في هذه المقالة لن نكون لطيفين. بل سوف نتحلى بالجرأة لنكون أوقح من المعتاد قليلاً. إلا أن وقاحتنا هذه ليست منفصلة عن سياستنا، والتي تهدف في نهاية المطاف إلى فضح كل التيارات البرجوازية والبرجوازية الصغيرة، والسعي لبناء القيادة الثورية.
بدأت الحالة السياسية في سوريا تأخذ منحى مختلفاً عن المعتاد، لكن بطابع يحمل الكثير من الأمور الإيجابية. اعتصام “الكرامة وبدنا نعيش” في ساحة المحافظة في دمشق سجل نقطة تحول هامة ضد نظام الجولاني الرأسمالي. أتى هذا الاعتصام في ظل صمت نقابي كامل عن المشاركة أو حتى التعليق، على الرغم من أن الاعتصام كان على بعد مئات الأمتار فقط من مبنى نقابة دمشق. هذا مؤشر واضح على استمرار هذا الجهاز البيروقراطي بأن يكون صفراً سالباً في ساحة الصراع الطبقي.
من جهة أخرى عادت أحزاب الساحة السياسية المهترئة للركب على هذا الحراك مثل حزب العمل الشيوعي وتيار اليسار الثوري، والأكثرهم انتهازية ووقاحة كان حزب الدستور. بالنسبة للأحزاب اليسارية التي أساساً لا تملك تنظيماً أو أعداداً تخولها لتسمية نفسها “أحزاب”، فقد اكتفت كالعادة بكلمات تضامنية رنانة أصبحت في نظر الجماهير كلمات للاستهلاك “الفيسبوكي”. كلمات من دون تقديم أي برنامج حقيقي يطور هذه الحركات العفوية نحو الأمام. لا يمكن أن نسمي هكذا مشاركة بأنها مشاركة. بذلك هم يبقون مصرين على اتباع نهج الـ 2011 رغم كارثية ما وصل له هذا النهج.
أما حزب الدستور فمن يقرأ صفحتهم على الفيسبوك يظن فعلاً أنهم نفس الأشخاص الذين كانوا قد اقتحموا جدران الباستيل في كومونة باريس، وفجأة ظهروا في ساحات دمشق، وليس أن مؤسس حزبهم السيد حسام ميرو هو شخص كان له باع طويل في كتابة وثائق المؤتمرات التي كان مجلس سوريا الديمقراطية يدعو لها في أوروبا لقاء أجر كان يطلبه لأنه يريد التفرغ لذلك.
على جميع الأحوال نحن ماركسيون. أصحاب العمل السياسي المأجور ليسوا هم جوهر الأسباب التي تجعلنا نأخذ موقفاً حازماً. لا بد من الانطلاق من الطبيعة السياسية الطبقية للأحزاب الليبرالية “العلمانية”. فهم يصورون الصراع وكأنه صراع علمانيين ضد إسلاميين. لكن ماذا لو قلنا إن هؤلاء العلمانيين والإسلاميين في النهاية يسلكون نفس الطريق ولهم نفس الجوهر رغم الخلافات الكبيرة التي تظهر بينهم؟
جدلية اللحية و ربطة العنق
قبل وصول الجولاني للسلطة كان من السهل للعلمانيين البرجوازيين أن يفصلوا أنفسهم عن الإسلاميين. كان من السهل أن يصوروا أن الصراع هو صراع ما بين ربطة عنق ولحية. لكن وصول الجولاني للسلطة قلب كل الموازين ووضع هؤلاء العلمانيين البرجوازيين في مكانهم الصحيح عندما أصبحت ربطة العنق تحت اللحية مباشرة. أصبح من الأوضح للجماهير بأن كلا هذين التيارين هما تيارات رأسمالية، لذلك من السهل جداً للرأسماليين أن يعيدوا تدوير اللحية على شكل ربطة عنق أو بالعكس.
يعتبر هؤلاء أن الدستور وفصل الدين عن الدولة بشكله المجرد هو ذروة الحرية، وهي الوصفة السحرية لحل كل المشاكل. دعونا منذ البداية نضع النقاط على الحروف. بالنسبة لنا كماركسيين إن قضية الدين ليست قضية مجردة من أي أساس طبقي. لذلك بالنسبة لنا هناك نوعان من الدين.
الأول: الدين كحق ديمقراطي. لكل إنسان حق بالتدين أو عدم التدين، وهذا حق نعتبره حقاً ديمقراطياً يجب على أي دولة عمالية أن تكفله. الثاني: هو ذلك الدين الذي يصبح أداة بيد الطبقة الرأسمالية ووكلائها لتأبيد عبودية الجماهير. هذا الدين نحن نحاربه بلا هوادة، تماماً كما نحارب تلك الديمقراطية المزيفة التي يدعو لها العلمانيون البرجوازيون، كونها أيضاً أداة لتأبيد معاناة الجماهير.
لذلك فإن فصل الدين عن الدولة بالنسبة لنا مطلب أساسي، ليس فقط لتحرير الدولة من الدين كما يريد الليبراليون العلمانيون، وإنما أيضاً لتحرير الجماهير من ذلك الدين الذي يؤبد معاناتهم، مع الإبقاء على الدين كحق ديمقراطي لهم. وعليه فإن أي هجوم سوف تسمعونه في هذا المقال على الدين سيكون على ذلك الدين الذي يصبح أداة بيد الأنظمة لتأبيد عبودية الجماهير، وحتى تلك الأنظمة التي تسمي نفسها علمانية أيضاً. ونظن بأنه لن ينزعج من هذا الموقف سوى الإسلاميين والمؤسسات الدينية ورجال الدين المستفيدين، سواء كانوا مسيحيين أو دروزاً أو علويين أو من أي طائفة أخرى، وهذا تماماً ما نريده.
ن حزب الدستور هو حزب برجوازي. يسعى لدعم التجار والرأسماليين والصناعيين السوريين، الذين هم بطبيعة الحال ليسوا بحاجة له، كون أن الإمبرياليين أعطوهم جزءاً من الكعكة مقابل نهب ثروات البلد. هذه الأحزاب هي بنهاية المطاف شبيهة بالأحزاب التي كانت موجودة في سوريا بعد الاستقلال.
أكثر من 20 عاماً لم يكونوا قادرين على فصل الدين عن الدولة، ولن يستطيعوا حتى لو بقوا 1000 عام، لأنه وبكل بساطة هذا مطلب لن يفيد الطبقة الرأسمالية التي يمثلونها هم في سوريا. هذه الطبقة الرأسمالية التي وُلدت مشوهة كانت وما زالت مضطرة للمهادنة مع الإقطاع. ومن جهة أخرى لديهم خوف من الطبقة العاملة وحلفائها، وبالتالي هم بحاجة إلى الدين كصمام أمان يضمن لهم السيطرة على هذه الطبقة.
إن الصراع بين اللحية وربطة العنق سوف يعبّر عن نفسه سياسياً في نهاية المطاف بأنه صراع بين الدين والديمقراطية البرجوازية. كلا طرفي الصراع هنا نقيضان، لكن على نفس الأساس الرأسمالي. الصراع الحقيقي هو الصراع بين من يملكون وسائل الإنتاج ومن لا يملكون سوى قوة عملهم وشقائهم وتعبهم. وأي تعبير سياسي ينطلق من خارج هذه المعادلة ليس سوى تعبير عن وعي زائف.
تونس و الولايات المتحدة
إذا ما نظرنا إلى بلد مثل تونس نجد أن القوانين هناك هي قوانين علمانية بامتياز. فصل للدين عن الدولة حيث تم توحيد القضاء وإلغاء المحاكم الشرعية وضمان حرية الضمير والمعتقد التي تضمن لأي فرد حقه بالتدين أو عدم التدين. وفي مجال حريات المرأة نجد أنه ممنوع الزواج من أكثر من امرأة، وتم إلغاء الولاية ورفع سن الزواج فأصبحت أي بالغة قادرة على الزواج بمفردها.
ومع ذلك نحن نرى أن نسبة كبيرة من الجماهير في تونس، وخصوصاً النساء، ما زلن يتعرضن لأبشع أنواع الاستغلال ويعشن في فقر مدقع. أظهرت إحصائيات عام 2025 أن حوالي 29 بالمئة من الشعب التونسي يعيش تحت خط الفقر العالمي، ووصلت نسب البطالة إلى 15.1%، يشكل منها الشباب ما بين 15-24 سنة حوالي 38.1%، حيث أظهرت دراسة حديثة لمنظمة أفرو باروميتر أن 57% من الشباب هناك يملكون نظرة تشاؤمية، والرغبة بالهجرة هي أولى الحلول على أجنداتهم.
من جهة أخرى فقد قدرت الأمم المتحدة أنه، وفي وقت ذروة الصراع في سوريا وليبيا والعراق، تجاوز عدد المجاهدين الذين غادروا تونس الـ 5500 مقاتل، مما جعل تونس في صدارة البلدان المصدرة للمقاتلين الأجانب في ذلك الوقت. هذا وتحدثت مصادر رسمية تونسية أنها منعت ما يقارب الـ 15000 من مغادرة البلاد للاشتباه بنيتهم السفر للجهاد. وقد أرجعت دراسات صادرة عن معهد واشنطن والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية أن لهذا التدفق عدة عوامل، أهمها اقتصادية ناتجة عن الفقر والبطالة، خاصة في المناطق الداخلية، والفراغ الأمني الناجم عن الانفلات الذي حصل بعد عام 2011.
أما في الولايات المتحدة الأمريكية، فيوجد ومنذ أكثر من 200 عام قوانين تنص على أنه لا دين للدولة ولا دين رسمي للأغلبية ولا أفضلية لعبادة على غيرها. إلا أن الولايات المتحدة هي بلد التدين بشكل خاص. تشير الإحصائيات إلى أن نصف الأمريكيين يرون أن الدين مهم جداً في حياتهم.
نحن هنا نتحدث عن الدين الذي يفتح المجال للطبقة السائدة في الولايات المتحدة أن تمرر دعاياتها الرأسمالية، خصوصاً أن استطلاعاً لـ”غالوب” في نيسان/إبريل عام 2026 رصد طفرة مفاجئة لدى الشباب الذكور، حيث قفزت نسبة من يعتبرون الدين مركزياً في حياتهم من 28 إلى 42%. هكذا أيضاً يمكن للإمبرياليين جر هؤلاء الشباب من دون عناء لحروب يتم الترويج لها بأنها حروب دينية، وفي بعض الأحيان استمرار للحروب الصليبية.
ذكر ماركس عن الولايات المتحدة في كتابه عن المسألة اليهودية:
فإذا كنا نجد حتى في بلد التحرر السياسي الكامل ليس وجود للدين وحسب، وإنما وجود للدين المفعم بالحياة والقوة أيضاً
وما زال هذا الكلام راهنياً حتى الآن في الولايات المتحدة الأمريكية، وتونس هي مثال آخر أيضاً من منطقتنا.
لكن لماذا يكون التدين في بلدان مثل تونس والولايات المتحدة أعلى منه في بلدان أخرى، على الرغم من علمانية الدولة؟ لأن الدين هنا، وكونه مفصولاً عن الدولة، فهو لا يحمل معنى سياسياً عميقاً، وعليه فهو يبقى كشكل من أشكال المشاعر الغاضبة على الشكل السياسي لهذه الدولة العلمانية، والتي هي بالأساس جزء من معاناة الجماهير التي تجد بالدين ملاذاً للهروب من الواقع الملموس الذي تفرضه تناقضات المجتمع الرأسمالي، والدولة العلمانية بصفتها سكيناً بيد هذا النظام الرأسمالي ضد الجماهير. وعليه فإن تحرر الجماهير من هذه الحالة يتطلب القضاء على مصدر التناقض الأساسي، ألا وهو النظام الطبقي بأكمله.
هنا أصبحنا بالإمكان طرح المسألة بشكل واضح: كيف يقف أنصار التحرر السياسي من الدين إزاء هذه الحقائق؟ هل التحرر السياسي من الدين حرر الجماهير فعلاً؟
يمكننا القول: لم يعد الدين بالنسبة لنا هو الأساس في النقد كما يريد الدستوريون والليبراليون العلمانيون، بل هو ظاهرة ناتجة عن محدودية الظروف الموضوعية للجماهير، والتي سببها الأساسي النظام الطبقي نفسه الذي يقفون هم أنفسهم عليه. تحررت الدولة من الدين فعلاً، لكن ماذا عن الجماهير؟
إذ إن حدود التحرر السياسي من الدين عند الليبراليين العلمانيين تظهر بوضوح في قدرة الدولة على تحرير نفسها من حواجز لا تكون الجماهير متحررة منها فعلياً. وعليه، فإن الدولة تكون حرة من الدين فقط عندما تبقى الجماهير غير حرة.
تحرر إنساني وليس سياسي
نسمع دائماً مطالبات من قبل الأحزاب الليبرالية بالتحرر من الدين. لكن أي تحرر يقصدون؟ فقط التحرر السياسي الذي سوف يحرر الدولة ويحررهم هم أنفسهم ليكونوا الخدم المطيعين للطبقة الرأسمالية والإمبرياليين بدلاً من الإسلاميين. أما الجماهير فهي لن تتحرر إنسانياً كونها غير متحررة اقتصادياً.
أشار ماركس في كتابه “حول المسألة اليهودية” بأنه لا يكفي بأي حال من الأحوال بأن نبحث فقط عن من الذي سوف يقوم بالتحرير وما الذي سوف يحرره. على النقد أن يقوم بشيء ثالث، ألا وهو أن يسأل: بأي نوع من التحرر يتعلق الأمر، وأي شروط تقع في صلب التحرر المطلوب؟
لأن هؤلاء “العلمانيون” البرجوازيون لا يرفعون المسألة إلى هذا المستوى فهم يسقطون سريعاً في التناقضات. إن التحرر السياسي من الدين وفق المفهوم الليبرالي يدع الدين قائماً، لكن بامتيازات أقل بكثير من الدولة الدينية. وبنفس الوقت لا يتم علاج الأساس الذي يؤدي إلى تحول الدين من حق ديمقراطي إلى أداة تطويع للجماهير. هذا الأساس هو غياب العدالة الاجتماعية، وتحول الحياة إلى كتلة من الآلام والمشاق تدفع الجماهير للبحث عن العدالة في عالم آخر.
الليبراليون العلمانيون هم نفي للعلمانية نفسها
إن سقف حديث العلمانيين الليبراليين هو فصل الدين عن الدولة. أي أن نقدهم للدولة مرتبط بكونها دولة لاهوتية، وبالتالي فإن نقدهم بحد ذاته لاهوتي أيضاً. إن نقد الدولة في هذه الحالة يتوقف عن كونه نقداً لاهوتياً عندما تكف الدولة عن الوقوف موقفاً لاهوتياً من الدين، أي عندما يتم فعلاً فصل الدين عن الدولة. لكن عند هذه النقطة أيضاً سوف يتوقف نقد هؤلاء العلمانيين البرجوازيين للدولة. لذلك فإن نقدهم، وعلى الرغم من أنهم يسمون أنفسهم “علمانيين”، هو نقد لاهوتي فقط وعلى نفس خط الإسلاميين.
هكذا تصبح المشكلة بالنسبة للعلمانيين أن الدولة دينية، وللإسلاميين أن الدولة ليست دينية.أي لكلا التيارين المشكلة هي فقط لاهوتية. أحدهم مع الدولة الدينية و الآخر ضد الدولة الدينية أي كلاهما انطلق في نقده من الدين نفسه. أليس هذا نفي للعلمانية؟
النزاع بين الليبراليين الإسلاميين والعلمانيين، الذي تنحصر فيه مسألة الدولة والمجتمع بشكل بعيد عن الملكية الخاصة ووسائل الإنتاج، هو ليس سوى صراع لاهوتي، لأنه وبكل بساطة يترك هؤلاء الليبراليون “العلمانيون” كل الأمور الدنيوية والتناقضات الحقيقية الموجودة على أرض الواقع من دون نقاش، بينما يقومون بالطعن في التعبير الديني عنها فقط. إذاً، بالنسبة لكلا الجهتين، الملكية الخاصة ودعم الرأسمالية والارتهان للإمبريالية خط سياسي واضح. أليست هذه لاهوتية مطلقة؟
لذلك لا يمكن أن نحصل على نقد علماني حقيقي إلا إذا انطلقنا من الواقع المادي و ليس من الدين. و بهذه الحالة فالنقد العلماني الوحيد هو النقد الماركسي.
مفهوم الدولة
إن مفهوم الدولة لدى الماركسيين ليس مفهوماً مجرداً. الدولة نشأت منذ عشرات آلاف السنين بصفتها مصلحة وهمية تضمن حقوق الطبقة التي استطاعت تكوين ملكية خاصة من الفائض الناتج عن الزراعة وتدجين الحيوانات. في ذلك الوقت لم تعد المصلحة الجماعية مصلحة حقيقية، وأصبح هناك تعارض بين المصلحة الفردية والمصلحة الجماعية. إذاً الدولة هي أداة قمع بيد الطبقة السائدة. لا يمكن للدولة أن تكون مع الجماهير المسحوقة إلا إذا كانت بيدهم هم.
الدولة البرجوازية بغض النظر عن صيغتها سواء علمانية أو إسلامية هي دولة ناقصة وبحاجة إيديولوجيا تكمل بها نفسها لتكون أداة قمع بيد الرأسماليين. الدولة البرجوازية الإسلامية هي دولة برجوازية بحاجة الدين ليكملها اديولوجياً. أما الدولة البرجوازية العلمانية فهي أيضاً برجوازية لكنها بحاجة إلى دستور علماني و برلمانية لتكملها أيضاً إديولوجياً. وفي كلا الحالتين فإن الدولتين دول نفاق. لأنه و بكلا الحالتين فإن الجماهير هي من يتعرض للقمع. الدولة إما أن تكمل نفسها بأيديولوجيا طبقية مناهضة للرأسمالية أي أن تكون بيد العمال و حلفائهم أو فهي ضدهم.
دعونا ننطلق من ما في جيوبنا وليس من ما في قلوبنا
لا يمكن أن ننكر أن هناك تناقضاً فلسفياً عميقاً بين الماركسية والأديان. فالماركسية فلسفة إلحادية، والماركسيون ماديون ويعرفون أن الدين هو سعادة وهمية نتيجة الواقع المزري. وكلما ازداد الواقع المادي سوءاً، ازداد التدين. الماركسيون يقولون بأنه لا توجد حياة بعد الموت، لذلك لا جنة هناك. وعليه فإن الماركسية تناضل من أجل بناء هذه الجنة على الأرض.
لكن أعزاءنا دعونا نناقش نقطة بغاية الأهمية. هذا الاختلاف بحد ذاته لا يمنع أنه يمكن للمتدينين والماركسيين أن يخوضوا معاً نضالاً عميقاً من أجل عالم أفضل. فالخلاف الجوهري هو بكل بساطة على ماذا سوف يحدث بعد أن نموت، وليس قبل أن نموت. لذلك مهما كان هناك خلاف بالرأي فنحن نستطيع أن نمشي معاً طالما نحن على قيد الحياة. بالنهاية برنامج الحزب العمالي هو ليس برنامج تبشير بالإلحاد، بل على العكس تماماً، فقد انتقد لينين، ومن قبله إنجلز، جهود الأشخاص الذين يرغبون أن يكونوا أكثر يسارية عن طريق إدخال إعلان صريح عن الإلحاد في برنامج الحزب العمالي. لقد أشار لينين ذات مرة:
لا يجب علينا فقط قبول العمال الذين يحافظون على إيمانهم بالله في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، بل يجب أن نسعى جاهدين لاستقطابهم؛ نحن نعارض تماماً توجيه أدنى إساءة لمعتقداتهم الدينية، لكننا نستقطبهم من أجل تثقيفهم بروح برنامجنا، وليس من أجل السماح بنضال نشط ضده.
لذلك يمكن لنا أن نجتمع على برنامج اشتراكي يضع كل الفقراء أصحاب الجيوب الفارغة، بغض النظر عن ميولهم الإيمانية، ضد أصحاب الجيوب المليئة الذين يؤمنون فقط بـ”إله المال”. وبعد أن نحقق مبتغانا سنملك ما يكفي من الوقت للحديث عما في قلوبنا ونحن مطمئنو البال على قلوبنا وعقولنا وأجسادنا وأولادنا بأنهم في حال أفضل.
كنا قد تحدثنا أعلاه أنه عندما يتم فصل الدين عن الدولة مع بقاء الأساس الطبقي رأسمالياً، فإن الدين سوف يعبر عن نفسه بشكل أكثر نشاطاً بصفته احتجاجاً على ما تعانيه الجماهير. وفي تلك اللحظة سوف تسنح له الفرصة مرة أخرى لأن يصبح هذا الدين جزءاً من السياسة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. لذلك فإن الحديث عن دولة علمانية رأسمالية بصفتها أهون الشرين ليس سوى تأسيس لشر ثالث.
الدين اليوم لم يعد يُرى من قبل الجماهير كظاهرة مجردة بل كإيديولوجيا دولة واضحة المعالم تسهم في تعميق مآسي الجماهير.نظام الجولاني و ايديولوجيته الإسلامية تستنفد نفسها يوماً بعد يوم. الجماهير أصبحت ترى الدين الذي يتحدث عنه الجولاني ونظامه شيئاً مختلفاً عن الدين الذي هربوا إليه من زفرة هذه الحياة. ولم يعد هذا الدين هو قلب العالم الذي لا قلب له ولا روح العالم الذي لا روح فيه. لم يعد زفرة الإنسان المقهور، ولا يصلح حتى لأن يكون أفيوناً لآلامهم. آلامهم تزداد يوماً بعد يوم، ولن يسكنها أي أفيون. وكما قال ريبين في رواية الأم لمكسيم غوركي، وهو يتحدث عن المتدينين في روسيا قبل الثورة:
…… ولربما وجدوا أن كل شيء كإله الكنيسة موجه ضدهم. ضعوا الكتب بين أيديهم فيجدوا بأنفسهم الأجوبة عن أسئلتهم. تلك هي القضية!
كل الطرق الرأسمالية تؤدي للخراب: ناضلوا من أجل البديل الطبقي
علمانيون وإسلاميون. جميعهم ليبراليون، وليسوا سوى أدوات بيد الرأسماليين. انظروا إلى تونس، الغنوشي وسعيد، والشعب تائه بينهما.
ولهذا نحن نسعى لبناء القيادة الثورية والتي تناضل من أجل:
1- كشف الحقيقة التي تقول بأن العلمانيين والإسلاميين كلاهما ليبراليون وفي خدمة رأس المال. إن تجار الدين وتجار العلمانية جميعهم يعملون كوسطاء لرأس المال.
2- العمل من أجل بناء بديل طبقي حقيقي يضمن حق كل إنسان بالتدين أو عدم التدين بصفته حقاً ديمقراطياً، وهذا ما يعنيه بناء العلمانية الحقيقية التي تضمنها الدولة العمالية وليس العلمانية الليبرالية المزيفة. هذا يتطلب ليس فقط فصل الدين عن الدولة، وإنما أيضاً فصل الرأسمالية عن السلطة.
3- النضال من أجل قانون أحوال شخصية موحد يوحد ويساوي بين الجميع (إرث، زواج، طلاق) بعيداً عن المحاكم الدينية، لكسر السلطة البطريركية التي تعيد إنتاج النظام الطبقي في كل لحظة، مع الإبقاء على إمكانية الزواج الشرعي بشكل منفصل تماماً عن قانون الأحوال الشخصية وليس جزءاً منه.
4- تطوير المناهج الدراسية بحيث يصبح الحديث عن الأديان ليس بصفتها ظواهر اجتماعية مجردة، وإنما كيف تطورت مادياً تاريخياً.
5- مصادرة كافة أملاك المؤسسات الدينية، سواء كانت إسلامية أو مسيحية، ووضعها في خدمة إعادة الإعمار، على أن تكون هذه الأموال تحت الرقابة الديمقراطية للجان العمال ومجالس المناطق.
6- فصل الدين عن الدولة يعني أيضاً إخراج الدين من الموازنة العامة، كونه يوجد في سوريا ما يكفي من بيوت عبادة للجميع، وما تحتاجه سوريا اليوم هو تحويل كل النفقات المخصصة للمؤسسة الدينية إلى قطاعي الصحة والتعليم.
هذه المطالب تبدو الآن غير منطقية ومنفصلة عن الواقع. هي تبدو هكذا لأنها لا تملك الشروط الموضوعية. لكن امتلاك شروطها الموضوعية ليس أمراً مستحيلاً أو منفصلاً عن الواقع. هذه مهام صعبة، لكن يمكن إنجازها بالتنظيم. نحن ماركسيون ونعرف أن كل المهام الديمقراطية في بلد مثل سوريا لا يمكن أن ينجزها سوى الطبقة العاملة وحلفائها الطبقيين، ولا يمكن تثبيتها كحق مكتسب إلا بالثورة الاشتراكية التي سوف تنقل السلطة من الرأسماليين إلى الجماهير المفقرة والمسحوقة. عندها فقط يمكننا بناء نظام عمالي بصفته النظام العلماني الوحيد الذي يتسع لجميع الفقراء.
لذلك ندعوكم للانضمام إلى إيسكرا لنحول هذا البرنامج من كلمات إلى وقائع.
مسلمون ومسيحيون ويهود وملحدون: جميعنا فقراء وكادحون، وجميعنا لدينا مستقبل لنكسبه. ناضلوا معنا من أجل ذلك.
كل الشكر ..
معا لبناء قيادة ثورية حقيقية ومعبرة عن مصالح الطبقة العاملة وفكرها الثوري ….
كل التحيات رفيقنا وشكراً لمداخلتك
جدال الهويات دينيه كانت أو عرقيه أو قوميه جدال فارغ من الاصل و أداه إستغلال رأسمالي محكمه على مر العصور لأنه ينفي ما تخشي البرجوازيه من أن تقتنع به جماعير الكادحين و هو أن المجتمعات تتطر و تتشكل طبقا لواقع تاريخي طبقي و لس طبقا لمسار هبوطي ميتافيزيقي ثابت و محدد سلفا….. و أثبتت التجربه في الشرق الناطق بالعربيه حقيقه ينكرها العلمانيون الليبراليون بشكل حاد لأنها تعبير واضح عن نفاقهم و إنتهازيتهم و هو أن تطور قوى الانتاج في مجمتع ما و إطلاق العنان لتقدم القوى الاجتماعية المكونه لهذا المجتمع هو ماسيؤدي الى فرض العلمانيه بشكل طبيعي و تلقائي و ليس العكس الذي حاولت برجوازيات متخلفه كثيره في الشرق الوسط فعله بفرض العلمانيه بالعنف ظنا منها أن ذاك هو الطريق لتقدم المجتمع…ما حدث هو العكس فرض العلامنيه مع حصار قوى الاننتاج و منع تطورها و قهر التنظيم الاجتماعي الذاتي أدى الى رده رجعيه بشعه ولن تتطور وقى الانتاج و تتقدم القوى الاجتماعيه إلا في نظام إشتراكي على أسس ماركسيه خصوصا مع إنتهاء و إكتمال تحول البرجوازيه في العالم كله الى قوة رجعيه إنتهازيه بإمتياز….. وعندما تصل المجتمعات الى درجه عاليه من الوفره و التقدم الفكري العقلاني لن تكون الانسانية في حاجه إلى دين أو ميتافيزيقا سماويه تحيل لها معاناتها و أمالها
كل التحيات صديقنا و نشكر لك تعليقك المفيد. فعلاً هؤلاء الليبراليين العلمانيين يريدون تغير الوعي قبل الواقع و هو ما لا يمكن أن يحدث. إن تطور البنية الفوقية من دين وفلسفة وفن و أخلاق و قانون يمكن أن يأخذ مسار مستقل في بعض الأحيان لكن هذا المسار سوف يبقى محدود بالبنية التحتية للمجتمع. تحياتنا الرفاقية