ليون تروتسكي
(آب/ أغسطس 1937)
نُشر لأول مرة: سوشياليست أبيل، المجلد 1، العدد 7، 25 سبتمبر 1937، ص. 4–5، والعدد 8، 2 أكتوبر 1937، ص. 4–5.
النسخة الإلكترونية: أُعيد نشرها في مجلة ليفينغ ماركسزم (العدد 18، أبريل 1990).
نُسخت للإنترنت بواسطة مايك غريفين لأرشيف تروتسكي على الإنترنت، وهو الآن جزء من أرشيف الماركسيين على الإنترنت.
سوشياليست أبيل، المجلد 1، العدد 7، 25 سبتمبر 1937
ترجمه من الانكليزية هيئة تحرير إيسكرا
إن العصور الرجعية، مثل عصرنا، لا تقتصر على تفكيك الطبقة العاملة وإضعافها وعزل طليعتها، بل تُخفض أيضاً المستوى الإيديولوجي العام للحركة وتعيد التفكير السياسي إلى مراحل تم تجاوزها منذ زمن طويل. في مثل هذه الظروف، تتمثل مهمة الطليعة، قبل كل شيء، في ألا تدع نفسها تُجرف مع التيار الرجعي: بل يجب عليها أن تسبح عكس التيار. وإذا حالت موازين القوى غير المواتية دون احتفاظها بالمواقع السياسية التي حققتها، فعليها على الأقل أن تحتفظ بمواقعها الإيديولوجية، لأن فيها يتجسد الثمن الباهظ الذي دُفع من أجل خبرة الماضي. سيعتبر الحمقى هذه السياسة «عصبوية». لكنها في الواقع الوسيلة الوحيدة للاستعداد لاندفاعة هائلة جديدة إلى الأمام مع المدّ التاريخي القادم.
الردة ضد الماركسية والبلشفية
إن الهزائم السياسية الكبرى تثير إعادة تقييم للقيم، ويحدث ذلك عموماً في اتجاهين. فمن جهة، تدافع الطليعة الحقيقية، وقد أغنتها تجربة الهزيمة، عن تراث الفكر الثوري دفاعاً مستميتاً، وعلى هذا الأساس تسعى إلى تثقيف كوادر جديدة للنضال الجماهيري القادم. ومن جهة أخرى، يبذل الروتينيون والوسطيون والهواة، وقد أفزعتهم الهزيمة، قصارى جهدهم لتحطيم سلطة التقليد الثوري والعودة إلى الوراء بحثاً عن «عالم جديد».
يمكن الإشارة إلى عدد كبير من أمثلة الردة الإيديولوجية، التي تأخذ في الغالب شكل الانبطاح. فكل أدبيات الأمميتين الثانية والثالثة، وكذلك أدبيات توابعها في مكتب لندن، تتكوّن أساساً من مثل هذه الأمثلة. لا أثر لتحليل ماركسي. ولا محاولة جدية واحدة لشرح أسباب الهزيمة. أما عن المستقبل، فلا كلمة جديدة واحدة. لا شيء سوى كليشيهات، وامتثال، وأكاذيب، وقبل كل شيء حرص على الحفاظ على بقائهم البيروقراطي. يكفي أن يشمّ المرء عشر كلمات من أي هيلفردينغ أو أوتو باور1 ليُدرك هذا العفن. أما منظّرو الكومنترن فلا يستحقون حتى الذكر. فديميتروف2 الشهير جاهل وسطحي كصاحب متجر فوق قدح من الجعة. إن عقول هؤلاء كسولة إلى حدّ أنها لا تستطيع التخلي عن الماركسية: إنهم يدنّسونها. لكنهم ليسوا موضع اهتمامنا الآن. فلنتجه إلى «المبتكرين».
لقد خصّص الشيوعي النمساوي السابق، ويلي شلام، كتيّباً صغيراً لمحاكمات موسكو، حمل عنوانًا دالاً: «ديكتاتورية الكذب». وشلام صحفي موهوب ينشغل أساساً بالشؤون الراهنة. وقد كان نقده لتلك المحاكمات الملفّقة، وكشفه للآلية النفسية لما سُمّي «الاعترافات الطوعية»، في غاية الدقة والجودة. غير أنه لا يكتفي بهذا الدور النقدي؛ بل يسعى إلى صياغة نظرية جديدة للاشتراكية، يطمح من خلالها إلى تحصينها مستقبلاً من الهزائم والمحاكمات الملفّقة.
لكن بما أن شلام ليس منظّراً بالمعنى الدقيق، ويبدو محدود الاطلاع على تاريخ تطور الفكر الاشتراكي، فإنه ينتهي إلى العودة الكاملة إلى الاشتراكية ما قبل الماركسية، ولا سيما إلى صيغتها الألمانية، أي إلى أكثر أشكالها تخلفاً ونزوعاً إلى العاطفية والتبسيط. فهو يهاجم الديالكتيك والصراع الطبقي، فضلاً عن دكتاتورية البروليتاريا، ويختزل مسألة تحويل المجتمع في تحقيق «حقائق» أخلاقية «أبدية»، يسعى إلى بثّها في البشرية حتى ضمن شروط النظام الرأسمالي نفسه.إن محاولة شلام «إنقاذ» الاشتراكية عبر إدخال عنصر أخلاقي مجرد تُستقبل بحماسة في مجلة ألكسندر كيرينسكي3 «نوفايا روسيا» (وهي مجلة روسية إقليمية قديمة تصدر في باريس). وكما يشير محرروها بحق، فإن شلام يصل بذلك إلى ما يعتبرونه مبادئ الاشتراكية الروسية «الحقيقية»، التي عارضت منذ زمن بعيد الوصايا الدينية للإيمان والرجاء والمحبة بصرامة الصراع الطبقي وقسوته.
إن «العقيدة» «الجديدة» للاشتراكيين الثوريين الروس لا تمثل، في مقدماتها «النظرية»، سوى عودة إلى ألمانيا ما قبل آذار/مارس 1848. ومع ذلك، سيكون من غير العدل أن نطلب من كيرينسكي معرفة أعمق بتاريخ الأفكار مما لدى شلام. والأهم من ذلك بكثير أن كيرينسكي، المتضامن اليوم مع شلام، كان، حين ترأس الحكومة، المبادر إلى اضطهاد البلشفية بوصفها إن محاولة شلام «إنقاذ» الاشتراكية عبر إدخال عنصر أخلاقي مجرد تُستقبل بحماسة في مجلة ألكسندر كيرينسكي «نوفايا روسيا» (وهي مجلة روسية إقليمية قديمة تصدر في باريس).
وكما يشير محرروها بحق، فإن شلام يصل بذلك إلى ما يعتبرونه مبادئ الاشتراكية الروسية «الحقيقية»، التي عارضت منذ زمن بعيد الوصايا الدينية للإيمان والرجاء والمحبة بصرامة الصراع الطبقي وقسوته. إن «العقيدة» «الجديدة» للاشتراكيين الثوريين الروس لا تمثل، في مقدماتها «النظرية»، سوى عودة إلى ألمانيا ما قبل آذار/مارس 1848. ومع ذلك، سيكون من غير العدل أن نطلب من كيرينسكي معرفة أعمق بتاريخ الأفكار مما لدى شلام. والأهم من ذلك بكثير أن كيرينسكي، المتضامن اليوم مع شلام، كان، حين ترأس الحكومة، المبادر إلى اضطهاد البلشفية بوصفها عميلة لهيئة الأركان العامة الألمانية؛ أي إنه نظم، بذلك، نفس المحاكمات الملفقة التي يعبئ شلام اليوم ضدها منطلقاته الميتافيزيقية البالية.
إن الآلية النفسية للردة الإيديولوجية لدى شلام وأمثاله ليست معقدة على الإطلاق. فقد شارك هؤلاء، لبعض الوقت، في حركة سياسية أقسمت بالصراع الطبقي، وبدت، قولا إن لم يكن فكرا، ملتزمة بالمادية الجدلية. وفي كل من النمسا وألمانيا انتهى الأمر إلى كارثة. ويستخلص شلام النتيجة الشاملة: هذا هو نتاج الديالكتيك والصراع الطبقي! وبما أن اختيار «الإلهامات» محدود بالتجربة التاريخية و… بالمعرفة الشخصية، فإن مُصلحنا، في بحثه عن الكلمة، يقع على حزمة من الخرق القديمة، يضعها بشجاعة في مواجهة ليس البلشفية فحسب، بل الماركسية أيضاً.
وللوهلة الأولى، قد تبدو صيغة شلام من الردة الإيديولوجية بدائية أكثر مما ينبغي (من ماركس… إلى كيرينسكي!) بحيث لا تستحق التوقف عندها. لكنها، في الواقع، شديدة الدلالة: ففي بدائيتها بالذات تمثل القاسم المشترك لجميع أشكال الردة الأخرى، ولا سيما تلك التي تتجلى في الهجوم الشامل على البلشفية.
«العودة إلى الماركسية»؟
لقد وجدت الماركسية أرفع تعبيرها التاريخي في البلشفية. وتحت راية البلشفية تحقّق أول انتصار للبروليتاريا، وقامت أول دولة عمالية. ولا توجد اليوم قوة تستطيع أن تمحو هاتين الحقيقتين من التاريخ. لكن بما أن ثورة أكتوبر قد أفضت إلى المرحلة الراهنة، مرحلة انتصار البيروقراطية، بما تنطوي عليه من نظام قمع ونهب وتزوير — أي «ديكتاتورية الكذب»، على حدّ التعبير السعيد لشلام — فإن كثيراً من العقول الشكلية والسطحية تقفز إلى خلاصة متعجلة مفادها: لا يمكن النضال ضد الستالينية من دون التخلي عن البلشفية.
وشلام، كما نعلم بالفعل، يذهب أبعد من ذلك: فالبلشفية، التي انحدرت إلى الستالينية، قد انبثقت هي نفسها من الماركسية؛ وبالتالي لا يمكن محاربة الستالينية مع البقاء على أرضية الماركسية. وهناك آخرون، أقل اتساقاً ولكنهم أكثر عدداً، يقولون على العكس: «يجب أن نعيد البلشفية إلى الماركسية». ولكن كيف؟ وإلى أي ماركسية؟ فقبل أن «تفلس» الماركسية في صورة البلشفية، كانت قد انهارت بالفعل في صورة الاشتراكية الديمقراطية. فهل يعني شعار «العودة إلى الماركسية» قفزة فوق مرحلتي الأمميتين الثانية والثالثة… إلى الأممية الأولى؟ لكنها هي أيضاً انهارت في زمانها. وهكذا يصبح الأمر، في آخر المطاف، مسألة عودة إلى الأعمال الكاملة لماركس وإنجلز. ومن الممكن إنجاز هذه القفزة التاريخية من غير مغادرة غرفة الدراسة، بل وحتى من غير خلع النعلين. لكن كيف سننتقل من كلاسيكيينا — وقد مات ماركس سنة 1883، وإنجلز سنة 1895 — إلى مهام عصر جديد، مع حذف عدة عقود من الصراعات النظرية والسياسية، ومن بينها البلشفية وثورة أكتوبر؟
ولم يبيّن أيٌّ من أولئك الذين يقترحون التخلي عن البلشفية بوصفها نزعة مفلسة تاريخياً، طريقاً آخر. وهكذا يُختزل الأمر إلى نصيحة بسيطة: ادرسوا رأس المال. ولا يسعنا بالكاد أن نعترض على ذلك. لكن البلاشفة أيضاً درسوا رأس المال، ولم يفعلوا ذلك بصورة سيئة. غير أن هذا لم يمنع انحطاط الدولة السوفيتية وإخراج محاكمات موسكو على المسرح. فما العمل إذن؟
هل البلشفية مسؤولة عن الستالينية؟
هل صحيح أن الستالينية تمثل النتاج الشرعي للبلشفية، كما يزعم جميع الرجعيين، وكما يعترف ستالين نفسه، وكما يعتقد المناشفة والفوضويون وبعض العقائديين اليساريين الذين يرون أنفسهم ماركسيين؟ يقول هؤلاء: «لقد تنبأنا بهذا دائماً. فبعد أن بدأت ثورة أكتوبر بحظر الأحزاب الاشتراكية الأخرى، وقمع الفوضويين، وإقامة دكتاتورية البلاشفة داخل السوفييتات، لم يكن بوسعها إلا أن تنتهي إلى دكتاتورية البيروقراطية. إن ستالين هو استمرار اللينينية، وهو أيضاً إفلاسها».
إن موضع الخلل في هذا الاستدلال يبدأ من المطابقة الضمنية بين البلشفية وثورة أكتوبر والاتحاد السوفيتي. فالمسار التاريخي لصراع القوى المتعادية يُستبدل بصورة تطور البلشفية في فراغ. غير أن البلشفية ليست سوى نزعة سياسية ملتحمة التحاماً وثيقاً بالطبقة العاملة، لكنها ليست مطابقة لها. وإلى جانب الطبقة العاملة، كان يوجد في الاتحاد السوفيتي مئة مليون من الفلاحين، وقوميات متعددة، وإرث من الاضطهاد والبؤس والجهل. والدولة التي بناها البلاشفة لا تعكس فكر البلشفية وإرادتها فحسب، بل تعكس أيضاً المستوى الثقافي للبلاد، والتركيب الاجتماعي للسكان، وضغط ماضٍ بربري، وضغط الإمبريالية العالمية التي لا تقل بربرية. إن تصوير مسار انحطاط الدولة السوفيتية بوصفه تطوراً للبلشفية الخالصة إنما يعني تجاهل الواقع الاجتماعي باسم عنصر واحد من عناصره، جرى عزله بواسطة المنطق الصوري. ويكفي أن نسمّي هذا الخطأ الأولي باسمه الحقيقي لكي نتخلص من كل أثر له.
فالبلشفية، على أي حال، لم تُماه نفسها قط لا مع ثورة أكتوبر ولا مع الدولة السوفيتية التي انبثقت عنها. لقد نظرت البلشفية إلى نفسها بوصفها أحد عوامل التاريخ، عاملَه «الواعي» — وهو عامل بالغ الأهمية، لكنه ليس العامل الحاسم. ولم نقع قط في خطيئة الذاتية التاريخية. لقد كنا نرى العامل الحاسم — على قاعدة قوى الإنتاج القائمة — في الصراع الطبقي، لا على الصعيد الوطني وحده، بل على الصعيد الأممي أيضاً.
وحين قدّم البلاشفة تنازلات للنزعة الفلاحية وللملكية الخاصة، ووضعوا قواعد صارمة للعضوية في الحزب، وطهّروا الحزب من العناصر الدخيلة، وحظروا الأحزاب الأخرى، وأدخلوا السياسة الاقتصادية الجديدة، ومنحوا بعض المؤسسات بوصفها امتيازات، أو عقدوا اتفاقات دبلوماسية مع حكومات إمبريالية، فإنهم كانوا يستخلصون نتائج جزئية من الحقيقة الأساسية التي كانت واضحة لهم نظرياً منذ البداية؛ وهي أن الاستيلاء على السلطة، مهما تكن أهميته في ذاته، لا يحوّل الحزب بأي حال إلى سيّد مطلق للمسار التاريخي. فبعد أن يتولى الحزب جهاز الدولة، يصبح قادراً، دون شك، على التأثير في تطور المجتمع بقوة لم تكن متاحة له من قبل؛ لكنه، في المقابل، يخضع هو نفسه لتأثير أعظم بعشرة أضعاف من جانب سائر عناصر المجتمع. ويمكن أن يُطاح به من السلطة بفعل الهجوم المباشر للقوى المعادية. كما يمكن له، مع إيقاع تطور أكثر امتداداً، أن ينحط داخلياً مع احتفاظه بالسلطة. وهذه هي بالضبط جدلية المسار التاريخي التي لا يفهمها أولئك المنطقيون الطائفيون الذين يحاولون أن يجدوا، في تحلل البيروقراطية الستالينية، حجة ساحقة ضد البلشفية.
وفي الجوهر، يقول هؤلاء السادة: إن الحزب الثوري الذي لا يحتوي في ذاته على ضمانة ضد انحطاطه الذاتي هو حزب سيئ. ووفقاً لمثل هذا المعيار، تُدان البلشفية بطبيعة الحال: فهي لا تملك أي تعويذة. لكن المعيار نفسه خاطئ. فالتفكير العلمي يقتضي تحليلاً ملموساً: كيف ولماذا انحط الحزب؟ ولم يقدّم أحد، حتى الآن، مثل هذا التحليل سوى البلاشفة أنفسهم. ولم يكونوا بحاجة، لكي يفعلوا ذلك، إلى القطيعة مع البلشفية. بل على العكس، وجدوا في ترسانتها كل ما يلزم لتفسير مصيرها. وكان هذا هو استنتاجهم: نعم، لقد «نبتت» الستالينية من البلشفية، لكن ليس منطقياً، بل جدلياً؛ لا بوصفها تأكيداً ثورياً، بل بوصفها نفياً ترميدورياً. وهذا ليس الشيء نفسه على الإطلاق.
التوقع الأساسي للبلشفية
غير أن البلاشفة لم يكونوا بحاجة إلى انتظار محاكمات موسكو لكي يفسروا أسباب تفكك الحزب الحاكم في الاتحاد السوفيتي. فمنذ وقت بعيد كانوا قد توقعوا هذا التطور وتحدثوا عن إمكانه النظري. فلنتذكر توقع البلاشفة، لا عشية ثورة أكتوبر فحسب، بل قبلها بسنوات. إن التوازن المحدد للقوى، على الصعيدين الوطني والأممي، قد يتيح للبروليتاريا أن تستولي على السلطة أولا في بلد متخلف مثل روسيا. غير أن هذا التوازن نفسه يبرهن مسبقاً على أن حكومة العمال في روسيا لن تصمد من دون انتصار سريع إلى حد ما للبروليتاريا في البلدان المتقدمة. فإذا ترك النظام السوفيتي لمصيره، فإنه لا بد إما أن يسقط أو أن ينحط. والأدق أنه سينحط أولا ثم يسقط. وقد كتبت أنا نفسي عن هذا أكثر من مرة، ابتداءً من عام 1905. وفي كتابي تاريخ الثورة الروسية (راجع ملحق المجلد الأخير: الاشتراكية في بلد واحد) جمعت جميع التصريحات التي أدلى بها قادة البلاشفة بشأن هذه المسألة من عام 1917 حتى 1923. وكلها تصب في الخلاصة التالية: من دون ثورة في الغرب، ستصفّى البلشفية إما بثورة مضادة داخلية، أو بتدخل خارجي، أو بمزيج من الاثنين. وقد شدد لينين مراراً على أن بقرطة النظام السوفيتي لم تكن مسألة تقنية، بل كانت البداية المحتملة لانحطاط دولة العمال.
في المؤتمر الحادي عشر للحزب، في آذار /مارس 1922، تحدث لينين عن الدعم الذي قدمه لروسيا السوفيتية، في زمن السياسة الاقتصادية الجديدة، بعض السياسيين البرجوازيين، وبخاصة الأستاذ الليبرالي أوستريالوف4. قال أوستريالوف: «أنا مع دعم السلطة السوفيتية في روسيا»، رغم أنه كان كاديتياً، برجوازياً، ومؤيداً للتدخل، «لأنها سلكت الطريق الذي سيقودها عائدة إلى دولة برجوازية عادية». وقد فضل لينين صوت العدو الصريح والساخر على «الهراء الشيوعي المعسول». وحذر الحزب بصرامة ووضوح من الخطر قائلاً: «يجب أن نقول بصراحة إن الأمور التي يتحدث عنها أوستريالوف ممكنة. فالتاريخ يعرف شتى أنواع التحولات. والاعتماد على رسوخ القناعات، والإخلاص، وغير ذلك من الصفات الأخلاقية الرائعة، ليس موقفاً جاداً في السياسة إطلاقاً. قد يتحلى عدد قليل من الناس بصفات أخلاقية رائعة، لكن القضايا التاريخية تحسمها الجماهير الواسعة، وهذه الجماهير قد تعامل أولئك القلة، إذا لم يعودوا مناسبين لها، بقدر غير يسير من القسوة. وباختصار، فالحزب ليس العامل الوحيد في التطور، وعلى المقياس التاريخي الأوسع ليس هو العامل الحاسم.
وقال لينين في المؤتمر نفسه، وهو آخر مؤتمر شارك فيه: «أمة تقهر أمة أخرى؛ هذا أمر بسيط ومفهوم للجميع. لكن ماذا يحدث لثقافة هذه الأمم؟ هنا تصبح الأمور أقل بساطة. فإذا كانت الأمة الغازية أكثر ثقافة من الأمة المغلوبة، فإن الأولى تفرض ثقافتها على الثانية، أما إذا كانت الحال بالعكس، فإن الأمة المغلوبة تفرض ثقافتها على الأمة الغالبة. ألم يحدث شيء شبيه بهذا في عاصمة الجمهورية الروسية السوفيتية الاتحادية الاشتراكية؟ ألم يقع 4700 شيوعي، وهم يقاربون فرقة عسكرية كاملة، وجميعهم من خيرة العناصر، تحت تأثير ثقافة غريبة؟». قيل هذا في عام 1922، ولم يكن ذلك للمرة الأولى. فالتاريخ لا يصنعه بضعة أشخاص، حتى وإن كانوا «الأفضل»؛ بل إن هؤلاء «الأفضل» أنفسهم قد ينحطون بروح ثقافة غريبة، أي ثقافة برجوازية. وليس من الممكن فقط أن تنحرف الدولة السوفيتية عن طريق الاشتراكية، بل يمكن كذلك للحزب البلشفي، في ظل شروط تاريخية غير مواتية، أن يفقد بلشفيته.
ومن الفهم الواضح لهذا الخطر نشأت المعارضة اليسارية، التي تبلورت نهائيا عام 1923. وقد راحت تسجل يوماً بعد يوم أعراض الانحطاط، وتحاول أن تواجه الترميدور المتصاعد بالإرادة الواعية لطليعة البروليتاريا. غير أن هذا العامل الذاتي تبين أنه غير كاف. فـ«الجماهير الهائلة» التي تحسم نتيجة الصراع، بحسب لينين، سئمت الحرمان الداخلي وطول انتظار الثورة العالمية. وهبطت معنويات الجماهير. وانتصرت البيروقراطية التي أخضعت الطليعة الثورية، وسحقت الماركسية، ودنست الحزب البلشفي. وهكذا انتصرت الستالينية. وفي صورة المعارضة اليسارية، قطعت البلشفية صلتها بالبيروقراطية السوفيتية وبكومنترنها. ذلك هو المسار الحقيقي للتطور.
ولا شك أن الستالينية، من الناحية الشكلية، قد خرجت من البلشفية. وحتى اليوم ما زالت بيروقراطية موسكو تطلق على نفسها اسم الحزب البلشفي. وهي لا تفعل ذلك إلا لتستخدم الشعار القديم للبلشفية على نحو أفضل في خداع الجماهير. ومن ثم فإن أولئك المنظرين الذين يأخذون القشرة على أنها اللب، والمظهر على أنه الحقيقة، يبدون مثيرين للشفقة أكثر من أي وقت آخر. فحين يساوون بين البلشفية والستالينية، فإنهم يقدمون أفضل خدمة ممكنة للترميدوريين، وبذلك يؤدون دوراً رجعياً واضحاً.
ونظرا إلى إقصاء جميع الأحزاب الأخرى من الحقل السياسي، كان لا بد للمصالح والاتجاهات المتعارضة لدى مختلف شرائح السكان أن تجد تعبيرها، بدرجة أو بأخرى، داخل الحزب الحاكم. وبقدر ما انتقل مركز الثقل السياسي من طليعة البروليتاريا إلى البيروقراطية، تغير الحزب أيضاً في بنيته الاجتماعية وفي إيديولوجيته. وبفعل المسار العاصف للتطور، تعرض خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة لانحطاط أشد جذرية بكثير مما أصاب الاشتراكية الديمقراطية خلال نصف قرن. أما حملة التطهير الراهنة، فهي لا ترسم بين البلشفية والستالينية مجرد خط دموي، بل نهراً كاملاً من الدم. إن إبادة الجيل القديم كله من البلاشفة، وجزء مهم من الجيل الأوسط الذي شارك في الحرب الأهلية، وذلك القسم من الشباب الذي أخذ تقاليد البلشفية على محمل الجد أكثر من غيره، تظهر ليس فقط عدم التوافق السياسي بين البلشفية والستالينية، بل عدم توافقهما الجسدي التام أيضاً. فكيف يمكن ألا يرى ذلك؟
الستالينية و«اشتراكية الدولة»
يحاول الفوضويون، من جهتهم، أن يروا في الستالينية نتاجاً عضوياً، لا للبلشفية والماركسية فحسب، بل لـ«اشتراكية الدولة» عموماً. وهم مستعدون لاستبدال «اتحاد الكومونات الحرة» الأبوي عند باكونين باتحاد حديث من السوفييتات الحرة. لكنهم، كما في السابق، يعارضون السلطة المركزية للدولة. والواقع أن أحد فروع الماركسية «الدولتية»، أي الاشتراكية الديمقراطية، قد تحول، بعد وصوله إلى السلطة، إلى وكيل مباشر للرأسمالية. أما الفرع الآخر فقد أنجب طبقة متميزة جديدة. ويبدو، تبعاً لذلك، أن مصدر الشر يكمن في الدولة.
ومن منظور تاريخي واسع، يحتوي هذا الاستدلال على قدر من الحقيقة. فالدولة، بوصفها جهازا للإكراه، هي بلا شك مصدر للتلوث السياسي والأخلاقي. وهذا ينطبق أيضاً، كما أثبتت التجربة، على دولة العمال. وبالتالي يمكن القول إن الستالينية هي نتاج لمرحلة من تطور المجتمع لم يكن فيها هذا المجتمع قادرا بعد على تمزيق القيد الذي تفرضه عليه الدولة. غير أن هذا التفسير، الذي لا يضيف شيئاً إلى تقييم البلشفية والماركسية، إنما يعبّر فقط عن المستوى العام لتطور البشرية، وقبل كل شيء عن ميزان القوى بين البروليتاريا والبرجوازية. وبعد أن نتفق مع الفوضويين على أن الدولة، حتى دولة العمال، هي وليدة الهمجية الطبقية، وأن التاريخ الإنساني الحقيقي لن يبدأ إلا مع زوال الدولة، يبقى أمامنا السؤال بكل حدته: ما هي الطرق والوسائل التي تقود فعلا إلى إلغاء الدولة؟ إن التجربة الحديثة تشهد على أن هذه الوسائل ليست، على أي حال، هي وسائل الفوضوية.
لقد أصبح قادة اتحاد العمال الإسباني (CNT)، وهو أهم تنظيم فوضوي في العالم، في اللحظة الحاسمة وزراء برجوازيين. وقد برروا خيانتهم العلنية لنظرية الفوضوية بضغط «الظروف الاستثنائية». لكن ألم يستخدم قادة الاشتراكية الديمقراطية الألمانية، في وقتهم، الذريعة نفسها؟ إن الحرب الأهلية، بطبيعتها، ليست ظرفاً عادياً أو سلمياً، بل هي «ظرف استثنائي». ومع ذلك فإن كل منظمة ثورية جدية تستعد تحديداً لمثل هذه «الظروف الاستثنائية». وقد أظهرت تجربة إسبانيا مرة أخرى أن الدولة يمكن «إنكارها» في الكتيبات التي تُنشر في «الظروف العادية» بإذن من الدولة البرجوازية، لكن ظروف الثورة لا تترك أي مجال لإنكار الدولة، بل تفرض، على العكس، الاستيلاء عليها.
وليس لدينا أدنى نية للوم الفوضويين لأنهم لم يلغوا الدولة بضربة قلم. فالحزب الثوري، حتى لو استولى على السلطة (وهو ما لم يتمكن قادة الفوضويين من تحقيقه رغم بطولة العمال الفوضويين)، لا يصبح مع ذلك السيد المطلق للمجتمع. لكننا ننتقد، وبشدة أكبر، النظرية الفوضوية نفسها، التي بدت ملائمة تماماً في أزمنة السلم، لكنها اضطرت إلى التخلي عن نفسها بسرعة ما إن بدأت «الظروف الاستثنائية» للثورة. ففي الماضي كان هناك بعض الجنرالات — وربما لا يزالون — يرون أن أكثر ما يضر الجيش هو الحرب. ولا يقل عنهم سوءا أولئك «الثوريون» الذين يشكون من أن الثورة تدمر عقيدتهم.
الماركسية والفوضوية
يتفق الماركسيون تماماً مع الفوضويين في الهدف النهائي: زوال الدولة. لكن الماركسيين «دولتيون» فقط بالقدر الذي لا يمكن فيه تحقيق إلغاء الدولة بمجرد تجاهلها. إن تجربة الستالينية لا تدحض تعاليم الماركسية، بل تؤكدها بطريقة معكوسة. فالعقيدة الثورية التي تعلم البروليتاريا كيف تحدد موقعها الصحيح في الظروف المختلفة وكيف تستفيد منها بنشاط، لا تتضمن بالطبع أي ضمان آلي للانتصار. لكن الانتصار لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تطبيق هذه العقيدة. كما أن الانتصار لا ينبغي أن يُفهم كحدث منفرد، بل يجب النظر إليه ضمن أفق مرحلة تاريخية كاملة.
لقد تحولت دولة العمال — على أساس اقتصادي متدنٍّ ومحاطة بالإمبريالية — إلى جهاز قمع في خدمة الستالينية. لكن البلشفية الحقيقية خاضت ضد هذا الجهاز صراعاً حتى الموت. ولأجل الحفاظ على نفسها، تضطر الستالينية اليوم إلى خوض حرب أهلية مباشرة ضد البلشفية تحت اسم «التروتسكية»، ليس في الاتحاد السوفيتي فحسب، بل في إسبانيا أيضاً. لقد مات الحزب البلشفي القديم، لكن البلشفية ترفع رأسها في كل مكان.
إن استنتاج الستالينية من البلشفية أو من الماركسية يشبه، في جوهره، استنتاج الثورة المضادة من الثورة نفسها. وهذا النمط من التفكير، الليبرالي-المحافظ ثم الإصلاحي، اتسم دائما بهذه الكليشيهات. فبسبب البنية الطبقية للمجتمع، أنتجت الثورات دائما ثورات مضادة. فهل يدل ذلك، كما يسأل المنطقي، على وجود خلل داخلي في المنهج الثوري؟ ومع ذلك، لم يتمكن لا الليبراليون ولا الإصلاحيون حتى الآن من ابتكار طريقة أكثر «اقتصاداً». وإذا لم يكن من السهل عقلنة العملية التاريخية الحية، فإنه ليس من الصعب إطلاقاً إعطاء تفسير «عقلاني» لتعاقب موجاتها، ومن ثم استنتاج الستالينية من «اشتراكية الدولة»، والفاشية من الماركسية، والرجعية من الثورة، أي استنتاج النقيض من الأطروحة بمنطق مجرد. وفي هذا المجال، كما في غيره، يظل الفكر الفوضوي أسير العقلانية الليبرالية. أما التفكير الثوري الحقيقي فلا يمكن أن يوجد من دون الجدل.
«الخطايا» السياسية للبلشفية كمصدر للستالينية
تتخذ حجج العقلانيين أحياناً، على الأقل في ظاهرها، طابعاً أكثر تحديداً. فهم لا يستنتجون الستالينية من البلشفية ككل، بل من «خطاياها» السياسية. فالبلاشفة — بحسب غورتِر وبانيكوك5 وبعض «السبارتاكيين» الألمان وغيرهم — استبدلوا ديكتاتورية البروليتاريا بديكتاتورية الحزب؛ وستالين استبدل ديكتاتورية الحزب بديكتاتورية البيروقراطية. والبلاشفة قضوا على جميع الأحزاب ما عدا حزبهم؛ أما ستالين فخنق الحزب البلشفي نفسه لمصلحة زمرة بونابرتية. والبلاشفة عقدوا تسويات مع البرجوازية؛ بينما أصبح ستالين حليفها وداعمها. والبلاشفة اعترفوا بضرورة المشاركة في النقابات القديمة وفي البرلمان البرجوازي؛ أما ستالين فقد أقام علاقات ودية مع بيروقراطية النقابات ومع الديمقراطية البرجوازية. ويمكن إجراء مثل هذه المقارنات إلى ما لا نهاية. لكنها، رغم ما يبدو عليها من وجاهة، فارغة تماماً.
لا تستطيع البروليتاريا أن تستولي على السلطة إلا عبر طليعتها. إن ضرورة سلطة الدولة تنبع، في حد ذاتها، من انخفاض المستوى الثقافي للجماهير ومن تباينها. ففي الطليعة الثورية، المنظمة في حزب، تتبلور تطلعات الجماهير إلى نيل حريتها. ومن دون ثقة الطبقة في طليعتها، ومن دون دعم الطليعة من قبل الطبقة، لا يمكن الحديث عن الاستيلاء على السلطة. وبهذا المعنى، فإن الثورة البروليتارية والديكتاتورية6 هما عمل الطبقة بأسرها، ولكن تحت قيادة الطليعة. وتشكل السوفييتات الشكل المنظم الوحيد للرابطة بين الطليعة والطبقة. ولا يمكن منح هذا الشكل مضموناً ثورياً إلا بواسطة الحزب. وقد أثبتت ذلك التجربة الإيجابية لثورة أكتوبر، وكذلك التجربة السلبية في بلدان أخرى (ألمانيا، النمسا، وأخيرا إسبانيا). ولم يُظهر أحد عملياً، ولم يحاول أن يشرح نظرياً بشكل متماسك، كيف يمكن للبروليتاريا أن تستولي على السلطة من دون القيادة السياسية لحزب يعرف ما يريد. إن كون هذا الحزب يُخضع السوفييتات سياسياً لقيادته لا يلغي النظام السوفيتي، تماما كما أن هيمنة أغلبية محافظة لم تلغ النظام البرلماني في بريطانيا.
أما حظر الأحزاب السوفيتية الأخرى، فلم ينبع من أي «نظرية» بلشفية، بل كان إجراء دفاعياً عن الديكتاتورية في بلد متخلف ومدمر، محاط بالأعداء من كل جانب. وكان واضحا للبلاشفة منذ البداية أن هذا الإجراء، الذي استُكمل لاحقاً بحظر التكتلات داخل الحزب الحاكم نفسه، ينطوي على خطر عظيم. غير أن مصدر الخطر لم يكن في العقيدة أو التكتيك، بل في الضعف المادي للديكتاتورية، وفي صعوبات وضعها الداخلي والدولي. ولو أن الثورة قد انتصرت، ولو في ألمانيا فقط، لزالت فوراً الحاجة إلى حظر الأحزاب السوفيتية الأخرى. ومن غير القابل للجدل أن هيمنة حزب واحد شكلت نقطة الانطلاق القانونية للنظام الشمولي الستاليني. لكن سبب هذا التطور لا يكمن لا في البلشفية ولا في حظر الأحزاب كإجراء حربي مؤقت، بل في سلسلة هزائم البروليتاريا في أوروبا وآسيا.
وينطبق الأمر نفسه على الصراع مع الفوضوية. ففي المرحلة البطولية من الثورة، سار البلاشفة جنباً إلى جنب مع الفوضويين الثوريين الحقيقيين، بل انضم كثير منهم إلى صفوف الحزب. وقد ناقش كاتب هذه السطور مع لينين أكثر من مرة إمكانية تخصيص مناطق معينة للفوضويين، حيث يمكنهم، بموافقة السكان المحليين، تطبيق تجربتهم «اللا دولاتية». لكن الحرب الأهلية والحصار والجوع لم تترك مجالاً لمثل هذه المشاريع. أما تمرد كرونشتادت؟ فمن البديهي أن الحكومة الثورية لم يكن بوسعها أن «تهدي» الحصن الذي يحمي العاصمة إلى البحارة المتمردين، لمجرد أن تمرد الفلاحين-الجنود ذي الطابع الرجعي قد انضم إليه عدد من وينطبق الأمر نفسه على الصراع مع الفوضوية. ففي المرحلة البطولية من الثورة، سار البلاشفة جنباً إلى جنب مع الفوضويين الثوريين الحقيقيين، بل انضم كثير منهم إلى صفوف الحزب.
وقد ناقش كاتب هذه السطور مع لينين أكثر من مرة إمكانية تخصيص مناطق معينة للفوضويين، حيث يمكنهم، بموافقة السكان المحليين، تطبيق تجربتهم «اللا دولاتية». لكن الحرب الأهلية والحصار والجوع لم تترك مجالاً لمثل هذه المشاريع. أما تمرد كرونشتادت؟ فمن البديهي أن الحكومة الثورية لم يكن بوسعها أن «تهدي» الحصن الذي يحمي العاصمة إلى البحارة المتمردين، لمجرد أن تمرد الفلاحين-الجنود ذي الطابع الرجعي قد انضم إليه عدد من الفوضويين المشكوك في أمرهم. إن التحليل التاريخي الملموس لهذه الأحداث لا يترك أي مجال للأساطير التي بُنيت، بدافع الجهل والعاطفية، حول كرونشتادت وماخنو وغيرهما من حلقات الثورة.
يبقى إذن الواقع التالي: لقد لجأ البلاشفة منذ البداية، ليس إلى الإقناع فحسب، بل إلى الإكراه أيضاً، وغالبا بدرجة شديدة. ومن غير القابل للجدل أيضا أن البيروقراطية، التي نشأت لاحقاً من رحم الثورة، قد احتكرت نظام الإكراه هذا بين يديها. فكل مرحلة من مراحل التطور، حتى المراحل الكارثية كالثورة والثورة المضادة، تنبثق من المرحلة السابقة، وتتجذر فيها، وتحمل معها بعض سماتها. وقد دأب الليبراليون، ومن بينهم آل ويب7، على القول إن ديكتاتورية البلاشفة لم تكن سوى نسخة جديدة من القيصرية. وهم يغضون الطرف عن «تفاصيل» مثل إلغاء الملكية والنبلاء، وتسليم الأرض للفلاحين، ومصادرة رأس المال، وإدخال الاقتصاد المخطط، والتعليم اللاديني، وغير ذلك. وبالطريقة نفسها يغض الفكر الليبرالي-الفوضوي الطرف عن حقيقة أن الثورة البلشفية، رغم كل ما رافقها من قمع، مثلت انقلاباً في العلاقات الاجتماعية لصالح الجماهير، في حين أن التحول الترميدوري الستاليني رافق إعادة بناء المجتمع السوفيتي لمصلحة أقلية متميزة. ومن الواضح أنه، في المساواة بين الستالينية والبلشفية، لا يوجد أدنى أثر لأي معيار اشتراكي.
مسائل نظرية
من أبرز سمات البلشفية كانت علاقتها الصارمة والدقيقة، بل والجدلية أحياناً، مع مسألة النظرية. إن المجلدات الستة والعشرين لأعمال لينين ستبقى إلى الأبد نموذجاً لأعلى درجات الأمانة النظرية. ومن دون هذه الخاصية الأساسية، ما كان للبلشفية أن تؤدي دورها التاريخي. وفي هذا المجال، تمثل الستالينية، بما تتسم به من فظاظة وجهل وطابع تجريبي صرف، نقيضاً تاماً لها.
لقد أعلنت المعارضة قبل أكثر من عشر سنوات في برنامجها: «منذ وفاة لينين جرى خلق مجموعة كاملة من النظريات الجديدة، ليس هدفها سوى تبرير انزلاق مجموعة ستالين عن طريق الثورة البروليتارية العالمية». وقبل أيام قليلة كتب كاتب أمريكي، ليستون م. أوك8، شارك في الثورة الإسبانية: «إن الستالينيين هم في الواقع اليوم أبرز تحريفيي ماركس ولينين — فبرنشتاين لم يجرؤ على الذهاب إلى نصف ما ذهب إليه ستالين في تحريف ماركس». وهذا صحيح تماماً. غير أنه ينبغي أن نضيف أن برنشتاين كان يشعر فعلا بحاجات نظرية معينة، وكان يحاول، بضمير، إقامة توافق بين ممارسات الاشتراكية الديمقراطية الإصلاحية وبرنامجها. أما البيروقراطية الستالينية، فليس لها أي شيء مشترك مع الماركسية، بل هي في الواقع غريبة عن أي نظرية أو منظومة. إن «إيديولوجيتها» مشبعة تماماً بالذاتية البوليسية، وممارستها تقوم على تجريبية العنف الخام. وانطلاقا من مصالحها الجوهرية، تعادي طغمةُ المغتصبين أيَّ نظرية، إذ لا تستطيع أن تقدّم تفسيرا لدورها الاجتماعي، لا لنفسها ولا لغيرها. إن ستالين لا «يراجع» ماركس ولينين بقلم المنظّر، بل بكعب جهاز الأمن (GPU) .
مسائل أخلاقية
تأتي شكاوى «لا أخلاقية» البلشفية خصوصاً من أولئك التافهين المتبجحين الذين مزّقت البلشفية أقنعتهم الرخيصة. ففي الأوساط البرجوازية الصغيرة، والمثقفة، والديمقراطية، و«الاشتراكية»، والأدبية، والبرلمانية، وغيرها، تسود قيم تقليدية، أو بالأحرى لغة تقليدية تُخفي غياب القيم. وهذا المجتمع الواسع والمتنوع، القائم على مبدأ «عش ودع غيرك يعيش»، لا يحتمل مشرط الماركسية حين يلامس جلده الحساس. لقد كان المنظرون والكتّاب والأخلاقيون، المترددون بين معسكرات مختلفة، يعتقدون — وما زالوا — أن البلاشفة يبالغون عمدا في تضخيم الخلافات، وأنهم عاجزون عن التعاون «الوفي»، وأنهم، عبر «مؤامراتهم»، يفسدون وحدة الحركة العمالية. كما أن الوسطي الحساس والمرهف كان يرى دائما أن البلاشفة «يشهرون به» — وذلك فقط لأنهم يدفعون أفكاره نصف المتشكلة إلى نهايتها المنطقية، وهو نفسه لم يكن قادرا على ذلك.
لكن الحقيقة تبقى أن هذه الخاصية الثمينة، أي الموقف الذي لا يساوم تجاه كل المراوغات والتملصات، هي وحدها القادرة على تربية حزب ثوري لا تؤخذه «الظروف الاستثنائية» على حين غرة.
إن الصفات الأخلاقية لكل حزب تنبع، في التحليل الأخير، من المصالح التاريخية التي يمثلها. فالصفات الأخلاقية للبلشفية — نكران الذات، التجرد، الجرأة، واحتقار كل زيف وخداع — وهي من أسمى صفات الطبيعة الإنسانية، تنبع من صلابتها الثورية في خدمة المضطهدين. أما البيروقراطية الستالينية، فإنها تقلد في هذا المجال أيضا كلمات البلشفية وإيماءاتها. لكن حين تُطبَّق «الصرامة» و«المرونة» عبر جهاز بوليسي في خدمة أقلية متميزة، فإنها تتحول إلى قوة للانحلال والبلطجة. ولا يمكن إلا أن نشعر بالازدراء تجاه أولئك الذين يساوون بين البطولة الثورية للبلاشفة والسخرية البيروقراطية للترميدوريين.
وحتى الآن، وعلى الرغم من الأحداث الدرامية في الفترة الأخيرة، يفضل المواطن العادي الاعتقاد بأن الصراع بين البلشفية («التروتسكية») والستالينية ليس سوى صراع طموحات شخصية، أو، في أحسن الأحوال، صراع بين «تدرجات» من البلشفية. وقد عبّر نورمان توماس9، زعيم الحزب الاشتراكي الأمريكي، عن هذا الرأي بأكثر أشكاله فجاجة، حين كتب: «ليس هناك سبب وجيه للاعتقاد بأنه لو انتصر تروتسكي بدلا من ستالين، لكانت المؤامرات والدسائس وعهد الخوف قد انتهت في روسيا». وهذا الرجل يعتبر نفسه… ماركسيا!
وبنفس المنطق يمكن القول: «ليس هناك سبب للاعتقاد أنه لو جلس نورمان الأول مكان بيوس الحادي عشر على الكرسي الرسولي، لتحولت الكنيسة الكاثوليكية إلى حصن للاشتراكية». إن توماس يعجز عن فهم أن المسألة ليست صراعاً بين ستالين وتروتسكي، بل صراعاً بين البيروقراطية والبروليتاريا.
ومن المؤكد أن الشريحة الحاكمة في الاتحاد السوفيتي لا تزال مضطرة، حتى الآن، إلى التكيف مع الإرث الثوري الذي لم يُصفَّ بالكامل، في حين تهيئ في الوقت نفسه، عبر حرب أهلية مباشرة (حملات التطهير الدموية)، تغييراً في النظام الاجتماعي. أما في إسبانيا، فإن الزمرة الستالينية تعمل بالفعل، وبصورة علنية، كدعامة للنظام البرجوازي ضد الاشتراكية. وهكذا يتحول الصراع ضد البيروقراطية البونابرتية، أمام أعيننا، إلى صراع طبقي: عالمان، برنامجان، أخلاقيتان.
وإذا كان توماس يعتقد أن انتصار البروليتاريا الاشتراكية على هذه الشريحة المنحطة لن يؤدي إلى تجديد النظام السوفيتي سياسياً وأخلاقياً، فإنه يثبت فقط أنه، رغم كل تحفظاته، أقرب إلى البيروقراطية الستالينية منه إلى العمال. ومثله مثل غيره من منتقدي «لا أخلاقية» البلشفية، لم يرتقِ إلى مستوى الأخلاق الثورية.
تقاليد البلشفية والأممية الرابعة10
إن «اليساريين» الذين حاولوا القفز فوق البلشفية في عودتهم إلى الماركسية، لم يقدّموا في الغالب سوى وصفات جزئية: مقاطعة البرلمان، إنشاء «سوفييتات حقيقية»، وما إلى ذلك. وقد بدت هذه الطروحات عميقة في الأيام الأولى التي أعقبت الحرب. أما اليوم، وفي ضوء التجربة الحديثة، فإن هذه «الأمراض الطفولية» لم تعد تثير حتى فضولاً عابراً. لقد أظهر غورتر وبانيكوك و«السبارتاكيون» الألمان والبورديغيون الإيطاليون11 استقلالهم عن البلشفية فقط عبر تضخيم جانب واحد منها وعزله عن سائر عناصرها. لكن لم يبقَ شيء، لا في الممارسة ولا في النظرية، من هذه التيارات «اليسارية» — وهو دليل غير مباشر، لكنه بالغ الأهمية، على أن البلشفية هي الشكل الممكن الوحيد للماركسية في هذا العصر.
لقد أظهر الحزب البلشفي في الممارسة مزيجاً من أعلى درجات الجرأة الثورية والواقعية السياسية. وقد أقام لأول مرة العلاقة الصحيحة بين الطليعة والطبقة، وهي العلاقة الوحيدة القادرة على ضمان النصر. وأثبت بالتجربة أن التحالف بين البروليتاريا والجماهير المضطهدة من البرجوازية الصغيرة، في المدن والأرياف، لا يمكن تحقيقه إلا عبر الإطاحة السياسية بالأحزاب التقليدية لتلك الفئات. كما أظهر للعالم كله كيف تُنظَّم الانتفاضة المسلحة وكيف يُستولى على السلطة.
وأولئك الذين يدعون إلى فصل السوفييتات عن ديكتاتورية الحزب ينبغي أن يفهموا أن السوفييتات لم تتمكن من الارتقاء إلى شكل دولة البروليتاريا إلا بفضل قيادة الحزب. وخلال الحرب الأهلية، حقق الحزب البلشفي التوليفة الصحيحة بين الفن العسكري والسياسة الماركسية. وحتى لو نجحت الطغمة البيروقراطية الستالينية في تدمير الأسس الاقتصادية للمجتمع الجديد، فإن تجربة الاقتصاد المخطط تحت قيادة الحزب البلشفي ستبقى إلى الأبد إحدى أعظم دروس البشرية. ولا يتجاهل ذلك إلا أولئك الطائفيون الذين، بعد أن أصيبوا بخيبات، يديرون ظهورهم لمسار التاريخ.
لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد. فقد استطاع الحزب البلشفي أن ينجز عمله «العملي» العظيم لأنه أنار كل خطوة بالنظرية. لم تُنشئ البلشفية هذه النظرية، بل استمدتها من الماركسية. غير أن الماركسية هي نظرية حركة، لا جمود. ولم يكن من الممكن إغناء هذه النظرية إلا عبر أحداث تاريخية بهذا الحجم. وقد قدمت البلشفية إسهاماً لا يُقدَّر بثمن في تحليل عصر الإمبريالية بوصفه عصر الحروب والثورات؛ وفي فهم الديمقراطية البرجوازية في زمن انحطاط الرأسمالية؛ وفي العلاقة بين الإضراب العام والانتفاضة؛ وفي دور الحزب والسوفييتات والنقابات في الثورة البروليتارية؛ وفي نظرية الدولة السوفيتية والاقتصاد الانتقالي؛ وكذلك في تحليل الفاشية والبونابرتية في عصر تراجع الرأسمالية؛ وأخيراً في تحليل انحطاط الحزب البلشفي نفسه والدولة السوفيتية.
فليُذكر أي تيار آخر أضاف شيئاً جوهرياً إلى هذه الاستنتاجات. إن فاندرفيلده، ودي بروكير، وهيلفردينغ، وأوتو باور، وليون بلوم، وزيرومسكي، ناهيك عن أتلي ونورمان توماس12، يعيشون نظرياً وسياسياً على بقايا الماضي الممزقة. أما انحطاط الكومنترن فيتجلى بأوضح صورة في انحداره إلى المستوى النظري للأممية الثانية.
وكل التيارات الوسطية (مثل حزب العمال المستقل في بريطانيا وPOUM وغيرها13) تقتبس، على نحو انتقائي، شذرات من ماركس ولينين لتكيّفها مع حاجاتها الآنية. ولا يمكن للعمال أن يتعلموا شيئاً من هؤلاء. وحدهم مؤسسو الأممية الرابعة، الذين تبنّوا كامل تراث ماركس ولينين، يتعاملون مع النظرية بجدية. وقد يسخر صغار البرجوازيين من أن الثوريين، بعد عشرين عاماً من انتصار أكتوبر، عادوا إلى العمل الدعائي المتواضع. لكن كبار الرأسماليين أكثر نفاذ بصيرة منهم بكثير. وليس من قبيل الصدفة أن موضوع الأممية الرابعة لا يغيب عن صفحات الصحافة العالمية. إن الحاجة التاريخية الملحة إلى قيادة ثورية تضمن للأممية الرابعة وتيرة نمو سريعة. وأعظم ضمان لنجاحها هو أنها لم تنشأ خارج الطريق التاريخي، بل نمت عضوياً من البلشفية.
اضافات المترجم
1- يشير النص إلى رودولف هيلفردينغ (Rudolf Hilferding) وأوتو باور (Otto Bauer)، وهما من أبرز منظّري الماركسية في الأممية الثانية، ولا سيما ضمن تيار «الأوسترو-ماركسية» (Austromarxism) ، وهو اتجاه نشأ في النمسا سعى إلى التوفيق بين الماركسية والإصلاح التدريجي داخل الدولة، مع تركيز على قضايا القومية والديمقراطية. وقد انتقدهما تروتسكي بوصفهما مثالاً على النزعة الإصلاحية والبيروقراطية التي برزت بعد الهزائم، وما رافقها من ابتعاد عن التحليل الماركسي الثوري.
2- يشير النص إلى غيورغي ديميتروف (Georgi Dimitrov)، وهو قيادي شيوعي بلغاري بارز وأحد قادة الأممية الشيوعية، اشتهر بدوره في محاكمة الرايخستاغ (1933) ثم بتوليه موقعاً قيادياً في الكومنترن. ينتقده تروتسكي هنا بوصفه نموذجاً للانحدار النظري والسطحية في قيادة الأممية الثالثة، في سياق هيمنة البيروقراطية الستالينية.
3- ألكسندر كيرينسكي (Alexander Kerensky)، وهو رئيس الحكومة المؤقتة في روسيا عام 1917، الذي عارض البلاشفة وقاد حملات اضطهاد ضدهم. كما يرد ذكر مجلته نوفايا روسيا (Novaya Rossia) ، وهي مجلة روسية صدرت في المنفى (باريس)، مثّلت اتجاهاً معادياً للبلشفية، واحتفت بطرح ويلي شلام ذي النزعة الأخلاقية باعتباره عودة إلى تقاليد الاشتراكية الروسية السابقة على الماركسية.
4- يُشار في النص إلى نيقولاي أوستريالوف (Nikolai Ustrialov)، وهو مفكر روسي ليبرالي رأى في السلطة السوفيتية مساراً يمكن أن يعيد روسيا تدريجيا إلى دولة برجوازية «طبيعية». كما يرد وصفه بأنه «كاديتـي» (Cadet)، أي منتمٍ إلى حزب الكاديت (الدستوريين الديمقراطيين) حزب الكاديت، وهو حزب برجوازي ليبرالي في روسيا القيصرية دعا إلى نظام دستوري وإصلاحات سياسية ضمن إطار الدولة البرجوازية.
5- هيرمان غورتر (Herman Gorter) وأنطون بانيكوك (Anton Pannekoek) من أبرز منظّري الشيوعية المجالسية، وقد انتقدا مركزية الحزب البلشفي ودافعا عن دور المجالس العمالية المباشرة.
6- يُقصد هنا: ديكتاتورية البروليتاريا و التي هي الديمقراطية العمالية أي المرحلة الانتقالية التي تُمارس فيها الطبقة العاملة سلطتها لقمع مقاومة الطبقات المستغِلة وتنظيم التحول نحو مجتمع بلا طبقات، وليست «ديكتاتورية» بالمعنى الفردي أو الاستبدادي الشائع.
7- آل ويب: يُقصد بهما سيدني ويب وبياتريس ويب، وهما من أبرز مفكري الاشتراكية الفابية في بريطانيا. عُرفا بدفاعهما عن الإصلاح التدريجي داخل إطار الدولة، وقد قدّما تفسيرات اعتبرت النظام السوفيتي امتداداً بيروقراطياً للدولة الحديثة، وهو ما انتقده تروتسكي باعتباره تجاهلاً للطابع الطبقي والتحولات الاجتماعية التي أحدثتها الثورة البلشفية.
8- ليستون م. أوك: ليستون م. أوك (Liston M. Oak)، كاتب وصحفي أمريكي شارك في أحداث الحرب الأهلية الإسبانية، وقد انتقد الستالينية بشدة، معتبرا أنها تمثل مراجعة عميقة لتعاليم ماركس ولينين.
9- نورمان توماس (Norman Thomas)، سياسي وناشط اشتراكي أمريكي، كان زعيم الحزب الاشتراكي في الولايات المتحدة ومرشحَه الرئاسي عدة مرات. مثّل تيارا اشتراكيا ديمقراطيا إصلاحيا، وانتقد البلشفية والستالينية، لكنه — كما يشير تروتسكي — عالج الصراع بينهما بوصفه خلافا شخصيا أو اختلافا داخل الاتجاه نفسه، متجاهلا طابعه الطبقي العميق.
10- الأممية الرابعة التي أسسها تروتسكي مع عدد من المناضلين كاستمرار على الخط البلشفي الأممي إلا أن هذه الأممية للأسف انقسمت و انحطت بعد وفاة تروتسكي نتيجة قلة خبرة القيادات الذي أدى إلى الوقوع بتحليلات خاطئة. مازال هناك منظمات موجودة حتى الآن يسمون أنفسهم الأممية الرابعة لكنهم على قطيعة فعلية مع الأممية الرابعة التي أسسها تروتسكي.
11- غورتر وبانيكوك و«السبارتاكيون» الألمان والبورديغيون الإيطاليون: يشير هذا إلى عدة تيارات ماركسية يسارية عارضت البلشفية من مواقع مختلفة. هيرمان غورتر وأنطون بانيكوك من أبرز منظّري الشيوعية المجالسية، التي رفضت مركزية الحزب وركّزت على دور المجالس العمالية المباشرة. أما «السبارتاكيون» فهم أعضاء رابطة سبارتاكوس، التي قادها روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنخت، وكانت تياراً ثورياً في ألمانيا مع مواقف نقدية تجاه بعض جوانب البلشفية. أما «البورديغيون» فهم أتباع أماديو بورديغا، الذين شددوا على نقاء البرنامج الشيوعي ورفضوا التنازلات التكتيكية، بما في ذلك بعض ممارسات الحزب البلشفي.
12- فاندرفيلده، ودي بروكير، وهيلفردينغ، وأوتو باور، وليون بلوم، وزيرومسكي، ناهيك عن أتلي ونورمان توماس: يشير هذا إلى مجموعة من قادة ومنظّري الاشتراكية الديمقراطية والإصلاحية في أوروبا وأمريكا. من بينهم إميل فاندرفيلده ولويس دي بروكير في بلجيكا، ورودولف هيلفردينغ وأوتو باور في النمسا، وليون بلوم وجان زيرومسكي في فرنسا، إضافة إلى كليمنت أتلي في بريطانيا ونورمان توماس في الولايات المتحدة. ويعرضهم تروتسكي هنا بوصفهم ممثلين لاتجاه إصلاحي يعيش نظرياً وسياسياً على تراث الماضي، من دون تقديم إسهام جديد في تطوير الماركسية.
13- حزب العمال المستقل في بريطانيا وPOUM وغيرها: يُقصد بـ حزب العمال المستقل (Independent Labour Party) تيار اشتراكي بريطاني انفصل عن حزب العمال الرسمي، وتميز بمواقف وسطية بين الإصلاحية والثورية. أما حزب العمال للتوحيد الماركسي (Partido Obrero de Unificación Marxista) فهو حزب ماركسي إسباني نشط خلال الحرب الأهلية، جمع بين توجهات تروتسكية ويسارية أخرى، لكنه — بحسب نقد تروتسكي — اتسم بالتذبذب النظري والسياسي.