قد تجدون عنوان هذه الرسالة ومحتواها طوباوياً. لا يمكن لومكم على ذلك. ما حدث في تموز عام 2025 من انتهاكات ارتكبتها الفصائل الفاشية التابعة للجولاني ترك أثراً كبيراً. والحالة السائدة الآن هي: أي خيار يستطيع منع زحف هؤلاء الهمج للسويداء مرةً أخرى هو الأكثر منطقيةً وواقعيةً.
لكن دعونا نخوض نقاشاً جدياً. لا يمكن تبرير الواقع الحالي بأنه منطقي فقط لأنه موجود. ولا يمكن اعتبار أي خيار آخر بأنه طوباوي فقط لأنه لا يملك الشروط الموضوعية لقيامه حالياً. التضامن لا يعني الحديث عن جرائم الجولاني، فالجميع يعرف ذلك حتى حاضنته، بل كيف يمكننا أن نجد الحلول، خاصةً بأن كل القوى اليسارية في السويداء قد اصطفت بشكل أو بآخر إما خلف نظام الجولاني أو خلف الهجري.
إن طبيعة التعبئة العشائرية التي هاجمت السويداء فرضت على أهالي السويداء نمط تعبئة مشابه. هذا ما يمكن تفهمه كردة فعل من أجل قضية وجودية. إلا أن نمط التعبئة العشائري وفي الوقت الراهن لا يمكن أن يقدم أي حلول. يمكننا أن نبقى محاصرين للأبد و أن نوثق البطولات من أجل حماية الأرض. لكن هذا ليس هدفنا.
قبل البدء نود التنويه إلى أن كاتب هذا المقال قد تم نهب وحرق منزله في الهجوم الذي شنته الفصائل الهمجية على محافظة السويداء في تموز 2025، وتم قتل عددٍ من أقاربه وحتى تدمير قبر والده. ومع ذلك فإن عداءه لنظام الجولاني سبق ذلك بكثير، لأنه وبكل بساطة يقف ضد نظام الجولاني من منطلقٍ طبقي وليس شخصياً. وكون المنطلق طبقيّاً، إذ لا بد من الوقوف ضد الهجري ومشروعه أيضاً.
ومن جهةٍ أخرى، هذا المقال هو مخصص لنقد سلطات الأمر الواقع في السويداء. عدم تطرقنا لنظام الجولاني بشكل كبير لا يعني أننا نقبل بنظام الجولاني، بل على العكس نحن نسعى وبكل قوة للإطاحة به و بالنظام الطبقي بأكمله. من يريد سماع موقفنا من هذا النظام الرجعي يمكنه زيارة قناتنا على اليوتيوب حيث خصصنا ست حلقاتٍ من بودكاست ضد التيار لنقاش الوضع السوري بالتفصيل. نقول هذا حتى نضع النقاط على الحروف من البداية تفادياً لأي خلطٍ أو تحريفٍ، كون أن الحالة السائدة اليوم: “ضد الهجري إذاً مع الجولاني”.
حكمت الهجري وأتباعه من أمثال ماهر شرف الدين – المعروف بأنه كان من أكبر الداعين لارتكاب مجازر بحق العلويين، وكان من أكبر المعارض لحق الكرد بتقرير المصير – يحصرون المسألة في أن أهالي السويداء هم إما أمام خيار الموت ببطءٍ من الفقر وصعوبة الحال تحت سلطة الهجري وداعميه، أو أن يموتوا ذبحاً على يد همج الجولاني. أي أن طرحهم ما زال يندرج تحت بند: تحت أي ظروفٍ من الأفضل لنا أن نموت. هذا كلام غير صحيح و يخدم أجنداتهم فقط. نحن نريد طرح المسألة بطريقةٍ أخرى: كيف يمكن أن نقاتل وننتصر.
أحداث متسارعة تحصل على الساحة في محافظة السويداء، هي بطبيعتها أحداث يتم نسيانها ربما بعد يومين، لكنها بالنسبة لنا كماركسيين فهي تندرج تحت بند “العملية التراكمية للثورة”. احتجاجات من أجل إقالة اللجنة القانونية، وهجوم البلطجية على مديرية التربية وترهيب العاملات والعاملين هناك، وقيام عناصر تابعة للحرس الوطني في السويداء باعتقال عددٍ من الناشطين في بلدة القريا عند إحياء ذكرى وفاة القائد العام للثورة السورية الكبرى سلطان الأطرش.
عدد من المصادر تحدثت أن سبب الاعتقال هو إصرار الناشطين على رفع شعاراتٍ تدعو لوحدة السوريين، وبالتالي أصبحوا أوتوماتيكياً أنصاراً للجولاني. نحن بطبيعة الحال نعرف الناشطين المعتقلين، والنقاط التي نختلف بها معهم أكبر بكثير من النقاط التي نتفق بها. ومع ذلك نتضامن معهم ضد هذه الإجراءات القمعية التي تمارسها سلطة الأمر الواقع في السويداء، ونرغب بطرح سؤال:
طالما أن حكمت الهجري والحرس الوطني يتحدثون عما أسموه بأن السويداء أصبحت قلعةً منيعةً بفضل رؤيتهم، لماذا يخافون إذاً من هتافات عددٍ قليلٍ جداً من الناشطين؟
العصبيات و الأصوليات
على الرغم من تحليلاته الميكانيكية والطوباوية، إلا أن عالم الاجتماع المصري الدكتور مصطفى حجازي كان قد قدم تعاريف جيدة لمفهومي الأصولية والعصبية بوصفها أحد ركائز ثالوث الهدر الإنساني. فقد تحدث عن العوامل الرئيسية في هدر الإنسان، وأهمها الأصوليات والعصبيات. الأصوليات التي يمثلها الجولاني هي تركيب لا يتقبل الآخر نهائياً. أما العصبيات فهي من الممكن تقبل الآخر لكن ضمن شروطها. وهذه العصبيات قد تكون قبليةً، أسريةً، عشائريةً، طائفيةً أو إثنيةً.
كتب مصطفى حجازي في كتابه الإنسان المهدور:
تفرض العصبيات الرضوخ والتبعية والانقياد لقاء الحماية والمغانم. إنها عدوة الاستقلال الذاتي والتجرؤ على الفكر وبناء كيان فريد وأصيل. إنها تخصي بدورها طاقات النماء والنزوع إلى الاستقلال الراشد ومبادراته كي يستتب لها الأمر، وتضمن سلطانها على أتباعها
والآن يأتي دورنا كماركسيين بأن نقوم بربط هذا المفهوم الميكانيكي الذي طرحه الدكتور مصطفى حجازي بأساسه الطبقي ليصبح ذا مغزىً حقيقياً وليس فقط أكاديمياً. هذه العصبيات والقبليات هي بالنهاية علاقات إنتاج تعيد سيطرة الطبقة السائدة أو جزءٍ منها في أوقات الحاجة. لذلك نجد بأنه بالنسبة للأصوليات، فإن ما تم تخييرها ما بين العصبيات والوحدة العمالية سوف تختار الأولى. وكذلك الأمر بالنسبة للعصبيات.
بالنسبة للعصبيات فهي ترفع شعار: أنت جيد طالما ولاؤك مضمون. عندها تنال نصيبك من الحماية. وبطبيعة الحال تنتشر هذه العصبيات في مؤسسات المجتمع سواء كانت رسميةً أو أهليةً وتحولها إلى مراكز نفوذ وموارد لجني الغنائم. وهذا ما يحصل في السويداء فعلاً.
تقارير كافية ووافية أثبتت حصول عمليات فساد وسرقة كبيرة للمساعدات الواردة للمحافظة من دروز فلسطين/إسرائيل. هذه العصبيات تتجلى بأشكال سياسية وعسكرية وإدارية ومناطقية، يصبح لا مفر للعمال والفلاحين الفقراء أن يقعوا بشباكها.الحرس الوطني مثال. فقد أفادت التقارير بأن الحرس الوطني الذي هو بنفس الشبكة مع الهجري، ومن يتقاسم معهم المصلحة الطبقية، قاموا بالسيطرة على أراضٍ زراعية ومشاريع كانت تحت سيطرة الدولة أثناء حكم الأسد.
وهنا يبرز الفرق الواضح. لو كانت الجماهير تأخذ مكانها على مسرح التاريخ، ولو كان هناك قيادة ثورية تسير بها إلى بر الأمان، لكانت هذه المشاريع وغيرها تحت رقابة الجماهير من عمال وفلاحين. لكانت أي مساعدات تأتي خاضعةً لرقابة الجماهير أيضاً. لم يكن بإمكان أحد أن يسرقها أو أن يستولي على المشاريع والمحاصيل.
ما نود قوله هو أنه وعلى الرغم من التناقض الواضح ما بين الجولاني والهجري، إلا أن كليهما يمثلان مصالحهما الطبقية المستمدة من مصلحة الدول الراعية للإرهاب. لذلك نقول أنه إذا ما حصلت بيومٍ من الأيام ثورة جماهيرية في سوريا، لا تستغربوا إن رأيتم الجولاني والهجري على نفس الجهة.
بعض الحقائق التي يعرفها جميع من في السويداء
آلاف الطلاب ما زالوا يجهلون مستقبلهم لعدم قدرتهم على الوصول إلى الجامعات. حتى طلاب الكليات التي لها فروع في السويداء لا يجدون مكاناً للدراسة. ثلاثة مصادر أهلية في السويداء قالت لعنب بلدي إنه رغم توفر المواد الغذائية والخضار والسلع الاستهلاكية في الأسواق، وعدم وجود انقطاع حاد، إلا أن القدرة الشرائية للمواطنين شبه معدومة.
حركة التنقل داخل المحافظة موجودة، لكنها تتأثر بشكل مباشر بسعر مادتي البنزين والمازوت، اللذين يُباعان بشكل حر، وسط غياب التوزيع النظامي في المحطات.
أما الأدوية، فأسعارها مرتبطة بصعوبة أو سهولة وصولها إلى المحافظة، مع وجود نقص في بعض الأصناف الأساسية، ما يضطر المرضى للاعتماد على بدائل قد لا تكون بنفس الفعالية. هذا ويواصل عدد من الأطباء العمل في العيادات والمشافي دون أي مقابل مادي، نظراً لأوضاع الأهالي الصعبة.
شبكة كهرباء السويداء قامت بإصلاح خط الـ 66 ك.ف المغذي لمحطتي السويداء وشهبا، لكن ذلك كان ممكناً فقط بمرافقة الهلال الأحمر وبعد أن تم الحصول على الموافقة اللازمة.
أكثر من 90 ألف مهجر يعيشون حياةً صعبةً للغاية في ظل عدم توافر بيوت كافية. وكل ذلك بينما يعيش الهجري في منزله في حياة رغيدة على غرار الحياة التي يعيشها الجولاني وطغمته. هل سمعتم في خطاب الهجري الأخير أي حديث عن هذه الأمور من حيث سبل معالجتها؟ بالطبع لا.
الإعلام: موت سريري و كوميديا سوداء
هذه المرحلة المغرقة بالهمجية أصبحنا نرى انعكاساتها على الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. أكبر شبكتين في السويداء، وهما السويداء برس والراصد، للأسف لم يتعلموا أي درس من مجازر تموز 2025.
نحن نعلم أن الإعلام البرجوازي هو إعلام سطحي ويمثل الطبقة السائدة بالنهاية، إلا أننا كنا نظن أن هول ما حدث سوف يدفعهم خطوةً على الأقل باتجاه مصالح الجماهير.
لكن الواقع أثبت أنهم ما زالوا يرغبون بالحفاظ على مستوى إعلامي رديء من خوفهم أن يخوضوا معارك حقيقية. لذلك فقد اقتصروا على النعوات وأخبار الخطف وتصوير السهول الجميلة بدون أي مداخلات قادرة على تبني خطاب تقدمي ولو خطوة واحدة فقط أمام الجماهير التي هي بالحقيقة حققت خلال أقل من سنة قفزةً نوعيةً بالوعي الطبقي سبقت بها هؤلاء النخبويين الإعلاميين.
من جهةٍ أخرى، سادت السخرية كوسيلة لتوصيل الآراء. لعل الماهرين: شرف الدين وكاسب مثال على ذلك.
قد يكون هذا النوع من السخرية جذاباً للكثيرين، كونه يسمح للأفراد المحبطين والمتعبين بالتنفيس عن غضبهم اتجاه من لا يروقون لهم عن طريق وضع أضحكني، فيشعرون براحة نفسية ويغلقون الفيسبوك ويعودون إلى حياتهم براحة نفسية أكبر وكأنه انتصار.
نحن نتفهم الجماهير عندما تقوم بردود أفعال هكذا، خصوصاً أن نظام الجولاني وداعميه يمتلكون أكبر مزارع ذباب إلكتروني يقودون نشاطات “جيش الأضحكني”. هؤلاء الأوغاد الهمج الذين يضعون أضحكني حتى على صور وفيديوهات قتل الأطفال.
لكن من المؤسف القول إن تلك السلوكيات هي عملياً تحمل نتائج سلبية، وليست سوى تعبير عن غضب عاجز بسبب غياب الأفق وغياب وجود أي قيادة ثورية حقيقية واقتصار الساحة فقط على الرجعيين، وبالتالي أصبح من الصعب توجيه ضربات حقيقية لنظام الجولاني.
لكن هذه ليست نهاية العالم. الحلول موجودة. سوف نطرحها في نهاية المقال. علينا أن نتسلح بالماركسية، فهي النظرية الوحيدة التي سوف تجعلنا لا نشعر بالعجز لأنها سوف تفسر لنا كل ما نراه حولنا من كوارث رغم فظاعتها، وسوف تقدم لنا الحلول. الفلسفة الماركسية ليست فقط لتفسير الواقع بل لتغييره أيضاً.
حكمت الهجري: اندماج زمنين في سلطة واحدة
إن مشيخة العقل لدى طائفة الموحدين الدروز، مثلها مثل باقي الزعامات التقليدية، تملك مكانةً اجتماعيةً استمدتها من الظروف التي كانت سائدةً أيام السلطنة العثمانية. وعلى الرغم من زوال السلطنة العثمانية، إلا أن التطور المركب وغير المتكافئ الذي حصل في المنطقة بعد الاستقلال أتاح المجال لهذه الزعامات بأن تستمر على قيد الحياة.
التطور المركب واللامتكافئ يعني أن نرى المصانع الكبيرة إلى جانب علاقات إقطاعية وشبه إقطاعية. هذا الواقع سببه أن الرأسمالية في سوريا، بصفتها بلداً مستعمَراً، صعدت مسرح التاريخ بعد انتهاء العرض المسرحي أساساً. لذلك فهي لم تكن قادرةً على لعب دورها الحقيقي. الرأسمالية عندما وصلت إلى سوريا كانت في مرحلة انحطاطها، لذلك لم تكن قادرةً على بناء نمط إنتاج رأسمالي شبيه بالذي بنته بالغرب. ونتيجة هذا الضعف اضطرت للارتهان لرأس المال العالمي والمهادنة مع الإقطاع.
لذلك ما زلنا نرى هذه الزعامات التقليدية رغم كل ما مر على المنطقة حتى الآن. الزعامات التقليدية هي بمثابة ثياب تم شراؤها لطفلٍ رضيع. كلما كبر هذا الطفل شهراً، كلما أصبحت أضيق عليه، إلى أن نصل إلى مرحلةٍ يصبح من الواجب رميها وشراء ما هو جديد.
مصلحة وهمية
غياب القيادة الثورية واختصار العمال والفلاحين الفقراء إلى وضعٍ هم مشغولون فيه فقط بالبقاء على قيد الحياة أدى إلى حدوث عملية اغترابٍ سياسيٍ كبير. إلا أن هذا الاغتراب ناشئ أيضاً عن عملية تقسيم العمل، والتي تجعل من الشخص يظن بأنه يسيطر على ما ينتجه، لكن بالحقيقة ما يحدث هو العكس. هذا الاغتراب نشأ مع نشوء الملكية الشخصية وتقسيم العمل قبل مئات آلاف السنين، وتطور اليوم ليصبح حالةً عميقةً جداً.
كنا قد تحدثنا عن هذا المفهوم في مقالات منفصلة، لكن سنعيد بعض فقرات هذه المقالات هنا لضرورتها.
قبل ظهور الملكية الخاصة كانت المصلحة جماعيةً فقط، وكانت هذه المصلحة تلقائيةً وغير منفصلة عن مصلحة الفرد، أي لم يكن هناك انشقاق بين ما يريده الفرد وما يريده المجتمع، لأن العمل لم يكن قد تَقَسَّم بعد بشكلٍ يجعل الإنسان حبيس مهنةٍ واحدةٍ مدى الحياة. لقد كانت وحدة المصلحة الفردية والاجتماعية هي العامل الرئيسي في قدرة البشرية على الاستمرار. أما بعد ظهور الملكية الخاصة فقد نشأ تناقضٌ في المجتمع.
المصلحة الجماعية لم تعد قائمةً على التعاون الإرادي، وإنما على التبعية المتبادلة. أنا أحتاج لك لأنك تقوم بذلك العمل، وأنت تحتاج لي لأنني أقوم بهذا العمل، وكلانا بحاجة إلى أصحاب الملكية الخاصة لنعيش، وهو بحاجةٍ إلينا ليعظم ملكيته. ظهور المصلحة الجماعية بهذه الصيغة خلق تناقضاً داخل الجماعات نفسها، ومنه تطورت لتأخذ شكلاً مستقلاً وهو الدولة.
إذا ما نظرنا إلى ما يفعله حكمت الهجري وأعوانه، هو محاولة بناء دولة. هذه الدولة هي بطبيعة الحال ليست سوى مصلحة جماعية وهمية. هي لن تنقذ الدروز ولن تحميهم من همجية الجولاني. الحل الوحيد في جعل هذه الدولة ليست مصلحةً وهميةً هو تحويلها لدولةٍ عماليةٍ، أي أداةً بيد الفقراء أنفسهم وعلى مستوى سوريا بأكملها، وعندها لن يبقى هذا الاغتراب.
خطاب حكمت الهجري
في البداية علينا التنويه أن هذا الخطاب جاء بعد اعتداء قام به عناصر يتبعون نظام الجولاني على مجموعة من الشباب الدروز، حيث تم قتل عددٍ منهم وخطف من حاول المساعدة. هذه الحادثة خلقت نوعاً من الامتعاض الشديد لدى أهالي السويداء، وبدأ الكثير بطرح تساؤلات حول مدى إمكانية مشروع الهجري من تقديم ولو أدنى متطلبات الحياة الكريمة. لذلك شهدنا بعد ذلك تصريحاً من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بأن سلاح الجو قام بغارةٍ على بنى تحتية في الأراضي السورية بمثابة رد على هذا الاعتداء، وبعدها سمعنا خطاب الهجري. كلا التصرفين لم يكونا سوى مواد للاستهلاك الإعلامي وإبرٍ تخديريةٍ لتنويم الجماهير من جهة، ومن جهةٍ أخرى دفعةً جديدةً من أجل ترسيخ معاناة الدروز في واقعهم المعلق بالهواء.
من تابع خطاب حكمت الهجري الأخير يستطيع أن يستنتج مدى خطورة كلامه. السويداء اليوم تحتوي على سلطة أمر واقع تقمع أي صوتٍ معارض. لذلك يبدو موقف حكمت الهجري هو موقف ممثلٍ للدروز. مواقف حكمت الهجري من جهة تجعل الدروز معزولين أكثر وأكثر عن محيطهم، لا بل وفي مواجهة هذا المحيط، وهو ما يحتاجه حكمت الهجري لإبقاء المجتمع تحت سلطته. ومن جهةٍ أخرى هذا ما يحتاجه الجولاني أيضاً لتحويل فشله إلى أماكن أخرى.
في خطابه تحدث حكمت الهجري:
ومن منطلق مسؤوليتنا التاريخية تجاه أهلنا وأرضنا، نؤكد موقفنا المؤيد للتوجه الاستراتيجي للحلفاء بخطواتهم الشجاعة والقرارات الجريئة التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية ودولة إسرائيل ممثلةً بالقيادة القوية للرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو
من المضحك فعلاً أن يقول حكمت الهجري بأن ترامب ونتنياهو حلفاؤه. يريد الظهور وكأنه شخصية لها وزنها الدولي، وهو ليس سوى أداة لتنفيذ مشاريع إمبريالية على حساب الدروز بأكملهم. هنا سوف نطرح على أعزائنا القراء مجموعة أسئلة ليست بالقليلة، وما نتمناه أن يتم الإجابة عليها بموضوعية:
هل تابعتم المجزرة التي قام بها جيش الاحتلال الإسرائيلي في لبنان؟ هل يدري أحد منكم كم الاحتقار الذي تكنه شعوب العالم أجمع لدونالد ترامب ونتنياهو، وفي مقدمة هذه الشعوب شعوبهم نفسها؟ هل تدركون المأزق الذي وقع به ترامب ونتنياهو بحربهم في إيران؟ هل تدركون كم الخطر الذي تتعرض له طائفة بأكملها بسبب هكذا تصريحات؟ ألم تدخل فصائل الجولاني الفاشية أمام أعين الجيش الإسرائيلي وبقيت تنكل 24 ساعة كاملة قبل أن يتدخلوا؟ ألم يصل ما يسمى “جيش العشائر” إلى السويداء من مناطق السيطرة الأمريكية؟ أليس ترامب نفسه هو من يقدم الدعم وإعادة التدوير المطلق للجولاني ونظامه؟ ألم يحصل هذا الهجوم على السويداء بعد لقاء باكو بين الجولاني ومسؤولين إسرائيليين؟ هل يمكن فعلاً لمجرمين يبيعون ويشترون التحالفات لمصالحهم أن يكونوا حلفاء؟
كل هذه الأسئلة هي فقط لنثير قضايا جدلية. أما السؤال الأساسي فسوف يأتي الآن:
هل سمعتم في خطاب حكمت الهجري أي كلمة أو حتى حرف أو حتى تنويه عن كيفية حل مشاكلكم في السويداء؟
بالتأكيد لا، لأنه لا يملك الحلول، وبصفته ظهر في الساحة السياسية على شكل مصلحةٍ وهميةٍ، لذلك فهو لا يملك سوى الوهم لكي يبيعه. الخطابات الخلبية لا تغير. دعونا نتذكر بأن حافظ الأسد كان قد مات وهو يقول في خطاباته: “نحن نريد الجولان بالكامل”.
وعي زائف
“أهل باشان”، “أقليات”، “خونة” كانت هذه نبذةً من العبارات التي طرحها حكمت الهجري في خطابه. عبارات تأتي في نفس السياق الذي يستخدمه نظام الجولاني: “أقليات”، “فلول”، “انفصاليين”. كل هذه العبارات تؤدي في النهاية إلى مكانٍ واحد: تأبيد الصراع الديني والقضاء على الصراع الطبقي. كل الطرق الرأسمالية تؤدي للخراب.
الأغلبية في السويداء الآن يظنون أن السنة بأكملهم يقفون خلف الجولاني. إلا أن الحقيقة مختلفة تماماً. حاضنة الجولاني هي من البرجوازية الصغيرة والبروليتاريا الرثة، وهم ليسوا بكثر كما يتم تصويرهم في الإعلام. أما الأغلبية الساحقة من الجماهير المنهكة من الحرب فقد رغبت بإعطاء الجولاني فرصةً لتغيير الأوضاع. وبعد سنةٍ ونصف ما زالوا غير قادرين على العودة لمنازلهم، وغير قادرين على تأمين حتى قوت يومهم بعد القرارات النيوليبرالية من رفع الدعم على الخبز ورفع فواتير الكهرباء. وفي كل زيارةٍ للجولاني إلى بلدٍ ما، باتوا يرون كم الرفاهية التي يعيش بها هو ونظامه. لذلك فهم لم يعودوا يصدقون أي وعود.
ما ترونه على الإعلام البرجوازي ليس سوى تزويرٍ للحقائق ولا يعكس الواقع. فقط انظروا كم الأكاذيب والتلفيق الذي مارسوه عليكم في السويداء. تماماً نفس الشيء يقومون به في باقي المحافظات والعالم. تذكروا أنه في عام 2023، وعندما قامت مظاهرات السويداء، قام أهالي إدلب بالخروج بمظاهراتٍ تضامنيةٍ ورفعوا علم الخمس حدود. هؤلاء تم قمعهم من عصابات الجولاني نفسها التي أتى بها أردوغان وحلفاء الهجري ترامب ونتنياهو ليحكموا سوريا بأكملها.
تذكروا أنه عندما انتفض أهالي السويداء ضد نظام الأسد بسبب سوء الأوضاع المعيشية كان حكمت الهجري يقيم ولائم يوجد عليها أصناف فواكه لا يمكن لأكثر من 90 بالمئة من أهالي السويداء حتى رؤيتها. تذكروا أن حكمت الهجري هو من كان موالي لنظام الأسد و هو من استقبل فصيل النجباء في منزله و الآن ارتهن لمجرمي حرب مثل ترامب و نتنياهو.
يصورون المسألة على أنها حنكة سياسية. لكن هذه السلوكيات ليست سوى مناورات من أجل أن يبقى حكمت الهجري و أتباعه في مكانتهم الطبقية وليس من أجل مصلحة الدروز فعلاً. سيمضي عام على الهجوم الهمجي الذي شنته فصائل الجولاني. ما الذي أنجزه الهجري للدروز؟ لا شيء. هل اضطر هو لترك منزله أو يعيش حياة فقيرة، بالطبع لا.
من حرب الطوائف إلى حرب الطبقات
خطاب الهجري تحدث عن الدروز وكأنهم كتلة واحدة. وهذا ما يريده بطبيعة الحال نظام الجولاني أيضاً. لكن هذا غير صحيح. هناك جماهير الدروز الفقراء و المتضررين وهم يشكلون نسبة ساحقة. وهناك دروز مستفيدين من هذا الواضع من أمثال حكمت الهجري و دائرته. فهم يملكون الوصول لكل شئ من مساعدات و اراضي ومحاصيل.
لو كنا قد كتبنا هذا المقال قبل أشهر ربما لم يكن لأحدٍ أن يقتنع بوجهة نظرنا. أما الآن فقط أصبحت حدود مشروع الهجري واضحةً أمام شريحةٍ كبيرةٍ من الجماهير. ومن جهةٍ أخرى فإن شريحةً كبيرةً أيضاً من الجماهير السورية في باقي المحافظات أصبحت ترى بوضوح الطبيعة الرأسمالية لنظام الجولاني ومدى رجعيته.
عندما نقول نحن بحاجة إلى خطابٍ طبقيٍ، نحن لا نتحدث فقط يوتوبيا. لا يمكن لأهالي السويداء أن يقرروا مصيرهم على أساسٍ رأسمالي. لا يمكن أن نبني جزيرةً من السلام في بحرٍ من الحروب الرأسمالية. لا يمكن أن تعزلوا أنفسكم في منزلٍ زجاجيٍ سوف يقع بفعل حجرٍ واحد.
وصول نظام الجولاني للسلطة كان ضرورةً بالنسبة للدول الإمبريالية. لقد أبدت الجماهير السورية في الأعوام الأخيرة لحكم الأسد استعدادها لتجاوز إرث الحرب الأهلية، لذلك كان لا بد من نظامٍ انتقاليٍ يحمل خصائص فاشيةً يعمل على ضرب العمال والفلاحين الفقراء ويمنع أي إحياءٍ لمنظماتهم.
لكن هذا النظام لن يجد طريقه للاستقرار. كل محاولات تجميله لن تجدي نفعاً. بدأ الرأي العام في سوريا يراكم باتجاه النهوض مجدداً، وما تحتاجه السويداء الآن تيارٌ سياسيٌ له هويةٌ طبقيةٌ يرفع الشعارات الصحيحة التي سوف تجرد الجولاني من أدوات توازنه الداخلية وتكون البداية لحرب طبقية جديدة بالتحالف مع العمال و الفلاحين الفقراء في سوريا و تنتهي باسقاط نظام الجولاني الرأسمالي.
من يريد أن ينهي الحرب بين الطوائف عليه أن ينضم للحرب بين الطبقات. برنامجنا هو:
- تشكيل لجان إداراتٍ محليةٍ تكون منتخبةً من قبل الجماهير أنفسهم وليست معينةً من أي جهة سواء من سلطات الأمر الواقع في دمشق أو السويداء.
- تشكيل لجان تكون تحت رقابة الجماهير لإدارة الدعم الذي يأتي لمحافظة السويداء.
- الكشف عن كل مواد الدعم النقدية والعينية التي وصلت لمحافظة السويداء.
- إعادة كل الأراضي والمشاريع التي وضع الحرس الوطني يده عليها لتصبح تحت إدارة العمال والفلاحين وتحت رقابة لجان الإدارات المحلية.
- إيجاد حلٍ جذريٍ وآمنٍ لكل طلاب الجامعات والمعاهد غير القادرين على زيارة جامعاتهم عن طريق توفير أساليب التعلم عن بعد كوسيلةٍ مؤقتةٍ لحين إجراء التغيير الجذري.
- العمل على تشكيل منصةٍ سياسيةٍ مستقلةٍ طبقياً تستند على طاقات الجماهير وتحمل طابعاً طبقياً واضحاً تخاطب كل الساخطين في كل المحافظات السورية وقادرة على تحديد من هو العدو الطبقي الحقيقي وإعادة السويداء إلى مكانها المعتاد في قلب النضال الجماهيري.
- ندعو كل الجماهير المسحوقة في سوريا للوقوف إلى جانب عمال وطلاب السويداء وفلاحيها الفقراء والسير باتجاه الوحدة الطبقية والضغط باتجاه صرف رواتب الموظفين في السويداء وعدم محاربتهم بلقمة عيشهم، خصوصاً أن هذه الرواتب لا تكفي حتى أدنى متطلبات الحياة.
إن كنتم تتفقون معنا انضموا إلينا لتحويل هذه البنود إلى خطواتٍ على أرض الواقع. الانكسار النفسي لن يدوم للأبد. الجولاني لا يمثل السنة والهجري لا يمثل الدروز. إنهم يمثلون مصالحهم الطبقية المستمدة من الارتهان للدول الإمبريالية التي أجرمت بشعوب المنطقة وأنتم من ضمنهم. إننا نناضل من أجل بناء قيادة ثورية تسعى إلى سوريا فيدرالية اشتراكية تكون جزءاً من فيدراليةٍ اشتراكيةٍ شرق أوسطية.
اكتبوا لنا على :
info@iskra-theory.com
إلى الأمام من أجل الوحدة العمالية والفلاحين
إلى الأمام من أجل بناء القيادة الثورية
إلى الأمام من أجل الديمقراطية العمالية بصفتها الحل الوحيد لأزماتنا
هيئة تحرير إيسكرا
10-04-2026