ليون تروتسكي
كُتب في: 1 فبراير 1935
نُشر أول مرة: يوليو 1935 بعنوان «الاتحاد السوفيتي اليوم»
المصدر: النيو إنترناشيونال (نيويورك)، المجلّد 2، العدد 4، يوليو 1935، الصفحات 116–122
أُعيد نشره في: المراجعة الاشتراكية الأممية، المجلّد 17، العدد 3، صيف 1956، الصفحات 93–101، 105
النقل والتحرير وترميز HTML: دوغ فولارتون (1998)؛ مراجعة: ديفيد وولترز (فبراير 2005)
الملكية العامة: أرشيف الإنترنت لتروتسكي، 2005
لقد اتجهت السياسة الخارجية للبيروقراطية الستالينية، عبر قناتيها كلتيهما— الدبلوماسية بوصفها القناة الرئيسية، والأممية الشيوعية بوصفها قناة ثانوية — انعطافًا حادًّا نحو عصبة الأمم وصون الوضع القائم، وإبرام التحالفات مع الإصلاحيين والديمقراطية البرجوازية. وفي الوقت ذاته، اتجهت السياسات الداخلية إلى السوق وإلى « الفلّاح الميسور في الكولخوز »1. إن الحملة الأخيرة على المجموعات المعارضة وشبه المعارضة، وعلى العناصر المنعزلة التي تبدي أدنى حد من النقد، إلى جانب التطهير الجماعي الجديد للحزب، إنما تهدف إلى منح ستالين حرية الحركة ليمضي في مساره نحو اليمين. فالواقع أننا إزاء عودة إلى النهج العضوي القديم—المراهنة على الكولاك، التحالف مع الكومينتانغ، اللجنة الأنجلو-روسية، إلخ2 —لكن على نطاق أوسع بكثير وتحت ظروف أشدّ وطأة بما لا يُقاس.
إلى أين يقود هذا الطريق؟ لقد عادت كلمة «تيرميدور» تتردّد على ألسنة كثيرة. غير أنّ هذه الكلمة، للأسف، ابتُذلت من فرط الاستخدام وفقدت مضمونها الملموس، وهي عاجزة بوضوح عن توصيف المرحلة التي تمرّ بها البيروقراطية الستالينية أو الكارثة التي تُعِدّ لها. لذا يتعيّن علينا، أولًا وقبل كل شيء، أن نحدّد مصطلحاتنا بدقّة.
إنّ مسألة «التيرميدور» وثيقة الصلة بتاريخ المعارضة اليسارية في الاتحاد السوفيتي. وليس من اليسير اليوم تحديد مَن كان أول من لجأ إلى هذا القياس التاريخي. وعلى أيّة حال، كانت المواقف في عام 1926، على وجه التقريب، كما يلي: أعلنت جماعة «الديمقراطية المركزية» (ف. م. سميرنوف، سابرونوف وآخرون- وقد طاردهم ستالين حتى لقوا حتفهم في المنفى): «لقد وقع التيرميدور بالفعل!» أمّا أنصار برنامج المعارضة اليسارية، أي البلاشفة-اللينينيون، فقد أنكروا هذا الزعم على نحوٍ قاطع، وكان الانقسام نتيجةً لهذا الخلاف. فمن الذي كان مُحقًّا؟ للإجابة عن ذلك، ينبغي لنا أن نحدّد بدقّةٍ ما الذي قصده كلُّ فريقٍ بـ«التيرميدور»، إذ إنّ القياسات التاريخية تحتمل تأويلات شتّى وقد تُساء استعمالها بسهولة.
كان الراحل ف. م. سميرنوف — وهو من أبرز ممثلي المدرسة البلشفية القديمة — يرى أنّ تأخُّر التصنيع، ونموَّ الكولاك والنيبمان3، والروابط بين هاتين الفئتين والبيروقراطية، وأخيرًا انحطاط الحزب، قد بلغ جميعه حدًّا يجعل العودة إلى الطريق الاشتراكي مستحيلةً دون ثورةٍ جديدة؛ فالبروليتاريا فقدت السلطة بالفعل. وبعد سحق المعارضة اليسارية، شرعت البيروقراطية تُعبّر عن مصالح نظامٍ برجوازيٍّ آخِذٍ في التشكُّل من جديد. وهكذا جرى تصفية المكاسب الأساسية لثورة أكتوبر. تلك، في جوهرها، كانت رؤية جماعة «الديمقراطية المركزية».
جادلت المعارضة اليسارية أنّ عناصر «ازدواجية السلطة» بدأت، بلا شكّ، تتبرعم في البلاد، غير أنّ انتقال هذه العناصر إلى هيمنة برجوازية لا يمكن أن يحدث إلا بانقلاب مضادّ للثورة. صحيح أنّ البيروقراطية كانت مرتبطة بالفعل بالنيبمان والكولاك، لكن جذورها الأساسية كانت ما تزال ممتدة في الطبقة العاملة. وفي صراعها مع المعارضة اليسارية، كانت البيروقراطية تجرّ وراءها ذيلًا ثقيلًا من النيبمان والكولاك؛ غير أنّ هذا الذيل سيُسدِّد غدًا ضربة إلى الرأس، أي إلى البيروقراطية الحاكمة نفسها. وكانت الانشقاقات الجديدة داخل صفوف البيروقراطية حتمية. وأمام الخطر المباشر لانقلاب مضادّ، كان جوهر البيروقراطية الوسطية سيلجأ إلى العمال طلبًا للدعم ضد البرجوازية الريفية الصاعدة. كان مآل الصراع بعيدًا عن الحسم بعد؛ فإعلان دفن ثورة أكتوبر كان سابقًا لأوانه. لقد سهَّل سحق المعارضة اليسارية عمل «التيرميدور»، ولكن «التيرميدور» نفسه لم يقع بعد.
يكفينا استعادة جوهر جدالات عامي 1926–1927 بدقّة كي يَتبدّى، في ضوء التطوّرات اللاحقة، صوابُ موقف البلاشفة-اللينينيين بكلّ وضوح. ففي عام 1927 سدَّد الكولاك ضربة إلى البيروقراطية برفضهم تزويدها بالخبز الذي احتكروه. وفي 1928 حدث انقسامٌ صريحٌ داخل البيروقراطية: دعا اليمينُ إلى مزيدٍ من التنازلات للكولاك، بينما تسلّح الوسطيون بأفكار المعارضة اليسارية التي كانوا قد حطّموها مع اليمين، فاستندوا إلى العمال، وهزموا اليمين، وشرعوا في مسار التصنيع ثمّ التعاونيات الزراعية الواسعة. وهكذا أُنقِذت المكاسب الاجتماعية الجوهرية لثورة أكتوبر في النهاية، وإن بثمن باهظ من التضحيات غير الضرورية.
لقد جرى تطوّر القوى المنتِجة ليس عن طريق إعادة الملكية الخاصة، وإنما على أساس الطابع الاشتراكي للإنتاج، وبواسطة إدارة مخططة. وإنّ الأهميّة التاريخية العالمية لهذا الواقع لا يحجبها إلّا من هو أعمى سياسيًّا.
المعنى الحقيقي للتيرميدور:
ومع ذلك، يمكننا اليوم ويجب علينا أن نعترف بأن تشبيه التيرميدور أدّى إلى إرباك المسألة أكثر مما أوضحها. فقد أحدث التيرميدور في عام 1794 تحوّلًا في السلطة من بعض المجموعات في المؤتمر إلى مجموعات أُخرى، من قسمٍ من «الشعب» المنتصر إلى فئات أُخرى. فهل كان التيرميدور مُضادًّا للثورة؟ إنّ الجواب عن هذا السؤال يتوقّف على مدى الاتّساع الذي نُعطيه، في حالةٍ معيّنة، لمفهوم «الثورة المضادّة». كان الانقلاب الاجتماعي بين 1789 و1793 ذا طابعٍ بورجوازي. في جوهره اختُزل في استبدال الملكيّة الإقطاعيّة الثابتة بالملكيّة البورجوازيّة «الحُرّة». الثورة المضادّة «المكافئة» لهذه الثورة كان ينبغي أن تُحقّق إعادة الملكيّة الإقطاعيّة. لكنّ التيرميدور لم يحاول حتّى السّير في هذا الاتّجاه. لقد طلب روبسبير دَعمَه من الحرفيّين، بينما اعتمدت الديركتوار4 على البورجوازيّة الوسطى. أمّا بونابرت فقد تحالف مع البنوك. كل هذه التحوّلات – التي كانت، بالطبع، ذات معنى اجتماعي إضافةً إلى معناها السياسي – جرت، مع ذلك، على أساس المجتمع والدولة البورجوازيّة الجديدة.
وكان للثامن عشر من برومير لبونابرت نفس الدلالة، بوصفه المرحلة المهمّة التالية على طريق الرِدّة. ففي الحالتين لم يكن الأمر يتعلّق بإعادة أشكال الملكيّة القديمة أو سلطة الطبقات السائدة السابقة، بل بتقسيم مكاسب النظام الاجتماعي الجديد بين مختلف فئات «الطبقة الثالثة» المنتصرة. لقد استولت البورجوازيّة أكثر فأكثر على الملكيّة والسلطة (إمّا بشكلٍ مباشر وفوري أو عبر وكلاء خاصّين مثل بونابرت)، لكنّها لم تقُم بأي محاولةٍ على الإطلاق ضد المنجزات الاجتماعيّة للثورة؛ بل على العكس، سعت باهتمام إلى تقويتها وتنظيمها وتثبيتها. لقد حمى نابليون الملكيّة البورجوازيّة، بما فيها ملكيّة الفلّاح، من كلٍّ من «الرعاع»5 ومن مطالب المالِكين السابقين المُجرّدين. أوروبا الإقطاعيّة كانت تكره نابليون بوصفه التجسيد الحيّ للثورة، وكان ذلك صحيحًا وفق معاييرها.
لا شكّ أن الاتحاد السوفيتي اليوم لا يكاد يشبه ذلك النوع من الجمهورية السوفيتية الذي صوّره لينين في عام 1917 (لا بيروقراطيّة دائمة ولا جيش دائم، حقّ عَزل جميع المسؤولين المنتخبين في أي وقت، والرقابة النشطة عليهم من قِبَل الجماهير «بغضّ النظر عمّن يكون الفرد»، إلخ). إنّ سيطرة البيروقراطيّة على البلاد، وكذلك سيطرة ستالين على البيروقراطيّة، بلغت تقريبًا ذروتها المطلقة. لكن ما الاستنتاجات التي تترتّب على ذلك؟ هناك من يقول إنّ الدولة الفعليّة التي انبثقت من الثورة البروليتاريّة لا تتطابق مع المعايير المثاليّة المُسبقة، وبالتالي فإنّهم يُديرون ظهورهم لها. هذه نخبويّة سياسيّة، شائعة في الأوساط الديمقراطية المسالمة، والليبرتاريّة6، والأناركيّة-النقابيّة، وعمومًا في الدوائر اليساريّة المتطرّفة من المثقّفين البرجوازيّين الصغار.
وهناك آخرون يقولون: بما أنّ هذه الدولة قد انبثقت من الثورة البروليتاريّة، فإنّ أي نقدٍ لها هو تجديف وثورة مضادّة. ذلك هو صوت النفاق الذي يختبئ خلفه غالبًا المصالح الماديّة المباشرة لبعض المجموعات ضمن هذه البرجوازيّة الصغيرة المثقّفة نفسها أو ضمن بيروقراطيّة العمّال. هذان النوعان – النخبوي السياسي والمُنافق السياسي – قابلان للتبادل بسهولة، تبعًا للظروف الشخصيّة. فلنتجاوزهما معًا.
سيقول الماركسي إنّ الاتحاد السوفيتي الحالي لا يقترب بوضوح من المعايير المُسبقة لدولةٍ سوفيتيّة؛ ولكن، لِنكتشف ما الذي فشلنا في توقّعه عند وضع المعايير البرنامجية؛ ولْنُحلّل أيضًا ما العوامل الاجتماعيّة التي شوّهت الدولة العمّاليّة؛ ولْنُدقّق مرّة أُخرى إن كانت هذه التشويهات قد امتدّت إلى الأسس الاقتصاديّة للدولة، أي ما إذا كانت المنجزات الاجتماعيّة الأساسيّة للثورة البروليتاريّة قد حُفظت؛ فإذا كانت قد حُفظت، فلْنبحث في أيّ اتجاهٍ تتغيّر؛ ولْنكتشف إن كانت هناك في الاتحاد السوفيتي وعلى الساحة العالميّة عوامل قد تُسهّل وتُسرّع رجحان الاتّجاهات التقدّميّة للتطوّر على تلك الرجعيّة. إنّ مثل هذا النّهج مُعقّد. إنّه لا يجلب معه مفتاحًا جاهزًا للعقول الكسولة، التي تُحبّ ذلك كثيرًا. لكنّه، في المقابل، لا يحمي المرء من وباءَي النخبويّة والنفاق فحسب، بل يُقدّم أيضًا إمكانيّة التأثير النشط على مصير الاتحاد السوفيتي.
حين أعلنت مجموعة «الديمقراطيّة المركزيّة» في عام 1926 أنّ الدولة العمّاليّة قد تمّت تصفيتها، فإنّها كانت، بوضوح، تدفن الثورة وهي ما تزال حيّة. وعلى النقيض من ذلك، وضعت المُعارضة اليساريّة برنامجَ إصلاحات للنظام السوفيتي. لقد حطّمت البيروقراطيّة الستالينيّة المُعارضة اليساريّة من أجل أن تحمي نفسها وتترسّخ كشريحة مميّزة. لكنّها، في صراعها من أجل مواقعها الخاصّة، وجدت نفسها مضطرّة لأن تأخذ من برنامج المُعارضة اليساريّة جميع تلك الإجراءات التي وحدها جعلت إنقاذ الأساس الاجتماعي للدولة السوفيتيّة مُمكنًا. تلك عِبرة سياسيّة لا تُقدَّر بثمن! فهي تُظهر كيف أنّ ظروفًا تاريخيّة محدّدة – تخلّف الفلّاحين، إنهاك البروليتاريا، غياب الدّعم الحاسم من الغرب – تُهيّئ لـ«الفصل الثاني» من الثورة، الذي يتميّز بقمع الطليعة البروليتاريّة وسحق الأمميّين الثوريّين على يد البيروقراطيّة الوطنيّة المُحافظة. لكن هذا المثال نفسه يُظهر كيف أنّ خطًّا سياسيًّا صحيحًا يُمكّن تجمّعًا ماركسيًّا من أن يُخصب التطوّرات حتّى عندما يدوس المنتصرون في «الفصل الثاني» على ثوّار «الفصل الأوّل».
إنّ نمط التفكير المثالي السطحي الذي يعمل بمعايير جاهزة ويُلصق بها ميكانيكيًّا العمليّات الحيّة للتطوّر، يقود بسهولة من الحماسة إلى الاستسلام. وحدها الماديّة الجدليّة، التي تُعلّمنا أن ننظر إلى كلّ وجودٍ في عمليّة تطوّره وصراع قواه الداخليّة، يمكنها أن تمنح الفكر والعمل الثبات الضروري.
دكتاتورية البروليتاريا ودكتاتورية البيروقراطيّة:
في عددٍ من الكتابات السابقة، أثبتنا أنّه رغم النجاحات الاقتصاديّة، التي حقّقها تأميم وسائل الإنتاج، فإنّ المجتمع السوفيتي ما يزال يحافظ تمامًا على طابعه الانتقالي المتناقض، وإذا قيس بعدم المساواة في ظروف المعيشة وامتيازات البيروقراطيّة، فإنّه لا يزال يقف أقرب بكثير إلى نظام الرأسماليّة منه إلى الشيوعيّة المستقبليّة.
وفي الوقت ذاته، أثبتنا أنّه رغم الانحطاط البيروقراطي الوحشي، فإنّ الدولة السوفيتيّة ما تزال تبقى الأداة التاريخيّة للطبقة العاملة بقدر ما تضمن تطوّر الاقتصاد والثقافة على أساس وسائل الإنتاج المؤمّمة، وبفضل ذلك تُهيّئ الشروط للتحرّر الحقيقي للكادحين عبر تصفية البيروقراطيّة وعدم المساواة الاجتماعيّة.
إنّ كلّ من لم يتأمّل بجدّية ويقبل هذين المبدأين الأساسيّين، وكلّ من لم يدرس عمومًا أدبيّات البلاشفة-اللينينيّين حول مسألة الاتحاد السوفيتي منذ عام 1923، يعرّض نفسه لخطر فقدان الخيط المُوجِّه عند كلّ حدث جديد، والتخلّي عن التحليل الماركسي لصالح رثاءاتٍ بائسة.
إنّ البيروقراطيّة السوفيتيّة (بل الأدق أن نقول: المناهضة للسوفييت) هي نتاج التناقضات الاجتماعيّة بين المدينة والريف، بين البروليتاريا والفلاحة (وهذان النوعان من التناقضات ليسا متماثلين)، بين الجمهوريات والمناطق القوميّة، بين المجموعات المختلفة من الفلاحة، بين الشرائح المختلفة من الطبقة العاملة، بين المجموعات المختلفة من المستهلكين، وأخيرًا بين الدولة السوفيتيّة ككلّ وبيئتها الرأسماليّة. واليوم، حين تُترجَم جميع العلاقات إلى لغة الحساب النقدي، تتقدّم التناقضات الاقتصاديّة إلى الواجهة بحدّة استثنائيّة.
رافعًا نفسه فوق الجماهير الكادحة، يُنظّم البيروقراطي هذه التناقضات. وهو يستخدم هذه الوظيفة من أجل تعزيز سيطرته الخاصّة. ومن خلال حكمه غير المُراقَب والمتعسّف، الذي لا يخضع لأي طعن، يراكم البيروقراطي تناقضات جديدة. ومن خلال استغلال هذه الأخيرة، يخلق نظام الاستبداد البيروقراطي المطلق.
لقد أدّت التناقضات داخل البيروقراطيّة نفسها إلى نظام التعيين المباشر للقيادة العليا بشكل شخصي؛ وأدّى الاحتياج إلى الانضباط داخل هذه الطغمة المختارة إلى حكم الفرد الواحد وإلى عبادة القائد المعصوم. يسود النظام نفسه في المصنع، والكولخوز، والجامعة، والحكومة: يقف قائد على رأس فرقته المخلصة؛ والبقيّة يتبعون القائد. لم يكن ستالين يومًا، وبطبيعته لم يكن بإمكانه أن يكون، قائدًا للجماهير؛ إنّه قائد «قادة» بيروقراطيّين، وهو هو اكتمالهم وتجسيدهم الشخصي.
كلّما ازدادت المهام الاقتصاديّة تعقيدًا، وكلّما تعاظمت مطالب واهتمامات الشعب، ازداد حدّةً التناقض بين النظام البيروقراطي ومتطلّبات التطوّر الاشتراكي؛ وكلّما ازداد خشونةً صراع البيروقراطيّة للحفاظ على مواقعها؛ وكلّما ازداد وقاحةً لجوؤها إلى العنف، والاحتيال، والرشوة.
إن التدهور المستمر للنظام السياسي في مواجهة نمو الاقتصاد والثقافة – هذا الواقع الصارخ يجد تفسيره هنا، وهنا وحده: أنّ الاضطهاد، والملاحقة، والقمع يخدمون اليوم إلى حدٍّ كبير لا للدفاع عن الدولة، بل للدفاع عن حُكم وامتيازات البيروقراطيّة. ومن هنا ينبع أيضًا الاحتياج المتزايد باستمرار إلى إخفاء القمع بوسائل الاحتيال و التلفيقات.
«ولكن هل يمكن لمثل هذه الدولة أن تُسمّى دولةً عمّاليّة؟» – هكذا تتحدّث الأصوات الساخطة للمثاليّين والأخلاقيّين و«النخبويّين» الثوريّين. ويعبّر آخرون، أكثر حذرًا بعض الشيء، على النحو التالي: «قد تكون هذه في النهاية دولةً عمّالية، لكن لم يبقَ فيها أثر لدكتاتورية البروليتاريا. إنّ ما لدينا هنا هو دولة عمّالية منحطة تحت دكتاتورية البيروقراطية».
نحن لا نرى أيّ مبرّر للعودة إلى هذه المجادلات برمّتها. فكلّ ما كان ينبغي قوله في هذا الشأن قد قيل بالفعل في الأدبيات والوثائق الرسمية لتيّارنا. ولم يحاول أحد قطّ أن يدحض أو يصحّح أو يستكمل موقف البلاشفة-اللينينيّين في هذه المسألة الحاسمة.
سنقتصر هنا فقط على السؤال عمّا إذا كان يمكن أن تُسمّى دكتاتوريّة البيروقراطيّة الفعليّة دكتاتوريّة البروليتاريا.
تنشأ الإشكالية الاصطلاحية هنا من كون مصطلح «الدكتاتوريّة» يُستخدم أحيانًا في معنىً سياسيٍّ ضيّق، وأحيانًا في معنىً اجتماعيٍّ أعمق. نحن نتحدّث عن «دكتاتوريّة موسوليني» وفي الوقت نفسه نُعلن أنّ الفاشيّة ليست سوى أداة لرأس المال المالي. فأيّهما صحيح؟ كلاهما صحيح، ولكن على مستويين مختلفين. لا جدال في أنّ السلطة التنفيذيّة كلّها مُركّزة في يد موسوليني. لكن لا يقلّ صحّة أنّ المضمون الفعلي كلّه لنشاط الدولة يُمليه رأس المال المالي. إنّ السيطرة الاجتماعيّة لطبقة ما (دكتاتوريّتها) قد تتّخذ أشكالًا سياسيّة متنوّعة للغاية. وهذا ما يشهد عليه التاريخ الكامل للبورجوازيّة، من العصور الوسطى إلى اليوم.
وتكفي تجربة الاتحاد السوفيتي وحدها لتمديد هذا القانون الاجتماعي نفسه – مع ما يلزم من تعديلات – إلى دكتاتورية البروليتاريا أيضًا. ففي الفترة الفاصلة بين الاستيلاء على السلطة وانحلال الدولة العمّاليّة داخل المجتمع الاشتراكي، قد تتغيّر أشكال وأساليب حُكم البروليتاريا بشكل حادّ، تبعًا لمسار الصراع الطبقي، داخليًّا وخارجيًّا.
وعليه، فإنّ سيطرة ستالين الحاليّة لا تُشبه البتّة الحُكم السوفيتي خلال السنوات الأولى للثورة. لم يحدث استبدال نظامٍ بآخر بضربة واحدة، بل عبر سلسلة من الإجراءات، ومن خلال عددٍ من الحروب الأهليّة الصغيرة التي شنّتها البيروقراطيّة ضد الطليعة البروليتاريّة. في المحصّلة التاريخية النهائية، انهارت الديمقراطية السوفيتية تحت ضغط التناقضات الاجتماعية، وقد استغلّت البيروقراطية هذه التناقضات لتنتزع السلطة من أيدي التنظيمات الجماهيرية. وبهذا المعنى يمكن الحديث عن دكتاتورية البيروقراطية، بل عن الدكتاتورية الشخصية لستالين. لكن هذا الاغتصاب لم يكن ممكنًا، ولا يمكن أن يحافظ على نفسه، إلّا لأنّ المضمون الاجتماعي لدكتاتوريّة البيروقراطيّة تحدّده تلك العلاقات الإنتاجيّة التي خلقتها الثورة البروليتاريّة. وبهذا المعنى يمكننا أن نقول بكلّ تبرير إنّ دكتاتوريّة البروليتاريا وجدت تعبيرها المشوَّه ولكن الذي لا شكّ فيه في دكتاتوريّة البيروقراطيّة.
في الجدل الداخلي بين المعارضة الروسيّة والمعارضة الأمميّة، كنّا نفهم «التيرميدور» فهمًا مشروطًا على أنه المرحلة الأولى من الثورة المضادّة البرجوازية الموجَّهة ضد الأساس الاجتماعي للدولة العمّالية . ورغم أنّ جوهر الجدل، كما رأينا، لم يتضرّر بذلك في الماضي، فإنّ القياس التاريخي اكتسب طابعًا مشروطًا صرفًا لا واقعيًا، وأخذ هذا الطابع المشروط يدخل في تناقض متزايد مع متطلبات تحليل التطور الأخير للدولة السوفيتية.
يكفي أن نشير إلى أننا نحن أنفسنا نتحدث كثيرًا – وعن حق – عن النظام الاستفتائي أو البونابرتي لستالين. غير أن البونابرتية، في فرنسا، جاءت بعد التيرميدور. فإذا ظللنا متمسّكين بإطار القياس التاريخي، فلابد أن نطرح السؤال: بما أن «تيرميدور» سوفيتي لم يحدث بعد، فمن أين إذن نشأت البونابرتية؟ دون إجراء أي تغييرات في الجوهر على تقييماتنا السابقة – إذ لا يوجد أي سبب للقيام بذلك – يجب علينا أن نُراجع القياس التاريخي مراجعةً جذريّة. وهذا ما سيمكّننا من الحصول على رؤية أوثق لبعض الحقائق القديمة وفهمٍ أفضل لبعض الظواهر الجديدة.
إنّ انقلاب التاسع من تيرميدور لم يُصفِّ المكاسب الأساسيّة للثورة البرجوازيّة، لكنّه نقل السلطة إلى أيدي اليعاقبة الأكثر اعتدالًا ومحافظة7، أي العناصر الأكثر ثراءً من المجتمع البرجوازي. واليوم يستحيل التغاضي عن أنّه في الثورة السوفيتيّة أيضًا قد حدث منذ زمن بعيد تحوّل إلى اليمين، تحوّل مماثل تمامًا للتيرميدور، وإنْ كان أبطأ بكثير في وتيرته وأكثر تمويهًا في شكله. لقد استطاعت مؤامرة البيروقراطية السوفيتية ضد الجناح اليساري أن تحافظ، في مراحلها الأولى، على طابعها «الجاف» أي الأقل دموية، لأن هذه المؤامرة نُفِّذت بمنهجية وانضباط أشد بكثير من الارتجال الفوضوي الذي اتسم به التاسع من تيرميدور.
اجتماعيًّا، البروليتاريا أكثر تجانسًا من البرجوازيّة، لكنّها تحتوي في داخلها على سلسلة كاملة من الشرائح التي تظهر بوضوحٍ استثنائي بعد الاستيلاء على السلطة، خلال الفترة التي تبدأ فيها البيروقراطيّة وأرستقراطيّة عمّاليّة مرتبطة بها بالتشكّل. لقد انطوى سحق المعارضة اليسارية، في المعنى الأكثر مباشرة وفورية، على نقل السلطة من أيدي الطليعة الثورية إلى أيدي العناصر الأكثر محافظة في البيروقراطية وفي الشرائح العليا من الطبقة العاملة. كان عام 1924 – تلك كانت بداية التيرميدور السوفيتي.
المقصود هنا، بطبيعة الحال، ليس مسألة التطابق التاريخي، بل مسألة القياس التاريخي الذي تحدّه دائمًا البُنى الاجتماعية والعصور المختلفة. غير أنّ هذا القياس ليس سطحيًا ولا اعتباطيًا، بل تحدّده شدة الصراع الطبقي في مرحلة الثورة والثورة المضادّة. ففي كلتا الحالتين، ارتفعت البيروقراطيّة على أكتاف الديمقراطيّة الشعبيّة التي كانت قد ضمنت انتصار النظام الجديد. تمّ خنق أندية اليعاقبة على نحوٍ تدريجي. ثوّار عام 1793 سقطوا في ساحات القتال؛ تحوّلوا إلى دبلوماسيّين وجنرالات؛ وقعوا تحت ضربات القمع… أو لجأوا إلى العمل السري. وبعد ذلك، صار يعاقبة آخرون ولاةً إداريين عند نابليون.
وقد امتلأت صفوفهم على نحو متزايد بالمنقلبين من الأحزاب القديمة، وبالأرستقراطيين السابقين، وبالانتهازيين الفجّين. أما في روسيا؟ فالصورة ذاتها للانحطاط تتكرّر، لكن على مسرح أوسع بكثير وعلى أرضية أكثر نضجًا، بعد نحو مئة وثلاثين إلى مئة وأربعين عامًا، عبر الانتقال التدريجي من السوفييتات والأندية الحزبية المفعمة بالحياة إلى تسلّط سكرتاريين يعتمدون اعتمادًا كليًا على «القائد المحبوب بشغف».
في فرنسا، لم يكن الاستقرار الطويل لنظام التيرميدور-البونابرتي ممكنًا إلّا بفضل تطوّر القوى المنتجة التي حُرّرت من قيود الإقطاع. أمّا المحظوظون و الناهبون و المقرّبون وحلفاء البيروقراطيّة فقد أثروا أنفسهم، فيما سقطت الجماهير المخدوعة في حالة خنوع.
إنّ صعود القوى المنتَجة المؤمَّمة، الذي بدأ عام 1923 وجاء على نحو غير متوقَّع للبيروقراطية السوفيتية نفسها، قد وفّر الشروط الاقتصادية الضرورية لاستقرارها. فقد أتاح تشييد الحياة الاقتصادية مجالًا لتفجّر طاقات المنظّمين والمديرين والفنيّين النشِطين والقديرين، وتحسّن وضعهم المادي والمعنوي بسرعة. وهكذا نشأت شريحة واسعة مميَّزة، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالفئة العليا الحاكمة. أمّا الجماهير الكادحة فعاشت على الآمال أو غرقت في اللامبالاة.
إنّ محاولة مطابقة المراحل المختلفة للثورة الروسيّة مع أحداث مماثلة في فرنسا أواخر القرن الثامن عشر ليست سوى تكلّف مدرسيّ مبتذل. لكن لا يسع المرء إلّا أن يُصاب بالذهول أمام الشبه بين النظام السياسي السوفيتي الراهن ونظام القنصل الأوّل، خصوصًا في أواخر عهد القنصليّة، حين كان زمن الإمبراطوريّة وشيكًا8. وبينما يفتقر ستالين إلى بريق الانتصارات، فإنّه يتفوّق على بونابرت الأوّل في نظام التملّق المنظَّم. ولقد أمكن تحقيق مثل هذه السلطة فقط عبر خنق الحزب، والسوفييتات، والطبقة العاملة إنّ صعود القوى المنتَجة المؤمَّمة، الذي بدأ عام 1923 وجاء على نحو غير متوقَّع للبيروقراطية السوفيتية نفسها، قد وفّر الشروط الاقتصادية الضرورية لاستقرارها.
فقد أتاح تشييد الحياة الاقتصادية مجالًا لتفجّر طاقات المنظّمين والمديرين والفنيّين النشِطين والقديرين، وتحسّن وضعهم المادي والمعنوي بسرعة. وهكذا نشأت شريحة واسعة مميَّزة، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالفئة العليا الحاكمة. أمّا الجماهير الكادحة فعاشت على الآمال أو غرقت في اللامبالاة.إنّ محاولة مطابقة المراحل المختلفة للثورة الروسيّة مع أحداث مماثلة في فرنسا أواخر القرن الثامن عشر ليست سوى تكلّف مدرسيّ مبتذل. لكن لا يسع المرء إلّا أن يُصاب بالذهول أمام الشبه بين النظام السياسي السوفيتي الراهن ونظام القنصل الأوّل، خصوصًا في أواخر عهد القنصليّة، حين كان زمن الإمبراطوريّة وشيكًا8.
وبينما يفتقر ستالين إلى بريق الانتصارات، فإنّه يتفوّق على بونابرت الأوّل في نظام التملّق المنظَّم. ولقد أمكن تحقيق مثل هذه السلطة فقط عبر خنق الحزب، والسوفييتات، والطبقة العاملة بأسرها. إنّ البيروقراطية التي يستند إليها ستالين مرتبطة ماديًا بنتائج الثورة الوطنية المُنجَزة، لكنها لا تمتّ بأي صلة إلى الثورة الأممية الآخذة في التطور. وفي أسلوب حياتهم ومصالحهم ونفسيّتهم، يختلف الموظفون السوفييت المعاصرون عن البلاشفة الثوريين بمقدار لا يقلّ عن اختلاف جنرالات ومحافظي نابليون عن اليعاقبة الثوريين.
لقد شرح السفير السوفيتي في لندن، مايسكي، مؤخرًا لوفد من النقابيين البريطانيين مدى ضرورة ومشروعيّة محاكمة ستالين لـ«الزينوفييفيّين»9 «المضادّين للثورة». هذه الحادثة اللافتة – واحدة من بين آلاف – تُدخلنا مباشرة إلى صميم المسألة. نحن نعرف من هم «الزينوفييفيّون». أيًّا تكن أخطاؤهم وتردّداتهم، فشيء واحد مؤكّد: إنّهم ممثّلون لنمط «الثوري المحترف». إنّ مسائل الحركة العمّاليّة العالميّة قد امتزجت بدمائهم. مَن هو مايسكي؟ منشفي يميني انشق عن حزبه في عام 1918، متوجّهًا نحو اليمين ليستفيد من الفرصة ليدخل وزيرًا في حكومة بيضاء عبر الأورال تحت حماية كولتشاك10. ولم يعتبر أنّ الوقت قد حان ليتجه نحو السوفييتات إلا بعد أن أُبيد كولتشاك. كان لينين – وأنا معه – يضمر أعظم قدر من عدم الثقة، فضلًا عن الاحتقار، لمثل هذه النماذج. بالسعي إلى إثارة تدخل عسكري من أجل إعادة الرأسمالية – الرأسمالية ذاتها التي كان مايسكي قد دافع عنها ضدنا في الحرب الأهلية.
أما السفير الحالي لدى الولايات المتحدة، أ. ترويانوفيسكي، فقد انضم إلى البلاشفة في شبابه؛ لكنه غادر الحزب بعد فترة قصيرة. وأثناء الحرب كان وطنيًا؛ وفي عام 1917 كان منشفيا. لقد وجدته ثورة أكتوبر عضوًا في اللجنة المركزية للمناشفة، ثم خلال السنوات التالية خاض ترويانوفيسكي نضالًا سريًا ضد دكتاتورية البروليتاريا. ولم يدخل حزب ستالين – أو بالأحرى الخدمة الدبلوماسية – إلا بعد أن سُحقت المعارضة اليسارية.
كان السفير لدى باريس، بوتيمكين، أستاذًا برجوازيًا للتاريخ إبّان ثورة أكتوبر؛ انضم إلى البلاشفة بعد الانتصار. أمّا السفير السابق لدى برلين، خينتشوك، فقد شارك، بصفته منشفياً، خلال أيام انتفاضة أكتوبر، في اللجنة المضادّة للثورة في موسكو المسماة «لجنة إنقاذ الوطن والثورة»11، إلى جانب غرينكو، الاشتراكي الثوري اليميني، مفوّض الشعب الحالي للمالية. سوريتس، الذي حلّ محل خينتشوك في برلين، كان السكرتير السياسي للمنشفي تشخييدزه، أول رئيس للسوفييتات؛ وانضم إلى البلاشفة بعد الانتصار. تقريبًا جميع الدبلوماسيين الآخرين من الطينة نفسها.
وفي الأثناء لا يُعيَّن للخدمة في الخارج – خصوصًا بعد التجربة مع بيسيدوفسكي، ديميترييفسكي، أغابكوف وغيرهم – إلا الأشخاص الأشد «موثوقية».ومؤخرًا ظهرت في الصحافة العالمية تقارير حول النجاحات الكبرى لصناعة تعدين الذهب السوفيتية، مع تعليقات تخص منظّمها، المهندس سيريبروفسكي. وقد بذل مراسل لو تان12 في موسكو– الذي ينافس اليوم بنجاح دورانتي ولويس فيشر بصفته الناطق الرسمي باسم النخبة البيروقراطية العليا – جهدًا خاصًا ليؤكد أن سيريبروفسكي بلشفي منذ عام 1903، عضو في «الحرس القديم».
هذا بالفعل ما تنص عليه بطاقة حزب سيريبروفسكي. لكن الحقيقة أنّه شارك في ثورة 1905 كطالب شاب ومنشفي، ثم انتقل لسنوات طويلة إلى معسكر البرجوازية. وعندما اندلعت ثورة فبراير 1917 كان يشغل منصب مدير حكومي لمصنعَي ذخيرة، وعضوًا في مجلس التجارة، ومشاركًا نشطًا في النضال ضد نقابة عمال المعادن. وفي أيار/مايو 1917 صرّح سيريبروفسكي بأن لينين «جاسوس ألماني»!. بعد انتصار البلاشفة، جرى استقطاب سيريبروفسكي، مع خبراء آخرين (سبيتس – أي خبراء تقنيين، ومؤخرًا ظهرت في الصحافة العالمية تقارير حول النجاحات الكبرى لصناعة تعدين الذهب السوفيتية، مع تعليقات تخص منظّمها، المهندس سيريبروفسكي.
وقد بذل مراسل لو تان في موسكو– الذي ينافس اليوم بنجاح دورانتي ولويس فيشر بصفته الناطق الرسمي باسم النخبة البيروقراطية العليا – جهدًا خاصًا ليؤكد أن سيريبروفسكي بلشفي منذ عام 1903، عضو في «الحرس القديم». هذا بالفعل ما تنص عليه بطاقة حزب سيريبروفسكي. لكن الحقيقة أنّه شارك في ثورة 1905 كطالب شاب ومنشفي، ثم انتقل لسنوات طويلة إلى معسكر البرجوازية.
وعندما اندلعت ثورة فبراير 1917 كان يشغل منصب مدير حكومي لمصنعَي ذخيرة، وعضوًا في مجلس التجارة، ومشاركًا نشطًا في النضال ضد نقابة عمال المعادن. وفي أيار/مايو 1917 صرّح سيريبروفسكي بأن لينين «جاسوس ألماني»!. بعد انتصار البلاشفة، جرى استقطاب سيريبروفسكي، مع خبراء آخرين (سبيتس – أي خبراء تقنيين، اختصاصيين)، إلى العمل الفني من قِبلي أنا نفسي. لم يكن لينين يثق به إطلاقًا؛ وأنا نفسي بالكاد كان لديّ أي إيمان به. أما اليوم، فسيريبروفسكي عضو في اللجنة المركزية للحزب!.
نشرت المجلة النظرية للجنة المركزية، البولشفيك (31 كانون الأول/ديسمبر 1934)، مقالةً لسيريبروفسكي بعنوان: عن صناعة تعدين الذهب في الاتحاد السوفيتي. نفتح الصفحة الأولى: «… تحت قيادة القائد المحبوب للحزب والطبقة العاملة، الرفيق ستالين …»؛ بعد ثلاثة أسطر: «… الرفيق ستالين في حديث مع المراسل الأمريكي، السيّد دورانتي …»؛ بعد خمسة أسطر إضافية: «… الجواب الموجز والدقيق للرفيق ستالين …»؛ وفي أسفل الصفحة: «هكذا يكون القتال من أجل الذهب على الطريقة الستالينية».
في الصفحة الثانية: «… كما يعلّمنا قائدنا العظيم، الرفيق ستالين …»؛ بعد أربعة أسطر: «… مجيبًا على تقريرهم (البلاشفة)، كتب الرفيق ستالين: “تهانينا على نجاحكم” …»؛ أبعد قليلًا في الصفحة نفسها: «مُلهمين بتوجيهات الرفيق ستالين …»؛ سطر واحد أسفل: «… الحزب مع الرفيق ستالين على رأسه …»؛ وبعد سطرين: «… توجيهات حزبنا و(!!) الرفيق ستالين».
والآن لننتقل إلى خاتمة المقالة. في نصف صفحة نقرأ: «… توجيهات القائد العبقري للحزب والطبقة العاملة، الرفيق ستالين …»؛ وبعد ثلاثة أسطر: «… كلمات قائدنا المحبوب، الرفيق ستالين… ».
حتى السخرية نفسها تقف عاجزة أمام هذا الطوفان من التملّق! فـ«القادة المحبوبون»، يمكن للمرء أن يتخيّل، ليسوا بحاجة إلى أن تتلى عليهم عبارات الحب خمس مرات في كل صفحة، وفوق ذلك في مقالة ليست مكرّسة لعيد ميلاد القائد، بل لـ… تعدين الذهب. وأمّا كاتب مقالة قادر على مثل هذا التزلّف، فلا يمكن أن يكون فيه شيء من الروح الثورية. فهذا هو عيار المدير القيصري السابق للمصانع الكبرى، البرجوازي والوطني، الذي خاض نضالًا ضد العمال، والذي أصبح اليوم دعامة للنظام، عضوًا في اللجنة المركزية وستالينيًا مئة بالمئة!.
عَيِّنة أخرى. أحد ركائز جريدة البرافدا الحالية، زاسلافسكي، طرح في كانون الثاني/يناير من هذا العام أنّه لا يجوز البتّة نشر الروايات الرجعية لدوستويفسكي تمامًا كما لا يجوز نشر «أعمال تروتسكي، زينوفييف وكامينيف المضادّة للثورة ». ومَن هو هذا زاسلافسكي؟ في الماضي البعيد كان بونديستيًا يمينيًا [أي منشفيًا من البوند اليهودي]، ثم أصبح صحفيًا برجوازيًا شنّ في عام 1917 حملة بالغة الاحتقار ضد لينين وتروتسكي، متهِمًا إيّاهما بأنهما عميلان لألمانيا. وفي مقالات لينين لعام 1917 نجد، كأنشودة متكرّرة، العبارة: «زاسلافسكي وأوغاد آخرون مثله». وهكذا دخل زاسلافسكي أدبيات الحزب باعتباره النموذج المكتمل للفتّان البرجوازي المأجور. وخلال الحرب الأهلية، كان في الخفاء في كييف صحفيًا لصحف الحرس الأبيض. ولم ينتقل إلى جانب السلطة السوفيتية إلا في عام 1923. واليوم يدافع عن الستالينية ضد «المضادّين للثورة» تروتسكي، زينوفييف وكامينيف! إنّ صحافة ستالين، في الاتحاد السوفيتي كما في الخارج، مكتظّة بمثل هؤلاء الأفراد.
لقد سُحِقت الكوادر القديمة للبلشفية. سُحِق الثوريون. وحلّ محلّ الثوريين موظفون ذوو عمود فقري ليّن. طُرد التفكير الماركسي ليُستبدل بالخوف والتملّق والدسائس. ومن مكتب لينين السياسي لم يبقَ سوى ستالين: عضوان من المكتب السياسي محطَّمان سياسيًا ويحبوّان في التراب (ريكوف وتومسكي)؛ عضوان في السجن (زينوفييف وكامينيف)؛ وواحد منفي في الخارج ومجرَّد من جنسيته (تروتسكي). لقد جُنِّب لينين، كما عبّرت كروبسكايا13 نفسها، قمع البيروقراطية بالموت وحده؛ و ولمّا فاتهم اعتقاله، حوّله الخلفاء إلى سجينٍ داخل ضريح.14 لقد انحطّ نسيج الطبقة الحاكمة بأسره. أُزيح اليعاقبة وحلّ محلّهم التيرميدوريون والبونابرتيون؛ وأُزيح البلاشفة وحلّ محلّهم الستالينيون.
بالنسبة للشريحة الواسعة من أمثال مايسكي وسيريبروفسكي وزاسلافسكي، المحافظين وغير المنزَّهين عن المصلحة، كبارًا كانوا أم متوسّطين أم صغارًا، فإنّ ستالين هو القاضي والحَكَم، ومنبع كل الخيرات، والمدافع ضدّ كلّ معارضة محتملة. وفي المقابل، تُقدّم بالنسبة للشريحة الواسعة من أمثال مايسكي وسيريبروفسكي وزاسلافسكي، المحافظين وغير المنزَّهين عن المصلحة، كبارًا كانوا أم متوسّطين أم صغارًا، فإنّ ستالين هو القاضي والحَكَم، ومنبع كل الخيرات، والمدافع ضدّ كلّ معارضة محتملة. وفي المقابل، تُقدّم البيروقراطية لستالين، بين الحين والآخر، إجازةً على شكل استفتاء قومي. تُنظَّم مؤتمرات الحزب، كما مؤتمرات السوفييتات، على معيار واحد: مع ستالين أم ضدّه؟ ولا يكون ضدّه إلّا «المضادّون للثورة»، الذين يُعاملون كما يُستحقّ. هذه هي آلية الحكم الراهنة. إنّها آلية بونابرتيّة. ولا يمكن العثور لها حتى الآن على تعريف آخر في أي قاموس سياسي.
من دون القياسات التاريخية لا يمكننا أن نتعلّم من التاريخ. لكن يجب أن يكون القياس ملموسًا؛ فخلف سمات التشابه لا بدّ من رؤية سمات الاختلاف أيضًا. لقد أنهت كلتا الثورتين الإقطاع والقنانة. غير أنّ إحداهما، عبر جناحها الأقصى، لم تستطع سوى أن تسعى عبثًا لتجاوز حدود المجتمع البرجوازي، بينما الأخرى أطاحت بالفعل بالبرجوازية وأقامت دولة العمّال. هذا الفارق الطبقي الجوهري، الذي يفرض حدوده المادية على القياس، يحمل أهمية حاسمة للتنبؤ.
فبعد الثورة الديمقراطية الجذرية، التي تحرّر الفلاحين من القنانة وتعطيهم الأرض، تصبح الثورة المضادّة الإقطاعية مستحيلة عمليًا. قد تعيد الملكية المطاحة تأسيس نفسها في الحكم، وقد تحيط نفسها بأشباح من القرون الوسطى، لكنها تبقى عاجزة عن إعادة بناء اقتصاد الإقطاع. وما إن تتحرّر العلاقات البرجوازية من قيود الإقطاع حتى تتطوّر تلقائيًا. لا تستطيع أي قوة خارجية أن توقفها؛ فهي نفسها تحفر قبرها، بعد أن تكون قد خلقت حفّار قبرها من قبل.
الأمر مختلف تمامًا مع تطوّر العلاقات الاشتراكية. فالثورة البروليتارية لا تحرّر القوى المنتجة من قيود الملكية الخاصة فحسب، بل تنقلها أيضًا إلى التصرّف المباشر للدولة التي أنشأتها هي نفسها. وبينما تكتفي الدولة البرجوازية، بعد الثورة، بدور الشرطي، تاركةً السوق لقوانينه الخاصة، فإنّ دولة العمّال تتولّى الدور المباشر بصفة اقتصادي ومنظِّم. إنّ استبدال نظام سياسي بآخر لا يُحدث سوى تأثير غير مباشر وسطحي على اقتصاد السوق. وعلى العكس، فإنّ استبدال حكومة عمّالية بحكومة برجوازية أو برجوازية صغيرة سيؤدّي حتمًا إلى تصفية البدايات المخطَّطة، ومن ثمّ إلى إعادة الملكية الخاصة.
وعلى خلاف الرأسمالية، لا تُبنى الاشتراكية تلقائيًا، بل بوعي. إنّ التقدّم نحو الاشتراكية لا ينفصل عن سلطة الدولة التي ترغب في الاشتراكية أو تُضطر إلى الرغبة فيها. ولا يمكن للاشتراكية أن تكتسب طابعًا ثابتًا إلا في مرحلة متقدّمة جدًا من تطوّرها، عندما تكون قواها المنتجة قد تجاوزت بما لا يقاس قوى الرأسمالية، عندما تُلبّى حاجات البشر جميعًا بوفرة، وعندما تكون الدولة قد ذبلت كليًا، منحلّةً في المجتمع. لكن كل هذا لا يزال في المستقبل البعيد. أمّا في المرحلة الراهنة من التطوّر، فإنّ البناء الاشتراكي يقوم أو ينهار مع دولة العمّال. وفقط بعد التأمّل العميق في الفارق بين قوانين تكوين الاقتصاد البرجوازي («الفوضوي») والاقتصاد الاشتراكي («المخطَّط») يمكن أن نفهم الحدود التي لا يجوز للقياس مع الثورة الفرنسية الكبرى أن يتجاوزها.
لقد أكمل أكتوبر 1917 الثورة الديمقراطية وافتتح الثورة الاشتراكية. لا قوّة في العالم تستطيع أن تعيد الانقلاب الزراعي–الديمقراطي في روسيا إلى الوراء؛ وهنا يكتمل القياس مع الثورة اليعقوبية. لكن انقلاب الكولخوز يشكّل تهديدًا ما زال يحتفظ بكامل قوّته، ومعه يتعرّض تأميم وسائل الإنتاج للخطر. أمّا الثورة المضادّة السياسية، فحتى لو أعادت أسرة رومانوف إلى العرش، فلن تستطيع استرجاع الملكية الإقطاعية للأرض. غير أنّ إعادة السلطة إلى كتلة من المناشفة والاشتراكيين الثوريين تكفي لطمس البناء الاشتراكي من أساسه.
إنّ الاختلاف الجوهري بين الثورتين، وبالتالي بين الثورات المضادّة «المقابلة» لهما، ذو أهمية قصوى لفهم دلالة التحوّلات السياسية الرجعية التي تُشكّل جوهر نظام ستالين. فقد كانت الثورة الفلاحية، وكذلك البرجوازية التي استندت إليها، قادرة تمامًا على أن تتصالح مع نظام نابليون، بل وحتى أن تستمر تحت حكم لويس الثامن عشر. أمّا الثورة البروليتارية فهي مهدَّدة بالفعل بخطر مميت تحت النظام القائم لستالين؛ ولن تقوى على الصمود أمام أي انزياح آخر نحو اليمين.
إنّ البيروقراطية السوفيتية – «بلشفية» في تقاليدها، لكنها في الواقع قد تخلّت منذ زمن بعيد عن تلك التقاليد، وبرجوازية صغيرة في تركيبها وروحها – قد استُدعيت لتدير التناقض بين البروليتاريا والفلاحة، وبين دولة العمّال والإمبريالية العالمية. هذه هي القاعدة الاجتماعية للنزعة الوسطية البيروقراطية، بانعطافاتها وتقلّباتها، بقوتها وضعفها، وبتأثيرها المدمّر على الحركة البروليتارية العالمية. وكلما ازدادت البيروقراطية استقلالًا، وكلما تركزت السلطة أكثر فأكثر في يد شخص واحد، تحوّلت النزعة الوسطية البيروقراطية إلى بونابرتية.
ومفهوم البونابرتية، لكونه واسعًا أكثر مما ينبغي، يحتاج إلى مزيد من التحديد. ففي السنوات الأخيرة طبّقنا هذا المصطلح على تلك الحكومات الرأسمالية التي، من خلال استغلال التناقضات بين المعسكرين البروليتاري والفاشي، واستنادها المباشر إلى الجهاز العسكري–الشرطي، ترفع نفسها فوق البرلمان والديمقراطية باعتبارها المنقذ لـ«الوحدة القومية». وكنا نميّز دائمًا، بدقة، بين هذه البونابرتية المتحلّلة، وبين البونابرتية الفتيّة الصاعدة التي لم تكن مجرد حفّار قبر للمبادئ السياسية للثورة البرجوازية، بل أيضًا حارسًا لمنجزاتها الاجتماعية. ونحن نُطلق اسمًا واحدًا على هذين المظهرين لأنّ بينهما سمات مشتركة؛ فمن الممكن دائمًا أن تميّز ملامح الشباب في الشيخ الثمانيني، رغم ما ألحقه الزمن من خراب لا يرحم.
أمّا البونابرتيّة الكرملينيّة المعاصرة فنحن نضعها، بطبيعة الحال، في مقابل بونابرتيّة النهوض البرجوازي، لا بونابرتيّة التحلّل: أي مع القنصليّة 15والإمبراطوريّة الأولى، لا مع نابليون الثالث، وأحرى لا مع شلايخر أو دوميرغ16. ولغرض مثل هذا القياس، لا حاجة إلى أن ننسب إلى ستالين سمات نابليون الأوّل؛ فكلّما تطلّبت الظروف الاجتماعيّة ذلك، تستطيع البونابرتيّة أن تتمركز حول محاور من شتّى العيارات.
من الزاوية التي تهمّنا، فإنّ الاختلاف في الأساس الاجتماعي بين البونابرتيّة ذات الأصل اليعقوبي وتلك ذات الأصل السوفيتي هو الأشدّ أهميّة. ففي الحالة الأولى، كانت المسألة تتعلّق بتثبيت الثورة البرجوازيّة من خلال تصفية مبادئها ومؤسّساتها السياسيّة. أمّا في الحالة الثانية، فالمسألة تتعلّق بتثبيت ثورة العمّال والفلاحين من خلال تحطيم برنامجها الأممي، وحزبها الطليعي، وسوفييتاتها.
فمواصلًا سياسات التيرميدور، خاض نابليون صراعًا ليس فقط ضدّ العالم الإقطاعي، بل أيضًا ضدّ «الرعاع» والدوائر الديمقراطيّة للبرجوازيّة الصغيرة والمتوسّطة؛ وبهذا ركّز ثمار النظام الذي وُلد من الثورة في أيدي الأرستقراطيّة البرجوازيّة الجديدة. أمّا ستالين، فإنّه يحرس مكاسب ثورة أكتوبر ليس فقط ضدّ الثورة المضادّة الإقطاعيّة-البرجوازيّة، بل أيضًا ضدّ مطالب الكادحين، وضجرهم، واستيائهم؛ إنّه يسحق الجناح اليساري الذي يعبّر عن النزعات التاريخيّة التقدميّة للجماهير العاملة المحرومة من الامتيازات؛ ويخلق أرستقراطيّة جديدة عبر تمايز مفرط في الأجور، والامتيازات، والمراتب، إلخ. وبالارتكاز حينًا على القمّة العليا من الهرم الاجتماعي الجديد ضدّ القاعدة، وأحيانًا بالعكس، استطاع ستالين أن يركّز السلطة كاملة في يديه وحده. فبماذا ينبغي أن يُسمّى هذا النظام إن لم يكن «بونابرتيّة سوفيتيّة»؟
إنّ البونابرتيّة، في جوهرها، لا يمكنها أن تستمر طويلًا؛ فكرَة موضوعة على رأس هرم لا بدّ أن تتدحرج إلى أحد جانبيه. غير أنّه، عند هذه النقطة تحديدًا، كما رأينا، تبلغ المقارنة التاريخيّة حدودها. فسقوط نابليون لم يترك، بالطبع، العلاقات بين الطبقات من دون مساس؛ لكنّ الهرم الاجتماعي لفرنسا احتفظ في جوهره بطابعه البرجوازي. أمّا الانهيار الحتمي للبونابرتيّة الستالينيّة فسيطرح مباشرة موضع تساؤل طابع الاتحاد السوفيتي كدولة عمّاليّة. فلا يمكن بناء اقتصاد اشتراكي من دون سلطة اشتراكيّة. إنّ مصير الاتحاد السوفيتي كدولة اشتراكيّة يتوقّف على ذلك النظام السياسي الذي سينهض ليحلّ محلّ البونابرتيّة الستالينيّة. والطليعة الثوريّة للبروليتاريا وحدها هي القادرة على تجديد النظام السوفيتي، إذا استطاعت مرّة أخرى أن تعبّئ حولها كادحي المدينة والريف.
ومن تحليلنا هذا تترتّب مجموعة من الاستنتاجات التي نوجزها فيما يلي:
- إنّ تيرميدور الثورة الروسيّة الكبرى ليس أمامنا، بل وراءنا بالفعل منذ زمن بعيد. في وسع التيرميدوريّين أن يحتفلوا، تقريبًا، بالذكرى العاشرة لانتصارهم.
- إنّ النظام السياسي القائم اليوم في الاتحاد السوفيتي هو نظام «بونابرتيّة سوفيتيّة» (أو لا-سوفيتيّة)، أقرب في طابعه إلى الإمبراطوريّة منه إلى القنصليّة.
- في أسسه الاجتماعيّة واتجاهاته الاقتصاديّة، يظلّ الاتحاد السوفيتي مع ذلك دولةً عمّاليّة.
- إنّ التناقض بين النظام السياسي البونابرتي ومتطلّبات التطوّر الاشتراكي يمثّل المصدر الأهم للأزمات الداخليّة، وهو خطر مباشر على وجود الاتحاد السوفيتي نفسه كدولة عمّاليّة.
- وبسبب المستوى المنخفض نسبيًّا للقوى المنتجة وبسبب البيئة الرأسماليّة، فإنّ الطبقات والتناقضات الطبقيّة – التي تضعف حينًا وتشتدّ حينًا آخر – ستظلّ موجودة في الاتحاد السوفيتي لفترة طويلة غير محدّدة، على أيّة حال، إلى حين الانتصار الكامل للبروليتاريا في الأمم الرأسماليّة الكبرى في العالم.
- إنّ وجود دكتاتوريّة البروليتاريا يظلّ أيضًا، في المستقبل، الشرط الضروري لتطوّر الاقتصاد والثقافة في الاتحاد السوفيتي. ولذلك فإنّ الانحطاط البونابرتي للدكتاتوريّة يمثّل تهديدًا مباشرًا وفوريًّا لكلّ المكاسب الاجتماعيّة للبروليتاريا.
- إنّ النزعات الإرهابيّة داخل صفوف الشبيبة الشيوعيّة هي أحد أكثر الأعراض خطورة على أنّ البونابرتيّة قد استنفدت إمكانيّاتها السياسيّة ودخلت مرحلة الصراع الأكثر وحشيّة من أجل بقائها.
- إنّ الانهيار الحتمي للنظام السياسي الستاليني سيؤدّي إلى قيام ديمقراطيّة سوفيتيّة فقط إذا جاء إزاحة البونابرتيّة بوصفها فعلًا واعيًا للطليعة البروليتاريّة. أمّا في جميع الحالات الأخرى، فلن يحلّ محلّ الستالينيّة إلّا الثورة المضادّة الفاشيّة-الرأسماليّة.
- إنّ تكتيك الإرهاب الفردي، أيًّا كان الشعار الذي يسير تحت رايته، لا يمكنه في الظروف المعطاة أن يؤدّي إلّا إلى خدمة أسوأ أعداء البروليتاريا.
- إنّ المسؤوليّة السياسيّة والأخلاقيّة عن مجرّد بروز الإرهاب داخل صفوف الشبيبة الشيوعيّة تقع على عاتق حفّار قبر الحزب – ستالين.
- إنّ السبب الرئيسي الذي يُضعف الطليعة البروليتاريّة في الاتحاد السوفيتي في صراعها ضدّ البونابرتيّة هو الهزائم المتواصلة للبروليتاريا العالميّة.
- أمّا السبب الرئيسي لهزائم البروليتاريا العالميّة فهو السياسات الإجراميّة للأمميّة الشيوعيّة (الكومينترن)، الخادم الأعمى للبونابرتيّة الستالينيّة، وفي الوقت نفسه الحليف الأفضل والمدافع الأوثق عن البيروقراطيّة الإصلاحيّة.
- إنّ الشرط الأوّل للنجاحات على الساحة الدوليّة هو تحرّر الطليعة البروليتاريّة العالميّة من التأثير المُحطِّم للبونابرتيّة السوفيتيّة، أي من البيروقراطيّة المرتشية لما يُسمّى الكومينترن.
- إنّ النضال من أجل إنقاذ الاتحاد السوفيتي كدولة اشتراكيّة يتطابق تطابقًا تامًّا مع النضال من أجل الأمميّة الرابعة.
خاتمة
سيغتنم خصومنا – وهذا مرحّب به – ما نسمّيه «نقد الذات». سيصيحون: إذن! لقد غيّرتم موقفكم من المسألة الجوهريّة المتعلّقة بالتيرميدور؛ فحتى الآن كنتم تتحدّثون فقط عن خطر التيرميدور؛ أمّا الآن فأنتم تعلنون فجأة أنّ التيرميدور بات وراءنا. هذا على الأرجح ما سيقوله الستالينيّون، الذين سيضيفون فوق ذلك أنّنا غيّرنا موقفنا لكي نُسهّل أكثر إثارة التدخّل العسكري. أمّا البراندلريّون واللوفستونيّون17 من جهة، ومن الجهة الأخرى بعض «الحكماء» اليساريّين المتطرّفين، فقد يعبّرون بالأسلوب نفسه.
هؤلاء الناس لم يتمكّنوا يومًا من أن يبيّنوا لنا ما كان خاطئًا في القياس على التيرميدور؛ لذلك سيصيحون اليوم بصوت أعلى لمجرّد أنّنا نحن كشفنا الخطأ بأنفسنا.لقد أوضحنا أعلاه موقع هذا الخطأ في تقييمنا العام للاتحاد السوفيتي. فالمسألة ليست، بأي حال، مسألة تغيير موقفنا المبدئي كما صيغ في عدد من الوثائق الرسميّة، بل مسألة إضفاء مزيد من التحديد عليه. إنّ «نقد الذات» عندنا لا يتعلّق بتحليل الطابع الطبقي للاتحاد السوفيتي أو بأسباب وظروف انحطاطه، بل يقتصر على التوضيح التاريخي لهذه العمليّات عبر إقامة مقارنات مع مراحل معروفة من الثورة الفرنسيّة الكبرى. إنّ تصحيح خطأ جزئي، وإن كان مهمًّا، لا يزعزع الموقف الأساسي للبلاشفة–اللينينيّين، بل يمكّننا من صياغته بدقّة أكبر وملموسية أوضح من خلال مقارنات أكثر صوابًا وواقعيّة.
ويجب أن نضيف أنّ الكشف عن الخطأ قد سهّلته إلى حدّ بعيد حقيقة أنّ عمليّات الانحطاط السياسي ذاتها، موضوع النقاش، قد اتّخذت في الأثناء أشكالًا أكثر وضوحًا. إنّ اتجاهنا لم يَدّعِ يومًا العصمة. فنحن لا نتلقّى حقائق جاهزة كوحيٍ، كما يفعل الكهنة الكبار للستالينيّة. نحن ندرس، نناقش، نختبر استنتاجاتنا على ضوء الواقع، نصحّح علنًا الأخطاء المعترَف بها – ونتقدّم إلى الأمام. إنّ الضمير العلمي والصرامة الشخصيّة هما من أفضل تقاليد الماركسيّة واللينينيّة. ونحن نريد أن نظلّ أوفياء لمعلّمينا في هذا الجانب أيضًا.
هوامش (المقال الأصلي)
- يتحدّث المناشفة أيضًا عن الانحطاط التيرميدوري. ومن المستحيل أن نفهم ما الذي يعنونه بهذا. فقد كان المناشفة ضدّ استيلاء البروليتاريا على السلطة. وحتى اليوم، الدولة السوفيتيّة – في رأيهم – ليست بروليتاريّة (ما هي حقًا – يبقى لغزًا). في الماضي كانوا يطالبون بالعودة إلى الرأسماليّة؛ واليوم يطالبون بالعودة إلى «الديمقراطيّة». فإذا لم يكونوا هم أنفسهم ممثّلين لاتجاهات تيرميدوريّة، فما معنى «التيرميدور» أصلًا؟ من البيّن بداهةً أنّه ليس سوى تعبير أدبيّ دارج.
- إنّ البراندلريّين، بما فيهم قادة الحزب العمّالي الاشتراكي (SAP)، الذين ظلّوا حتى اليوم تلامذة نظريّين لثالهايمر، لم يروا في سياسات الكومينترن إلّا «يساريّة متطرّفة»، وأنكروا (وما زالوا يُنكرون) المعنى ذاته للنزعة الوسطية البيروقراطيّة. إنّ «الفترة الرابعة» الراهنة، حيث يجرّ ستالين الحركة العمّاليّة الأوروبيّة على خطّاف الكومينترن إلى يمين الإصلاحيّة الرسميّة، تُظهر بوضوح مدى ضحالة وانتهازيّة الفلسفة السياسيّة لثالهايمر–فالتشر18 وشركاهما. هؤلاء الناس عاجزون عن التفكير في أيّ مسألة حتى نهايتها. ولهذا السبب بالذات لديهم هذا النفور الشديد من مبدأ قول ما هو كائن، أي المبدأ الأعلى لكلّ تحليل علمي ولكلّ سياسة ثوريّة.
إضافات المترجم
1- الفلّاح الميسور في الكولخوز: فلاح داخل المزرعة الجماعية (الكولخوز) ، كان يتمتع بامتيازات اقتصادية أو مكانة خاصة، ويمثّل انحرافًا نحو التفاوت الطبقي داخل النظام السوفيتي، بحسب نقد تروتسكي.
2- المراهنة على الكولاك، التحالف مع الكومينتانغ، اللجنة الأنجلو-روسية، إلخ: يشير تروتسكي بهذه الأمثلة إلى انحرافات البيروقراطية الستالينية عن خط الأممية الشيوعية الثورية. فـ”المراهنة على الكولاك” (الفلاحين الأغنياء) مثّلت خيانة لتحالف العمال والفلاحين الفقراء، و”التحالف مع الكومينتانغ” (الحزب القومي الصيني البرجوازي) أدّى إلى سحق الحركة الشيوعية في الصين، أما “اللجنة الأنجلو-روسية” فكانت تعاونًا نقابيًا مع قيادات إصلاحية برجوازية في بريطانيا. كلها بالنسبة لتروتسكي تعبّر عن استبدال سياسة الثورة العالمية بسياسة دبلوماسية محافظة تخدم مصالح الدولة السوفيتية على حساب الثورة الأممية.
3- النيبمان (Nepman) وصفٌ شائع في روسيا السوفيتية لرجال الأعمال أو التجّار الذين ظهروا أثناء «السياسة الاقتصادية الجديدة (19211928 -)، سمح لهم النظام بامتلاك مشاريع خاصة صغيرة أو متوسطة—متاجر، ورش، مطاحن، تجارة الحبوب—كي يُنعشوا الاقتصاد بعد الحرب الأهلية. شكّلوا شريحة برجوازية ناشئة داخل المجتمع السوفيتي.
4- الديركتوار (1795–1799) هو نظام الحكم الذي أُنشئ بعد سقوط روبسبير. تكوّن من خمسة «مديرين» شكّلوا السلطة التنفيذية، ومثّل سلطة البورجوازية الوسطى. هدف إلى وقف اندفاعة الثورة الراديكالية مع الحفاظ على مكاسبها البورجوازية، لكنه عانى من أزمات وفساد وضعف سياسي، ما مهد لانقلاب بونابرت في 18 برومير 1799.
5- ويُقصد هنا: الجماهير الفقيرة غير المالكة، المهمّشون في المدن، الذين قد يهددون الملكيّة بالنهب أو التمرّد.
6- تروتسكي يكتب في سياق أوروبا في العشرينات والثلاثينات، حيث كلمة Libertarian كانت تُستخدم بوصفها مرادفًا لـ اللاسلطويّة (Anarchism)، أي التيار الرافض للدولة والسلطة المركزية، لا بمعناها الأمريكي المعاصر (اقتصاد السوق والحرية الفردية).
7- كان داخل صفوف اليعاقبة أنفسهم تمايز سياسي واضح؛ فقد ضمّوا جناحًا ثوريًا جذريًا بقيادة روبسبير وسان جوست وكلو ورفاقهم، وجناحًا آخر أقل جذرية وأكثر قربًا من البرجوازية الميسورة، ميّالًا لوقف التصعيد الثوري والاكتفاء بما تحقّق. في 9 ترميدور (27 يوليو 1794) أُطيح بروبسبير ورفاقه، ولم ينتقل الحكم إلى الليبراليين المعتدلين (الجيرونديين) أو إلى الملكيين، بل إلى الشريحة الأكثر ثراءً ومحافظة من داخل معسكر اليعاقبة أنفسهم، التي بقيت تُسمّى «يعاقبة» بالاسم والانتماء، لكنها كانت أكثر اعتدالًا ومحافظة من جناح روبسبير. يستعير تروتسكي هذا التحوّل لتفسير ما جرى في الاتحاد السوفيتي: فبعد أن كان الحكم بيد الجناح الثوري (البلاشفة – لينين، تروتسكي، الطليعة البروليتارية)، انتقلت السلطة، بعد سحق اليسار، إلى شريحة أكثر محافظة من داخل الحزب ذاته، هي البيروقراطية الستالينية، أي لم تكن عودة إلى الرأسمالية، بل انحرافًا داخليًا نحو اليمين.
8- لقنصليّة (Le Consulat) هي اسم النظام السياسي في فرنسا بين 1799 و1804 بعد انقلاب نابليون بونابرت (انقلاب 18 برومير). القنصليّة مثّلت مرحلة انتقالية: أنهت ما تبقّى من الثورة الفرنسية (ديمقراطية اليعاقبة) ومهّدت الطريق لتحويل فرنسا إلى إمبراطورية استبدادية تحت نابليون عام 1804.كان يحكم فرنسا ثلاثة قناصل شكليًا، لكن السلطة الفعلية كانت بيد القنصل الأوّل نابليون.
9- الزينوفييفيّون: نسبة إلى غريغوري زينوفييف (1883–1936)، أحد أبرز قادة البلاشفة، رئيس الأممية الشيوعية (الكومينترن) بين 1919–1926، وعضو المكتب السياسي للحزب البلشفي. بعد وفاة لينين، تحالف زينوفييف مؤقتًا مع ستالين وكامينيف ضد تروتسكي، لكن سرعان ما دخل في صراع مع ستالين. في منتصف العشرينات، أصبح مع كامينيف وتروتسكي جزءًا من المعارضة الموحّدة ضد البيروقراطية الستالينية. أُقصي سنة 1927، ثم “تاب” وأُعيد إلى الحزب، لكن أعيد اعتقاله لاحقًا، وكان أحد أبرز المتهمين في محاكمات موسكو الصورية (1936)، حيث أُعدم بعد اتهامه بتدبير مؤامرة لإسقاط السلطة السوفيتية.
10 كولتشاك: الأدميرال ألكسندر فاسيلييفيتش كولتشاك (1874–1920)، ضابط بحري روسي، قاد أحد أهم جيوش البيض خلال الحرب الأهليّة الروسية (1918–1920). نصب نفسه “الحاكم الأعلى لروسيا” في سيبيريا وأورال، وحظي بدعم القوى الإمبريالية (بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة، اليابان). مثّل معسكر الثورة المضادّة المسلّحة ضد البلاشفة. انهزم جيشه أمام الجيش الأحمر، فاعتقل وأُعدم في إيركوتسك سنة 1920.
11- لجنة إنقاذ الوطن والثورة: هيئة مضادّة للثورة شُكّلت في موسكو أيّام ثورة أكتوبر 1917. ضمّت عناصر من المناشفة والاشتراكيين الثوريين وبعض ممثلي البرجوازيّة، وهدفت إلى تنظيم مقاومة ضد استيلاء البلاشفة على السلطة، تحت شعار “الدفاع عن الوطن والثورة”. حاولت تنسيق إضرابات وعصيان مسلّح، لكن البلاشفة قضوا عليها سريعًا بعد سيطرتهم على موسكو.
12- Le Temps صحيفة فرنسية مؤثرة، غالبًا ما كانت تُستخدم كمصدر يعكس مواقف الطبقة السائدة في فرنسا قبل الحرب العالمية الثانية.
13- ناديا كروبسكايا (1869–1939) كانت ثورية بلشفية، مربية، وزوجة لينين ورفيقته السياسية. بعد الثورة تولّت شؤون التعليم، واشتهرت أيضًا بمواقفها الناقدة لستالين بعد وفاة زوجها.
14- الفكرة هي أن موت لينين «أنقذه» من مصير السجن على يد البيروقراطية، لكنهم بدل أن يسجنوه حيًا، «سجنوه» ميتًا داخل ضريح، أي جعلوه أداة طقسية لتقديس النظام الجديد.
15- القنصلية (1799–1804): المرحلة التي تلت انقلاب 18 برومير في فرنسا، حيث حكم نابليون بونابرت بوصفه «القنصل الأول» ضمن إطار جمهوري شكلي. ويستخدمها تروتسكي كنموذج نظري للبونابرتية الصاعدة: سلطة فردية قوية تنشأ في فترة أزمة تاريخية، ترتكز إلى الجيش والجماهير، وتوازن بين الطبقات، قبل التحوّل إلى إمبراطورية مكتملة.
16- شلايخر: آخر مستشار لألمانيا في جمهوريّة فايمار قبل وصول هتلر إلى السلطة (كان مستشارًا من كانون الأول/ديسمبر 1932 حتى كانون الثاني/يناير 1933). حاول أن يقيم توازنًا هشًّا بين الجيش، والنازيّين، والنقابات، لكنه فشل وسرعان ما أُزيح لصالح هتلر. اغتيل لاحقًا في “ليلة السكاكين الطويلة” (1934) بأوامر من النازيين. عند تروتسكي يُستخدم مثاله للدلالة على بونابرتيّة التحلّل: نظام عسكري–شرطي هشّ، مؤقّت، لا يملك قاعدة اجتماعية راسخة.
دوميرغ : رئيس فرنسي سابق (1924–1931) عاد إلى رئاسة الحكومة في أزمة شباط/فبراير 1934 بعد سقوط حكومة “دالميه” إثر اضطرابات الفاشيين في باريس. جاء بدعم الجيش والقوى الرجعية ليؤمّن “النظام” ويعلو فوق البرلمان، لكن حكمه كان قصيرًا وهشًّا. عند تروتسكي يُمثّل أيضًا بونابرتيّة متحللّة: سلطة تتجاوز البرلمان مؤقتًا عبر استغلال الأزمة، دون أن تبني نظامًا جديدًا.
17- البراندلريّون :أتباع هاينريش براندلر، قائد الحزب الشيوعي الألماني (KPD) في أوائل العشرينات. ارتبط اسمه بفشل انتفاضة 1923 في ألمانيا بسبب تردده وميوله اليمينية الإصلاحية. بعد إبعاده من الحزب أسّس “المعارضة الشيوعية اليمينية” التي عُرفت بالبراندلريين. مثّلوا تيارًا توافقيًا، إصلاحيًا، معادٍ لخط المعارضة اليسارية التروتسكية.
اللوفستونيّون: أتباع جاي لوفستون، الأمين العام للحزب الشيوعي الأميركي (CPUSA) في العشرينات. أزيح من قيادته عام 1929 بسبب خلاف مع ستالين (اتُّهم بـ”انحراف يميني قومي”)، فأسّس “الحزب الشيوعي (المعارضة)” في الولايات المتحدة. اتّخذ هو وأنصاره خطًا يمينيًا إصلاحيًا مشابهًا للبراندلريين، وكانوا خصومًا لكل من الستالينيين والتروتسكيين على حد سواء.
18- أوغست ثالهايمر: منظّر ماركسي ألماني، كان من قادة الحزب الشيوعي الألماني (KPD) بعد الحرب العالمية الأولى. مثّل الجناح اليميني–الوسطي داخل الحزب، وعُرف بمواقفه الإصلاحية والتوفيقية. بعد إقصائه من الحزب عام 1929 شارك في تأسيس الحزب العمّالي الاشتراكي الألماني (SAP). بالنسبة لتروتسكي، كان ثالهايمر نموذجًا لـ«النزعة الوسطية البيروقراطية» العاجزة عن خوض الصراع الطبقي حتى نهايته.
هاينريش فالتشر: قيادي شيوعي ألماني، مقرّب من ثالهايمر. شارك أيضًا في قيادة الحزب العمّالي الاشتراكي (SAP) بعد الانشقاق عن الحزب الشيوعي. اتّسمت مواقفه بالميل الوسطي الإصلاحي، أي محاولة الموازنة بين التوجه الثوري والاندماج مع الديمقراطية الاجتماعية.