نتابع هنا في الجزء الثالث من سلسلة مقالاتنا حول وثائق الحزب الشيوعي العراقي.
ازدواجية السلطة: لماذا لا يمكن التوفيق؟
يتابع الرفاق في وثيقتهم بعد ذلك قائلين:
… ويكتسب هذا الإجراء أهمية كبرى في تحديد الملامح اللاحقة للنظام السياسي والحقوقي السوفييتي، وفي غرس جذر الإشكالية “الديمقراطية” للنظام الاشتراكي السوفييتي
طالما أن لينين والبلاشفة قاموا بإلغاء الجمعية التأسيسية من منطلق «مُجبرٌ أخاك لا بطل»، فلا بدّ — وفق هذا الطرح — أن يكون هذا الإجراء قد حمل إشكالية كبرى، ألا وهي إشكالية الديمقراطية. ووفق طرح الرفاق، وعلى الرغم من مدحهم لديمقراطية السوفييتات، فإن إلغاء الجمعية التأسيسية كان هو جذر الإشكالية التي رافقت الاتحاد السوفييتي ومعسكره لعقود لاحقة.
بهذا الشكل، كان بإمكان الرفاق أن يضعوا قدمًا في معسكر البرجوازيين، وقدمًا أخرى في معسكر تاريخهم الذي لم يعودوا قادرين لا على الدفاع عنه ولا على الهجوم عليه. ولذلك كان لا بدّ لهم من مناورات لغوية عالية التركيز للخروج من المأزق الذي رافق معظم الأحزاب الشيوعية التقليدية في تلك الفترة وحتى اليوم.
إن الديمقراطية ليست حالةً مجردة. فكثيرون يطالبون بالديمقراطية، لكن الشيوعيين وحدهم يطرحون السؤال الجوهري: ديمقراطية لصالح أي طبقة؟ وهنا لا بدّ من مناقشة مفهوم الدولة لدى الماركسيين. تنطلق نظرية لينين في الدولة من الفكرة الأساسية القائلة إن الدولة ليست جهازًا محايدًا ولا إطارًا قانونيًا جامعًا، بل هي نتاج المجتمع عند درجة معيّنة من تطوره، وهي اعتراف بأن هذا المجتمع قد دخل في تناقض مع نفسه لا يمكن حله. ولذلك فإن الدولة هي جهاز خاص للقمع، وبشكل أدق جهاز لقمع طبقة من قبل طبقة أخرى. وبهذا المعنى، لا تُقاس شرعية أي سلطة بطابعها الإجرائي أو التمثيلي، بل بموقعها في الصراع الطبقي وبالطبقة التي تمارس عبرها القمع والهيمنة.
إن عدم إعطاء الديمقراطية جذرًا طبقيًا هو ما جعل الرفاق يتحدثون عنها وكأنها شيء مجرّد. وبهذا لم يكن بإمكانهم الوصول إلى الخلاصة الديالكتيكية الأهم: إن الجمع بين سلطة السوفييتات وسلطة مؤسسة برجوازية كالجمعية التأسيسية لا يعني توسيع الديمقراطية، بل إعادة إنتاج قمع جهاز الدولة البرجوازية القديم ضد سلطة البروليتاريا الجديدة الناشئة.
لقد شدّد لينين على أن «استبدال الدولة البرجوازية بدولة بروليتارية أمر مستحيل دون ثورة عنيفة»، وأن أي محاولة للالتفاف على هذا الاستنتاج تؤدي عمليًا إلى نزع سلاح البروليتاريا سياسيًا. وعليه، فإن الصدام بين هذين الشكلين لم يكن خيارًا سياسيًا قابلًا للتأجيل أو التعديل، بل نتيجة حتمية لتناقض غير قابل للتوفيق بين دولتين تمثلان مصالح طبقية متعارضة.
بعد أكتوبر، لم تكن روسيا أمام تعددية مؤسساتية قابلة للتوفيق، بل أمام ازدواجية سلطة تعبّر عن صراع بين شكلين تاريخيين متناقضين للدولة: من جهة، السوفييتات بوصفها تنظيمًا مباشرًا لسلطة الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء؛ ومن جهة أخرى، الجمعية التأسيسية بوصفها تجسيدًا للديمقراطية البرجوازية التي عفا عليها الزمن، والقائمة على تمثيل شكلي تجاوزته الوقائع الطبقية الجديدة. إن افتراض إمكان التعايش بين هذين الشكلين يعني القبول بوجود سيادتين متنافستين داخل الدولة الواحدة، وهو ما يتناقض جوهريًا مع مفهوم الدولة نفسه لدى الماركسيين.
ومن هنا، لم يكن الصدام بين السوفييتات والجمعية التأسيسية مسألة خيار سياسي أو قرار إداري قابل للتعديل، بل نتيجة حتمية لتناقض موضوعي بين مصدرين مختلفين للشرعية: شرعية الطبقة العاملة (السوفييتات)، وشرعية البرجوازية (الجمعية التأسيسية).
الخلاصة: بعد أكتوبر لم يعد السؤال هو: كيف يمكن التوفيق بين هاتين السلطتين؟ بل: ما هو التكتيك الذي يجب اتباعه لحسم السلطة لصالح الشكل التاريخي الأرقى للدولة والديمقراطية، أي لصالح الديمقراطية العمالية والدولة العمالية التي كانت السوفييتات حجر الأساس فيها.
وآخر ما يمكن إضافته في هذا السياق هو أن الرفاق تابعوا شرح ما جرى لاحقًا من شيوعية الحرب، وسياسة النيب، والحرب الأهلية، وتراجع السوفييتات، وقدموا كل ما يمكن تقديمه من أسباب لانحطاط الدولة العمالية ثم انهيارها، باستثناء السبب الجوهري والأساسي الوحيد. ولم يكونوا قادرين على تقديمه لأنهم، منذ الصفحات الأولى، كانوا يسعون إلى إقناعنا بعدم صحته، ألا وهو: لا يمكن بناء الاشتراكية في بلد واحد.
وبهذا تكون وثيقة الرفاق قد رفعت القارئ إلى السماء ببراعة، ثم قامت برميه لينتهي به المطاف على الأرض جثةً هامدة.
لقاء البرجوازية مع الانتهازية في الحركة العمالية
من السهل جدًا أن يكون اسم الحزب «شيوعيًا»، لكن من الصعب جدًا أن يكون الحزب شيوعيًا بالفعل. فهذا يتطلب فهمًا نظريًا عميقًا يتيح للقيادة إدراك طبيعة المرحلة وامتلاك إجابات صحيحة عن الأسئلة المطروحة، وبالتالي عدم تقديم أي تنازلات للبرجوازية وأتباعها. بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ظنّت الرأسمالية أنها انتصرت، وذهب مفكروها الاستراتيجيون ينعون الشيوعية، معلنين عن عالم أبدي تحت سيطرة رأس المال.
هذا الهجوم على الشيوعية دفع الأحزاب الشيوعية التقليدية إلى رفع الراية البيضاء بدل الحمراء، وأصبح تقديم التنازل تلو الآخر سمةً لتلك المرحلة. ولم تكن وثيقة الحزب الشيوعي العراقي استثناءً من ذلك. فبعد أن فسّر الرفاق في وثيقتهم أسباب انهيار الدولة السوفييتية بطريقة لم تُفسّر في الواقع شيئًا، أصبح بإمكانهم الانطلاق، بكل ثقة بالنفس، إلى «نقد» التجربة. لكنهم، وهم في طريقهم إلى هذا النقد، أجهزوا على الماركسية نفسها، وقدموا لنا، وهم فخورون، نسخة مشوّهة منها تتناسب مع واقعهم.
في قسم «العناصر النظرية للمشروع الاشتراكي» من تلك الوثيقة، ذكر الرفاق ما يلي:
إلى حين انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المنظومة الاشتراكية، بقي الجزء الأعظم من الحركة الشيوعية معتمدًا، إلى حدّ كبير، في فهمه للمشروع الاشتراكي الماركسي بوصفه طورًا انتقاليًا من الرأسمالية إلى الشيوعية، على المبادئ التي صاغتها المرجعية الفكرية للحركة، والتي اعتُبرت قوانين عامة للبناء الاشتراكي تصلح لجميع الأحزاب ولكل البلدان. وتحدّد هذه القوانين شروط الانتقال إلى الاشتراكية باستيلاء الطبقة العاملة، منفردة أو بتحالف طبقي تحت قيادتها، على جهاز الدولة وإقامة سلطتها التي تمثل دكتاتورية البروليتاريا، ثم الشروع بالتحولات الضرورية للقضاء على العلاقات الرأسمالية وبناء الاشتراكية، انطلاقًا من تحقيق الملكية العامة لوسائل الإنتاج بإنشاء قطاع الدولة، وإحلال التخطيط المركزي محلّ آلية السوق كإطار منظِّم للحياة الاقتصادية. وكانت الأنظمة القائمة في الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية السابقة التجسيد الملموس لهذا المشروع
ويتابع الرفاق
ولم يعد من الواقعية، ولا من العلمية، غضّ النظر عن الشروخ التي أصابت البناء النظري لهذا المشروع إثر انهيار تجارب البناء الاشتراكي، وارتباطًا بالمتغيرات البنيوية الاجتماعية والاقتصادية التي استحدثتها التطورات العلمية والتكنولوجية العاصفة، وبروز الحركات الاجتماعية والجماعات المدنية والأهلية وتنامي دورها، إلى جانب الطبقة العاملة، في النضال ضد السياسات الليبرالية الجديدة والآثار المدمرة للعولمة الرأسمالية
من الطبيعي جدًا أن يقوم الماركسيون بمراجعة التجارب ومعالجة الشروخ، فالنظرية تظلّ رمادية إلى أن تُختبر في الممارسة. لكن ما ليس طبيعيًا هو القضاء على أسس النظرية بأكملها تحت ذريعة مراجعتها.
بالنسبة إلى الرفاق، كان لا بدّ من معالجة الشروخ في البناء الاشتراكي. لكن كيف عالجوها؟ لقد عالجوها عبر نسف البناء بأكمله من خلال دكّ أساساته. وبهذا لم يعد هناك شروخ في البناء، لأنه لم يعد هناك بناء أصلًا. ويمكن تشبيه ذلك بطبيب يعالج مريضًا للتخلّص من آلامه عبر قتله؛ فإذا مات المريض ماتت آلامه معه.إن محاولة نسف النظرية الماركسية بذريعة انهيار الاتحاد السوفييتي لا تمثّل نقدًا علميًا، بقدر ما تعكس خضوعًا مباشرًا للسردية البرجوازية التي ظنّت أنها انتصرت بعد عام 1991. إذ يجري تحميل الماركسية مسؤولية دولة لم تكن، في جوهرها، دولةً عمالية كما اشترطها ماركس وإنجلز صراحة منذ «البيان الشيوعي»، حين أكّدا أن تمركز وسائل الإنتاج في يد الدولة لا يكون اشتراكيًا إلا بقدر ما تكون هذه الدولة نفسها في يد البروليتاريا المنظمة بوصفها طبقةً سائدة. وهنا نقتبس:
فالبروليتاريا ستستخدم سلطتها السياسية لتنتزع من البرجوازية تدريجيًا رأس المال كله، ولتُمركز أدوات الإنتاج كلّها في أيدي الدولة، أي في أيدي البروليتاريا المنظَّمة في طبقة سائدة، ولتزيد حجم القوى المنتجة بأقصى سرعة ممكنة
لم يكن حديث ماركس وإنجلز مقتصرًا هنا على ضرورة امتلاك الدولة لوسائل الإنتاج، بل أثارا مسألةً حاسمة: بيد من ستكون الدولة؟ هذا الشرط جرى تفريغه تاريخيًا مع صعود الدولة البيروقراطية السوفييتية نتيجة فشل ثورات غرب أوروبا، الأمر الذي حوّل جهاز الحزب والدولة إلى قوة منفصلة عن الطبقة العاملة ومهيمنة عليها. إن صعود البيروقراطية، في جوهره، كان نتيجة فقدان العمال سلطتهم السياسية وسيطرتهم على دولتهم. ولم يكن ذلك ناتجًا عن خطأ في الفهم الماركسي للدولة، بل عن الظروف الموضوعية التي رافقت فشل الثورات في غرب أوروبا وما تلاها من عزلة للثورة البلشفية.
إن الخلط المتعمّد بين النظرية الماركسية والتشوّهات التاريخية التي حُكم باسمها لا يصدر عن قصور معرفي بريء، بل عن موقع طبقي محدد داخل الحركة العمالية نفسها، حيث يقوم تيار مهادن، متغلغل في صفوفها، بتوظيف انهيار تجربة بعينها لتصفية جوهر الماركسية الثورية، أي مسألة السلطة الطبقية وتحطيم الدولة البيروقراطية، واستبدالها بخطاب ليبرالي يبرر الارتداد عن الماركسية باسم «الواقعية» و«العلمية».
وبهذا المعنى، لا يكون هذا التيار ناقدًا للتجربة بقدر ما يكون امتدادًا أيديولوجيًا للبرجوازية داخل الحركة العمالية، يؤدي وظيفة تشويه الماركسية من الداخل، عبر تحويلها من نظرية ثورية للقطيعة مع الرأسمالية إلى مشروع إصلاح اجتماعي منضبط بقواعد النظام القائم.
الدولة ميدان للقمع الطبقي ……
يتابع الرفاق في وثيقتهم:
ثمة حاجة أكيدة إلى مراجعة الفهم الأحادي للدولة كجهاز وآلة للعنف بيد الطبقة المسيطرة، تأخذ بعين الاعتبار وظيفتها السياسية الشاملة التي تسعى إلى تحقيق ترابط مستويات التشكيل الاجتماعي وإعادة إنتاج الأوضاع القائمة لمصلحة الطبقة المسيطرة أو الائتلاف الطبقي الحاكم، وهي بذلك تلعب دور المنظِّم للهيمنة وتمتلك تماسكًا داخليًا خاصًا بها يمنحها استقلالًا نسبيًا عن البنى الاقتصادية والطبقات والفئات الاجتماعية المسيطرة. ويتيح هذا الاستقلال النسبي للدولة ضبط التناقضات الثانوية بين الفئات الطبقية المسيطرة. لكن دور الدولة يتنامى ويصبح مستقلًا عن الطبقات في الفترات التاريخية التي لا يسمح فيها ميزان القوى القائم لأي طبقة بأن تفرض سلطتها بصورة مستديمة
وعلى الرغم من أن الرفاق يقسمون، بين الفينة والأخرى، بلينين، فإنهم لم يكتفوا بتحريف أفكاره، بل تجاوزوا ذلك إلى تبنّي أفكار تحريفية تصدّى لها لينين نفسه منذ أكثر من قرن. ففي توضيح موقفهم من الدولة، أكد الرفاق أنه «ثمة حاجة أكيدة إلى مراجعة الفهم الأحادي للدولة كجهاز وآلة للعنف بيد الطبقة المسيطرة…». غير أن متابعة قراءة الفقرة كاملة تقودنا إلى نتيجة مفادها أن ما قام به الرفاق ليس مراجعة، بل إعادة تدوير لأطروحات المرتد كاوتسكي حول الدولة، وهي الأطروحات التي تصدّى لها لينين بكل صرامة في كتابه الدولة والثورة.
في الأقسام السابقة، كان علينا الدفاع عن وجهة نظر لينين من التحريف. أما الآن، وبما أن الرفاق تبنّوا علنًا موقفًا مناقضًا لموقف لينين من الدولة، فسيكون علينا أن نناقش كيف أثبت التاريخ صحة موقف إنجلز وماركس ولينين من الدولة.
في مسألة الدولة، لا تكون صحة موقف لينين مسألة رأي نظري أو وفاء لتراث فكري، بل مسألة اختبار تاريخي–مادي أكدت الوقائع صحته مرة بعد مرة. فكل تجربة حاولت تجاوز الرأسمالية من دون تحطيم جهاز الدولة القائم، أو عبر الاكتفاء بإصلاحه وتوسيع «ديمقراطيته»، انتهت إما إلى هزيمة مباشرة، أو إلى إعادة إنتاج سلطة الطبقات القديمة بأشكال جديدة.
كومونة باريس نفسها، التي جعلها ماركس النموذج الأول لدولة عمالية، سقطت لأنها لم تحطّم جهاز الدولة البرجوازية كاملًا، ولم تزحف إلى فرساي في اللحظة الحاسمة. وهو ما دفع لينين إلى استخلاص الدرس المركزي: الدولة القديمة لا يمكن استخدامها، بل يجب كسرها وبناء جهاز جديد من طراز مختلف.
وتقدّم تجربة ألمانيا 1918–1919 البرهان السلبي الأكثر فجاجة على صحة موقف لينين؛ إذ امتلك الحزب الاشتراكي الديمقراطي، ومن بعده الاشتراكي الديمقراطي المستقل، ثم الحزب الشيوعي الألماني، نفوذًا جماهيريًا هائلًا، لكنهم رفضوا تحطيم جهاز الدولة من جيش وبيروقراطية وقضاء قديم، فكانت النتيجة سحق المجالس العمالية، وقتل لوكسمبورغ وليبكنخت، وعودة الرأسمالية عام 1933 بأكثر أشكالها همجية، أي النازية.
وقد تكرّر هذا النمط في تشيلي عام 1973، حين حاول أليندي بناء «طريق اشتراكي ديمقراطي» من داخل الدولة البرجوازية، تمامًا كما يريد رفاقنا في الحزب الشيوعي العراقي، فاحتفظ بالجيش والقضاء والإدارة القديمة باسم الشرعية، فجاء الرد انقلابًا دمويًا أعاد البلاد عقودًا إلى الوراء.
وفي تونس، بعد ثورة عام 2011، ورغم سقوط نظام بن علي، بقيت مؤسسات الدولة القديمة — الجيش والشرطة والبيروقراطية — على حالها تقريبًا، ما أدى إلى استمرار هيمنة النخب الاقتصادية والسياسية القديمة على المجتمع، إلى جانب البرلمانية البرجوازية.
وفي مصر، بعد ثورة 2011، وصل الإسلاميون إلى السلطة، وهم بطبيعة الحال جزء من الطبقة البرجوازية، ولا يسعون أساسًا إلى تغيير واقع الهيمنة الطبقية، بل إلى إعادة توزيعها لمصلحة برجوازية إسلامية. ومع ذلك، حافظ الجيش والمؤسسات البيروقراطية القديمة على نفوذها، بل أعادت إنتاج السيطرة الاقتصادية والسياسية للنخب التي تمثلها.
وحدها ثورة 1917 نجحت، بالضبط لأنها فعلت ما لم تفعله كل الثورات المذكورة أعلاه. فهي لم تكتفِ بإزاحة حكومة برجوازية، بل حطّمت جهاز الدولة القيصرية وبنت سلطة السوفييتات، أي شكلًا جديدًا للسلطة يستند إلى تسليح الشعب، وانتخاب القضاة وعزلهم، وتقليص البيروقراطية. وهذا ما يفسر لماذا استطاعت وحدها الصمود في وجه الحرب الأهلية والتدخل الإمبريالي، بينما انهارت كل تجارب «الاشتراكية البرلمانية» في ألمانيا والنمسا والمجر وإيطاليا، رغم جماهيريتها وتنظيمها القوي.
يمكننا أن نقدّم أمثلة حتى يوم غد تؤكد صحة موقف لينين، ومن قبله إنجلز وماركس، القائل بأن الدولة البرجوازية أداة قمع طبقي ويجب تحطيمها بالعنف الثوري. وما نريده الآن من الرفاق في الحزب الشيوعي العراقي هو أن يقوموا هم أنفسهم بجولة في التاريخ، وأن يقدّموا لنا مثالًا واحدًا فقط لثورة استطاع فيها العمال والفلاحون الفقراء تحقيق مصالحهم الطبقية باستخدام الدولة البرجوازية.
……. وليس للصراع الطبقي
الآن ننتقل إلى مناقشة الجزء الأخطر في هذا الاقتباس، ألا وهو الطريقة التي عرض بها معدّو الوثيقة مفهومهم عن «الاستقلال النسبي للدولة» عن الطبقات. فقد اعتبر الرفاق أن الدولة، وبحكم كونها ليست أداةً للقمع الطبقي (أي أداة قمع بيد البرجوازية)، وإنما أداةً للتوفيق الطبقي (أي أداة توفّق بين البرجوازية والعمّال)، تكتسب في لحظة تاريخية معيّنة استقلالًا نسبيًا عن البنى الاقتصادية والطبقات والفئات الاجتماعية المسيطرة. ولإنجاز نقد متكامل، نعرض فيما يلي بقية الفقرة الواردة في وثيقة الرفاق:
ويحتمل شكل الدولة تغيّرات هي من نتاج وأثر الصراع الطبقي السياسي، وقد أفلحت النضالات السياسية والطبقية للطبقة العاملة وجماهير الشغيلة والفئات التقدمية في البلدان الرأسمالية في انتزاع مكاسب واسعة على صعيد الحريات والديمقراطية وتكريسها حقوقيًا ودستوريًا. وتُعدّ هذه المكتسبات تقدّمًا هائلًا من وجهة نظر النضال ضد الرأسمالية، تتيح إمكانيات جديدة لتطويره. غير أن ممارسة الحقوق الديمقراطية تبقى مقيَّدة بالامتيازات والمصالح الطبقية لرأس المال. وفي الظروف القائمة، لا يطرح المشروع الاشتراكي التفريط بهذه الحريات والحقوق وفق مفهوم “تحطيم” جهاز الدولة البرجوازي، وإنما يهدف، بالنضال الذي يستحثّه، إلى تطويرها وإغناء مضامينها بتحريرها من قيود المنطق الرأسمالي ومصالح وامتيازات الطبقات المسيطرة. ويمكن، على المدى البعيد، أن يتلازم اضمحلال دور الدولة مع التسيير الذاتي للمجتمع
مرة أخرى، يقوم معدّو الوثيقة بربط مفاهيم ماركسية ببعضها بصورة قسرية، لينتهوا في النهاية إلى بناء حبلٍ ينقطع عند أول حمولة، مهما كانت خفيفة. ففي المرة الأولى، وضعوا مفهوم «الاشتراكية في بلد واحد» إلى جانب مفهوم «الثورة الدائمة» عند ماركس. وها هم الآن يضعون قدرة العمّال، في فترة تاريخية معيّنة، على انتزاع مكاسب ديمقراطية، في السياق نفسه إلى جانب فكرة «استقلالية الدولة» عن الطبقات.
يعتبر الرفاق أن قدرة العمّال في الغرب على تحقيق مكاسب كبيرة هي شكل من أشكال الاستقلالية النسبية للدولة، يمكن للعمّال استغلالها وتوسيعها للوصول إلى الاشتراكية. وهنا سنناقش المسألة على مستويين أساسيين:
أولًا: ما هي طبيعة الاستقلال النسبي للدولة في النظرية الماركسية؟
وثانيًا: ما هي طبيعة المكاسب التي استطاع العمّال تحقيقها في الغرب، ولماذا لا يمكن اعتبارها تعبيرًا عن استقلالٍ نسبي للدولة؟
استقلالية الدولة
إن الحديث الماركسي عن استقلال الدولة لا يتعلّق إطلاقًا بمسألة توسيع الديمقراطية البرجوازية أو تحصيل المكاسب داخل النظام الرأسمالي، بل يندرج ضمن إطار أشكال الدولة الاستثنائية التي تظهر في لحظات أزمة الهيمنة الطبقية، وفي مقدّمتها البونابرتية. ففي هذه اللحظات، حين تعجز الطبقات المتصارعة عن ممارسة الحكم المباشر، قد «تبدو» الدولة وكأنها تقف فوق المجتمع. وقد شرح ماركس هذه الظاهرة في الثامن عشر من بروميير حين بيّن أن هذا الارتفاع الظاهري للدولة لا يعني تحرّرها من الطابع الطبقي، بل إعادة تنظيم الهيمنة البرجوازية بأشكال ملتوية ومؤقتة. وهذا الاستقلال ليس إلا استقلالًا سياسيًا عابرًا، لا انفصالًا عن الأساس المادي للمجتمع.
لكن حتى في أقصى أشكال هذا الاستقلال عن الطبقات، لم يقل ماركس ولا إنجلز ولا لينين يومًا إن ذلك يعني استطاعة الدولة أن تستقل عن علاقات الإنتاج أو عن ملكية وسائل الإنتاج. على العكس، حدّد ماركس جوهر الدولة الحديثة حين كتب أنها ليست سوى «لجنة تدير الشؤون المشتركة للبرجوازية بأسرها». وحسم لينين المسألة نهائيًا في الدولة والثورة حين أكّد أن الدولة «جهاز خاص للقسر، جهاز لقمع طبقة من قبل طبقة أخرى»، وأن كل حديث عن دولة توفّق بين الطبقات ليس سوى تشويه فظيع للماركسية. فأي استقلال سياسي مؤقت، مع بقاء الملكية بيد الرأسماليين، لا يُلغي الطبيعة الطبقية للدولة ولا يحوّلها إلى أداة بيد العمّال.
ويظهر الاستقلال النسبي للدولة كلما دخلت الهيمنة الطبقية في أزمة حادّة، سواء في لحظات التوازن المؤقت بين الطبقات كما في البونابرتية، أو في لحظات الهجوم المضاد العنيف للبرجوازية كما في الفاشية. ففي الحالة الأولى، تناور الدولة بين القوى المتصارعة وتبدو وكأنها تقف فوق الجميع. أمّا في الحالة الثانية، حين تواجه البرجوازية خطرًا ثوريًا يهدد وجودها ذاته، فإنها تلجأ إلى دولة استثنائية تتخذ شكلًا فاشيًا، فتبدو هذه الدولة وكأنها تستقل حتى عن بعض فئات الطبقة السائدة، لا لتحرّر نفسها من الطابع الطبقي، بل لإعادة تنظيمه بأقصى درجات العنف.
ويقدّم المثال الألماني البرهان الأوضح على ذلك. فبعد فشل المدّ الثوري بين عامي 1918 و1923، وبقاء السلطة بعيدة عن يد البروليتاريا بسبب خيانات الأحزاب العمالية، دخل النظام الرأسمالي الألماني أزمة خانقة مع انهيار عام 1929، ما أضعف قدرة البرلمان على الحكم وأدّى إلى فراغ سياسي حاد. وفي هذه الظروف، ظهرت الفاشية كقوة استغلت الدولة القائمة والجيش والبيروقراطية لتعزيز سيطرتها وحماية مصالح رأس المال الكبير. ولم يكن هذا «تسليمًا» للسلطة بقدر ما كان انعكاسًا لأزمة الهيمنة الطبقية. وعلى الرغم من قيام هتلر بقمع بعض فصائل الرأسمالية الألمانية ومصادرة ممتلكات بعضها الآخر، فإن الدولة بقيت في الجوهر أداةً لحراسة الملكية الرأسمالية، وبقيت وسائل الإنتاج في أيدي الاحتكارات الكبرى.
وهنا يكمن جوهر التحريف الإصلاحي: الخلط المتعمّد بين الاستقلال النسبي عن الطبقات بوصفه ظاهرة سياسية مؤقتة، وبين الاستقلال عن علاقات الإنتاج بوصفه استحالة مادية. ولذلك، فإن الدولة، مهما لبست من أقنعة ديمقراطية أو بونابرتية أو فاشية، ستبقى، ما دامت تحمي الملكية الخاصة، دولةً في خدمة البرجوازية في جوهرها. ومن يتحدّث عن دولة يمكن «إصلاحها» تدريجيًا حتى تصبح أداة تحرّر للعمّال بينما تبقى وسائل الإنتاج بيد الرأسماليين، لا يطوّر الماركسية بل يهجرها، ويعيد إنتاج الوهم الكاوتسكي الذي أعلن لينين إفلاسه منذ أكثر من قرن.