أنا عامل مصري، وأشعر بغصة في الحلق مما رأيت —نساء فقيرات يخاطرن بحياتهن داخل مياه قذرة وملوّثة بالأمراض، لكسب ما لا يتجاوز ١٥٠ جنيهاً في اليوم. إنهن مضطرات للنزول في مياه الترع الملوّثة لصيد السمك، لأنه مصدر رزقهن الوحيد.
هذه هي حالة نساء كفر الشيخ من مدن الدلتا في مصر.
تخيّل المشهد عن قرب: امرأة تقف لساعات في مياه آسنة مختلطة بالصرف الصحي والمبيدات الزراعية، جلدها يمتص ما تحمله تلك المياه من أمراض، ورجلاها تغوصان في طين ملوّث لا تُعرف محتوياته. لا قفازات، لا حماية، لا تأمين صحي إن مرضت ناهيكم على مدى خطورة هذا التلوث على البيئة و الأسماك نفسها. هذه الأسماك التي يتم ارسالها فيما بعد للاستهلاك البشري. وفي نهاية النهار الطويل، تعود بـ١٥٠ جنيهاً — لا تكفي لإطعام أسرتها ثلاث وجبات كاملة. أما لماذا تفعل ذلك؟ لأنه ليس أمامها خيار آخر — لا تعليم يؤهّلها، ولا شبكة أمان تحميها، ولا دولة تراها.
بينما تعيش هؤلاء النساء هذا الواقع القاسي، تُبنى القصور وتُقام الأفراح في العاصمة الجديدة.
وهذا من أبلغ الأمثلة على وحشية الرأسمالية وتعفّنها. وإذا نظرنا إلى هذا المشهد من زاوية أوسع، نجد أنه يجسّد ما تنبّأ به ماركس: صراع طبقي داخل بنية المجتمع، يجعل طبقةً تسود وتراكم، وطبقةً أخرى مُقصاة ومستنزَفة.