فلاديمير إيليتش لينين
نشر في: نوفايا جيزن، العدد 28، 3 أيلول/ ديسمبر 1905.
التوقيع: ن. لينين.
نشر وفقا للنص الوارد في نوفايا جيزن.
المصدر: الأعمال الكاملة للينين، دار التقدم، موسكو، 1965، المجلد 10، الصفحات 83-87.
إن المجتمع المعاصر قائم بأسره على استغلال الجماهير الواسعة من الطبقة العاملة على يد أقلية ضئيلة من السكان، أي طبقة الملاّك العقاريين وطبقة الرأسماليين. إنه مجتمع عبودي، لأن العمال «الأحرار»، الذين يعملون طوال حياتهم لصالح الرأسماليين لا يُمنحون «حقًّا» سوى في الوصول إلى وسائل العيش الضرورية وذلك فقط من أجل الحفاظ عليهم كعبيد يُنتجون الربح، ولحماية واستمرار عبودية النظام الرأسمالي.
والاضطهاد الاقتصادي الواقع على العمال يستدعي حتماً، ويولد، كلَّ أشكال الاضطهاد السياسي والإذلال الاجتماعي، كما يفضي إلى إفساد الحياة الروحية والأخلاقية للجماهير وإظلامها. وقد يظفر العمال بقدر أكبر أو أقل من الحرية السياسية للنضال من أجل تحررهم الاقتصادي، لكن لا مقدار من الحرية يمكنه أن يخلصهم من الفقر والبطالة والاضطهاد ما لم تُسقط سلطة رأس المال.
والدين واحد من أشكال الاضطهاد الروحي الذي يرزح تحت ثقله، في كل مكان، جماهيرُ الشعب، المُنهكةُ من عملها الدائم في خدمة الآخرين، ومن العوز والعزلة. وإن عجز الطبقات المستغَلة في نضالها ضد المستغِلين يولد، بالقدر نفسه من الحتمية، الإيمان بحياة أفضل بعد الموت، كما أن عجز الإنسان البدائي في صراعه مع الطبيعة يولد الإيمان بالآلهة والشياطين والمعجزات وما إلى ذلك. والذين يكدحون ويعيشون في العوز طوال حياتهم تعلمهم الأديان أن يكونوا خاضعين وصبورين ما داموا على هذه الأرض، وأن يتعزوا بالأمل في ثواب سماوي.
أما الذين يعيشون من عمل الآخرين، فتعلمهم الأديان أن يمارسوا الإحسان وهم على الأرض، فتقدم لهم بذلك وسيلة رخيصة جداً لتبرير مجمل وجودهم بوصفهم مستغِلين، وتبيعهم، بثمن معتدل، تذاكر إلى النعيم في السماء. الدين أفيون الشعب. الدين نوع من السُّكر الروحي، يغرق فيه عبيد رأس المال صورتهم الإنسانية، ومطلبهم في حياة تليق بالإنسان، ولو إلى حد ما.
لكن العبد الذي وعى عبوديته، ونهض للنضال من أجل تحرره، يكون قد كف إلى نصف الحد عن أن يكون عبداً. إن العامل الحديث الواعي طبقياً، الذي ربّته الصناعة الكبرى وأنارته حياة المدن، يطرح بازدراء الأوهام الدينية، ويترك السماء للكهنة والمنافقين البرجوازيين، ويسعى إلى الظفر لنفسه بحياة أفضل هنا على الأرض. وبروليتاريا اليوم تنحاز إلى الاشتراكية، التي تجند العلم في المعركة ضد ضباب الدين، وتحرر العمال من إيمانهم بالحياة بعد الموت، بتوحيدهم في النضال، هنا والآن، من أجل حياة أفضل على الأرض.
يجب إعلان الدين شأناً خاصاً. وبهذه الكلمات يعبر الاشتراكيون عادة عن موقفهم من الدين. لكن معنى هذه الكلمات ينبغي أن يحدد بدقة تفادياً لأي سوء فهم. فنحن نطالب بأن يكون الدين شأناً خاصاً فيما يتعلق بالدولة. أما فيما يتعلق بحزبنا، فلا يمكننا، بأي حال، أن نعده شأناً خاصاً. يجب ألا يكون للدين أي شأن بالدولة، وألا تكون للجمعيات الدينية أي صلة بالسلطة الحكومية.
ويجب أن يكون لكل فرد كامل الحرية في أن يعتنق أي دين يشاء، أو ألا يعتنق أي دين على الإطلاق، أي أن يكون ملحداً، كما هو شأن كل اشتراكي في العادة. وأي تمييز بين المواطنين بسبب معتقداتهم الدينية أمر لا يمكن التسامح معه مطلقاً. وحتى مجرد الإشارة إلى دين المواطن في الوثائق الرسمية ينبغي، بلا ريب، أن تُلغى. ولا يجوز تقديم أي إعانات للكنيسة الرسمية، ولا منح أي مخصصات حكومية للجمعيات الكنسية والدينية. ويجب أن تصبح هذه جمعيات حرة تماماً لمواطنين متحدين في الرأي، جمعيات مستقلة استقلالاً تاما عن الدولة. وإن التطبيق الكامل لهذه المطالب وحده هو الكفيل بوضع حد لذلك الماضي المخزي والملعون، حين كانت الكنيسة تعيش في تبعية إقطاعية للدولة، وكان المواطنون الروس يعيشون في تبعية إقطاعية للكنيسة الرسمية، وحين كانت قوانين القرون الوسطى، وقوانين التفتيش، قائمة ومطبقة، ولا تزال حتى اليوم باقية في قوانيننا الجنائية وسجلاتنا التشريعية، فتضطهد الناس بسبب إيمانهم أو عدم إيمانهم، وتنتهك ضمائرهم، وتربط الوظائف الحكومية المريحة والمداخيل المستمدة من الدولة بترويج هذا المخدر أو ذاك الذي تقدمه الكنيسة الرسمية. إن الفصل الكامل بين الكنيسة والدولة هو ما تطالب به البروليتاريا الاشتراكية من الدولة الحديثة ومن الكنيسة الحديثة.
ويجب على الثورة الروسية أن تحقق هذا المطلب بوصفه عنصراً ضرورياً من عناصر الحرية السياسية. ومن هذه الناحية، فإن الثورة الروسية تحتل موقعاً ملائماً على نحو خاص، لأن الطابع البغيض للجهاز الرسمي في ظل الحكم المطلق الإقطاعي القائم على الشرطة قد أثار السخط والاضطراب والحنق حتى بين رجال الدين أنفسهم. ومهما بلغ خضوع رجال الدين الأرثوذكس الروس وجهلهم، فقد أيقظهم الآن دوي انهيار النظام القديم، نظام القرون الوسطى، في روسيا.
وحتى هم أخذوا ينضمون إلى المطالبة بالحرية، ويحتجون على الأساليب البيروقراطية والجهاز الرسمي، وعلى التجسس البوليسي المفروض على «خدام الله». ونحن الاشتراكيين يجب أن نؤيد هذه الحركة، وأن ندفع بمطالب رجال الدين الصادقين والمخلصين إلى نهايتها المنطقية، وأن نلزمهم بما يقولونه عن الحرية، وأن نطالبهم بأن يقطعوا كل الصلات بين الدين والشرطة قطعاً حاسماً. فإما أن تكونوا صادقين، وعندئذ يجب أن تدافعوا عن الفصل الكامل بين الكنيسة والدولة، وبين المدرسة والكنيسة، وعن إعلان الدين شأناً خاصاً إعلاناً كاملاً ومطلقاً. وإما أنكم لا تقبلون هذه المطالب المتسقة للحرية، وعندئذ يكون واضحاً أنكم لا تزالون أسرى تقاليد محاكم التفتيش، وأنكم ما زلتم متشبثين بوظائفكم الحكومية المريحة ومداخيلكم المستمدة من الدولة، وأنكم لا تؤمنون بالقوة الروحية لسلاحكم، وتواصلون تقاضي الرشى من الدولة. وفي هذه الحال يعلن العمال الواعون طبقياً في عموم روسيا عليكم حرباً لا رحمة فيها.
أما من جهة حزب البروليتاريا الاشتراكية، فالدين ليس شأناً خاصاً. إن حزبنا هو اتحاد من المناضلين المتقدمين، الواعين طبقياً، في سبيل تحرير الطبقة العاملة. ومثل هذا الاتحاد لا يمكنه ولا يجوز له أن يكون غير مبال بنقص الوعي الطبقي، أو بالجهل، أو بالظلامية في صورة معتقدات دينية. ونحن نطالب بالفصل الكامل للكنيسة عن الدولة كي نتمكن من محاربة الضباب الديني بأسلحة إيديولوجية خالصة، وبوسائل إيديولوجية وحدها، أي بواسطة صحافتنا وبالكلمة المنطوقة. لكننا إنما أسسنا اتحادنا، أي حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي، لهذا النضال بعينه ضد كل خداع ديني يمارس على العمال. وبالنسبة إلينا، فإن النضال الإيديولوجي ليس شأناً خاصاً، بل شأن الحزب كله، وشأن البروليتاريا كلها.
إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا نعلن في برنامجنا أننا ملحدون؟ ولماذا لا نمنع المسيحيين وسائر المؤمنين بالله من الانضمام إلى حزبنا؟
إن الجواب عن هذا السؤال سيفسر الفرق البالغ الأهمية بين الطريقة التي يطرح بها الديمقراطيون البرجوازيون، والاشتراكيون الديمقراطيون، مسألة الدين.
إن برنامجنا قائم كلياً على النظرة العلمية إلى العالم، وعلى النظرة المادية بوجه خاص. ولذلك فإن شرح برنامجنا يتضمن بالضرورة شرح الجذور التاريخية والاقتصادية الحقيقية للضباب الديني. ودعايتنا تتضمن بالضرورة دعاية للإلحاد؛ كما أن نشر الأدبيات العلمية المناسبة، التي كانت الحكومة الإقطاعية الاستبدادية قد حظرتها واضطهدتها حتى الآن بصرامة، يجب أن يصبح الآن واحداً من ميادين عمل حزبنا. وسيغدو علينا، على الأرجح، أن نتبع النصيحة التي قدمها إنجلز يوماً للاشتراكيين الألمان: أن يترجموا أدبيات مفكري التنوير الفرنسيين والملحدين في القرن الثامن عشر، وأن ينشروها على أوسع نطاق.
لكن يجب علينا، تحت أي ظرف، ألا نقع في الخطأ المتمثل في طرح المسألة الدينية طرحاً مجرداً، مثالياً، بوصفها مسألة «فكرية» منفصلة عن الصراع الطبقي، كما يفعل في كثير من الأحيان الديمقراطيون الراديكاليون من أوساط البرجوازية. ومن الحماقة أن يظن المرء أن الأحكام المسبقة الدينية يمكن تبديدها، في مجتمع يقوم على اضطهاد جماهير العمال وتغليظها بلا نهاية، بواسطة الدعاية المجردة وحدها.
ومن ضيق الأفق البرجوازي أن يُنسى أن نير الدين الذي يثقل على البشرية ليس سوى نتاج وانعكاس للنير الاقتصادي داخل المجتمع. فمهما تكاثرت الكراسات، ومهما اشتد الوعظ، فلن يُستنار وعي البروليتاريا إذا لم تستنر هي نفسها بنضالها ضد قوى الرأسمالية المظلمة. إن وحدة الطبقة المضطهدة في هذا النضال الثوري الحقيقي من أجل إقامة فردوس على الأرض، أهم عندنا من وحدة رأي البروليتاريين بشأن الفردوس في السماء.
ولهذا السبب لا ندرج، ولا ينبغي لنا أن ندرج، إلحادنا في برنامجنا؛ ولهذا السبب لا نمنع، ولا ينبغي لنا أن نمنع، البروليتاريين الذين لا تزال لديهم بقايا من أحكامهم المسبقة القديمة من الارتباط بحزبنا. إننا سنظل دائماً نبشر بالنظرة العلمية إلى العالم، ومن الضروري لنا أن نحارب ما لدى مختلف «المسيحيين» من تناقض. لكن هذا لا يعني إطلاقاً أن المسألة الدينية ينبغي أن تُدفع إلى المقام الأول، حيث لا مكان لها أصلاً؛ كما لا يعني أنه ينبغي لنا أن نسمح بتشتيت قوى النضال الاقتصادي والسياسي الثوري الحقيقي بسبب آراء من الدرجة الثالثة أو أفكار سخيفة، تفقد بسرعة كل أهمية سياسية، وتكنسها بسرعة، بوصفها نفاية، حركة التطور الاقتصادي نفسها.
لقد دأبت البرجوازية الرجعية، في كل مكان، وهي تبدأ الآن في روسيا أيضاً، على إذكاء الفتن الدينية، لتحرف بذلك انتباه الجماهير عن المشكلات الاقتصادية والسياسية الحقيقية والأساسية، التي تحلها الآن عملياً البروليتاريا الروسية، وقد توحدت في نضال ثوري على نطاق روسيا كلها. وهذه السياسة الرجعية، الهادفة إلى تمزيق قوى البروليتاريا، والتي تتجلى اليوم أساساً في مذابح «المئة السوداء»، قد تتخذ غداً أشكالاً أكثر مكراً. أما نحن، فعلى أي حال، فسنقف في وجهها بالدعوة الهادئة، والمتسقة، والصبورة إلى تضامن البروليتاريا وإلى النظرة العلمية إلى العالم؛ وهي دعوة بعيدة عن كل تحريض على الخلافات الثانوية.
وستنجح البروليتاريا الثورية في جعل الدين شأناً خاصاً حقاً، من جهة علاقته بالدولة. وفي هذا النظام السياسي المطهر من عفن القرون الوسطى، ستخوض البروليتاريا نضالاً واسعاً ومفتوحاً من أجل القضاء على العبودية الاقتصادية، المصدر الحقيقي للخداع الديني الذي تتعرض له البشرية.