسخة وإلى جذور اجتماعية حقيقية.
وتنتمي إلى هذه التيارات “الصاخبة” أيضًا جماعةُ “الاشتراكيين-الثوريين”، التي تتكشف ملامحها على نحوٍ أوضح يومًا بعد يوم. وقد آن الأوان للبروليتاريا أن تتفحّص هذه الملامح بدقة، وأن تكوّن تصورًا واضحًا عن الطبيعة الحقيقية لهؤلاء الذين يلحّون في السعي إلى كسب صداقة البروليتاريا، إلحاحًا يزداد كلما ازداد وضوحًا لديهم أنهم لا يستطيعون البقاء كتيارٍ مستقل إلا إذا ارتبطوا ارتباطًا وثيقًا بالطبقة الثورية الحقيقية في المجتمع.
ثلاثةُ عوامل كانت الأشد إسهامًا في كشف الوجه الحقيقي للاشتراكيين-الثوريين. أولًا: الانقسام بين الاشتراكيين-الديمقراطيين الثوريين والانتهازيين الذين ظهروا إلى العلن تحت راية “نقد الماركسية”. ثانيًا: اغتيال بالماتشوف لسيبياجين4، وما تبعه من موجة جديدة من الميل إلى الإرهاب في أوساط بعض الثوريين. الثًا، وهو الأهم: الحركة الأخيرة بين الفلاحين، التي أرغمت أولئك المعتادين على الجلوس بين كرسيين، والذين كانوا حتى ذلك الحين بلا أي برنامج، على أن يخرجوا—بعد أن فرضت الوقائع نفسها—بما يشبه البرنامج السياسي. وسنشرع الآن في تناول هذه العوامل الثلاثة، مع التنبيه إلى أن المقالة الصحفية لا تتيح إلا عرض الخطوط العامة للحجج، وأننا سنعود، على الأرجح، إلى هذا الموضوع لنفصّله بصورة أوسع في مقالة مطوّلة أو في كتيّب مستقل.
لم يقرر الاشتراكيون-الثوريون تقديم بيانٍ نظريٍّ مبدئيٍّ إلا في العدد الثاني من “نشرة الثورة الروسية”، وذلك في افتتاحية غير موقَّعة بعنوان: “تقدّم العالم وأزمة الاشتراكية”. ونوصي بشدة بقراءة هذه المقالة لكل من يريد تكوين فكرة واضحة عن انعدام المبدأ والتذبذب في قضايا النظرية (وكذلك عن مهارة إخفاء ذلك وراء سيل من البلاغة). ويمكن اختصار محتوى هذه المقالة اللافتة للنظر كلّه في بضع كلمات:
لقد أصبحت الاشتراكية قوةً عالمية، والاشتراكية (= الماركسية) تشهد اليوم انقسامًا نتيجة الصراع بين الثوريين (“الأرثوذكس”) والانتهازيين (“النقّاد”). ونحن، الاشتراكيين-الثوريين، “بالطبع” لم نتعاطف يومًا مع الانتهازية، لكننا مسرورون جدًا بـ“النقد” لأنه حررنا من الدوغما؛ فنحن كذلك نعمل على مراجعة هذه الدوغما—ومع أننا لم نقدّم حتى الآن أي شيء يُذكر باسم النقد (باستثناء النقد البرجوازي-الانتهازي)، ومع أننا لم نُراجع شيئًا على الإطلاق بعد، إلا أن تحررنا من النظرية يُحسَب لنا فضيلة.
وهي تُحسَب لنا فضيلة أكبر لأننا، بوصفنا أشخاصًا “متحررين من النظرية”، نتخذ موقفًا ثابتًا لصالح الوحدة العامة، وندين بشدة كل النزاعات النظرية حول المبادئ.
”منظمة ثورية جادّة”، تقول نشرة الثورة الروسية (العدد 2، ص. 127) بكل جدية، “سوف تكفّ عن محاولة حسم قضايا النظرية الاجتماعية المختلف عليها، لأنها دائمًا ما تقود إلى الانقسام، رغم أن هذا، بالطبع، لا ينبغي أن يمنع المنظّرين من البحث عن حلول لها” — أو، بصراحةٍ أكثر: دعوا الكتّاب يكتبون، والقرّاء يقرؤون [4]، وبينما ينشغلون بهذه الأمور سنفرح نحن بالفراغ الذي يُترَك خلفهم.
ولا حاجة بنا، بالطبع، إلى تحليلٍ جادٍّ لهذه النظرية عن “الابتعاد عن الاشتراكية” (في حال وجود خلافات حقيقية). فبرأينا، إن أزمة الاشتراكية تفرض على أي اشتراكي جاد أن يضاعف اهتمامه بالنظرية — أن يتخذ موقفًا محددًا بصرامة، وأن يرسم خطًّا أوضح للفصل بينه وبين العناصر المتذبذبة وغير الموثوقة. أمّا الاشتراكيون-الثوريون، فيرون أنه إذا كان الارتباك والانقسامات ممكنة “حتى بين الألمان”، فإرادة السماء إذن أن نفخر نحن الروس بجهلنا بالوجهة التي نسير إليها.
وبرأينا، فإن غياب النظرية يسلب أي تيار ثوري حق الوجود، ويحكم عليه، عاجلًا أم آجلًا، بالإفلاس السياسي. لكن في نظر الاشتراكيين-الثوريين، فإن غياب النظرية أمر ممتاز، بل هو أفضل الظروف “للوحدة”. وكما ترى، لا يمكن أن نتفق معهم، لأن المسألة في حقيقتها أننا نتحدث لغتين مختلفتين تقريبًا.
وربما يُعيدهم بيتر ستروفه إلى رشدهم، فهو أيضًا (وإن كان بجدية أكبر) يتحدث عن إزالة الدوغما، ويقول إن “عملنا” (كما هو حال أي برجوازية تتوجّه إلى البروليتاريا) ليس في التفريق بل في التوحيد. فهل سيَعي الاشتراكيون-الثوريون يومًا، بمساعدة السيد ستروفه، ما الذي يعنيه حقًا موقفهم هذا من “التحرر من الاشتراكية لأجل الوحدة”، والوحدة بمناسبة التحرر من الاشتراكية؟
لننتقل الآن إلى النقطة الثانية: مسألة الإرهاب.
في دفاعهم عن الإرهاب، الذي أثبتت تجربة الحركة الثورية الروسية بوضوح شديد عدم جدواه، يبالغ الاشتراكيون-الثوريون في تأكيدهم، حتى يكادوا يزرقّون من شدّة الجدل، أنهم لا يعترفون بالإرهاب إلا مقترنًا بالعمل وسط الجماهير، وبالتالي فإن الحجج التي استخدمها الاشتراكيون-الديمقراطيون الروس لدحض فعالية هذا الأسلوب من أساليب النضال (وقد دُحضت فعلًا منذ زمن طويل) لا تنطبق عليهم. وهنا يتكرر شيء يشبه إلى حدٍّ كبير موقفهم من “النقد”. نحن لسنا انتهازيين، يصرخ الاشتراكيون-الثوريون، وفي الوقت نفسه يضعون دوغما الاشتراكية البروليتارية جانبًا، بدافعٍ من نقدٍ انتهازيٍّ خالص، ولا لسبب آخر.
نحن لا نكرر أخطاء الإرهابيين ولا نصرف الانتباه عن العمل وسط الجماهير، يؤكد الاشتراكيون-الثوريون، وفي الوقت نفسه يوصون الحزب بحماسة بأعمال من نوع اغتيال بالماتشوف لسيبياجين، مع أن الجميع يعرف ويرى على نحوٍ تام أن هذا العمل لم يكن مرتبطًا بالجماهير بأي وجه، بل ولم يكن ممكنًا أن يرتبط بها بحكم الطريقة نفسها التي نُفِّذ بها — وأن الذين نفّذوا هذا العمل الإرهابي لم يعوّلوا قط، ولم يأملوا، أيَّ فعلٍ محدد من جانب الجماهير ولا أي دعمٍ منها.
وفي سذاجتهم، لا يدرك الاشتراكيون-الثوريون أن ميلهم إلى الإرهاب مرتبط، من حيث العلاقة السببية، ارتباطًا وثيقًا للغاية بحقيقة أنهم، منذ البداية، كانوا دائمًا وما زالوا، على هامش الحركة العمالية، دون أن يحاولوا حتى أن يصبحوا حزبًا للطبقة الثورية التي تخوض صراعها الطبقي. وكثيرًا ما تؤدي الاحتجاجات المفرطة إلى إثارة الشكّ والريبة في قيمة ما يحتاج إلى كل هذا “التتبيل” القوي. ألا تُتعبهم هذه الاحتجاجات؟ — كثيرًا ما تخطر لي هذه الكلمات حين أقرأ تأكيداتهم: “إننا بالإرهاب لا نضع العمل وسط الجماهير في الخلفية.
فهذه التأكيدات تصدر، في نهاية المطاف، عن الأشخاص أنفسهم الذين كانوا قد ابتعدوا أصلًا عن الحركة العمالية الاشتراكية-الديمقراطية، تلك التي تُحرّك الجماهير فعلًا؛ وهي تصدر عن أناس يواصلون الابتعاد عن هذه الحركة، متشبّثين بشظايا أيّ نوعٍ من النظرية. إن المنشور الذي أصدره “حزب الاشتراكيين-الثوريين” في 3 نيسان/أبريل 1902 يصلح مثالًا ممتازًا على ما تقدّم. فهو مصدر شديد الواقعية، قريب جدًا من القادة المباشرين، ومصدر بالغ الموثوقية. ووفقًا لشهادة ذات قيمة كبيرة من صحيفة “روسيا الثورية” (العدد 7، ص. 24)، فإن “عرض مسألة النضال الإرهابي” في هذا المنشور “يتطابق تمامًا” أيضًا مع “آراء الحزب”.
ويتّبع منشور 3 نيسان بدقّة لافتة آخر الصيغ الدعائية التي يعتمدها الإرهابيون لتبرير ممارساتهم. وأوّل ما يلفت النظر هو العبارة التالية: “نحن ندعو إلى الإرهاب، لا بدلًا من العمل وسط الجماهير، بل تحديدًا من أجل هذا العمل وبالتوازي معه.” وهي تلفت النظر بوجهٍ خاص لأن هذه الكلمات مطبوعة بحروف أكبر ثلاث مرّات من بقيّة النص (وهي حيلة تعاود “روسيا الثورية” استخدامها بالطبع).
الأمر في غاية البساطة فعلًا! يكفي أن تُكتَب عبارة “لا بدلًا من، بل معًا” بخطٍّ عريض، حتى تسقط كل حجج الاشتراكيين-الديمقراطيين، وكل ما علّمنا إيّاه التاريخ! ولكن اقرأ المنشور كاملًا، وسوف ترى أن هذا الاحتجاج المكتوب بالخطّ العريض يستعمل اسم الجماهير زورًا.
إن اليوم “الذي سيخرج فيه العاملون من الظلال”، و“تُحطّم فيه الموجة الشعبية الجبّارة الأبواب الحديدية إربًا”، “للأسف!” (هكذا حرفيًا: “للأسف!”) “ما يزال بعيدًا جدًا، ومن المفزع التفكير في عدد الضحايا المقبل!”
ألا تعكس كلمات “للأسف، ما يزال بعيدًا” فشلًا ذريعًا في فهم الحركة الجماهيرية وانعدام الثقة بها؟ أليس في هذا القول سخرية متعمّدة من حقيقة أن العمال قد بدأوا فعلًا في النهوض؟ وأخيرًا، حتى لو كان هذا الزعم المبتذل قائمًا على أساس، وهو في الواقع محض هراء، فإن ما يبرز منه بوضوح شديد ليس سوى عدم جدوى الإرهاب، لأن القنابل من دون العمال عاجزة تمامًا، عاجزة بشكلٍ فاضح.
واستمع الآن إلى ما يأتي بعد ذلك:
“كل ضربة إرهابية، إنما تنتزع، كما لو كان الأمر كذلك، جزءًا من قوة الاستبداد، وتنقل [!] هذه القوةَ كلّها [!] إلى جانب المقاتلين من أجل الحرية.”
وإذا مُورس الإرهاب بصورة منهجية [!]، فمن الواضح أن كفّة الميزان ستميل في النهاية إلى جانبنا.”
نعم، من الواضح بالفعل أننا نرى هنا، في أبشع صوره، أحد أكبر أوهام الإرهابيين: أن الاغتيال السياسي، بذاته، “ينقل القوة”!
فهنا لدينا، من جهة، نظرية “نقل القوة”، ومن جهة أخرى عبارة: “لا بدلًا من، بل معًا”… ألا تُتعبهم هذه الاحتجاجات؟
لكن هذا ليس سوى البداية. فما هو الأهم لم يأت بعد.
“مَن الذي يجب أن نضربه؟” يسأل حزب الاشتراكيين-الثوريين، ويجيب: الوزراء، لا القيصر، لأن “القيصر لن يسمح بأن تبلغ الأمور حدّها الأقصى” (!! كيف عرفوا ذلك؟؟)، ولأن “الأمر أسهل أيضًا” (هكذا حرفيًا!): “فلا يمكن لأي وزير أن يتحصّن في قصر كما لو كان في حصن. “
ويُختتم هذا الزعم بالمقطع التالي من “الاستدلال”، الذي يستحق أن يُخلَّد بوصفه نموذجًا لنظرية الاشتراكيين-الثوريين:
“ضد الحشود يملك الاستبداد الجنود؛ وضد المنظمات الثورية يملك شرطته السرية والعلنية؛ ولكن ما الذي سيُنقذه هو5…” (أيّ الاستبداد؟ لقد حدّد الكاتب، من حيث لا يشعر، الاستبداد في صورة هدفٍ يتمثّل في وزيرٍ يسهل ضربه!) “… من الأفراد أو المجموعات الصغيرة الذين يتهيّأون للهجوم بلا انقطاع، بل ومن دون أن يعرف بعضهم بعضًا [!!]، ويهاجمون؟ لا قوة تستطيع أن تقف في وجه الإفلات. ومن ثمّ فواجبنا واضح: إزالة كل جلّادي الاستبداد بوسيلة واحدة لم يتركها لنا الاستبداد إلا وهي — الموت.”
ومهما ملأ الاشتراكيون-الثوريون الصحف بتأكيدات أنهم لا يضعون العمل وسط الجماهير في الخلفية ولا يعطّلونه بالدعوة إلى الإرهاب، فإن هذا السيل من الكلمات لا يستطيع أن ينفي الحقيقة القائلة إن السيكولوجيا الحقيقية للإرهابي المعاصر قد نُقلت بأمانة في المنشور الذي أوردناه.
إن نظرية “نقل القوة” تجد مكمّلها الطبيعي في نظرية “الإفلات”، وهي نظرية تقلب رأسًا على عقب، لا كل التجربة الماضية فحسب، بل كل الحسّ السليم أيضًا.
إن “الأمل” الوحيد للثورة هو “الحشود”، وإن المنظمة الثورية التي تقود هذه الحشود فعلًا لا قولًا هي وحدها القادرة على مقاتلة الشرطة — وهذا هو أبجدية النضال (ABC). ومن المخزي أن نُضطر إلى البرهنة على ذلك. ولا يمكن إلا لأناس نسوا كل شيء ولم يتعلّموا شيئًا أن يقرّروا “عكس ذلك تمامًا”، فينتهوا إلى هذه الحماقة الصارخة القائلة إن الاستبداد يمكن “إنقاذه” من الحشود بالجنود، ومن المنظمات الثورية بالشرطة، ولكنه لا يمكن إنقاذه من أفراد يطاردون الوزراء!!» ويُختتم هذا الزعم بالمقطع التالي من “الاستدلال”، الذي يستحق أن يُخلَّد بوصفه نموذجًا لنظرية الاشتراكيين-الثوريين:
“ضد الحشود يملك الاستبداد الجنود؛ وضد المنظمات الثورية يملك شرطته السرية والعلنية؛ ولكن ما الذي سيُنقذه…” (أيّ “يُنقذه” هذه؟ الاستبداد؟ لقد حدّد الكاتب، من حيث لا يشعر، الاستبداد في صورة هدفٍ يتمثّل في وزيرٍ يسهل ضربه!) “… من الأفراد أو المجموعات الصغيرة الذين يتهيّأون للهجوم بلا انقطاع، بل ومن دون أن يعرف بعضهم بعضًا [!!]، ويهاجمون؟ لا قوة تستطيع أن تقف في وجه الإفلات. ومن ثمّ فواجبنا واضح: إزالة كل جلّادي الاستبداد بوسيلة واحدة لم يتركها لنا الاستبداد إلا وهي — الموت.”
ومهما ملأ الاشتراكيون-الثوريون الصحائف بتأكيدات أنهم لا يضعون العمل وسط الجماهير في الخلفية ولا يعطّلونه بالدعوة إلى الإرهاب، فإن هذا السيل من الكلمات لا يستطيع أن ينفي الحقيقة القائلة إن السيكولوجيا الحقيقية للإرهابي المعاصر قد نُقلت بأمانة في المنشور الذي أوردناه.
إن نظرية “نقل القوة” 6 تجد مكمّلها الطبيعي في نظرية “الإفلات”7، وهي نظرية تقلب رأسًا على عقب، لا كل التجربة الماضية فحسب، بل كل الحسّ السليم أيضًا.
إن “الأمل” الوحيد للثورة هو “الحشود”، وإن المنظمة الثورية التي تقود هذه الحشود فعلًا لا قولًا هي وحدها القادرة على مقاتلة الشرطة — وهذه هي أبجدية النضال (أ، ب، ج). ومن المخزي أن نُضطر إلى برهنة ذلك. ولا يمكن إلا لأناس نسوا كل شيء ولم يتعلّموا شيئًا أن يقرّروا “عكس ذلك تمامًا”، فينتهوا إلى هذه الحماقة الصارخة القائلة إن الاستبداد يمكن “إنقاذه” من الحشود بالجنود، ومن المنظمات الثورية بالشرطة، ولكنه لا يمكن إنقاذه من أفراد يطاردون الوزراء!!
هذا الزعم الخرافي، الذي نحن على يقين بأنه سيصبح سيّئ الصيت، ليس مجرد طرافة. كلا، إنه تعليمي، لأنه—من خلال اختزاله الفاضح إلى العبث—يكشف الخطأ الأساسي لدى الإرهابيين، وهو الخطأ الذي يشتركون فيه مع “الاقتصادويين” (ولعلّه بات يجوز القول: مع الممثلين السابقين لـ“الاقتصادوية” المتوفّاة).
وهذا الخطأ، كما أشرنا مرارًا، يتمثّل في عدم فهم العيب الجوهري في حركتنا. فبسبب النمو السريع للغاية للحركة، تخلّف القادة عن الجماهير، ولم ترقَ المنظمات الثورية إلى مستوى النشاط الثوري للبروليتاريا، وعجزت عن السير في المقدّمة وقيادة الجماهير. ولا يستطيع أيّ إنسان نزيه لديه أدنى معرفة بالحركة أن يشكّ في وجود هذا التناقض.
وإذا كان الأمر كذلك، فمن الواضح أن الإرهابيين المعاصرين ما هم إلا “اقتصاديون” مقلوبون رأسًا على عقب، ذهبوا إلى طرفٍ أحمق، لكنه معاكس. ففي الوقت الذي يفتقر فيه الثوريون إلى القوى والوسائل اللازمة لقيادة الجماهير التي بدأت تنهض فعلًا، فإن الدعوة إلى تنفيذ أعمالٍ إرهابية من قبيل تنظيم محاولات اغتيال الوزراء بأيدي أفرادٍ وجماعاتٍ لا يعرف بعضها بعضًا تعني، لا قطع الصلة بالعمل وسط الجماهير فحسب، بل تعني أيضًا إدخال فوضى صريحة في هذا العمل.
“نحن، أيها الثوريون، تعوّدنا أن نتكتّل في زُمَر خجولة”، نقرأ في منشور 3 نيسان، “وحتى الروح الجديدة الجريئة التي ظهرت خلال السنتين أو الثلاث الأخيرة قد فعلت، حتى الآن، أكثر في رفع معنويات الحشد منها في رفع معنويات الأفراد.”
إن هذه الكلمات تعبّر، من حيث لا تدري، عن كثيرٍ من الحقيقة. وهذه الحقيقة ذاتها هي التي توجّه أقسى ضربة إلى دعاة الإرهاب. فمن هذه الحقيقة يستخلص كلّ اشتراكيٍّ مفكّر ضرورة استخدام العمل الجماعي على نحوٍ أكثر نشاطًا وجرأةً وانسجامًا. أمّا الاشتراكيون-الثوريون فيستخلصون منها النتيجة التالية: “أطلق النار، أيها الفرد المتخفّي، لأن جماعة الناس، للأسف، ما تزال بعيدة جدًا، ثم إن هناك جنودًا في مواجهة الجماعة.” إن هذا لهو تحدٍّ للعقل فعلًا، أيها السادة!
ولا يتجنّب المنشور أيضًا نظرية “الإرهاب المُحفِّز”8. “في كل مرة يدخل فيها بطل في مبارزة فردية، فإن ذلك يوقظ فينا جميعًا روح النضال والشجاعة”، كما يُقال لنا. لكننا نعلم من الماضي، ونرى في الحاضر، أن الذي يوقظ فعلًا روح النضال والشجاعة لدى الجميع هو فقط الأشكال الجديدة من الحركة الجماهيرية، أو انبعاث فئات جديدة من الجماهير إلى الصراع المستقل.
أمّا المبارزة الفردية، ما دامت تبقى مبارزةً فردية يخوضها أمثال بالماتشوف، فإن أثرها المباشر يقتصر على إحداث إحساسٍ عابر، بينما تؤدي، بصورة غير مباشرة، إلى اللامبالاة وانتظار الجولة التالية بفتور.ونُطمأن أيضًا إلى أن “كل وميضٍ من الإرهاب يضيء العقل”، وهو أمر لم نلحظه، للأسف، في الحزب الذي يعظ بالإرهاب، أي حزب الاشتراكيين-الثوريين.
وتُعرَض علينا نظرية “العمل الكبير” و“العمل الصغير”9.
“لا ينبغي لأولئك الذين يملكون قوةً أكبر، وفرصًا أكبر، وعزمًا أكبر، أن يرضوا بالعمل الصغير [!]، بل عليهم أن يجدوا لأنفسهم قضيةً كبرى ويكرّسوا أنفسهم لها — الدعاية للإرهاب وسط الجماهير [!!]، والتحضير للمشاريع الإرهابية المعقّدة…”
ما أبلغ هذه “النباهة” فعلًا: أن تُضحّى بحياة ثوريٍّ للانتقام من السافل سيبياجين، الذي سيحلّ محلّه السافل بليهفه — فهذا “عمل كبير”. أمّا الإعداد، مثلًا، لمظاهرةٍ مسلّحةٍ جماهيرية — فهذا “عمل صغير”!
ويُشرح هذا الأمر تحديدًا في العدد 8 من “روسيا الثورية”، حيث يُقال إن “من السهل الكتابة والكلام” عن المظاهرات المسلّحة “بوصفها أمرًا من المستقبل البعيد الغامض”، “لكن حتى الآن لم يكن كل هذا الكلام إلا ذا طابعٍ نظريٍّ محض.”
كم نعرف جيدًا لغة أولئك الذين تحرّروا من قيود القناعات الاشتراكية الراسخة، ومن عبء الخبرة العملية بكل أشكال الحركة الشعبية! إنهم يخلطون بين النتائج الملموسة الفورية والمثيرة، وبين العملية الفعلية.
وبالنسبة إليهم، فإن المطالبة بالتمسّك الصارم بالمنظور الطبقي والحفاظ على الطابع الجماهيري للحركة ليست إلا “تنظيرًا غامضًا”. أمّا “الوضوح” في نظرهم فليس سوى الخضوع العبودي لكل تقلّبٍ في المزاج… وينتج عن هذا الخضوع حتمًا العجز عند كل انعطاف.
تبدأ المظاهرات — فتسيل من أفواه هؤلاء الناس كلمات عطشى إلى الدم عن “بداية النهاية”.
تتوقف المظاهرات — فتهبط أيديهم في عجز، وقبل أن تبلى أحذيتهم يكونون قد شرعوا في الصراخ: “الشعب، للأسف، ما يزال بعيدًا…
يرتكب أعوان القيصر جريمةً جديدة — ويطالبون بأن يُقدَّم لهم إجراءٌ “محدّد” يكون ردًّا شاملًا على هذه الجريمة بالذات؛ إجراءٌ يُحدِث نقلًا فوريًا للقوة، ويعدون بهذا النقل بكل فخر! إن هؤلاء الناس لا يفهمون أن هذا الوعد نفسه بـ“نقل القوة” يمثّل مغامرةً سياسية، وأن مغامرتهم هذه ناشئةٌ عن انعدام مبدئيتهم 10.
وسوف يحذّر الاشتراكيون-الديمقراطيون دائمًا من المغامرة، ويكشفون بلا رحمة الأوهام التي تنتهي حتمًا بخيبة أملٍ كاملة.
علينا أن نتذكر أن الحزب الثوري لا يستحق اسمه إلا إذا كان يقود فعلًا حركةَ طبقةٍ ثورية.
وعلينا أن نتذكر أن أيَّ حركةٍ شعبية تفترض تنوّعًا لا نهائيًا في الأشكال، وأنها تطوّر أشكالًا جديدة باستمرار، وتتخلّى عن أشكالٍ قديمة، وتُجري تعديلاتٍ أو توليفاتٍ جديدة بين الأشكال القديمة والجديدة.ومن واجبنا أن نشارك مشاركةً فعّالة في هذه العملية المستمرة لصياغة وسائل وأساليب النضال.
وعندما اشتدّت حركةُ الطلاب، بدأنا ندعو العمال إلى مساندة الطلاب (إيسكرا، العدد 2)، دون أن نتكفّل باستباق أشكال المظاهرات، ودون أن نَعِدَ بأنها ستؤدي إلى نقلٍ فوريٍّ للقوة، أو إلى “إضاءة العقول”، أو إلى “إفلات” خاص.
وعندما ترسّخت المظاهرات، بدأنا ندعو إلى تنظيمها وإلى تسليح الجماهير، وطرحنا مهمة الإعداد لانتفاضةٍ جماهيرية.
ومن دون أن ننكر العنف والإرهاب من حيث المبدأ، طالبنا بالعمل من أجل تهيئة أشكالٍ من العنف تكون صالحةً لإشراك الجماهير مباشرةً، وتضمن هذه المشاركة.
ولا نغضّ الطرف عن صعوبة هذه المهمة، لكننا سننجزها بثباتٍ ومثابرة، غير عابئين بالاعتراضات القائلة إن هذا أمرٌ من “المستقبل البعيد الغامض”.نعم، أيها السادة، نحن مع أشكال الحركة المستقبلية، لا مع أشكالها الماضية فقط. ونحن نُفضِّل العمل الطويل الشاق من أجل ما يحمل وعدًا بالمستقبل على التكرار “السهل” لما حكم عليه الماضي بالإدانة.
وسنفضح دائمًا أولئك الذين يحاربون بالكلام الدوغما البالية، بينما يتمسّكون في الممارسة حصرًا بمقولاتٍ باليةٍ متعفّنة، مثل نظرية “نقل القوة”، والتمييز بين “العمل الكبير” و“العمل الصغير”، وبالطبع نظرية “المبارزة الفردية ”.
“وكما كانت معارك الشعوب في الزمن الغابر تُفصَل عبر مبارزاتٍ فردية بين قادتها، كذلك فإن الإرهابيين اليوم سيحرّرون روسيا عبر مبارزةٍ فردية مع الاستبداد” — هكذا يختتم منشور 3 نيسان كلامه. وإن مجرّد إعادة طباعة مثل هذه الجمل تكفي لدحضها.
إن كلّ من يمارس فعلًا عمله الثوري في ارتباطٍ بالصراع الطبقي للبروليتاريا يعرف جيدًا، ويرى ويشعر، أيَّ كمٍّ هائلٍ من المطالب الفورية والمباشرة للطبقة العاملة (وللفئات القادرة على مساندتها من الشعب) لا يجد طريقه إلى الإشباع.
ويعلم أن العمال، في أماكن كثيرة، وعبر مناطق شاسعة، يكادون يتمزّقون شوقًا إلى الفعل، غير أن حماسهم يتبدّد بسبب ندرة الأدبيات والقيادة، وبسبب نقص القوى والوسائل في المنظمات الثورية.
ونجد أنفسنا — ونرى أننا نجد أنفسنا — في الدائرة الخبيثة القديمة نفسها التي طالما أحاطت بالثورة الروسية كفألٍ شرير:
من جهةٍ، يتبدّد الحماس الثوري للجماهير غير المستنيرة وغير المنظَّمة؛ ومن جهةٍ أخرى، تنتهي طلقات “الأفراد المتخفّين”، الذين يفقدون الثقة بإمكان السير في صفوفٍ منتظمة والعمل يدًا بيد مع الجماهير، إلى الدخان.
لكن الأمور لا تزال قابلةً للإصلاح، أيها الرفاق!
إن فقدان الإيمان بقضيةٍ حقيقية هو الاستثناء لا القاعدة.
إن النزوع إلى الإرهاب مزاجٌ عابر.
فلنُحكِم صفوفنا نحن الاشتراكيين-الديمقراطيين، ولنمزج المنظمةَ النضاليةَ للثوريين وبطولةَ الجماهير الروسية في كلٍّ واحد!
وفي المقالة التالية سنتناول البرنامج الزراعي للاشتراكيين-الثوريين.
II
إن موقف الاشتراكيين-الثوريين من الحركة الفلاحية يثير اهتمامًا خاصًا. فبالذات في المسألة الزراعية كان ممثلو الاشتراكية الروسية القديمة، وخلفاؤهم الليبراليون-النارودنيكيون11، وكذلك أتباع النقد الانتهازي — وهم كُثُر في روسيا ويُسرفون في الجهر بالزعم بأن الماركسية قد دُحضت نهائيًا في هذا المجال على أيدي «النقّاد» — يرون أنفسهم دائمًا في موضع القوة. وها هم اشتراكيونا الثوريون بدورهم يمزّقون الماركسية تمزيقًا، على حدّ تعبيرهم: «تحيّزات دوغمائية… دوغمات بالية دحضتها الحياة منذ زمن بعيد… لقد أغمضت الإنتلجنسيا الثورية عينيها عن الريف، وكان العمل الثوري بين الفلاحين محظورًا بفعل الأرثوذكسية»، وغير ذلك الكثير على هذا المنوال.
لقد بات من الموضة السائدة ركل الأرثوذكسية. ولكن إلى أيّ فصيلة ينبغي أن نُحيل أولئك «الراكِلين» الذين لم يفلحوا حتى في وضع مخطط أولي لبرنامج زراعي خاص بهم قبل اندلاع الحركة الفلاحية؟ فعندما رسمت «إيسكرا» برنامجها الزراعي منذ العدد الثالث [انظر هذه الطبعة، المجلد 4، ص ص 420-428 — المحرر]، لم تجد «فستنيك روسكوي ريفولوتسيي»12 سوى أن تتمتم: «في ظل هذا العرض للمسألة، يتلاشى خلاف آخر من خلافاتنا» — وما جرى هنا هو أن محرري «فستنيك روسكوي ريفولوتسيي» وقعوا في سوء طالع حين أخفقوا إخفاقًا تامًا في فهم الطريقة التي عرضت بها «إيسكرا» المسألة («إدخال الصراع الطبقي إلى الريف»). أما «ريفولوتسيوننايا روسّيا»13 فتشير اليوم، متأخرة، إلى الكتيّب المعنون «المسألة التالية»، مع أنه لا يتضمن أي برنامج على الإطلاق، بل لا يشتمل إلا على مديح لأمثال هؤلاء الانتهازيين «المشهورين» كـ هيرتس14.
والآن، فإن هؤلاء الأشخاص أنفسهم — الذين كانوا قبل اندلاع الحركة على وفاق مع كلٍّ من «إيسكرا» وهيرتس — يخرجون، في اليوم التالي لانتفاضة الفلاحين، ببيان «صادر عن رابطة الفلاحين [!] في حزب الاشتراكيين-الثوريين»، بيان لا تجد فيه حرفًا واحدًا صادرًا حقًا عن الفلاحين، بل مجرد تكرار حرفي لما قرأته مئات المرات في كتابات النارودنيكيين والليبراليين و«النقّاد»… يقال إن الشجاعة قادرة على نقل الجبال. هذا صحيح، أيها السادة الاشتراكيون-الثوريون، ولكن إعلانكم الصارخ لا يشهد على مثل هذه الشجاعة.
لقد رأينا أن «الميزة» الكبرى للاشتراكيين-الثوريين تكمن في تحررهم من النظرية؛ وأن أعظم مهاراتهم تتمثل في قدرتهم على الكلام من دون أن يقولوا شيئًا. غير أنه من أجل عرض برنامج ما، لا بدّ مع ذلك من قول شيء. فمن الضروري، مثلًا، إلقاء «دوغما الاشتراكيين-الديمقراطيين الروس في أواخر الثمانينيات وبدايات التسعينيات القائلة بأنه لا توجد قوة ثورية سوى البروليتاريا الحضرية» في البحر. يا لها من كلمة صغيرة مفيدة هي «دوغما»! يكفي أن تُحرّف قليلًا نظرية خصمك، ثم تغطي هذا التحريف بفزّاعة «الدوغما» — وها أنت ذا!
منذ «البيان الشيوعي» تقوم كل الاشتراكية الحديثة على حقيقة لا جدال فيها، هي أن البروليتاريا وحدها تشكل طبقة ثورية حقًا في المجتمع الرأسمالي. أما الطبقات الأخرى فلا تصبح ثورية إلا جزئيًا، وفقط في ظروف معينة. فكيف ينبغي أن ننظر إلى أولئك الذين حوّلوا هذه الحقيقة إلى دوغما منسوبة إلى الاشتراكيين-الديمقراطيين الروس في فترة تاريخية محددة، ويحاولون إقناع القارئ الساذج بأن هذه الدوغما كانت «مرتكزة كليًا على الاعتقاد بأن النضال السياسي العلني كان بعيد المنال»؟
«ولمواجهة مذهب ماركس القائل بوجود طبقة ثورية واحدة حقًا في المجتمع الحديث، يطرح الاشتراكيون-الثوريون ثالوثهم: “الإنتلجنسيا، البروليتاريا، والفلاحون”، كاشفين بذلك عن خلطٍ ميؤوس منه في المفاهيم. فإذا وُضعت الإنتلجنسيا في مقابل البروليتاريا والفلاحين، فإن ذلك يعني اعتبار الأولى شريحة اجتماعية محددة، جماعة تحتل موقعًا اجتماعيًا محددًا تمامًا كما يحتله عمال الأجر والفلاحون. غير أن الإنتلجنسيا الروسية، بوصفها شريحة كهذه، هي تحديدًا إنتلجنسيا برجوازية برجوازية صغرى. وفيما يخص هذه الشريحة، يكون السيد ستروفه على حق تمامًا حين يصف صحيفته بأنها لسان حال الإنتلجنسيا الروسية.
أمّا إذا كان المقصود أولئك المثقفين الذين لم يتخذوا بعد موقفًا اجتماعيًا محددًا، أو الذين أطاحت بهم وقائع الحياة من مواقعهم المعتادة فانتقلوا إلى جانب البروليتاريا، فإن من العبث تمامًا مقابلة هذه الإنتلجنسيا بالبروليتاريا. فالبروليتاريا، شأنها شأن أي طبقة أخرى في المجتمع الحديث، لا تُفرز مثقفين من صفوفها فحسب، بل تستقبل في صفوفها أيضًا أنصارًا من بين مختلف فئات المتعلمين. إن حملة الاشتراكيين-الثوريين ضد “الدوغما” الأساسية للماركسية ليست سوى دليل إضافي على أن مجمل قوة هذا الحزب تتمثل في حفنة من المثقفين الروس الذين انفصلوا عن القديم، لكنهم لم يلتحقوا بعد بالجديد.
أمّا آراء الاشتراكيين-الثوريين بشأن الفلاحين فهي أشدّ اضطرابًا. ولنأخذ مجرد صياغة السؤال: “ما الطبقات الاجتماعية عمومًا [!] التي تتمسّك دائمًا [!!] بالنظام القائم… [الاستبدادي وحده؟ أم البرجوازي عمومًا؟]… وتحرسه ولا تخضع للثورة؟”. في الواقع، لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال إلا بسؤال آخر: ما عناصر الإنتلجنسيا، عمومًا، التي تتمسّك دائمًا بالفوضى القائمة في الأفكار، وتحرسها ولا تخضع لنظرة اشتراكية محددة للعالم؟ غير أنّ الاشتراكيين-الثوريين يريدون تقديم جوابٍ جاد على سؤالٍ تافه. فهم يُدرجون ضمن “هذه” الطبقات، أولًا، البرجوازية، لأن “مصالحها قد أُشبعت”. إن هذا الحكم المسبق القديم، القائل إن مصالح البرجوازية الروسية قد أُشبعت إلى حدٍّ لم يعد لدينا معه ديمقراطية برجوازية ولا يمكن أن تكون لدينا، (قارن «فستنيك روسكوي ريفولوتسيي»، العدد 2، ص ص 132–133)، بات اليوم مشتركًا بين “الاقتصاديين” والاشتراكيين-الثوريين. أفلا يعلّمهم السيد ستروفه بعض الحسّ السليم؟15
وثانيًا، يُدرج الاشتراكيون-الثوريون ضمن هذه الطبقات “الشرائح الصغرى-البرجوازية” التي “تكون مصالحها فردية، غير محددة بوصفها مصالح طبقية، ولا تقبل الصياغة في برنامج اجتماعي-سياسي إصلاحي أو ثوري”. ومن أين جاء هذا القول، لا يعلم إلا الله. فمن المعروف أن البرجوازية الصغرى لا تحرس دائمًا، وبوجه عام، النظام القائم، بل على العكس، كثيرًا ما تتخذ موقفًا ثوريًا حتى ضد البرجوازية نفسها (ولا سيما حين تنضم إلى البروليتاريا)، وكثيرًا جدًا ضد الحكم المطلق، وهي تكاد دائمًا تصوغ برامج للإصلاح الاجتماعي.
إن صاحبنا لم يفعل سوى إطلاق تصريح “أعلى صوتًا” ضد البرجوازية الصغرى، وفقًا “للقاعدة العملية” التي عبّر عنها تورغينيف على لسان “ثعلب عجوز” في إحدى “قصائده النثرية”: “اصرخوا بأعلى صوتكم ضد الرذائل التي تشعرون أنكم مذنبون بها ”16. وهكذا، وبما أن الاشتراكيين-الثوريين يشعرون بأن الأساس الاجتماعي الوحيد الممكن لموقفهم “بين مقعدين” لا يمكن أن توفره إلا بعض أقسام الإنتلجنسيا الصغرى-البرجوازية، فإنهم يكتبون عن البرجوازية الصغرى كما لو أن هذا المصطلح لا يدل على فئة اجتماعية محددة، بل ليس سوى تعبيرٍ جدلي.
وهم، إلى جانب ذلك، يحاولون التملّص من الحقيقة غير المريحة المتمثلة في عجزهم عن فهم أن الفلاحية المعاصرة تنتمي، بوصفها كُلًّا، إلى “الشرائح الصغرى-البرجوازية”. أفلا تحاولون أن تقدّموا لنا جوابًا في هذا الشأن، أيها السادة الاشتراكيون-الثوريون؟ أفلا تشرحون لنا لماذا، وأنتم تكرّرون شذرات من نظرية الماركسية الروسية (مثلًا عن الدلالة التقدمية للعمل خارج الزراعة والتجوال)، تغضّون الطرف عن حقيقة أن هذه الماركسية نفسها قد كشفت الطابع البرجوازي الصغير لبنية الاقتصاد الفلاحي الروسي؟ وكيف يمكن، في المجتمع المعاصر، ألّا ينتمي “المالكون أو شبه المالكون” إلى الشرائح الصغرى-البرجوازية؟17
لا، لا تعقدوا آمالًا! لن يجيب الاشتراكيون-الثوريون؛ لن يقولوا أو يشرحوا شيئًا له صلة بالموضوع، لأنهم (ومثل «الاقتصاديين» مرة أخرى) أتقنوا تمامًا تكتيك التظاهر بالجهل حين يتعلق الأمر بالنظرية. فـ «ريفولوتسيوننايا روسّيا» تلقي بنظرة ذات مغزى نحو «فستنيك روسكوي ريفولوتسيي» — فهذا عملهم، كما يقولون (قارن العدد 4، الرد على «زاريا») — فيما تُطلع «فستنيك روسكوي ريفولوتسيي» قراءها على مغامرات النقاد الانتهازيين وتواصل التهديد بجعل نقدها أكثر حدّة. هذا لا يكفي، أيها السادة!
لقد حافظ الاشتراكيون-الثوريون على نقائهم من التأثير “الضار” للمذاهب الاشتراكية الحديثة، وصانوا بالكامل أساليب الاشتراكية السوقية القديمة. نحن إزاء حقيقة تاريخية جديدة، حركة جديدة داخل قسم معيّن من الشعب، غير أنهم لا يفحصون وضع هذا القسم، ولا يضعون لأنفسهم هدف تفسير حركته انطلاقًا من طبيعته الاجتماعية وعلاقته بالبنية الاقتصادية المتطورة للمجتمع ككل. فكل هذا، في نظرهم، ليس سوى دوغما فارغة وأرثوذكسية بالية. وهم يتصرّفون ببساطة أكبر: عمّ يتحدث ممثلو القسم الصاعد أنفسهم؟ عن الأرض، عن زيادة الحصص، عن إعادة توزيع الأرض. ها هو لبّ المسألة. وهكذا يصبح لديك “برنامج شبه اشتراكي”، و“مبدأ صحيح تمامًا”، و“فكرة نيّرة”، و“مثال يعيش بالفعل في ذهن الفلاح في طوره الجنيني”، إلخ. وكل ما يلزم عندئذ هو “تنقيح هذا المثال و صقله”، وإبراز “الفكرة الصافية للاشتراكية”.
أتجد هذا صعب التصديق، أيها القارئ؟ أيبدو لك من غير المعقول أن يُعاد جرّ هذا الخردة النارودنيكية إلى الضوء على أيدي أناس يكرّرون بلسان طليق كل ما تقوله أحدث الكتب؟ ومع ذلك، فهذا واقع، وجميع العبارات التي اقتبسناها واردة حرفيًا في البيان “الصادر عن رابطة الفلاحين”، المنشور في العدد الثامن من «ريفولوتسيوننايا روسّيا».
يتّهم الاشتراكيون-الثوريون« إيسكرا» بأنها قرعت ناقوس موت الحركة الفلاحية مبكرًا حين وصفتها بأنها آخر انتفاضة فلاحية، ويُعلموننا بأن الفلاحين يستطيعون أيضًا المشاركة في الحركة الاشتراكية للبروليتاريا. إن هذا الاتهام يدلّ على تخبّط فكري لدى الاشتراكيين-الثوريين؛ فهم لم يدركوا حتى أن الحركة الديمقراطية ضد بقايا نظام القنانة شيء، والحركة الاشتراكية ضد البرجوازية شيء آخر تمامًا. وبما أنهم أخفقوا في فهم الحركة الفلاحية نفسها، فقد عجزوا كذلك عن فهم أن الكلمات الواردة في «إيسكرا»، والتي أفزعتهم إلى هذا الحد، إنما تشير حصريًا إلى الحركة الأولى.
ولم تكتفِ «إيسكرا» بالتأكيد على أن صغار المنتجين (بمن فيهم الفلاحون) الذين يجري إفلاسهم يمكنهم، بل يجب عليهم، المشاركة في الحركة الاشتراكية للبروليتاريا، وإنما حدّدت أيضًا الشروط الدقيقة لهذه المشاركة. غير أن الحركة الفلاحية الراهنة ليست، على الإطلاق، حركة اشتراكية موجّهة ضد البرجوازية والرأسمالية. بل إنها توحّد داخل الفلاحين أنفسهم العناصر البرجوازية والعناصر البروليتارية، التي تتلاقى فعلًا في النضال المشترك ضد بقايا نظام القنانة. إن الحركة الفلاحية اليوم تقود — وستقود — لا إلى قيام نمط حياة اشتراكي أو شبه اشتراكي في الريف، بل إلى نمط حياة برجوازي، وستعمل على إزالة الركام الإقطاعي الذي يثقل الأسس البرجوازية التي نشأت بالفعل في ريفنا.
لكن كل هذا يظلّ كتابًا مختومًا بالنسبة للاشتراكيين-الثوريين. بل إنهم يطمئنون «إيسكرا» بجدية تامة إلى أن شقّ الطريق أمام تطوّر الرأسمالية ليس سوى دوغما فارغة، لأن “الإصلاحات” (في ستينيات القرن التاسع عشر) قد “شقّت [!] كامل [!!] المجال لتطوّر الرأسمالية”. هكذا يكتب شخصٌ سلس القلم يتركه ينساب بلا كابح، ويتخيّل أن “رابطة الفلاحين” يمكن أن تمرّر أي شيء: فالفلاح لن يفهم! لكن تفضّل بالتفكير لحظة، أيها المؤلف العزيز: أما سمعتَ قطّ أن بقايا نظام القنانة تعيق تطوّر الرأسمالية؟ ألا ترى أن هذا يكاد يكون تحصيل حاصل؟ ألم تقرأ في مكان ما عن بقايا القنانة في ريف روسيا المعاصر؟
تقول «إيسكرا» إن الثورة المقبلة ستكون ثورة برجوازية. ويعترض الاشتراكيون-الثوريون قائلين إنها ستكون “بالدرجة الأولى ثورة سياسية وإلى حدٍّ ما ثورة ديمقراطية”. أفلا يحاول أصحاب هذا الاعتراض اللطيف أن يشرحوا لنا: هل يعرف التاريخ ثورة برجوازية، أو هل يمكن تصوّر ثورة برجوازية، لا تكون “إلى حدٍّ ما ثورة ديمقراطية”؟ ثم إن حتى برنامج الاشتراكيين-الثوريين أنفسهم (الحيازة المتساوية للأرض التي أصبحت ملكية اجتماعية) لا يتجاوز حدود برنامج برجوازي، لأن الإبقاء على إنتاج السلع والتسامح مع الزراعة الفردية، حتى لو أُجريت على أرض مشتركة، لا يقضي بأي حال على العلاقات الرأسمالية في الزراعة.
كلما ازداد تهاون الاشتراكيين-الثوريين في التعامل مع أبسط حقائق الاشتراكية الحديثة، ازدادت سهولة اختراعهم لـ“استنتاجات أولية للغاية”، بل إنهم يفخرون بأن “برنامجهم يختزل” إلى مثل هذه الاستنتاجات. فلننظر، إذن، في استنتاجاتهم الثلاثة جميعًا، التي ستبقى، على الأرجح، زمنًا طويلًا نصبًا لحدة الذكاء وعمق القناعات الاشتراكية لدى الاشتراكيين-الثوريين.
الاستنتاج رقم 1:“ جزء كبير من أراضي روسيا أصبح بالفعل ملكًا للدولة — ما نحتاجه هو أن تصبح كل الأراضي ملكًا للشعب”. لقد أصبحت “بالفعل” أسناننا على حافة السخط من كثرة الإشارات العاطفية إلى ملكية الدولة للأرض في روسيا، كما تَرِد في كتابات النارودنيكيين الشرطيين18 (على شاكلة سازونوف، إلخ) وفي كتابات مختلف الإصلاحيين الكاتدريين19 . و“ما نحتاجه” — على ما يبدو — هو أن يسير أناس يسمّون أنفسهم اشتراكيين، بل وثوريين، في ذيل هؤلاء السادة. و“ما نحتاجه” كذلك هو أن يشدّد الاشتراكيون على القدرة المزعومة المطلقة لـ“الدولة” (ناسين حتى أن جزءًا كبيرًا من أراضي الدولة يتركّز في أطراف البلاد غير المأهولة)، لا على التناقض الطبقي القائم بين الفلاحين شبه الأقنان وحفنةٍ مميَّزة من كبار الملاّك الذين يملكون معظم أفضل الأراضي المزروعة، والذين كانت “الدولة” دائمًا على أحسن العلاقات معهم. إن اشتراكيينا-الثوريين، الذين يتوهّمون أنهم يستنبطون فكرة صافية للاشتراكية، إنما يدنّسون هذه الفكرة فعليًا بموقفهم غير النقدي من النارودنية القديمة.
الاستنتاج رقم 2: “الأرض تنتقل بالفعل من رأس المال إلى العمل — ما نحتاجه هو أن تُستكمَل هذه العملية بواسطة الدولة”. وكلما توغلتَ في الغابة ازدادت الأشجار كثافة [مثل روسي — المحرر]. فلنخطُ خطوةً أخرى نحو النارودنية الشرطية؛ ولنناشد “الدولة” (الطبقية!) توسيع ملكية الأرض الفلاحية عمومًا. يا له من طرح اشتراكي إلى حدٍّ مدهش، وثوري إلى حدٍّ مذهل! ولكن ماذا يُنتظر من أناس يسمّون شراء الفلاحين للأرض واستئجارهم لها انتقالًا “من رأس المال إلى العمل”، بدل أن يكون انتقالًا للأرض من الملاّك ذوي الذهنية الإقطاعية إلى البرجوازية الريفية؟ ولنذكّر هؤلاء، على الأقل، بإحصاءات التوزيع الفعلي للأرض “المنتقلة إلى العمل”: إذ إن ما بين ستة إلى تسعة أعشار جميع الأراضي التي اشتراها الفلاحون، ومن خمسة إلى ثمانية أعشار جميع الأراضي المؤجَّرة، متركّزة في أيدي خُمس الأسر الفلاحية، أي في أيدي أقلية صغيرة من الفلاحين الميسورين. ومن هنا يمكن الحكم على مقدار الصدق في أقوال الاشتراكيين-الثوريين حين يؤكدون أنهم “لا يعوّلون إطلاقًا” على الفلاحين الميسورين، بل على “الشرائح العاملة حصريًا”.
الاستنتاج رقم 3: الفلاح يمتلك الأرض بالفعل، وفي معظم الحالات على أساس التوزيع المتساوي للأرض — ما نحتاجه هو أن تُستكمَل هذه الحيازة العمالية… وتتوج بالإنتاج الزراعي الجماعي عبر تطوير التعاونيات بكل أنواعها”. اكشط اشتراكيًا-ثوريًا، تجد السيد ف. ف.!20 فعند الانتقال إلى حيّز الممارسة، تبرز إلى السطح فورًا كل أحكام النارودنية المسبقة القديمة، التي كانت قد صانت نفسها بأمان خلف صيغ مراوغة. ملكية الدولة للأرض — استكمال نقل الأرض إلى الفلاحين بواسطة الدولة — الكومونة القروية — التعاونيات — الجماعية: في هذا المخطط الرائع للسادة سازونوف ويوزوف وني-… وللاشتراكيين-الثوريين وهوفشتتر وتوتوميانتس، وهلمّ جرّا 21، ينقص تفصيل تافه واحد: إنه لا يأخذ في الحسبان لا تطور الرأسمالية ولا الصراع الطبقي.
وكيف يمكن لمثل هذا “التفصيل” أن يخطر ببال أناس لا يتجاوز عتادهم الفكري خِرَق النارودنية ورُقَع النقد الموضوي الرائج؟ ألم يقل السيد بولغاكوف22 نفسه إنه لا مكان للصراع الطبقي في الريف؟ ألن يُرضي إحلال “التعاونيات بكل أنواعها” محل الصراع الطبقي الليبراليين و“النقّاد”، بل وكل من لا تعني لهم الاشتراكية سوى تسمية تقليدية؟
أليس من الممكن تهدئة السذّج بالقول: “بطبيعة الحال، كل مثالية للكومونة القروية غريبة عنا”، بينما يقرأ المرء، إلى جانب هذا القول مباشرة، تضخيمًا فخمًا عن “التنظيم الهائل لفلاحي المير”23، ثم تضخيمًا آخر مفاده أن “لا توجد، في بعض الوجوه، طبقة أخرى في روسيا مدفوعة إلى نضال سياسي محض مثل الفلاحين”، وأن تقرير المصير الفلاحي (!) أوسع نطاقًا وأعلى كفاءة من الزيمستفو24، وأن هذا الجمع بين “نشاط مستقل واسع” (حتى حدود القرية ذاتها؟) وغياب “أبسط الحقوق المدنية” “يبدو وكأنه صُمّم عمدًا لغرض… إيقاظ [!] الغرائز السياسية وممارسة عادات النضال الاجتماعي”. إن لم يعجبك هذا كله، فلا داعي لأن تسمع، ولكن…
“لا بدّ أن يكون المرء أعمى كي لا يرى كم هو أسهل الانتقال إلى فكرة تشريك الأرض انطلاقًا من تقاليد الحيازة المشاعية”. أليس العكس هو الصحيح، أيها السادة؟ أليس أولئك ميؤوسًا من صممهم وعماهم الذين لا يعلمون، حتى اليوم، أن انعزال الكومونة شبه القنّية في العصور الوسطى — ذلك الانعزال الذي يفتّت الفلاحين إلى اتحادات صغيرة ويقيّد البروليتاريا الريفية يدًا وقدمًا — هو بالذات ما يحافظ على تقاليد الجمود والاضطهاد والبربرية؟ أولا تنقضون غايتكم بأيديكم حين تعترفون بفائدة العمل خارج الزراعة، الذي دمّر بالفعل ثلاثة أرباع التقاليد الممجَّدة للتوزيع المتساوي للأرض في الكومونة، وردّ هذه التقاليد إلى مجرد تدخلات شرطية؟
إن البرنامج الأدنى للاشتراكيين-الثوريين، القائم على النظرية التي حلّلناها تَوًّا، لظاهرة عجيبة حقًا. فهذا “البرنامج” يضم بندين:
- “تشريك الأرض، أي تحويلها إلى ملكية المجتمع بأسره، لتُستخدم من قبل الكادحين”؛
- “تطوير جميع الأشكال الممكنة من الجمعيات العامة والتعاونيات الاقتصادية بين الفلاحين… [من أجل نضال ‘سياسي محض’؟]… من أجل التحرر التدريجي للفلاحين من سطوة رأس المال النقدي… [والخضوع للصناعي؟]… ومن أجل إعداد الإنتاج الزراعي الجماعي في المستقبل”.
وكما تنعكس الشمس في قطرة ماء، ينعكس كامل روح “الاشتراكية-الثورية” الراهنة في هذين البندين. ففي النظرية: تلاعب بالعبارات الثورية بدل منظومة متماسكة من الآراء؛ وفي الممارسة: التقاط عاجز لهذا الإجراء الصغير أو ذاك بدل المشاركة في الصراع الطبقي — وهذا كل ما لديهم ليقدّموه. ولا بدّ من الاعتراف بأن وضع تشريك الأرض إلى جانب التعاونيات في برنامجٍ أدنى قد تطلّب قدرًا نادرًا من “الجرأة المدنية”. برنامجهم الأدنى: بابوف من جهة، والسيد ليفيتسكي من جهة أخرى 25. إنه لا يُضاهى.
ولو أمكن أخذ هذا البرنامج على محمل الجد، لوجب علينا القول إن الاشتراكيين-الثوريين، وهم يخدعون أنفسهم بكلمات رنّانة، يخدعون الفلاحين أيضًا. فالادعاء بأن “التعاونيات بكل أنواعها” تؤدي دورًا ثوريًا في المجتمع المعاصر وتُعِدّ الطريق للجماعية، بدل أن تعزّز البرجوازية الريفية، هو خداع. وكذلك الادعاء بإمكان طرح تشريك الأرض أمام “الفلاحين” بوصفه “حدًّا أدنى”، كشيء قريب المنال بقدر إقامة التعاونيات، هو خداع.
فأيّ اشتراكي يستطيع أن يشرح لاشتراكيينا-الثوريين أن إلغاء الملكية الخاصة للأرض اليوم لا يمكن أن يكون إلا تمهيدًا فوريًا لإلغائها عمومًا؛ وأن مجرد نقل الأرض “لاستخدام الكادحين” لن يرضي البروليتاريا، لأن ملايين، بل عشرات الملايين، من الفلاحين المفلسين لم يعودوا قادرين على العمل في الأرض، حتى لو امتلكوها. وإن تزويد هؤلاء الملايين بالأدوات والماشية، إلخ، يعني تشريك جميع وسائل الإنتاج، ويتطلب ثورة اشتراكية بروليتارية، لا حركة فلاحية ضد بقايا نظام القنانة.
إن الاشتراكيين-الثوريين يخلطون بين تشريك الأرض وبين التأميم البرجوازي للأرض. ومن حيث المبدأ، يمكن تصوّر الثاني على أساس الرأسمالية أيضًا، من دون إلغاء العمل المأجور. لكن المثال الحي لهؤلاء الاشتراكيين-الثوريين أنفسهم يؤكّد بجلاء أن طرح مطلب تأميم الأرض في دولة بوليسية يعادل طمس المبدأ الثوري الوحيد — أي مبدأ الصراع الطبقي — وتقديم الطحين لكل أنواع البيروقراطية.
وليس هذا فحسب. فالاشتراكيون-الثوريون ينحدرون إلى الرجعية الصريحة حين ينهضون ضد مطلب مشروع برنامجنا القاضي بـ“إلغاء جميع القوانين التي تقيّد الفلاح في التصرّف الحر بأرضه”. فإرضاءً للتحيّز النارودنيكي حول “مبدأ الكومونة” و“مبدأ المساواة”، ينكرون على الفلاح أبسط الحقوق المدنية، أي حقّه في التصرّف الحر بأرضه؛ ويغضّون الطرف، راضين، عن حقيقة أن الكومونة القروية اليوم محاصَرة بواقعها الطبقي–الترتيبي؛ ويغدون أنصارًا للحظورات الشرطية التي أقامتها “الدولة”… دولة المشرفين الريفيين! ونعتقد أن لا السيد ليفيتسكي وحده، بل حتى السيد بوبيدونوستسيف، لن يفزع كثيرًا من مطلب تشريك الأرض بغرض إقامة حيازة متساوية، متى طُرح هذا المطلب بوصفه حدًّا أدنى إلى جانب أمورٍ مثل التعاونيات والدفاع عن النظام الشرطي الذي يُبقي الموجيك مربوطًا بالحصة الرسمية التي تعيله 26.
فليكن البرنامج الزراعي للاشتراكيين-الثوريين درسًا وتحذيرًا لكل الاشتراكيين، ومثالًا صارخًا على ما يفضي إليه غياب الأيديولوجيا والمبادئ، وهو ما يسمّيه بعض غير المتبصّرين تحرّرًا من الدوغما. فعند الانتقال إلى العمل، لم يُبدِ الاشتراكيون-الثوريون شرطًا واحدًا من الشروط الثلاثة الضرورية لوضع برنامج اشتراكي متماسك: فكرة واضحة عن الهدف النهائي؛ فهم صحيح للطريق المؤدّي إلى هذا الهدف؛ وتصور دقيق للحالة الفعلية في اللحظة الراهنة أو للمهام المباشرة لتلك اللحظة. لقد طمسوا ببساطة الهدف النهائي للاشتراكية بخلط تشريك الأرض بالتأميم البرجوازي، وبخلط الفكرة الفلاحية البدائية عن الحيازة المتساوية الصغيرة بمذهب الاشتراكية الحديثة القائل بتحويل جميع وسائل الإنتاج إلى ملكية عامة وتنظيم الإنتاج الاشتراكي. أمّا تصورهم للطريق المؤدّي إلى الاشتراكية فيتجلّى، على نحوٍ فريد، في إحلال تطوير التعاونيات محلّ الصراع الطبقي. وفي تقديرهم للمرحلة الراهنة من التطور الزراعي في روسيا، نسوا تفصيلًا صغيرًا: بقايا نظام القنانة التي تثقل كاهل ريفنا. والثالوث الشهير الذي يعكس آراءهم النظرية — الإنتلجنسيا، والبروليتاريا، والفلاحون — له مكمله في “البرنامج” الثلاثي الشهير: تشريك الأرض، والتعاونيات، والتعلّق بالحصة.
قارنوا هذا ببرنامج “إيسكرا”، الذي يشير إلى هدف نهائي واحد أمام البروليتاريا المناضلة بأسرها، من دون اختزاله إلى “حدٍّ أدنى”، ومن دون ابتذاله للتكيّف مع أفكار بعض الأقسام المتخلّفة من البروليتاريا أو صغار المنتجين. والطريق المؤدّي إلى هذا الهدف واحد في المدينة والريف — الصراع الطبقي للبروليتاريا ضد البرجوازية. غير أنه إلى جانب هذا الصراع الطبقي، يجري في ريفنا صراعٌ آخر: صراع الفلاحية بأسرها ضد بقايا نظام القنانة. وفي هذا الصراع، يتعهّد حزب البروليتاريا بدعم الفلاحية كلّها، ويسعى إلى أن يمنح حماستها الثورية هدفًا واقعيًا، وأن يوجّه انتفاضتها ضد عدوّها الحقيقي، معتبرًا أنه من غير الأمين وغير اللائق التعامل مع الموجيك27 كما لو كان تحت وصاية، أو إخفاء حقيقة أنه، في الحاضر وبصورة فورية، لا يستطيع تحقيق سوى الاستئصال التام لكل آثار وبقايا نظام القنانة، وأنه لا يستطيع إلا شقّ الطريق أمام النضال الأوسع والأصعب للبروليتاريا بأسرها ضد المجتمع البرجوازي برمّته.
اضافات المترجم
1- مرحلة ما بعد الإصلاح: هي مرحلة ما بعد إصلاحات عام 1861 في روسيا القيصرية، وعلى رأسها إلغاء نظام القنانة في عهد القيصر ألكسندر الثاني. هذه الإصلاحات مثّلت نقطة تحوّل تاريخية نحو تشكل العلاقات الرأسمالية، وتفكك البنية الإقطاعية تدريجيًا، ونشوء البروليتاريا الصناعية، وهي الخلفية المادية التي يستند إليها لينين في تحليله لتطور الحركة الثورية
2- المقصود هنا التيارات السياسية المنظمة داخل الحركة الثورية.
3- المقصود بـ«السيد ستروفه» هو )بيتر ستروفه) Peter Struve(1870 – 1944) أحد أبرز منظّري الماركسية القانونية في روسيا أواخر القرن التاسع عشر. بدأ مسيرته كمفكر ماركسي، ثم انتقل تدريجيًا إلى الليبرالية البرجوازية، وأصبح لاحقًا من قادة التيار الدستوري الديمقراطي (الكاديت). يستعمله لينين هنا بوصفه نموذجًا حيًّا لانزلاق مثقف ماركسي سابق إلى خدمة مصالح ملاّك الأراضي والبرجوازية الليبرالية، تحت شعار «نبذ الدوغما» و«الوحدة»، أي تفريغ الاشتراكية من مضمونها الطبقي الثوري.
4- اغتيال بالماتشوف لسيبياجين: هو قيام الثوري ستيبان بالماتشوف في عام 1902 باغتيال وزير الداخلية الروسي دميتري سيبياجين، أحد أبرز رموز القمع القيصري في تلك المرحلة. مثّل هذا الاغتيال بداية موجة جديدة من الإرهاب الفردي في روسيا، وكانت له أهمية سياسية كبيرة لأنه أعاد إحياء الجدل داخل الحركة الثورية حول جدوى العمل الإرهابي الفردي مقابل النضال الجماهيري المنظم، وهو الجدل الذي يستند إليه لينين هنا في نقده هنا.
5- يحاول لينين هنا توضيح موقف الاشتراكيين-الثوريين من الاستبداد، إذ يرون أنه قادر على قمع الجماهير والأحزاب، لكنه—في نظرهم—عاجز أمام الإرهاب الفردي المتخفّي.
6- نظرية “نقل القوة” هي الفكرة التي يتبنّاها أنصار الإرهاب الفردي، ومفادها أن كل عملية اغتيال سياسي أو عمل إرهابي ينقل تلقائيًا جزءًا من “قوة” النظام القائم إلى جانب الثوريين، أي أن الفعل الإرهابي بحدّ ذاته يُضعِف الاستبداد ويُقوّي الحركة الثورية، بغضّ النظر عن مشاركة الجماهير أو تنظيمها. ينتقد لينين هذه النظرية بوصفها وهمًا سياسيًا يتجاهل حقيقة أن ميزان القوى يتحدّد بالصراع الطبقي والتنظيم الجماهيري، لا بالأفعال الفردية المعزولة.
7- نظرية “الإفلات” هي الفكرة المكمِّلة لنظرية نقل القوة، وتقوم على الزعم بأن الإرهابي الفردي أو المجموعات الصغيرة المتخفّية لا يمكن للدولة الاستبدادية أن تواجههم أو تحمي نفسها منهم، لأنهم “يفلتون” من الجيش والشرطة والتنظيمات القمعية. ويرى لينين أن هذه النظرية تقلب منطق الصراع السياسي رأسًا على عقب، لأنها تختزل الدولة في أفراد يمكن اغتيالهم، وتتجاهل أن الاستبداد نظام اجتماعي-سياسي لا يُهزَم إلا بحركة جماهيرية منظَّمة.
8- الإرهاب المُحفِّز: يقصد به التصوّر القائل إن العمل الإرهابي الفردي، ولا سيما الاغتيالات السياسية، يملك بحدّ ذاته قدرةً “تحفيزية” على إيقاظ وعي الجماهير وشجاعتها ودفعها إلى النضال. ينتقد لينين هذا التصوّر بوصفه وهمًا سياسيًا ونفسيًا، لأن التجربة التاريخية تُظهر أن ما يوقظ روح النضال فعلًا هو تطوّر أشكال الحركة الجماهيرية المنظَّمة أو انخراط فئات جديدة من الجماهير في الصراع المستقل، لا الأفعال الفردية المعزولة، التي لا تتجاوز آثارها إثارةً عابرة وقد تؤدي، على العكس، إلى اللامبالاة وانتظار “البطل” التالي.
9- العمل الكبير والعمل الصغير:
يشير هذان المصطلحان إلى ثنائية زائفة يعتمدها أنصار الإرهاب الفردي، حيث يُصنَّف الاغتيال السياسي والأعمال الإرهابية الفردية بوصفها “عملًا كبيرًا”، لما تحمله من طابع درامي ونتائج فورية مثيرة، بينما يُنظَر إلى العمل الجماهيري المنظَّم—كالتنظيم السياسي، والتعبئة، والتحضير لمظاهرات أو انتفاضات جماعية—بوصفه “عملًا صغيرًا”. ينتقد لينين هذه الثنائية بوصفها قلبًا لمعايير الفعل الثوري، إذ يرى أن “الكِبر” الحقيقي للعمل الثوري يُقاس بمدى مشاركته الجماهيرية وأثره البنيوي طويل الأمد، لا بطابعه الفردي أو الانفعالي الآني.
10- لينين ينتقد من يطالبون، بعد كل جريمة يرتكبها النظام، بإجراء إرهابي “سريع وحاسم” يغيّر ميزان القوى فورًا، ويقول إن هذا التفكير مغامرة سياسية نابعة من غياب المبادئ والاستراتيجية.
11- النارودنية: تيار فكري سياسي روسي ظهر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر داخل أوساط الإنتلجنسيا، يقوم على تمجيد «الشعب»، ولا سيما الفلاحين، واعتبارهم القوة الاجتماعية الرئيسية للتغيير التاريخي في روسيا. افترض النارودنيون وجود طريق «خاص» إلى الاشتراكية يتجاوز المسار الرأسمالي، ويرتكز على الكومونة الريفية (المير) بوصفها نواة اشتراكية كامنة. تميّزت النارودنية برفض الحتمية الماركسية وتطور الرأسمالية كمرحلة ضرورية، وبنزعة أخلاقية مثالية تُقدّم الإرادة الشعبية والعدالة المجردة على التحليل الطبقي المادي، وبموقف متذبذب من الوسائل تراوح بين الدعوة السلمية («الذهاب إلى الشعب») والإرهاب الفردي. ومع نهاية القرن التاسع عشر انقسم التيار، فانتقل جزء منه إلى الليبرالية الإصلاحية (الليبراليون-النارودنيكيون)، بينما تطوّر جزء آخر إلى تيار الاشتراكيين-الثوريين، محتفظًا بجوهر الشعبوية الفلاحية. ومن المنظور الماركسي تُعدّ النارودنية تعبيرًا أيديولوجيًا عن البرجوازية الصغرى، عاجزًا عن إدراك قوانين تطور الرأسمالية والصراع الطبقي.
12- فِستنيك روسكوي ريفولوتسيي (Vestnik Russkoi Revolyutsii) : مجلة/دورية سياسية روسية صدرت في مطلع القرن العشرين، مثّلت منبرًا لتيارات نارودنيكية ليبرالية وانتهازية داخل الحركة الثورية الروسية. عُرفت بموقفها النقدي من الماركسية الثورية وبنزعتها التوفيقية، إذ حاولت الجمع بين خطاب «شعبي» عن الفلاحين وبين أطروحات إصلاحية ليبرالية. في الجدل الذي تشير إليه النصوص اللينينية، تُنتقد المجلة لعجزها عن فهم التحليل الماركسي للصراع الطبقي في الريف (وخاصة مسألة «إدخال الصراع الطبقي إلى الريف»)، ولاكتفائها بتعليقات ضبابية وتمييع الخلافات النظرية بدل بلورة برنامج زراعي ثوري متماسك.
13- ريفولوتسيوننايا روسّيا (Revolyutsionnaya Rossiya) : صحيفة/مجلة سياسية صدرت في مطلع القرن العشرين بوصفها المنبر المركزي لحزب الاشتراكيين-الثوريين في روسيا. عبّرت عن مواقف هذا التيار، ولا سيما في المسألة الفلاحية والزراعية، وروّجت لأفكاره الشعبوية (النارودنيكية) مع خطاب ثوري عام. في الجدل الماركسي، ولا سيما في كتابات لينين، تُنتقد «ريفولوتسيوننايا روسّيا» لتبنّيها مواقف انتهازية وضبابية نظريًا، ولعجزها عن تقديم برنامج زراعي متماسك قائم على تحليل طبقي، واكتفائها بشعارات عامة وتمجيد غير نقدي للحركة الفلاحية.
14- هيرتس: أحد الكُتّاب/المنظّرين الذين عُدّوا في الجدل الماركسي الروسي من «النقّاد الانتهازيين» في مطلع القرن العشرين. اشتهر بانتقاد الماركسية من مواقع توفيقية وضبابية، وبمحاولته التوفيق بين عناصر من الشعبوية (النارودنية) والليبرالية مع استعمال لغة «اشتراكية» عامة منزوعة من التحليل الطبقي الصارم. ويَرِد ذكره في كتابات لينين بوصفه مثالًا على نقّاد يُضفُون على الانتهازية مسحة «علمية» أو «نقدية»، من دون تقديم برنامج أو نظرية بديلة متماسكة، ولا سيما في المسألة الزراعية والفلاحية.
15- ينتقد لينين الاشتراكيين-الثوريين لأنهم يطرحون سؤالًا تجريديًا خاطئًا عن «الطبقات التي تتمسك دائمًا بالنظام القائم»، ثم يجيبون عليه إجابة مضللة. فقولهم إن البرجوازية «أُشبعت مصالحها» يتجاهل الواقع التاريخي، إذ إن البرجوازية الروسية لم تُنجز بعد مهامها الديمقراطية. وتأتي الإشارة إلى ستروفه للسخرية من كون الليبراليين أنفسهم أكثر واقعية منهم (الاشتراكيين-الثوريين) في فهم هذه المسألة.
16- لينين يفضح تناقض الاشتراكيين-الثوريين: يهاجمون البرجوازية الصغرى بصوت عالٍ، رغم أنها كثيرًا ما تكون ثورية، لأنهم في الحقيقة أبناء هذه الفئة ويحاولون الهروب من هذا الواقع بالصراخ ضدها.
17- يقصد لينين أن الاشتراكيين-الثوريين يتهرّبون من حقيقة ماركسية أساسية، هي أن الفلاحية المعاصرة، بوصفها كُلًّا، تقوم اقتصاديًا على الملكية الصغيرة، ما يجعلها تنتمي موضوعيًا إلى الشرائح الصغرى-البرجوازية. ولأن الاعتراف بذلك ينسف تصورهم عن الفلاحين كقوة ثورية مستقلة فوق الطبقات، فإنهم يتجاهلون هذا التحليل أو يلتفون عليه، مستبدلين الوضوح الطبقي بتوصيفات ضبابية تُشوّه فهم الواقع الاجتماعي بدل مواجهته بصدق.
18- النارودنيكيون الشرطيون (على شاكلة سازونوف): يُقصد بهذا التعبير الساخر تيار من النارودنيكيين المحافظين الذين تبنّوا خطابًا «شعبيًا» ظاهريًا، لكنهم عمليًا برّروا سياسات الدولة القيصرية وروّجوا لإصلاحات من أعلى، ولا سيما تمجيد ملكية الدولة للأرض بوصفها بديلًا «اجتماعيًا» زائفًا. ويُذكر هنا سازونوف مثالًا على كتّاب قدّموا هذا الخطاب بوصفه نقديًا أو اشتراكيًا، بينما كان يخدم الحفاظ على النظام القائم ويُفرغ المسألة الزراعية من مضمونها الطبقي الحقيقي.
19- الإصلاحيون الكاتدريون: مصطلح يُطلق على تيار من الاقتصاديين والمثقفين الإصلاحيين في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ارتبط بالجامعات (الـ Katheder = الكرسي الجامعي). دعا هؤلاء إلى إصلاحات اجتماعية تدريجية من أعلى عبر الدولة، ورفضوا الصراع الطبقي والثورة، مفضّلين حلولًا أكاديمية وبيروقراطية. في النقد الماركسي، يُؤخذ عليهم أنهم يُضفون مسحة «اجتماعية» على سياسات الدولة القائمة، ويحوّلون الاشتراكية إلى برنامج وعظي-إداري يخدم استقرار النظام بدل تغييره.
20- اكشط اشتراكيًا-ثوريًا، تجد السيد ف. ف. تعبير ساخر يقصد به الكاتب أن الخطاب «الاشتراكي-الثوري» ما إن تُزال عنه قشرته اللفظية الحديثة حتى يظهر تحته فاسيلي فاسيلييفيتش فورونتسوف (ف. ف.)، أحد أبرز منظّري النارودنية. والمعنى أن أفكار الاشتراكيين-الثوريين ليست جديدة أو ماركسية، بل إعادة إنتاج مباشرة للأطروحات الشعبوية الفلاحية القديمة التي تمجّد الكومونة والتعاونيات وتتجاهل تطوّر الرأسمالية والصراع الطبقي.
21- سازونوف، يوزوف، وني-…، وهوفشتتر، وتوتوميانتس: أسماء لكتّاب ومنظّرين ارتبطوا، بدرجات مختلفة، بتيارات نارودنيكية وإصلاحية في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. يُستحضَرون هنا بوصفهم ممثّلين لمخطط فكري واحد يقوم على: ملكية الدولة للأرض، نقلها إلى الفلاحين من أعلى، تمجيد الكومونة القروية، التعويل على التعاونيات، والانتقال الإداري إلى “الجماعية”. في النقد الماركسي، يُؤخَذ عليهم أنهم يتجاهلون تطوّر الرأسمالية والصراع الطبقي داخل الريف، ويستبدلون التحليل العلمي ببرنامج إصلاحي-شعبوي يلبس ثوبًا اشتراكيًا لفظيًا.
22- السيد بولغاكوف: يُقصد به سيرغي نيقولايفيتش بولغاكوف (1871–1944)، اقتصادي ومفكّر روسي بدأ حياته ضمن تيار «الماركسيين القانونيين» ثم انتقل لاحقًا إلى الليبرالية والفلسفة الدينية. في سياق الجدل الماركسي، يُنتقد بولغاكوف لإنكاره أو تقليله من شأن الصراع الطبقي في الريف، وميوله إلى تفسير التطور الزراعي بمنظور توفيقي أخلاقي-اقتصادي. ويُستشهد به هنا بوصفه مثالًا على اتجاه فكري يُقصي الصراع الطبقي لصالح حلول إصلاحية أو تعاونية عامة.
23- فلاحي المير: يُقصد بـ المير (Mir) الكومونة القروية الروسية التقليدية، أي نظام الملكية الجماعية للأرض داخل القرية، حيث تُوزَّع الأراضي دوريًا بين الأسر الفلاحية وفق أعراف محلية، مع بقاء الرقابة الجماعية والقيود الإدارية للدولة. في النقد الماركسي، يُنظر إلى المير لا بوصفه نواة اشتراكية، بل كشكل ما قبل رأسمالي يقيّد تطور الصراع الطبقي في الريف، ويخفي التفاوتات الاجتماعية بين الفلاحين، ويُستخدم أيديولوجيًا من قبل النارودنيكيين لتمجيد الفلاحين وتبرير تجاوز التحليل الطبقي.
24 – الزيمستفو: هيئة حكم محلي أُنشئت في روسيا القيصرية ابتداءً من إصلاحات عام 1864، تولّت شؤونًا إدارية محلية مثل التعليم والصحة والطرق والضرائب. ورغم طابعها «التمثيلي» المحدود، كانت خاضعة لرقابة الدولة وهيمنة الملاّك وكبار الأعيان، ما جعلها أداة إصلاحية بيروقراطية من أعلى أكثر منها مؤسسة ديمقراطية حقيقية. في النقد الماركسي، يُشار إليها مثالًا على حدود الإصلاح الليبرالي داخل النظام القيصري، ومقارنة الادعاء بـ«تفوق» تقرير المصير الفلاحي عليها تُستخدم هنا بسخرية لفضح المبالغة الشعبوية.
25- بابوف من جهة، والسيد ليفيتسكي من جهة أخرى: مقارنة ساخرة تجمع بين طرفين متناقضين.غراكس بابوف (1760–1797): ثوري فرنسي راديكالي ارتبط اسمه بمطالب المساواة الجذرية والمشاعية، ويُستحضَر هنا رمزًا لأقصى اليسار اليعقوبي المبكر.ليف دافيدوفيتش ليفيتسكي: اقتصادي وكاتب إصلاحي ليبرالي، يُمثّل حلولًا تدرّجية وبرجوازية بعيدة عن الصراع الطبقي. والمعنى أن «البرنامج الأدنى» للاشتراكيين-الثوريين يخلط، بلا اتساق، بين شعارات راديكالية قصوى (بابوف) وتصورات إصلاحية ليبرالية (ليفِتسكي)، ما يكشف تناقضه النظري وافتقاره إلى أساس طبقي واضح.
26- يقصد لينين أن الاشتراكيين-الثوريين، بدفاعهم عن الكومونة والتوزيع المتساوي، يعارضون حقّ الفلاح في التصرّف الحر بأرضه، فيتبنّون موقفًا رجعيًا عمليًا يبرّر القيود الشرطية للدولة القيصرية. وبذلك يخلطون بين شعارات «اشتراكية» لفظية وسياسات تحفظ النظام القائم، إلى حدّ أن مطلب تشريك الأرض، حين يُطرح كـ«حدّ أدنى» مقرونًا بالتعاونيات والدفاع عن القيود الإدارية، لا يزعج حتى أكثر المحافظين.
27- الموجيك : مصطلح روسي يعني الفلاح القروي في روسيا القيصرية، ويُستخدم في الأدبيات الماركسية للدلالة على الفلاح الصغير الخاضع لقيود إدارية وقانونية (الكومونة، الحصة، رقابة الدولة). ويَرِد هنا على نحو نقدي للإشارة إلى معاملة الفلاح كقاصرٍ تُفرض عليه الوصاية وتُقيَّد حريته في التصرّف بأرضه.