فريدريك إنجلز
العمل، كما يقول علماء الاقتصاد السياسي، مصدر كل ثروة. وإنه لذلك فعلاً، إلى جانب الطبيعة، التي تزوّده بالمادة فيحوّلها إلى ثروة. ولكنه أيضاً أكثر من ذلك بما لا يقاس. إنه الشرط الأساسي الأول للحياة البشرية كلها، وهو كذلك إلى درجة، يترتب علينا معها أن نقول بمعنى ما: إن العمل قد خلق الإنسان نفسه.
فمنذ مئات عديدة من ألوف السنين، في تلك الحقبة من تطور الأرض، التي يسميها الجيولوجيون بالعصر الجيولوجي الثالث، والتي لا يزال مستعصياً تحديدها بدقة، في أواخرها على الأرجح، كانت تعيش في مكان ما من المنطقة الاستوائية – أغلب الظن في قارة شاسعة تغمرها اليوم مياه المحيط الهندي – سلالة من القردة الشبيهة بالإنسان، بلغت درجة عالية جداً من التطور. وقد أعطانا داروين وصفاً تقريبياً لأسلافنا القردة هؤلاء. فكانت هذه القردة شَعراء (مكسوة بالشعر) كلياً، وذات لحى وآذان مقرّنة الأطراف، وكانت تعيش قطعاناً على الأشجار.
وينبغي الافتراض، أنه بتأثير من نمط حياتها، في المقام الأول، هذا النمط، الذي يتطلب أن تقوم الأيدي، عند التسلق، بوظائف غير وظائف الأرجل، بدأت هذه القردة تتخلص من عادة الاستعانة بأيديها في المشي على الأرض، وأخذت تكتسب مشية أكثر استقامة وبذلك تمت الخطوة الحاسمة في الانتقال من القرد إلى الإنسان.
إن كل القردة الشبيهة بالبشر، التي لا تزال تعيش في أيامنا، تستطيع الوقوف باستقامة والتنقل على الرجلين وحدهما. ولكنها لا تفعل ذلك إلا عند أمس الحاجة وبمنتهى الخراقة. أما مشيتها الطبيعية فتجري في وضعية نصف عمودية، وتشتمل على استخدام الأيدي. وفي أثناء المشي، تستند غالبيتها على الأرض بالسلاميات الوسطى لأصابع يديها المنقبضة، تطوي رجليها وتدفع بجسمها إلى الأمام بين يديها الطويلتين كمشلول يمشي على عكازين. وعلى العموم، لا يزال بوسعنا اليوم أن نلاحظ عند القردة كافة المراحل الانتقالية من المشي على القوائم الأربع إلى السير على قدمين. لكن هذه الطريقة الأخيرة في المشي لا تتعدى، عند أي منها، كونها وسيلة اضطرارية، تلجأ إليها في الحالات القصوى.
وإذا كانت المشية العمودية لدى متقدمتنا الشَعراء قد تحتم أن تغدو قاعدة، أول الأمر، ومن ثم ضرورة أيضاً، فهذا يفترض أنه كان من نصيب الأيدي، في الوقت نفسه، القيام، أكثر فأكثر، بأشكال أخرى من النشاط. وحتى عند القردة بات يسود نوع من تقسيم المهام والوظائف بين الأيدي والأرجل. فالأيدي، كما ذكرنا، تستخدم، أثناء التسلق، على غير ما تستخدم الأرجل. اليد تُستخدم، على الأخص، لجمع الطعام وحمله، شأن بعض الثدييات الدنيا، التي باتت تفعل ذلك بمساعدة قوائمها الأمامية. فبمساعدة اليد تبني بعض القردة أوكارها في الأشجار، أم حتى، كما يفعل الشمبانزي، تمدّ سقائف بين الأغصان، تحميها من سوء الطقس. باليد تمسك بالهراوة للدفاع عن نفسها ضد الأعداء، أو تقذفهم بالثمار والحجارة.
وباليد أيضاً تقوم، حين تكون في الأسر، بعدد من العمليات البسيطة، التي تقلِّد بها البشر. ولكن هنا، بالضبط، يتبدى كم هو شاسع الفرق بين اليد غير المتطورة حتى عند أكثر القردة شبهاً بالإنسان وبين اليد البشرية التي بلغت بفضل العمل على امتداد مئات الآلاف من السنين، درجة عالية من الاتقان والاكتمال. فإن عدد العظام والعضلات وترتيبها العام، هما واحد في اليدين كلتيهما (يد الإنسان ويد القرد) ومع ذلك تستطيع يد حتى أكثر الناس توحشاً وبدائية القيام بمئات من العمليات، تعجز عن تقليدها يد أي قرد. فلم يحدث أبداً أن صنعت يد قرد حتى أبسط سكين (قاطعة) حجرية.
ولذا فإن تلك العمليات، التي تعلّم أجدادنا، على امتداد آلاف عديدة من السنين في عصر الانتقال من القرد إلى الإنسان، تكييف أيديهم تدريجياً وفقاً لها، ما كان لها أن تكون، في البداية، غير عمليات بسيطة للغاية. فإن أدنى المتوحشين، حتى أولئك الذين يمكن الافتراض أنهم ارتدُّوا إلى حالة أكثر شبهاً بالحالة الحيوانية، ورافق ارتدادهم هذا انحطاط جسدي، يبقون، مع ذلك، في مستوى أرفع بكثير من تلك الكائنات الانتقالية. فقبل أن تصنع يد الإنسان أول قاطعة صوانية، كان لا بد من مرور فترة طويلة من الزمن، تبدو الحقبة التاريخية، التي نعرفها، تافهة بالمقارنة معها. لكن الخطوة الحاسمة قد تمت: لقد أصبحت اليد حرة، وبات بوسعها، من بعد، اكتساب مهارات جديدة وجديدة. ثم أن المرونة الأكبر، المكتسبة على هذا النحو، انتقلت بالوراثة، ونمت وتعززت من جيل إلى جيل.
وهكذا فإن اليد ليست عضو (أداة) العمل، فحسب، وإنما هي نتاج العمل، أيضاً. فبفضل العمل وحده، بفضل التكيف مع عمليات جديدة أبداً، بفضل الانتقال الوراثي للنمو والتطور الخاص، الذي بلغته، على هذا النحو، العضلات والأوتار، وكذلك العظام في فترات أطول، وبفضل التطبيق المتكرر لهذه المهارات والتحسينات الموروثة على عمليات جديدة، ومتزايدة التعقيد أبداً، بفضل ذلك كله بلغت اليد البشرية تلك الدرجة العالية من التضلع التام بحيث استطاعت أن تبدع، كما لو بقوة سحرية، لوحات رفائيل، وتماثيل ثوروالدسن، وموسيقى باغانيني. لكن اليد لم تكن منعزلة. لقد كانت مجرد عضو من أعضاء متعض (جسم كامل حي) عالي التركيب، وما كان يعود بالفائدة على اليد، كان يفيد، أيضاً، كل الجسم الذي كانت تعمل في خدمته؛ وقد تم ذلك بطريقة مزدوجة. في المقام الأول، بموجب القانون، الذي دعاه داروين قانون ترابط (تلازم) النمو. فتبعاً لهذا القانون، فإن أشكالاً معينة لبعض أجزاء كائن عضوي ترتبط دائماً بأشكال محددة لأجزاء أخرى، تبدو وكأنها لا تمت بصلة إلى الأولى.
من ذلك، مثلاً، أن كل الحيوانات التي لها كريات حمراء بدون نواة خلوية، والتي يرتبط قذالها (مؤخرة الجمجمة) بالفقرة الأولى (من العمود الفقري) بلقمة مزدوجة لها أيضاً، بلا استثناء، غدد ضرعية لإرضاع صغارها. ومن ذلك، أيضاً، أن الأظلاف المفلوقة لدى الثدييات تقترن، كقاعدة عامة، بالمعدة المركبة، للاجترار. إن تغير أشكال معينة يؤدي إلى تغير أشكال أجزاء أخرى من الجسم، من غير أن نستطيع تفسير هذا الترابط. والقطط البيضاء اللون تماماً، والزرقاء العيون، تكون دائماً، ودائماً تقريباً، صماء. إن التحسين التدريجي لليد البشرية، والتحسين المتزامن للرجل للتكيف مع المشية المستقيمة والعمودية، قد مارسا بلا شك، وبفعل قانون الترابط أيضاً، تأثيراً (معاكساً) على أجزاء أخرى من الجسم. غير أن دراسة هذا النوع من التأثير لا تزال ضعيفة جداً، ومن ثم لا يسعنا، هنا، إلا الإشارة إليه إشارة عامة.
لكن الأهم بكثير هو التأثير العكسي المباشر، الممكن إثباته، الذي مارسه ترقي اليد على باقي الجسم. إن أسلافنا الشبيهين بالقردة كانوا، كما سبق أن قلنا، كائنات (حيوانات) اجتماعية. ومن البديهي أنه يتعذر إرجاع أصل الإنسان، وهو أكثر الحيوانات نزوعاً إلى الحياة الاجتماعية، إلى أسلاف قريبين (مباشرين) غير اجتماعيين. فإن السيطرة على الطبيعة، التي تبدأ مع ترقي اليد، مع العمل، قد وسعت أفق الإنسان مع كل خطوة جديدة. ففي أشياء الطبيعة كان يكتشف دائماً خواص جديدة، غير معروفة من قبل.
ومن ناحية أخرى، فإن ترقي العمل ساعد، بالضرورة، في توثيق الروابط بين أفراد المجتمع، فبفضله كثرت حالات العون المتبادل، والنشاط المشترك، وتوضحت أكثر فأكثر فائدة هذا النشاط المشترك لكل فرد على حدة. وباختصار، فإن الناس، الذين كانوا في طور النشوء، بلغوا درجة ظهرت عندها الحاجة في أن يقولوا شيئاً بعضهم لبعض. وهذه الحاجة خلقت عضوها (أداتها)، فتحولت حنجرة القرد غير المتطورة تحولاً بطيئاً، لكن مطرداً، عبر التنغيم من أجل التألف مع تنغيم متطور باستمرار، وتدريجياً تعلمت أعضاء الفم النطق بألفاظ متقطعة بيِّنة.
إن المقارنة مع الحيوانات تثبت أن هذا التفسير لنشأة اللغة عن العمل، ومع العمل، هو التفسير الصحيح الوحيد. فذلك القليل، الذي تحتاج الحيوانات، حتى أكثرها تطوراً، إلى إبلاغه بعضها إلى بعض، تستطيع إبلاغه بدون اللجوء إلى النطق البيِّن الألفاظ. إن أي حيوان، في الحالة الطبيعية، لا يشعر بنقص لكونه لا يستطيع التكلم، أو فهم لغة الإنسان. لكن الأمر يختلف تماماً عندما يدجنه الإنسان. فبفضل معاشرة البشر اكتسب الكلب والحصان أذناً مرهفة بالنسبة للنطق المتقطع الألفاظ، يستطيعان معها، في إطار تصوراتهما، أن يتعلمها بسهولة فهم أية لغة.
. وفضلاً عن ذلك، اكتسبا القدرة على مشاعر، مثل التعلق بالإنسان، والعرفان بالجميل، وغيرها من المشاعر، التي كانت غريبة عنهما فيما مضى. وإن من الصعب على كل من له صلة بهذه الحيوانات التخلي عن القناعة بأنها تشعر الآن، في حالات عديدة، بعجزها عن الكلام على أنه نقص؛ ونظراً إلى أن أعضاءها الصوتية متخصصة في اتجاه معين، يصعب مع الأسف، سد هذا النقص. ولكن حيث يوجد هذا العضو يمكن للعجز المذكور أن يتلاشى ضمن حدود معينة. إن أعضاء الفم لدى الحيوانات تختلف، بالطبع، اختلافاً جذرياً عنها لدى الإنسان. ومع ذلك فإن الطيور هي الحيوانات الوحيدة، التي يمكن أن تتعلم الكلام، والببغاء، الذي صوته أشنع أصوات الطيور، يتكلم خيراً منها جميعاً. ولا يعترضن أحد بالقول أن الببغاء لا يفقه ما يقوله.
ولا شك أنه سيظل ساعات كاملة يكرر، معقعقاً ومثرثراً كل ما عنده من كلمات، لمجرد حب الكلام والاختلاط بالناس. ولكنه، في حدود مجال تصوراته، يستطيع أيضاً أن يتعلم فهم ما يقول. علِّموا الببغاء بعض كلمات الشتيمة بحيث يكوّن تصوراً عن معناها (تلك هي إحدى التسليات المفضلة للبحارة العائدين من البلدان الحارة)، وبعدها حاولوا إغاظته، تجدوا في الحال كيف أنه يحسن استخدام شتائمه مثل بائعة خضار برلينية. كذلك هو الحال عند استجداء الحلويات.
العمل أولاً؛ والنطق بعده، ومن ثم معه، كانا الحافزين الرئيسيين، اللذين تحت تأثيرهما تحول دماغ القرد تدريجياً إلى دماغ بشري، يتفوق إلى حد بعيد – رغم كل ما بينهما من شبه – على دماغ القرد من حيث الحجم والكمال. وجنباً إلى جنب مع ترقي الدماغ ترقت أدواته الأقرب (المباشرة) – أعضاء الحس. وكما أن الترقي التدريجي للنطق يرفق حتماً بتحسُّن مقابل لعضو السمع، كذلك فإن رقي الدماغ عموماً يرفق بتحسن الحواس إجمالاً. إن النسر يرى أبعد بكثير من الإنسان، لكن العين البشرية تلاحظ في الأشياء أكثر بكثير مما تلاحظه عين النسر. وأنف الكلب أرهف بكثير من أنف الإنسان، لكنه لا يميز واحداً بالمئة من تلك الروائح، التي تمثل، بالنسبة للإنسان، علامات أكيدة لأشياء مختلفة. أما حاسة اللمس، التي بالكاد نجدها عند القرد في أبسط أشكالها وأكثرها بدائية، فإنها لم تتكون إلا مع اليد البشرية نفسها، بفضل العمل.
إن تطور الدماغ والحواس الخاضعة له، والوعي المتزايد الوضوح، والقدرة على التجريد والاستنتاج الذهني، قد مارس تأثيراً معاكساً على العمل وعلى اللغة، باثاً فيهما دفعات، جديدة أبداً، للاستمرار في التحسن. وهذا التحسن لم ينته بانفصال الإنسان النهائي عن القرد، بل إنه، إجمالاً، استمر في مسيرته بعد ذلك. ومع أنه اختلف في مداه واتجاهه باختلاف الشعوب والعهود، وانقطع أحياناً، هنا وهناك، بسبب ارتداد محلي ومؤقت، كانت مسيرته، عموماً وإجمالاً، تتقدم بخطى ثابتة وقوية، متلقية، من جهة، دفعاً قوياً جديداً، ومن جهة أخرى – وجهة أكثر تحديداً، وذلك بفضل ظهور عنصر جديد، انبثق مع الإنسان المكتمل، هو: المجتمع. وأغلب الظن أن مئات الآلاف من السنين – ليست أهميتها في تاريخ الأرض أكثر من أهمية ثانية في عمر الإنسان – قد انقضت قبل أن يخرج مجتمع بشري من قطيع القردة، التي تتسلق الأشجار. لكن هذا المجتمع ظهر، في نهاية المطاف. وما هو الفرق المميز، الذي نجده ثانية هنا، بين المجتمع الإنساني وقطيع القردة؟ إنه العمل. إن قطيع القردة كان يكتفي بالغذاء، المتوفر في منطقته، التي تعين حدودها الشروط الجغرافية أو درجة مقاومة القطعان المجاورة.
وكان يرحل من مكان إلى آخر، ويدخل في صراع مع القطعان المجاورة، طمعاً في الظفر بمنطقة جديدة، غنية بالغذاء. لكنه كان عاجزاً عن أن يستخلص من المنطقة، التي يحصل منها على الغذاء، أكثر مما توفره بطبيعتها، ربما باستثناء، ربما أن القطيع كان يسمّد التربة ببرازه دونما وعي أو قصد! وما أن شُغلت كل المناطق، القادرة على التزويد بالطعام، حتى أصبح ازدياد القردة متعذراً، وفي أفضل الحالات كان عدد الحيوانات يبقى على حاله. ولكن الحيوانات كلها مبذرة للغذاء إلى حد كبير، حتى أنها غالباً ما تقضي على النباتات الجديدة في حالتها الجنينية. إن الذئب، خلافاً للصياد، لا يرحم العنزة، التي كانت ستعطيه الجداء في السنة المقبلة؛ والماعز، التي ترتعي الشجيرات الفتية والأدغال الصغيرة، قبل أن يتاح لها النمو، قد أحالت جبال اليونان كلها إلى بقاع جرداء.
وإنهاك الأرض هذا بالنسبة للحيوانات يلعب دوراً هاماً في عملية التحول التدريجي للأنواع، ذلك أنه يجبرها على التكيف وفق أنواع جديدة من الغذاء، غير مألوفة لها، وبذلك يكتسب دمها تركيباً كيميائياً مختلفاً، ويتغير شيئاً فشيئاً تكوينها الجسدي برمته، في حين تضمحل وتزول الأنواع، التي استقرت استقراراً نهائياً. ولا مجال للشك في أن إنهاك الأرض هذا قد أسهم بقسط كبير في تحول أسلافنا (متقدمتنا) إلى بشر. فعند سلالة من القردة، التي تتفوق إلى حد بعيد على كافة القردة الأخرى بذكائها وقدرتها على التأقلم، كان لا بد لإنهاك الأرض هذا من أن يؤدي إلى تزايد مطرد في النباتات الجديدة، الداخلة في غذائها، وإلى تزايد مطرد في استهلاك الأجزاء الصالحة للأكل من هذه النباتات، أي أن الغذاء أخذ يتنوع أكثر فأكثر، وتنوعت، معه، المواد الداخلة إلى الجسم، مما وفر الشروط الكيميائية لتحول هذه القردة إلى بشر. لكن هذا كله لم يكن بعد عملاً بكل معنى الكلمة.
فالعمل يبدأ مع صنع الأدوات. ولكن ما هي أقدم الأدوات التي نجدها، – الأقدم في ضوء الأدوات والمواد، التي ورثناها عن أناس ما قبل التاريخ، وفي ضوء نمط حياة أولى الشعوب في التاريخ، وكذلك نمط حياة أكثر المتوحشين الحاليين بدائية؟ إنها أدوات القنص وصيد الأسماك؛ وكانت أولاها سلاحاً في الوقت نفسه. لكن القنص وصيد الأسماك يفترضان الانتقال من التغذية النباتية الصرفة إلى استهلاك اللحم في آن واحد، وهذا يعني خطوة هامة جديدة نحو التحول إلى إنسان. لقد كانت التغذية اللحمية تتضمن، في حالة شبه جاهزة، المواد الأساسية، التي يحتاجها الجسم من أجل الأيض (التحول الغذائي، الاستقلاب). وهذه التغذية اختصرت مدة عملية الهضم، واختصرت معها مدة العمليات النمائية الأخرى، المقابلة لظواهر حياة النبات، وبذلك وفّرت مزيداً من الوقت، ومن المادة والطاقة، من أجل التجلي النشيط للحياة الحيوانية، بالمعنى الأصلي للكلمة.
وكلما كان الإنسان، السائر في طريق التكوين، يزداد ابتعاداً عن مملكة النبات، كان يزداد ارتفاعاً فوق الحيوان أيضاً. وكما أن تعويد القطط والكلاب البرية على التغذية النباتية إلى جانب اللحمية قد جعل منها خدماً للإنسان، فإن الاعتياد على التغذية اللحمية، إلى جانب النباتية، قد أسهم بقسم هام جداً في منح الإنسان، السائر في طريق التكوّن، مزيداً من القوة الجسدية، ومن الاستقلالية. ولكن التأثير الجوهري للتغذية اللحمية إنما كان على الدماغ، فبفضلها بدأ يتلقى المواد الضرورية لتغذيته وتطوره بمقادير أوفر بكثير مما مضى، مما مكّنه من أن يتطور بمزيد من السرعة، وبمزيد من الكمال، من جيل إلى جيل. وليسمح لنا السادة النباتيون بالقول إن الإنسان لم يصبح إنساناً بدون التغذية اللحمية. وإذا كانت التغذية اللحمية قد أدّت، في هذا العهد أم ذاك، وعند كل الشعوب المعروفة لنا، إلى أكل حتى لحوم البشر (إن أجداد البرلينيين، الفيلتاب أو الفيلز، كانوا لا يزالون، حتى القرن العاشر، يأكلون آباءهم)، فإن هذا الأمر لا يعنينا مطلقاً الآن.
لقد أسفرت التغذية اللحمية عن تقدمين جديدين، لهما أهمية حاسمة: استعمال النار وتدجين الحيوانات. الأول زاد في قصر عملية الهضم، بحيث زوّد الفم بغذاء نصف مهضوم، إذا جاز التعبير، والثاني جعل الغذاء اللحمي أكثر وفرة، إذ أمّن، إلى جانب القنص، مورداً جديداً أكثر انتظاماً، وزوّد، علاوة على ذلك، بغذاء جديد من الحليب ومشتقاته، لا تقل قيمته، من حيث التركيب، عن اللحم. وهكذا غدا هذان التقدمان كلاهما، وعلى نحو مباشر، وسيلتين جديدتين لتحرر الإنسان. لكن الوقوف هنا مفصلاً عند تأثيراتهما غير المباشرة، رغم أهميتها الكبيرة بالنسبة لتطور الإنسان والمجتمع، سيقودنا بعيداً جداً عن موضوعنا.
وكما تعلّم الإنسان أكل ما يُستساغ أكله، تعوّد، أيضاً، العيش في كل المناخات. لقد انتشر في كل بقاع الأرض الصالحة للسكن، وكان الحيوان الوحيد، القادر على فعل ذلك بنفسه. فالحيوانات الأخرى، التي تأقلمت مع كافة المناخات، لم تتعلم ذلك بنفسها، بل بمجاراتها الإنسان: إنها الحيوانات الداجنة والهوام (الحشرات الطفيلية). والانتقال من الموطن الأصلي، حيث الطقس حار بانتظام، إلى مناطق أكثر برودة، حيث تنقسم السنة إلى شتاء وصيف، خلق حاجات جديدة: الحاجة إلى المسكن والملبس لاتقاء البرد والرطوبة، فاتحاً، بذلك، الطريق إلى فروع جديدة للعمل، ومعها أشكال جديدة من النشاط، ارتفعت بالإنسان تدريجياً فوق عالم الحيوان.
وبفضل النشاط المشترك لليد وأعضاء النطق والدماغ، ليس فقط عند كل فرد، بل وفي المجتمع أيضاً، أصبح بوسع الناس القيام بعمليات أكثر فأكثر تعقيداً، ووضع أهداف أرفع فأرفع، وبلوغها. ومن جيل إلى جيل أصبح العمل نفسه أكثر تنوعاً، وأكثر اتقاناً، وأكثر شمولاً. فإلى قنص الحيوانات البرية وتربية الماشية انضمت الزراعة؛ وإلى هذه أضيف الغزل والحياكة، وصنع الأدوات المعدنية، وصناعة الفخار، والملاحة.
إلى جانب التجارة والحرف ظهر، أخيراً، الفن والعلم؛ وتحولت القبائل إلى الأمم والدول. وتطورت الحقوق والسياسة، وفي الوقت نفسه تطور معها انعكاس ظروف حياة الإنسان انعكاساً خيالياً وهمياً في ذهنه – الدين. وحيال كل هذه التشكلات، التي ظهرت، في المقام الأول، على أنها نتاجات للدماغ، وبدت وكأنها شيء مسيطر على المجتمعات البشرية، فإن النتاجات الأكثر تواضعاً، إنتاجات اليد العاملة، انتقلت إلى المرتبة الثانية، لا سيما أن الدماغ، الذي يخطط للعمل، كان بإمكانه، منذ المراحل الأولى من تطور المجتمع (في الأسرة البدائية، مثلاً)، تنفيذ العمل، الذي يقرره، بأيدٍ غير يديه.
فإلى العقل، إلى تطور الدماغ ونشاطه، بدأ الناس ينسبون كل الفضل في التطور السريع للمدنية. واعتادوا على رد أفعالهم إلى فكرهم، بدلاً من ردّها إلى حاجاتهم (التي تنعكس، بالطبع، في الدماغ، وتُدرك عقلياً). وهكذا تولدت، مع الزمن، تلك النظرة المثالية إلى العالم، التي، استحوذت على العقول، لا سيما منذ انهيار العالم اليوناني القديم. وهي لا تزال تسيطر على العقول سيطرة، نجد معها أنه حتى أكثر العلماء من مدرسة داروين نزوعاً نحو المادية.
لا يزالون غير قادرين على تكوين تصوّر واضح عن نشأة الإنسان، إذ أنهم، بحكم التأثير الإيديولوجي المذكور، لا يرون الدور الذي لعبه العمل في هذا التطور. إن الحيوانات، كما ألمحنا، تُغيّر، هي الأخرى، الطبيعة الخارجية بنشاطها، وإن يكن بدرجة أقل منها بالمقارنة مع الإنسان. وهذه التغييرات التي تجريها في محيطها تمارس، كما رأينا، تأثيراً معاكساً على مسبّبتها، محدثةً فيها تغييرات معينة؛ ففي الطبيعة لا شيء يحدث منعزلاً. إن كل ظاهرة تؤثر على الأخرى وتتأثر بها، وإن إغفال علمائنا لهذه الحركة والترابط الشاملين هو الذي يحول، في معظم الحالات، دون رؤيتهم حتى لأبسط الأمور.
لقد رأينا كيف تعيق الماعز عودة الأحراج في اليونان؛ وفي جزيرة القديسة هيلانة تمكنت الماعز والخنازير، التي أتى بها أوائل ملاحي المراكب الشراعية الذين نزلوا في الجزيرة، من الإبادة، شبه الكلية، للنباتات الأصلية، وبذلك هيأت التربة لانتشار النباتات الأخرى التي حملها الملاحون المتأخرون والمستوطنون. ولكن حين تؤثر الحيوانات تأثيراً مديداً في محيطها فإن هذا التأثير يتم بدون أي قصد منها، ويبدو، بالنسبة لهذه الحيوانات نفسها، مجرد صدفة.
أما بالنسبة للبشر، فكلما ابتعدوا عن عالم الحيوان اتخذ تأثيرهم على الطبيعة طابع الأفعال المقصودة، المخطط لها، الموجهة لتحقيق أهداف معينة، معروفة سلفاً. إن الحيوان يقضي على نبات منطقة ما بدون أن يدري ما يفعل. أما الإنسان فيقضي على هذا النبات ليهيء تربة صالحة للاستعمال، يزرع فيها الحبوب أو يغرس فيها الأشجار والكرمة، التي يعرف أنها ستعود عليه بمحصول يفوق بمرات ما قد زرعه.
. وهو ينقل النباتات النافعة والحيوانات الداجنة من منطقة إلى أخرى، مغيّراً بذلك عالمي النبات والحيوان في قارات بأكملها. وفضلاً عن ذلك، وبفضل الاصطفاء الاصطناعي (في الزراعة والتدجين)، تحول يد الإنسان النباتات والحيوانات إلى درجة يصعب معها التعرف إليها؛ فحتى الآن لم يُعثر بعد على تلك النباتات البرية التي منها تحدّرت أنواع حبوبنا. ولا يزال الجدل قائماً حول الحيوانات البرية التي تحدّرت منها كلابنا، على ما بينها من اختلافات كبيرة، وسلالات خيلنا، على كثرتها وتعددها.
ومن البديهي أنه لا يخطر ببالنا أن ننكر على الحيوانات القدرة على أفعال متعمدة، ومخطط لها ومنظمة. وعلى العكس، فإن ثمة نمط فعل نظامياً يوجد، في كل حالة جنينة حيثما توجد البروتوبلازما، البروتين الحي، وترد الفعل، أي تقوم بحركات معينة، وإن تكن غاية في البساطة، نتيجة لإثارات خارجية معينة. إن رد الفعل هذا يحدث حتى حيث لا توجد أية خلية، بعد، فكيف في حال وجود الخلايا العصبية! والطريقة، التي تقبض بها النباتات آكلة الحشرات على فريستها تبدو منظمة أيضاً، إلى حد ما، وإن تكن غير واعية إطلاقاً.
إن القدرة على الأفعال الواعية، المنظمة، تتطور عند الحيوانات تبعاً لتطور الجهاز العصبي، قد بلغت، عند الثدييات، مستوى رفيعاً بما فيه الكفاية. وفي أثناء مطاردة الثعالب بالكلاب لقنصها، على الطريقة الإنكليزية، يمكننا دائماً أن نلاحظ بأية مهارة يستخدم الثعلب، دونما خطأ، معرفته الممتازة بالمنطقة للإفلات من مطارديه، وكيف يعرف، ويستغل جيداً، كل مزايا الأرض، التي تساعده على تضييع الأثر. وعند حيواناتنا الداجنة، الأرفع تطوراً بفضل عشرتها مع البشر، يمكن أن نلاحظ، يومياً، علامات دهاء، في نفس مستوى ما نلاحظ عند الأطفال من هذه العلامات.
وكما أن تاريخ تطور الجنين البشري في بطن أمه ليس إلا تكراراً مختصراً لتاريخ ملايين السنين من التطور الجسدي لأسلافنا الحيوانيين، بدءاً من الدودة، فإن التطور الروحي للطفل ليس إلا تكراراً، لكنه أكثر تكثيفاً، للتطور الذهني لأولئك الأسلاف، للمتأخرين منهم على الأقل. على أن كافة الأفعال المنظمة، لدى كل الحيوانات لم تستطع أن تمهر الطبيعة بخاتم إرادتها. إن الإنسان هو الكائن الوحيد، الذي استطاع فعل ذلك.
وباختصار، فإن الحيوان لا يذهب أبعد من استخدام الطبيعة الخارجية، وهو يحدث تغييرات فيها لمجرد وجوده؛ أما الإنسان فيجعلها – بما يدخله عليها من تغييرات – تخدم أغراضه، يسيطر عليها. هذا هو الفرق الجوهري الأخير بين الإنسان وسائر الحيوانات، فرق يدين به الإنسان، مرة أخرى، للعمل.
لكن علينا ألا نغتر كثيراً بانتصاراتنا البشرية على الطبيعة. فهي تنتقم منا عن كل انتصار. صحيح أن كلاً من هذه الانتصارات يؤدي، بالدرجة الأولى، إلى تلك النتائج، التي توقعناها. لكنه يؤدي، أيضاً، بالدرجة الثانية والثالثة، إلى نتائج مغايرة تماماً، غير متوقعة، غالباً ما تلغي نتائج الأولى. فالناس، الذين اجتثوا جذور الغابات في بلاد ما بين النهرين واليونان وآسيا الصغرى، وغيرها من المناطق، ليحصلوا على أرض صالحة للحراثة وللزراعة، لم يخطر ببالهم أبداً أنهم، بذلك، أرسوا بداية القحل الحالي لهذه البلدان،إذ أنهم بإزالتهم للغابات، حرموها من مراكز تجمع الرطوبة وخزنها.
وعندما قام الجبليون الإيطاليون على المنحدر الجنوبي للألب باجتثاث أشجار الصنوبر التي حُوفظ عليها بعناية فائقة على المنحدر الشمالي لم يفكروا أنهم، بذلك، يجتثون جذور تربية الماشية والرعي في مناطقهم، ناهيك عن أنهم لم يخطر ببالهم أنهم، بفعلهم هذا، يحرمون ينابيعهم الجبلية من الماء طوال القسم الأكبر من السنة، وأن هذه المياه تصب، في موسم الأمطار، سيولاً دافقة على السهول.
وأولئك الذين نشروا البطاطا في أوروبا لم يكونوا يعرفون أنهم، مع الدرنات النشوية، كانوا ينشرون أيضاً مرض تدرن الغدد اللمفاوية (الداء الخنازيري) (Serofula). وهكذا تذكرنا الوقائع، عند كل خطوة، بأننا لا نسيطر على الطبيعة، كما يسيطر فاتح على شعب غريب، لا نسيطر عليها سيطرة شخص موجود خارج الطبيعة، بل أننا، على العكس، ننتسب إليها بلحمنا ودمنا ودماغنا، ونعيش فيها، وأن كل سيطرتنا عليها تقوم في كوننا، بخلاف الكائنات الأخرى كافة، نستطيع معرفة قوانينها، ونستطيع تطبيق هذه القوانين تطبيقاً صحيحاً.
وبالفعل، فإننا، مع كل يوم، نتعلم فهم قوانين الطبيعة بمزيد من الصحة، ونتعلم معرفة النتائج القريبة، والبعيدة أيضاً، لتدخلنا النشيط في مجراها الطبيعي. ونحن نغدو أكثر فأكثر قدرة، لا سيما منذ النجاحات الكبيرة التي حققتها العلوم الطبيعية في قرننا الحالي، على أن نأخذ بالحسبان أيضاً النتائج الطبيعية الأبعد لأعمالنا العادية في ميدان الإنتاج، على الأقل، ونتعلم، بالتالي، السيطرة عليها. وبقدر ما يغدو هذا الأمر واقعاً، بل ويدركون من جديد، وحدتهم مع الطبيعة، ويسقط التصور، الأخرق والمنافي للطبيعة، القائل بالتضاد بين الروح (العقل) والمادة بين الإنسان والطبيعة، بين النفس والجسد، هذا التصور، الذي شاع في أوروبا منذ انحطاط العصور الكلاسيكية القديمة، ولقي تبسطه الأعلى في المسيحية.
ولكن إذا كان الأمر قد تطلب آلاف السنين من العمل لكي نتعلم، إلى حد ما، أن نأخذ بالحسبان النتائج الطبيعية البعيدة لأفعالنا، الموجهة نحو الإنتاج، فإن الحال كان أصعب بكثير فيما يتعلق بالنتائج الاجتماعية البعيدة لهذه الأفعال. لقد ذكرنا البطاطا وتدرن الغدد اللمفاوية الذي رافق انتشارها. ولكن ما قيمة التدرن المذكور بالمقارنة مع تلك الآثار، التي خلفها حصر غذاء السكان الكادحين بالبطاطا وحدها، على أوضاع معيشة الجماهير الشعبية في بلدان بأكملها؟ ما التدرن بالمقارنة مع المجاعة، التي اجتاحت إيرلندا عام 1847 نتيجة لمرض البطاطا، وأودت بحياة مليون من الإيرلنديين، الذين كان عملهم يقتصر أو يكاد يقتصر، على جمع البطاطا، من تحت الأرض وقذفت بمليونين آخرين إلى ما وراء البحار! وحين تعلم العرب تقطير الكحول لم يتبادر قط إلى ذهنهم أنهم ابتدعوا إحدى الأدوات الرئيسية، التي ستستعمل، فيما بعد، لإبادة السكان الأصليين في أميركا، التي لم تكن قد اكتشفت آنذاك.
وعندما اكتشف كولومبوس أميركا هذه لم يكن يعرف أنه، بذلك، قد بعث من جديد الرق، الذي كان قد زال من أوروبا منذ زمن بعيد، وأرسى أسس الاتجار بالزنوج. والرجال، الذين عملوا في القرنين السابع عشر والثامن عشر على صنع المحرك البخاري لم يفطنوا إلى أنهم يضعون أداة، ستسهم، أكثر من أية أداة أخرى، في تثوير العلاقات الاجتماعية في العالم كله، لا سيما في أوروبا، وذلك بتركيزها الثروات في أيدي الأقلية، وتحويل غير المالكين إلى جانب الأغلبية العظمى.
ففي البداية، ستمنح هذه الأداة للبورجوازية السيطرة السياسية والاجتماعية، ومن ثم ستقود إلى صراع طبقي بين البورجوازية والبروليتاريا، لا يمكن أن ينتهي إلا بإسقاط البورجوازية، والقضاء على كافة التناحرات الطبقية. ولكن حتى في هذا الميدان نتعلم، بالتجربة الطويلة، والقاسية غالباً، وبمقارنة المادة التاريخية وتحليلها، نتعلم تدريجياً استشفاف الآثار الاجتماعية، البعيدة وغير المباشرة، لنشاطنا الإنتاجي، وبذلك تتوفر لنا إمكانية السيطرة على هذه الآثار وضبطها.
غير أن إجراء هذا الضبط يتطلب أكثر من المعرفة المجردة. إنه يتطلب انقلاباً كاملاً في نمط إنتاجنا، القائم حتى الآن، ومعه كل نظامنا الاجتماعي الراهن.
إن كافة أنماط الإنتاج، حتى اليوم، استهدفت بلوغ أقرب نتائج العمل النافعة وأكثرها فورية فحسب. أما النتائج البعيدة، التي لا تظهر إلا فيما بعد، والتي لا يتجلى تأثيرها إلا بفعل التكرار والتكدس التدريجيين، فلم تكن تؤخذ بالحسبان أبداً. إن الملكية العامة البدائية للأرض كانت تتوافق، من جهة، مع مستوى لتطور الناس، حدَّد أفقهم، على العموم، بالأشياء الأقرب إليهم، ومن جهة أخرى، كانت تفترض فائضاً من الأرض، يؤمِّن مجالاً للتخفيف من العواقب الوخيمة الممكنة لهذا الاقتصاد البدائي. وحين استُنفد هذا الفائض من الأراضي الحرة تداعت معه الملكية العامة.
أما كافة أشكال الإنتاج اللاحقة، الأرفع، فقد أدَّت إلى تقسيم السكان إلى طبقات مختلفة، ومن ثم – إلى التناحر بين الطبقات المسيطرة والطبقات المضطهدة. ونتيجة لذلك غدت مصلحة الطبقة السائدة العامل المحرك للإنتاج، طالما أن مهمة الإنتاج لم تكن لتقتصر على تأمين وسيلة العيش – بأسهل الطرق وبأقل التكاليف – للجماهير المضطهدة. إن هذا يتحقق، على أكمل وجه، في نمط الإنتاج الرأسمالي، السائد حالياً في أوروبا (الغربية). فالرأسماليون المنفردون، الذين يسيطرون على الإنتاج والتبادل، لا يمكن أن يهتموا إلا بأقرب المنافع لأفعالهم. وفضلاً عن ذلك، فإن هذه المنافع ذاتها – طالما أن الحديث يدور على نفعية (فائدة) السلعة المنتجة أو المبادلة – تتراجع إلى الخلف، ويغدو الحصول على الربح (عند البيع) هو الدافع الوحيد.
إن العلم الاجتماعي البورجوازي، الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، لا يتناول، في الأساس، إلا تلك النتائج الاجتماعية، المقصودة مباشرة من الأفعال البشرية، الموجهة نحو الإنتاج والتبادل. وهذا يتوافق تماماً مع ذلك النظام الاجتماعي، الذي يشكل التعبير النظري عنه. وبما أن الرأسماليين المنفردين يشتغلون بالإنتاج والتبادل طمعاً بالربح المباشر، فإن محور اهتمامهم، في المقام الأول، لا يمكن أن يكون إلا أقرب النتائج المباشرة. فإذا باع صناعي، أو تاجر منفرد، بضاعة، منتجة أو مشتراة، بالربح العادي، فإن هذا يرضيه تماماً، ولا يهتم أبداً بما سيحدث، فيما بعد، لهذه البضاعة ولمشتريها.
كذلك هو الأمر بالنسبة للنتائج الطبيعية لهذه الأفعال. فماذا كان يهم الزراع الإسبانيين في كوبا، الذين أحرقوا الغابات على المنحدرات الجبلية، ووجدوا في الرماد من الأسمدة ما يكفي لجيل واحد من أشجار البن الغنية المردود، هل كان يهمهم إذا كانت الأمطار الاستوائية ستجرف، فيما بعد، الطبقة الترابية السطحية، التي لم يبقَ لها ما يحميها، ولن تترك خلفها إلّا الصخور العارية؟ فإزاء الطبيعة، مثلما ازاء المجتمع، لا يدخل في الاعتبار – في إطار نمط الإنتاج الراهن، غالباً – إلّا النجاح الأقرب، الأكثر ملموسية.
وبعد هذا كله نراهم يُدهشون حين يجدون أن الآثار البعيدة لتلك الأفعال، الموجهة للحصول على هذه النتيجة، مختلفة تماماً عنها، بل ومضادة تماماً لها في معظم الأحيان؛ حين يجدون أن الانسجام بين العرض والطلب يتحول إلى ضده، وهذا ما يبينه مجرى الدورة الصناعية كل عشر سنوات، والذي كان بإمكان ألمانيا التأكد منه بعد معاناتها لفاتحة صغيرة من مثل هذا التحول أيام ” الإفلاس” حين يجدون أن الملكية الخاصة، القائمة على العمل الشخصي، تتطور، حتماً، إلى حرمان الشغيلة من الملكية، بينما تتجمع كل الممتلكات، بصورة متزايدة، في أيدي الذين لا يعملون.