بقلم الرفيق حسام داوود
في فيديو صادم انتشر على منصات التواصل الاجتماعي في الولايات المتحدة، وُضع أطفال أمام أطعمة يُفترض أن تكون من أبسط مفردات الحياة اليومية: طماطم، بطاطا، باذنجان… لكن الصدمة لم تكن في التردد أو الخطأ في التسمية، وإنما في أن عدداً كبيراً منهم لم يعرف أصلاً ما الذي يراه أمامه. المسألة هنا لا تتعلق بمشهد غريب من الإنترنت، بل بمؤشر يكشف خللاً أعمق بكثير: كيف وصلت أغنى دولة رأسمالية في العالم إلى وضع صار فيه الطعام الحقيقي أقل حضوراً في وعي الطفل من عبوة كاتشب أو وجبة سريعة؟
ربما سيحاول كثيرون اختزال المسألة في صورة أخلاقية سهلة: أسر مقصرة، تربية ضعيفة، ووعي غذائي منخفض. لكن هذا التفسير، على راحته، يكاد يكون مصمماً خصيصاً لإخفاء أصل المشكلة. فالطفل لا يبني علاقته بالطعام داخل فراغ. هو يتعرف إلى ما يتكرر أمامه، وما يراه في البيت، وفي المدرسة، وفي المتجر، وفي الإعلان، وعلى الشاشة. فإذا صار قادراً على تمييز شعار سلسلة وجبات سريعة أكثر من قدرته على تمييز ثمرة حقيقية، فهذه ليست مشكلة ذاكرة، بل مشكلة عالم طبقي كامل أعاد ترتيب علاقة الإنسان بطعامه.
الأرقام الأمريكية الحديثة تكشف أن المسألة ليست استثناءً: فالأطعمة فائقة المعالجة شكّلت في المتوسط 61.9% من السعرات اليومية لدى من هم بين سنة و18 سنة في الولايات المتحدة، وارتفعت إلى 64.8% لدى الأطفال بين 6 و11 سنوات، وكانت السندويتشات والبرغر والمنتجات المخبوزة الحلوة والوجبات الخفيفة المالحة والبيتزا والمشروبات المحلاة من أبرز المصادر اليومية لهذه السعرات. نحن نتحدث هنا إذاً عن حالة عامة وليس عادات فردية سيئة و الواقع أنّ البيئة الغذائية حالياً أصبح فيها الطعام المعالج هو القاعدة بينما الاستثناء هو الطعام الأقل تصنيعاً، و ليس العكس.
السوق لا يلبي الذوق، بل يصنعه
الليبرالية تتحدث عن الطعام كما لو أن المستهلك يقف أمام الرف وفي يده حرية خالصة: هذا يشتري سلطة، وذاك يشتري وجبة جاهزة، وكل واحد مسؤول عن اختياره. لكن هذا الوصف كاذبٌ ومضلِّلٌ، ويُنتج وهمَ الحرية في الاختيار. إنَّ ما يبدو اختياراً فرديّاً عند رفّ المتجر ليس حرّاً في الحقيقة، بل تُحدده مسبقاً شروط مادية واجتماعية مثل طول يوم العمل، ومستوى الأجر، وبُعد المتجر، وأسعار الخضار، وتوفّر مطبخ صالح، والإعلانات الموجَّهة، والوقت المتبقّي من اليوم بعد استنزاف العمل المأجور للطاقة الجسدية والذهنية. الأسرة العاملة التي تعود في السابعة أو الثامنة مساءً لا تختار بين عالمين متكافئين، بل بين ما تسمح به شروط حياتها وما لا تسمح به. لذلك فإن الرأسمالية لا تكتفي ببيع الطعام، بل تنتج، في الوقت نفسه، نمطاً من الحياة يجعل الطعام الأسرع والأرخص والأكثر قابلية للتخزين هو الأكثر معقولية في التجربة اليومية. وحين يقال بعد ذلك إن الناس اختاروا، فهذه ليست إلّا لغة أيديولوجية تغطي الإكراهات الطبقية بكلمة الحرية.
يكفي أن ننظر إلى يوم عادي لأسرة عاملة حتى يسقط هذا الوهم. صباح سريع، أطفال يجب إخراجهم إلى المدرسة، أبوان في سباق مع الوقت، إفطار معبأ أو خبز مصنع أو حبوب محلاة لأن تحضير شيء آخر يحتاج وقتا غير موجود. في الظهيرة، طعام جاهز أو شيء يؤكل على عجل. وفي المساء، بعد التعب والتنقل والضغط، تتقدم البيتزا المجمدة، والمعكرونة سريعة التحضير، والصلصات الجاهزة، والوجبات التي يكفي أن تدخل الفرن أو الميكروويف. هذه المنتجات لا تنتصر بالتأكيد لأنها الألذ، بل لأنها منسجمة مع مجتمع سُرقت منه الساعات التي تجعل الطبخ، والأكل الهادئ، والتسوق المعقول، ممكنين. بهذا المعنى، فإن الغذاء الصناعي هو أحد الحلول التي يقدمها رأس المال للأزمة التي يخلقها بنفسه: هو ينهك الناس، ثم يبيعهم صيغة غذائية تتلاءم مع إنهاكهم.
الطعام هو تاريخ عمل اجتماعي
بعض ردّات الفعل على التوسّع الهائل في الأغذية المُصنَّعة، وحقيقة أن غالبيتها ليست إلا غذاءً رديئاً، تتجلّى في أن بعض الناس انزلقوا إلى الخرافة المعاكسة، أي إلى فكرة أن الإنسان كان في الماضي يعيش على طبيعة أصلية صافية، ثم أفسدتْها الحداثة من الخارج. هذه الصورة مريحة أدبياً، لكنها خاطئة تاريخياً وأنثروبولوجياً. فالإنسان لم يتغذّ يوماً على الطبيعة كما وجدها فقط، بل على الطبيعة بعد أن دخلت فيها اليد، والنار، والأداة، والذاكرة، والتقسيم الاجتماعي للعمل.
وما نسميه غذاءً بشرياً هو، منذ زمن بعيد جداً، حصيلة سلسلة طويلة من العمليات: جمع، وصيد، وتدجين للحيوانات، وطحن، وطبخ، وتجفيف، وتخمير، وتخزين، وانتقاء للبذور، وتوزيع للطعام داخل الجماعة. والمراجعات العلمية حول تطور الغذاء الإنساني تؤكد أن التحولات الكبرى في تاريخنا الغذائي ارتبطت بأكل اللحم، والطبخ، ثم الزراعة وتدجين النبات والحيوان، وأن الطبخ تحديداً زاد قابلية المضغ والهضم ورفع صافي الطاقة المستخلصة من الطعام. أي إن الغذاء لم يكن في أي مرحلة إنسانية ناضجة مجرد شيء موجود في الطبيعة، بل مادة أعاد الإنسان تشكيلها اجتماعياً كي تصبح قابلة للحياة البشرية.
إذاً، المسألة ليست أن البشر ابتعدوا عن الطبيعة، بل أنهم منذ البداية لم يدخلوا معها إلا عبر العمل. ولهذا لا يفسر التاريخ الغذائي بالذوق المجرد، ولا بالأفكار المجردة عن الصحة، بل بالطريقة التي ينظم بها مجتمع ما علاقته بالطبيعة من أجل إعادة إنتاج حياته. ولهذا كان إنجلز دقيقاً حين ربط في مقدمة أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة بين التاريخ الاجتماعي وبين إنتاج وسائل العيش نفسها. ويمكن إدماج فكرته هنا بهذا الشكل: إن العامل الحاسم في التاريخ، كما يقول إنجلز، هو في النهاية “إنتاج وإعادة إنتاج ضروريات الحياة المباشرة”، وعلى رأسها الطعام واللباس والمسكن وأدوات إنتاجها. هذه العبارة هي بالفعل مفتاح لفهم الغذاء بوصفه علاقة اجتماعية. فهي تقول لنا إن الطعام لم يكن ملحقاً جانبياً بالحضارة، ولا تفصيلاً بيولوجياً تحت البناء الاجتماعي، بل أحد الأسس التي يقوم عليها هذا البناء نفسه.
وإذا أردنا أن نقرأ هذه الفكرة على مستوى أعمق، فالأهم في كلام إنجلز ليس فقط أنه يذكر الطعام، بل أنه يضعه داخل حركة التاريخ المادي ذاتها. فحين يكتب أن شكل المجتمع تحدده، من جهة، درجة تطور العمل، ومن جهة أخرى، أشكال إعادة إنتاج الحياة، فهو ينقل الطعام من كونه مسألة استهلاك إلى كونه مسألة إنتاج اجتماعي. وهذا هو الفارق الحاسم بين القراءة المادية والقراءة الليبرالية السطحية. الليبرالية ترى الغذاء غالباً من جهة الاختيار الفردي: ماذا أحب؟ ماذا أشتري؟ ماذا آكل؟ أما المادية التاريخية فتسأل: كيف صار هذا الطعام موجوداً أصلاً؟ تحت أي شروط زُرع أو صُنّع؟ من يملك أدوات إنتاجه؟ ومن يملك الوقت والمعرفة والقدرة المادية للوصول إليه؟ عند هذه النقطة لا يعود الغذاء مسألة نمط حياة، بل يدخل مباشرة في صلب علاقات الإنتاج والطبقة والملكية.
ولهذا السبب أيضا ينبغي رفض الرومانسية الزراعية بالقدر نفسه الذي نرفض به الابتذال الليبرالي. فالقول إن الحل هو العودة إلى الطبيعة الخام لا يقل سطحية عن القول إن المشكلة مجرد سوء اختيار. الإنسان لم يترقّ تاريخياً لأنه أكل الخام، بل لأنه تعلم أن يحوّل المادة الطبيعية إلى غذاء إنساني. النار نفسها كانت ثورة في علاقة الإنسان بالطعام، و ذلك لأنها وسّعت حدود الممكن بيولوجياً واجتماعياً: خففت أعباء المضغ، ورفعت الاستفادة الطاقية، وقللت بعض المخاطر الميكروبية، وسمحت بحفظ أوسع وتقاسم مختلف للجهد والزمن.
وهنا يصبح من المفيد أن ندخل موضعاً مكملاً من ماركس نفسه، لأنه يشرح هذه العلاقة بمنتهى الدقة. ففي رأس المال يعرّف العمل بأنه عملية يشارك فيها الإنسان والطبيعة معاً، وبأن الإنسان “يبدأ وينظم ويضبط” التفاعل المادي بينه وبين الطبيعة، لكي يحصل على منتجاتها في صورة تلائم حاجاته. ثم يضيف الفكرة الأعمق: أن الإنسان، وهو يغير العالم الخارجي، “يغير في الوقت نفسه طبيعته هو”. هذه النقطة هامة جداً هنا، لأنها تمنعنا من تصور الطعام كشيء خارجي عن التاريخ البشري. فالإنسان لا يطبخ ويزرع ويطحن ويخزن فقط لكي يغيّر شكل المادة؛ هو، عبر هذه العملية، يعيد تشكيل نفسه: جسده، وزمنه، وحواسه، وعلاقاته الاجتماعية، وأدواته، بل وحتى تصوراته عما هو صالح للأكل وعما هو مرغوب وعما هو ممكن.
الغذاء، بهذا المعنى، ليس فقط نتاجاً للعمل، بل أحد الوسائط التي يتشكل من خلالها الإنسان نفسه تاريخياً. ومن هذه الزاوية، نستطيع أن نقول إن الطعام هو تاريخ متراكم من العمل الاجتماعي المتجسد في المادة. حبة القمح نفسها ليست مجرد نبات؛ إنها أيضاً حصيلة أجيال من الانتقاء، والمعرفة الزراعية، وتقنيات التخزين، وأدوات الطحن، وأنماط الخبز، وتقسيم العمل بين من يزرع ومن يحصد ومن يطحن ومن يخبز. اللبن المخمّر ليس مجرد مادة غذائية، بل هو تاريخ من التجربة الجماعية مع الحفظ والتخمير والسيطرة على الفساد. لذلك حتى أبسط وجبة ، إذا نظرنا إليها بعدسة مادية، هي اختصار لتاريخ اجتماعي طويل من المهارة العملية ومن الذاكرة الجمعية.
من القيمة الاستعمالية إلى القيمة التبادلية
إذا أخذنا هذه النقطة بجدية، يتضح أن ما فعلته الرأسمالية المتأخرة لم يكن بقصد إدخال التقنية إلى الطعام، بل إخضاع التقنية الغذائية كلها لمعيار آخر. في التاريخ الطويل للبشرية، كان الطهي والحفظ والتحويل وسائل لتوسيع الحياة: تقليل الهدر، تحسين الهضم، رفع الطاقة المتاحة، حماية الجماعة من تقلب المواسم. أما في الرأسمالية، فهذه الوسائل نفسها يعاد توجيهها بحيث تخدم، أولاً وقبل كل شيء، دوران السلعة.
ليس المطلوب أساساً أن يكون الطعام أصلح للإنسان، بل أن يكون أصلح للتسويق، وأطول بقاء على الرف، وأكثر احتمالاً للنقل الطويل، وأكثر قابلية للتوحيد القياسي، وأشد قدرة على خلق شراء متكرر. هنا يصبح الفرق بين القيمة الاستعمالية والقيمة التبادلية شيئاً يمكن رؤيته في أي متجر: من جهة، حاجة الجسد إلى الغذاء؛ ومن جهة أخرى، حاجة رأس المال إلى منتج يحقق فائض قيمة أعلى. وما ينتصر، في الغالب، ليس ما يخدم الأولى بشكل أفضل، بل ما يخدم الثانية بكفاءة أكبر.
لهذا ينبغي النظر إلى كثافة السكر والملح والدهون الرديئة، أو إلى الاعتماد على المنكهات والمثبتات والمحليات على أنها أمور تتفق تماماً مع منطق السلعة. المنتج الجيد لرأس المال هو الذي يستطيع أن يكون شديد الاستساغة، رخيص المدخلات نسبياً، سهل النقل، قابلا للتخزين، وقادرا على خلق عودة سريعة للمستهلك.
من هنا تنشأ بنية كاملة من الطعام تبدو متنوعة على الرف، لكنها في الجوهر قائمة على مكونات معيارية واحدة تقريباً و مُعاد تركيبها في أشكال متعددة: رقائق، ألواح، مشروبات، صلصات، حبوب إفطار، وجبات خفيفة، وكلها تلبس هيئة وفرة زاهية بينما تستند مادياً إلى قاعدة ضيقة من المدخلات المكررة. التعدد الذي نراه كثيراً هو ليس إلاّ تعدد في الإعلانات و الأغلفة فقط. ونرى، على سبيل المثال، أنه ما إن تقوم شركة بإدخال بعض المواد الضارة، مثل زيت النخيل، إلى منتجاتها، حتى تتسابق الشركات الأخرى لإدخال المادة نفسها، وذلك بهدف خفض التكاليف على حساب صحةِ المستهلك. والأمثلةُ على ذلك كثيرة جداً، ولا يتسع المقال لذكرها.
احتكار السلسلة الغذائية: من البذرة إلى الرف
ويصبح الوهم الليبرالي أكثر هشاشة حين نخرج من المتجر إلى السلسلة الغذائية كلها. فالغذاء لا يبدأ عند المستهلك، بل عند البذرة، والمبيد، والسماد، والعقد، وشركة النقل، والمصنع، والموزع، والسوبرماركت. فقبل أن يصل الطعام إلى الرف، تكون قد تحددت شروطه عبر شبكة كاملة من القوى المادية. من يملك البذور، من يبيع المدخلات، من يفرض معايير الزراعة، من يحدد شروط التوريد، من يحتكر التصنيع، من يسيطر على النقل والتوزيع، ومن يملك القدرة على فرض سعره وشكله ومكانه في السوق. ولهذا فإن الحديث عن مستهلك حر يختار بين بدائل متكافئة يتجاهل أن هذه البدائل نفسها لم تنشأ بصورة عفوية، بل جرى فرزها وصوغها داخل سلسلة تهيمن عليها بضع احتكارات رأسمالية كبرى.
و إذا نظرنا للأمر بعمق أكبر فسنجد أنّ الرأسمالية تعيد تركيب الزراعة التقليدية بكاملها ، فالفلاح المحلي التقليدي لا يخسر لأن محصوله أسوأ بل على العكس محصوله غالباً ما يكون بجودة أفضل، و لكنه يدخل في منافسة غير متكافئة منذ البداية: عليه أن يواجه منتجا أرخص آتياً من سلاسل زراعية بعيدة، تقوم على مساحات واسعة، ومدخلات قياسية، وشبكات نقل وتمويل وتخزين لا يملكها، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الأرض والموسم والديون والسعر.
عند هذه النقطة يكون ما يُسمى بالسوق الحر آلة فرز قاسية: تبقي من يقدر على الإنتاج بأقل كلفة تحت أقسى ضغط، وتدفع ما عداه إلى التهميش أو الخروج. ولهذا لا يكون أثر الاحتكار محصوراً في الأسعار، بل يظهر في تآكل الزراعة المحلية نفسها: تقلص عدد المزارع الصغيرة، اتساع الاعتماد على العقود والتوريد للشركات الكبرى، وتحول قسم متزايد من المنتجين السابقين إلى قوة عمل مأجورة أو إلى فاعلين هامشيين على أطراف السوق. و الأمثلة على ذلك كثيرة، ففي الولايات المتحدة انخفض عدد المزارع من 6.8 ملايين مزرعة في 1935 إلى 1.88 مليون فقط في 2024، أي تراجع بنحو 72%، وفي الاتحاد الأوروبي هبطت حصة العاملين في الزراعة من 5.2% من قوة العمل في 2013 إلى 3.9% في 2023. هذه الأرقام تعكس أيضاً انكماش القاعدة الاجتماعية للفلاحين المنتجين لمصلحة زراعة أكثر تمركزاً و تحوّل قسم كبير من الفلاحين إلى عمّال يعملون بأجر.
حكاية القمح السوري
ليست القضية في سوريا مسألة تحديث كما يروّج لها متملقي السلطة الجديدة. المدافعون اليوم عن السوق الحر يتحدثون عن تحرير الزراعة كما لو أن تحرير الزراعة يعني تحرير الفلاح، بينما الذي يتحرر فعلاً في مثل هذا النظام ليس الفلاح ولا المستهلك، بل رأس المال: رأس المال يصبح أقدر على فرض ما هو أكثر ربحية، وأكثر قابلية للتسويق، وأكثر اندماجاً في السوق العالمية، حتى لو كان ذلك على حساب الأمن الغذائي المحلي وعلى حساب التنوع البيولوجي الذي تراكم عبر قرون.
حين ننظر إلى المسار السوري نرى بوضوح أن الخطر لم يبدأ اليوم فقط، بل له جذور في التحولات الليبرالية التي تسارعت في عهد بشار الأسد، ويجري اليوم دفعها إلى الأمام بصورة أكثر وقاحة في عهد الجولاني. ما بدأ تحت اسم التطوير والتحديث في عهد الأسد، يُستكمل اليوم تحت اسم أكثر فجاجة، أي السوق الحر نفسه. والنتيجة في الحالتين واحدة: إضعاف فكرة أن الزراعة مسألة أساسية، وتحويلها إلى قطاع يجب أن يبرهن على جدواه وفق معايير السوق.
ومن هنا نفهم لماذا لا تكون المسألة مجرد استبدال صنف بصنف، بل إعادة تنظيم كاملة لأولويات الأرض. إذا صار المعيار هو الربح السريع والقدرة على التصدير والاندماج في السوق العالمية، فإن القمح، والشعير، والبقول، وكل ما يشكل قاعدة الغذاء المحلي، يتعرض للضغط لصالح محاصيل أكثر ربحاً تجارياً أو أكثر جاذبية للمستثمرين. لا يحدث هذا دائما دفعة واحدة وبصورة كاريكاتورية، لكنه يعمل كاتجاه بنيوي ثابت: الأرض تُسحب من المحصول الذي يطعم الناس إلى المحصول الذي يربح أكثر. وفي هذه اللحظة لا يعود السؤال: هل القمح مهم تاريخياً؟ بل: هل يستطيع أن ينافس في السوق؟ هكذا يُعاد تعريف الزراعة كلها. فما كان ركيزة لإعادة إنتاج المجتمع يصبح مجرد بند في حساب الربح والخسارة. وإذا كان القمح أقل ربحاً من محاصيل عصرية مطلوبة في السوق العالمية، فإن منطق السوق يدفع موضوعياً إلى تقليصه، حتى لو كان المجتمع نفسه أكثر حاجة إليه من أي محصول آخر. هذه بالتأكيد ليست إلاّ إخضاع الحاجات الاجتماعية لديكتاتورية القيمة التبادلية الرأسمالية.
وهنا تصبح الصومال مثالاً صارخاً على ما يعنيه فعلا إدخال منطق السوق الحر إلى مسألة الغذاء في بلد هش. الصومال لم تكن تاريخياً بلداً عاجزاً بطبيعته عن إطعام نفسه. تقرير زراعي أمريكي عن الصومال عام 1971 وصفها بأنها، في سنوات المحصول الجيد، كانت قريبة من الاكتفاء الذاتي الغذائي، مع قاعدة ريفية واسعة من الزراعة والرعي. لكن ما حدث لاحقاً هو إعادة تنظيم كاملة للغذاء وفق معايير السوق الحر: تقلص دور الدولة، تحجيم أدوات الحماية، وتحويل الزراعة من مسألة إعادة إنتاج اجتماعي إلى مسألة كفاءة وربحية وتكلفة. وبحلول 1979–1983 كانت الواردات تمثل بين 28% و47% من إمداد الحبوب المسوّق محلياً، أي إن التبعية للحبوب المستوردة كانت قد أخذت تتعمق بسرعة.
وإذا أردنا أن نرى كيف اشتغل هذا التحول على الأرض، فوثائق البنك الدولي من الثمانينيات تكاد تقول ذلك حرفياً. فقد دعت إلى أن تصبح وكالة الحبوب الوطنية مجرد آلية موازنة لدعم تسويق الحبوب عبر القطاع الخاص، لا أداة سيطرة عامة على الغذاء. ثم جاءت برامج التكيّف الزراعي لتربط الإصلاح بتحرير أسعار المحاصيل وتسويقها، وبإعادة تعريف أدوار القطاعين العام والخاص في توزيع المدخلات والخدمات الزراعية، وبالتحول إلى استرداد الكلفة من الخدمات العامة، حتى في الماء وخدمات دعم الثروة الحيوانية والبيطرة. بل إن تقارير البنك نفسها أوصت بتقليص المشاريع العامة الكبيرة، والخصخصة أو إعادة الهيكلة في مؤسسات توزيع المدخلات الزراعية، ورفع أسعار الخدمات الحكومية على القطاع الزراعي. أي إن ما قُدّم بوصفه ترشيداً كان في الواقع تفكيكاً تدريجياً للأدوات التي كانت تمكّن الدولة، ولو بحدود، من حماية الإنتاج المحلي ومنع إخضاع الخبز والماشية بالكامل لقانون الربح والسعر.
وحين صار الوصول إلى الغذاء مرتبطاً أكثر بالاستيراد، وبقنوات السوق، وبالأسعار، وبالقدرة الشرائية، لم يعد الجفاف هو السبب الرئيسي لمجاعة الصومال، كما يدّعي الليبراليون، بل غدا عاملاً واحداً فقط ضمن جملة من العوامل التي كرّستها الإمبريالية عبر سنوات. ناهيك أصلاً عن أن أزمات الجفاف ترتبط ارتباطاً عضوياً بالتغيّر المناخي، الذي لا ناقة لدول الجنوب العالمي فيه ولا جمل.
وهذا بالضبط ما يجعل سوريا اليوم في مسار خطير مع استمرار خطاب السوق الحر بوصفه خلطة سحرية ستعيد الازدهار و تبني سنغافورة الشرق الأوسط. فالتجربة الصومالية -وغيرها الكثير- تقول لنا إن إدخال منطق السوق إلى الغذاء في مجتمع ممزق لا ينتج إلا هشاشة أكثر فتكاً. وحين يُترك الفلاح أمام الأسعار العالمية، وحين يصبح الاستثمار في المحاصيل العصرية أكثر إغراء من الاستثمار في القمح والمحاصيل المرتبطة بحاجات الناس، فإن النتيجة ستكون تفكيكاً بطيئاً للقاعدة المادية للمجتمع و كارثة قادمة لا محال.
الاغتراب الغذائي: انقطاع المجتمع عن شروط حياته
لنعد إلى الموضوع من ناحية أخرى، و لنفهم الاغتراب بعيداً عن التجريد الفلسفي المحض إلى شكل يلامس الحياة اليومية. الاغتراب لا يعني فقط أن العامل يُفصل عن نتاج عمله في المصنع، بل أيضاً أن المجتمع كله يُفصل عن الشروط المادية التي يعيد بها إنتاج حياته. نحن نأكل، لكننا غالباً لا نعرف ما نأكل، ولا من أين جاء، ولا كيف جرى صنعه، ولا لماذا صار هذا الشكل من الطعام هو الشكل السائد. نرى العلامة التجارية، ولا نرى السلسلة التي صنعتها. نعرف اسم الصلصة ونعرف المنتج النهائي، ولا نعرف التربة ولا البذرة ولا الحقل ولا العامل ولا المصنع. بهذا المعنى، فإن الجهل بالطعام الحقيقي ليست مسألة نقص وعي متعلقة بذلك الفرد أو ذاك بل هي أحد أشكال انقطاع المجتمع عن شروط وجوده المادي.
وهذا الانقطاع يشمل أيضاً التجربة الحسية واليومية نفسها. فالمرء في ظل هذا النظام لا يفقد صلته بمصدر طعامه فحسب، بل يفقد أيضاً الزمن اللازم لتحضيره، والهدوء اللازم لتناوله، والعلاقة الحية بالموسم والأرض والعمل الذي يقف خلفه. وهكذا يغدو الطعام شيئاً جاهزاً ومغلفاً ومفصولاً عن تاريخه الاجتماعي، وتصبح علاقة الإنسان بما يأكل علاقة استهلاك سريع لا علاقة معرفة ومشاركة وسيطرة.
وهذا الاغتراب ليس ناتج عن فقدان المعرفة و العلوم، فالعلوم قد وصلت لمرحلة متقدمة، بل هو ناتج عن فقدان سيطرة المنتجين الحقيقين على ما ينتجون. لأن المجتمع الذي تهيمن عليه الشركات و الاحتكارات الرأسمالية الكبرى على مستوى البذرة والمدخل الزراعي والتصنيع والتوزيع والإعلان هو بطبيعة الحال مجتمع لا يقرير ما الذي يجب أن يُنتج، وكيف يُنتج، ولمن يُنتج. هنا يصبح الغذاء، وهو أحد أكثر شروط الحياة أولية، خاضعا لبنية لا تنظمها الحاجة الاجتماعية بل متطلبات التراكم. لذلك فإن كل حديث عن المسؤولية الفردية يبقى سطحياً ما دام يتهرب من سؤال النظام: من يقرر ما الذي يدخل إلى أجساد ملايين الناس كل يوم؟
القضية في النهاية ليست أن بعض الناس يأكلون بصورة أسوأ، ولا أن بعض الأطفال صاروا يجهلون أسماء الخضار. القضية أن الرأسمالية، في طورها المتأخر، حولت أحد أعظم إنجازات البشر التاريخية ـ أي تحويل الطبيعة إلى غذاء عبر العمل والمعرفة والتنظيم الاجتماعي ـ إلى مجال آخر من مجالات النهب. نهب التربة عبر التوحيد والاستنزاف، ونهب العامل عبر الوقت المنهوب والأجر المنضغط، ونهب الجسد عبر تعميم الغذاء الرديء، ونهب الوعي عبر تقديم هذا كله بوصفه حرية واختياراً. ولا يمكن لهذا التناقض أن يجد حلاً فعلياً داخل النظام نفسه، لأن الرأسمالية تتعامل مع الغذاء كسوق، ومع الأرض كأصل استثماري، ومع صحة البشر كمسألة ثانوية ما دام الربح يتدفق. لذلك تبقى كل محاولات الإصلاح الجزئي محدودة الأثر، لأنها تترك الآلية التي تنتجها قائمة. إن جوهر المشكلة يكمن في خضوع الإنتاج الزراعي والغذائي لقانون الربح، وفي ربط الحصول على الطعام بالقدرة الشرائية بدل ربطه بالحاجة الإنسانية.
ومن هنا تندرج قضية الغذاء ضمن الصراع الطبقي نفسه. فالسؤال عن الطعام هو سؤال عن السلطة: من يقرر ما الذي يُزرع، وما الذي يُنتج، وكيف تُستخدم الأرض، ولأي غاية؟ وتبقى الديمقراطية العمالية الحل الوحيد لاستعادة الغذاء من قبضة السوق، وهي مهمة سياسية ثورية تشكّل جزءاً من معركة أوسع لكسر سلطة رأس المال على شروط الحياة نفسها. وهذا لا يمر إلا عبر إسقاط النظام الرأسمالي، وبناء مجتمع اشتراكي يضع حاجات البشر في المركز، ويجعل من الإنتاج وسيلة لخدمة المجتمع لا أداة لنهبه. عندها فقط يصبح سؤال الغذاء جزءاً من قرار جماعي واعٍ، لا نتيجة عمياء لحركة السوق.