فريدريك إنجلز ( ديالكتيك الطبيعة)
في مجابهة الميتافيزيقا يجب تطوير الطابع العام للديالكتيك بوصفه علم الترابط). إذن من تاريخ الطبيعة وتاريخ المجتمع البشري جُرّدت قوانين الديالكتيك. وهذه القوانين ليست سوى القوانين الأكثر عمومية لهاتين المرحلتين من التطور التاريخي، وكذلك للفكر ذاته أيضاً. وفي الحقيقة، فإنها ترجع، في جوهر الأمر، إلى القوانين الثلاثة الآتية:
- قانون تحول الكم إلى كيف، وبالعكس.
- قانون تداخل الأضداد.
- قانون نفي النفي.
هذه القوانين الثلاثة كلها، بسطها هيغل، بطريقته المثالية، على أنها قوانين للفكر وحده: القانون الأول – في القسم الأول من كتابه «المنطق» – في مبحث الوجود – ويشغل القانون الثاني كامل القسم الثاني، والأكثر أهمية، من «المنطق» – في مبحث الجوهر؛ وأخيراً، يشكل القانون الثالث القانون الأساسي في بناء مذهبه بأكمله. إن
الخطأ هنا يكمن في أن هذه القوانين لم تُستخلص من الطبيعة والتاريخ، بل فُرضت عليها من فوق – على أنها قوانين للفكر. ذلك هو مصدر الانشاءات المصطنعة، والمخيفة غالباً: إن على الكون – شاء ذلك أم أبى – أن يتوافق مع نظام منطقي، ليس هو نفسه إلا نتاج مرحلة معينة من تطور الفكر البشري. فإذا قبلنا الأمر، يصبح كل شيء بسيطاً، وتصبح القوانين الديالكتيكية، التي تبدو غامضة إلى أبعد حد في الفلسفة المثالية، بسيطة وواضحة وضوح الظهيرة.
هنا تجدر الإشارة إلى أن من يعرف هيغل، ولو معرفة يسيرة، يعلم أن بوسع هيغل أن يُعطي، في مئات من الأمكنة، أمثلة بالغة الدلالة، مأخوذة من الطبيعة والتاريخ، تبيّن فعل القوانين الديالكتيكية.
ولم نضع نصب أعيننا هنا مهمة كتابة موجز عن الديالكتيك، بل توخينا تبيان كيف أن القوانين الديالكتيكية هي قوانين حقيقية لتطور الطبيعة، أي أنها تسري على العلوم الطبيعية النظرية أيضاً. وعليه، فلن يكون بوسعنا الدخول في دراسة مفصلة لمسألة الترابط الداخلي بين هذه القوانين.
1- قانون تحوّل الكم إلى كيف، وبالعكس. يمكن، تبعاً لما نتوخاه، أن نعبّر عن هذا القانون بقولنا: إن التحولات الكيفية في الطبيعة – هذه التحولات المحددة بدقة في كل حالة فردية – لا تحدث إلا بإضافة كمية، أو طرح كمي، للمادة أو الحركة (المدعوة طاقة).
إن كافة التباينات الكيفية في الطبيعة تستند إما إلى اختلافات في التركيب الكيميائي، أو إلى كميات مختلفة أو أشكال مختلفة من الحركة (الطاقة)، وإما – كما هو الأمر في كل الحالات تقريباً – إلى كليهما معاً. وهكذا يتعذر تبديل كيفية جسم ما دون إضافة أو طرح للمادة أو الحركة، أي بدون القيام بتغيير كمي للجسم المعني. في هذه الصياغة لا تبدو موضوعة هيغل المبهمة معقولة فحسب، بل وحتى بديهية أيضاً.
وأعتقد أنه ليس هناك من ضرورة للإشارة إلى أن مختلف الحالات التأصلية (Allotropic) والتجميعية (Aggregational) للأجسام ، التي (الحالات) تعود إلى اختلاف تجمعات الجزيئات، تقوم، هي الأخرى، على كميات (Mengen)، أقل أو أكثر، من الحركة، المعطاة للجسم.لكن ماذا يمكن قوله عن تغير شكل الحركة، أو ما يدعى بالطاقة؟ إذا غيّرنا الحرارة إلى حركة ميكانيكية، أو بالعكس، أليست الكيفية هي التي تتغير، في حين تبقى الكمية هي ذاتها؟ هذا صحيح، لكن على تغير شكل الحركة يصح ما قاله هاينه عن الرذيلة: «إن بوسع أي كان أن يكون فاضلاً بمفرده، أما الرذيلة فتحتاج دائماً إلى إثنين». إن تغير شكل الحركة هو عملية، تحدث، دوماً، بين جسمين على الأقل، يفقد أحدهما كمية معينة من حركة كيفية ما (الحرارة، مثلاً)، في حين يكتسب الآخر كمية مقابلة من حركة كيفية أخرى (حركة ميكانيكية، كهرباء، تحليل كيميائي). ولذا فإن الكم والكيف، هنا، يتوافقان أحدهما مع الآخر، وفي كلا الاتجاهين.
وحتى الوقت الحاضر لم تتوافر أية إمكانية لتحويل الحركة من شكل إلى آخر ضمن جسم واحد معزول.حتى الآن، كان الحديث يدور هنا عن الأجسام الجامدة. لكن هذا القانون نفسه ينطبق أيضاً على الأجسام الحية، وإن كان يتجلى هناك في شروط بالغة التعقيد كما لا تزال القياسات الكمية في هذا المجال متعذرة غالباً.وإذا تخيلنا أن أي جسم جامد يمكن تقسيمه إلى ما لا نهاية، إلى أجزاء أصغر فأصغر، فإنه لن يحدث، في البداية، أي تحول كيفي. لكن لذلك التقسيم حداً: إننا ننجح أحياناً – كما في التبخير، مثلاً – في الحصول على جزيئات مفردة في الحالة الحرة، غير أن الاستمرار في تقسيم هذه الجزيئات إلى مدى أبعد من ذلك يغدو متعذراً بدون تغير كيفي كامل.
إن الجزيء يتحلل إلى ذراته المنفصلة، بصفاتها، التي تختلف تماماً عن صفات الجزيء. وفي حالة الجزيئات، المؤلفة من عناصر كيميائية متباينة، تحل ذرات، أو جزيئات هذه العناصر محل الجزيء المركب، وفي حالة جزيئات العناصر تتولد ذرات حرة، تتكشف عن أفعال، متمايزة تماماً من ناحية الكيف: الذرات الحرة للأوكسيجين المتولد حديثاً تستطيع فعل ما لا تستطيعه أبداً ذرات الأوكسيجين الجوي المجتمعة في الجزيء. بيد أنه حتى الجزيء، يختلف كيفياً، هو الآخر، عن كتلة الجسم، الذي إليه ينتمي، ذلك أن بوسعه القيام بحركات، مستقلة عن هذا الجسم. وفي حين يبقى الجسم، ظاهرياً، في حالة سكون، يستطيع الجزيء القيام باهتزازات حرارية مثلاً، كما يستطيع – بواسطة تغيير موضعه وارتباطه بالجزيئات المجاورة – الانتقال بالجسم من حالة تأصلية أو تجميعية إلى أخرى.
وهكذا نرى أن لعملية التقسيم، الكمية محضاً، حداً، تتحول عنده إلى اختلاف كيفي: الكتلة تتألف حصراً من الجزيئات، لكنها شيء يختلف جوهرياً عن الجزيء، تماماً مثلما يختلف هذا الأخير عن الذرة. وإلى هذا الاختلاف يستند فصل علم الميكانيك، كعلم عن الكتل (الأجسام) السماوية والأرضية، عن الفيزياء – كعلم ميكانيك الجزيئات، وعن الكيمياء – كعلم فيزياء الذرات.
وفي علم الميكانيك لا نصادف أية كيفيات؛ وفي أحسن الأحوال نقع على حالات، كالتوازن والحركة والطاقة الكامنة، تستند جميعها إلى انتقال للحركة، يمكن قياسه، كما يمكن التعبير عن هذه الحالات ذاتها بلغة كمية. وبما أن لدينا هنا تحولاً كيفياً فإن هذا التحوّل يعود، بالضرورة إلى تحول كمي موافق له.
وفي الفيزياء ينظر إلى الأجسام على أنها ثابتة وعاطلة كيميائياً. وهنا نصادف تغيرات في أوضاعها الجزيئية، وتحولاً في شكل الحركة، يرافقه – في أحد الطرفين، على الأقل – فعل للجزيئات. إن كل تغير هنا هو تحول للكم إلى كيف، وذلك نتيجة تحوّل كمية من شكل معين للحركة، كانت في الجسم أم نقلت إليه.
«مثال ذلك، أن حرارة الماء تبدو، في المراحل الأولى، أمراً لا أثر له على سيولته. لكن مع ارتفاع حرارة الماء السائل أم انخفاضها، تأتي لحظة، تتغير عندها حالة التماسك هذه، وينقلب الماء إما إلى بخار وإما إلى جليد» (هيغل، الموسوعة، المجلد السادس، ص 217).
كذلك لا بد من حدٍّ أدنى معين لشدة التيار، يكفي لإحداث توهج في سلك بلاتين لمصباح كهربائي مضيء؛ كما أن لكل معدن درجة توهج وانصهار، ولكل سائل نقطة محددة – تحت ضغط معين – للتجمد والغليان (على قدر ما تمكننا وسائلنا من بلوغ درجة الحرارة المطلوبة)؛ وأخيراً، لكل غاز نقطة حدية، يمكن عندها أن يتميع بالضغط والتبريد. وبالاختصار، فإن ما يدعى بالثوابت (Constants) الفيزيائية ليست، في معظمها، إلا تسميات للنقاط العقدية، التي عندها نجد أن الإضافة الكمية، أم الطرح الكمي للحركة، تؤدي إلى تغيير كيفي في حالة الجسم المعني، أي عندها يتحول الكم إلى كيف.
بيد أن الكيمياء هي أحسن الحقول، التي يحتفل فيها هيغل بالانتصارات العظيمة لقانون الطبيعة، الذي اكتشفه. إن بوسعنا تسمية الكيمياء بعلم التحولات الكيفية، التي تطرأ على الأجسام نتيجة لتغير تركيبها الكمي. كان هذا معروفاً لهيغل نفسه (المنطق، الأعمال الكاملة، المجلد 3، ص 433). فلنأخذ الأوكسيجين: إذا اتحدت معاً ثلاث ذرات – عوضاً عن الاثنتين المعتادتين – نحصل على جزيء من الأوزون، الذي يختلف اختلافاً كبيراً عن الأوكسيجين العادي سواء برائحته أم بتفاعلاته.
وكيف، إذن، بالنسب المختلفة لاتحاد الأوكسيجين مع الآزوت أم الكبريت، التي تعطي كل منها مادة مختلفة كيفياً عن أي من سائر المواد! كم يختلف الغاز المثير للضحك (N2O) عن بلا ماء (انهدريد) الآزوت (N2O5)! الأول غاز، والثاني مادة متبلورة صلبة في درجات الحرارة العادية. ومع ذلك، فكل ما في تركيبهما من فرق هو أن الثاني يشتمل على خمسة أضعاف ما يحويه الأول من الأوكسيجين، وأن بين الاثنين ثلاثة أوكسيدات أخرى (NO2-N2O3)، يختلف كل منها كيفياً سواء عن الاثنين الأولين أم أحدهما عن الآخر.
ويتجلى هذا بصورة أكثر إثارة للدهشة في سلسلة المركبات الفحمية المتشاكلة (Homologus)، لا سيما في الفحوم الهيدروجينية الأبسط. فأدنى البارافينات هو الميتان (CH4) . هنا تشبع الروابط الأربع لذرة الفحم بأربع ذرات الهيدروجين. ثم يأتي الإيتان(C2H6) ، الذي له ذرتان من الفحم مرتبطتان معاً، وتشبع الروابط الست الحرة بست ذرات من الهيدروجين. وبعدها لدينا (C3H8 & C4H10) و إلخ، طبقاً للمادة (CnH2n+2) ، بحيث أنه مع كل إضافة (CH2) لـ يتشكل جسم، متميز كيفياً عن الجسم السابق. الحلقات الثلاث الأدنى من السلسلة هي غازات، أما أرفع الحلقات المعروفة – الهيكساديكين – (C16H34) فهو جسم صلب، درجة غليانه 278° سنتيغراد.
وهذا يصح تماماً على سلسلة الكحوليات الأولية ذات الصيغة (CnH2n+2O) ، المشتقة (نظرياً) من البارافينات، وسلسلة الحموض الدسمة الوحيدة الأساس، (CnH2nO2) . أما الاختلاف الكيفي، الذي يمكن إحداثه بالإضافة الكمية (C3H6) ، فتعلمنا إياه التجربة: هنا يكفي تناول الكحول الأتيلي (C2H2O) ، في أي شكل صالح للشرب، ودون إضافة كحول أخرى. ولنتناول، مرة أخرى، الكحول الأتيلي نفسه لكن مع إضافة قليل من الكحول الأميلي (C5H12O) ، والذي يؤلف العنصر الرئيسي للزيت الكحولي الكريه. ففي صباح اليوم التالي، سوف يحسُّ المرء جيداً بالفرق بينهما، لكن في الاتجاه الأسوأ، ومع الأسف، حتى يمكننا القول بأن السكر، وما يعقبه في صباح اليوم التالي من ألم السكر والصداع، هو أيضاً كم تحول إلى كيف: من جهة – للكحول الأتيلي، ومن جهة ثانية – لـ (CH6) المضاف إليه.
ففي هذه السلاسل يتجلى لنا القانون الهيغلي على نحو آخر أيضاً. فإن الحلقات الدنيا من السلسلة لا تسمح إلا بتموضع وحيد للذرات. لكن إذا ما وصل عدد الذرات، المتحدة في جزيء واحد، إلى مقدار معين، ثابت، لكل سلسلة، فإن تجمع الذرات في الجزيء يمكن أن يتم بأكثر من طريقة؛ حتى أنه يصبح بالإمكان ظهور مادتين متماكبتين (Isomeric) أو أكثر، بأعداد متساوية من ذرات الفحم C والهيدروجين H والأوكسيجين O في الجزيء، لكنها، رغم ذلك، متمايزة كيفياً بعضها عن بعض، كما أن بإمكاننا حسب عدد المتماكبات، الممكنة لكل حلقة من السلسلة. ففي سلسلة البارافين هناك متماكبان لـ (C4H10) ، وثلاثة متماكبات لـ (C5H12) ؛ وبين الحلقات الأعلى يزداد عدد المتماكبات الممكنة بصورة سريعة للغاية. وهكذا نرى، مرة ثانية، أن عدد الذرات في الجزيء يحدد إمكانية قيام متماكبات متمايزة كيفياً، ويحدد – كما أثبتت التجربة – وجودها الواقعي.
وفضلاً عن ذلك، يمكننا – قياساً على المواد التي تعرَّفنا إليها في كل من هذه السلاسل – استخلاص بعض النتائج حول الخصائص الفيزيائية للحلقات غير المعروفة حتى الآن، يمكننا، على الأقل بالنسبة للحلقات، التي تلي مباشرة الحلقات المعروفة، التنبؤ بهذه الخصائص، وبدرجة الغليان، إلخ.
أخيراً، لا يصح القانون الهيغلي على المواد المركبة، فحسب، بل وعلى العناصر الكيميائية ذاتها أيضاً. فنحن نعلم الآن:
«إن الخواص الكيميائية للعناصر هي وظيفة دورية لأوزانها الذرية». (روسكو وشورلمر، الكتاب التعليمي المفصَّل في الكيمياء، المجلد 2، ص 823).
وإنه، بناء على ذلك، يتحدد كيفها بكمية وزنها الذري. وقد أمكن التحقق من ذلك بطريقة رائعة. فقد برهن مينديلييف على وجود تغييرات في صفوف العناصر المتقاربة، المرتبة تبعاً لأوزانها الذرية، تدل على أن هناك عناصر، ينبغي اكتشافها. وأعطى، مسبقاً، الخواص الكيميائية العامة لأحد هذه العناصر المجهولة، الذي دعاه إيكا – ألومينيوم، لأنه يلي الألومينيوم في الصف، الذي يبدأ بهذا الأخير، وخمَّن، بصورة تقريبية، وزنه وحجمه الذريين.
وبعد بضع سنين اكتشف لوكوك دي بواسبودران هذا العنصر فعلاً. وقد جاءت توقعات مينديلييف صحيحة، بانحرافات جد ضئيلة. لقد تحقق الايكا – ألومينيوم في الغاليوم (المصدر السابق، ص 828) لقد أنجز مينديلييف، من خلال التطبيق غير الواعي لقانون هيغل عن تحول الكم إلى الكيف، عملاً علمياً فذاً، لن يكون من المغالاة وضعه على قدم المساواة مع اكتشاف لوفيرييه، الذي حسب مدار كوكب، لم يكن معروفاً إلى ذلك الحين – كوكب نبتون.
وفي البيولوجيا، وتاريخ المجتمع البشري، تتأكد صحة هذا القانون في كل خطوة، لكننا نكتفي هنا بأمثلة من العلوم الدقيقة، حيث يمكن بدقة قياس الكميات وتتبعها.
ومن المحتمل جداً أن السادة أنفسهم، الذين أكدوا، حتى الآن، أن تحول الكم إلى كيف ليس إلا ضرباً من الصوفية والغيبية، سيعلنون، الآن، أن ذلك لا يتعدى كونه أمراً سطحياً، عادياً وبديهياً بذاته، وأنهم كانوا يطبقونه منذ أمد بعيد؛ وبالتالي، فإنهم لم يتعلموا شيئاً جديداً هنا. لكن قانوناً لتطور الطبيعة والمجتمع والفكر قد صيغ حقيقة، وللمرة الأولى، في شكله الصحيح الشامل، سيبقى إلى الأبد، عملاً ذا أهمية تاريخية – عالمية كبيرة. وإذا كان هؤلاء السادة قد تركوا، لسنين طويلة، الكم والكيف يتحولان أحدهما إلى الآخر، دون أن يكونوا يدرون ما هم فاعلون، فسوف يترتب عليهم أن يعزّوا أنفسهم مع السيد جوردان (عند موليير)، الذي كان يتكلم نثراً طوال حياته، دون أن يخطر بباله أن كلامه هو النثر.