نأتي الآن إلى موضوع المكتسبات التي حققها العمّال في البلدان الرأسمالية. لم ينكر ماركس ولينين أن النضال العمالي ينتزع مكاسب ديمقراطية داخل الرأسمالية، لكنهما شدّدا بلا مواربة على أن هذه المكاسب لا تغيّر طبيعة الدولة، ولا تمنحها أي استقلالية. وطالما أن الدولة موجودة، فإنها تعود لتسحب هذه الإصلاحات. وكان لينين واضحًا حين كتب أن «الديمقراطية في ظل الرأسمالية، مهما كانت واسعة، تبقى دائمًا ديمقراطية برجوازية، ديمقراطية للأغنياء»، وأنها شكل من أشكال حكم البرجوازية لا نقيضه. فالمكاسب الديمقراطية ليست دليلًا على استقلال الدولة، بل على مرحلة تاريخية كانت فيها الأنظمة الرأسمالية مضطرة، وفي الوقت نفسه قادرة، على تقديم تنازلات للطبقة العاملة.
الديمقراطية البرجوازية: من المهد إلى اللحد
كانت البرجوازية، في بداياتها، طبقةً تقدمية وقادرة على تطوير قوى الإنتاج. وقد ذكر ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي أن «كل مرحلة من مراحل تطور البرجوازية كانت مشفوعة بتقدّم سياسي مطابق»، ولذلك كانت الديمقراطية البرجوازية، في بداياتها، قادرة على الإقناع.
وفي مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، كانت الطبقة السائدة قادرة على تنفيذ مناورات برلمانية في فترة نهوضٍ مؤقت. وفي تلك المرحلة، أدّى الاشتراكيون الديمقراطيون دورهم التقليدي في إدارة العلاقة الطبقية بين الرأسماليين والعمّال لصالح الرأسماليين.
آنذاك، بدأ السياسيون بالإصغاء إلى جون مينارد كينز ومفهوم دولة الرفاه أو دولة الرعاية الاجتماعية، بهدف إدارة الصراعات الطبقية لصالحهم عبر شراء القيادات الإصلاحية في الحركة العمالية أو دمج برنامجي للبيروقراطية النقابية والحزبية في جهاز الدولة ، إلى جانب البيروقراطية الستالينية التي سعت إلى كبح أي تصاعد طبقي في إطار التعايش بين الستالينية والرأسمالية. ويُضاف إلى ذلك أن المعسكر الغربي اعتمد قاعدة الحفاظ على قدرٍ كافٍ من كرامة المواطنين بما يضمن عدم فتح المجال للبحث عن أيديولوجيات أكثر جاذبية. لذلك، وقبل انهيار جدار برلين، كانت الطبقات السائدة في الغرب مضطرة لتقديم تنازلات للطبقة العاملة عند اشتداد الصراع الطبقي. والعامل الأهم أن الازدهار الاقتصادي المؤقت السائد آنذاك مكّنها من تقديم هذه التنازلات. غير أن هذا الوضع لا يمكن أن يستمر إلى الأبد.
بعد انهيار جدار برلين وزوال منافسة الحرب الباردة، تغيّر الاتجاه تمامًا. فالمكتسبات التي انتُزعت من الرأسماليين في الماضي عاد هؤلاء لانتزاعها تحت ضغط الأزمات المتكررة الناجمة عن وباء فائض الإنتاج. ومنذ أزمة عام 2008، شرعت الطبقات الرأسمالية في الحفاظ على أرباحها عبر الهجوم المباشر على المكتسبات التي حققتها الطبقة العاملة.
ألمانيا، وهي أكبر اقتصاد أوروبي، وبرلمانها معروف بوصفه «قلب الديمقراطية النابض»، صرّح مستشارها فريدريش ميرتس مؤخرًا بأن الاقتصاد الألماني لم يعد قادرًا على تمويل دولة الرفاه، وأن ساعات العمل الحالية لم تعد كافية، ناهيك عن حملات التقشف المتتالية التي تُشنّ على قطاعي التعليم والصحة ونظام التقاعد. فقد خُفّضت مخصصات التعليم والبحث العلمي إلى نحو 20.3 مليار يورو عام 2024، مقابل نحو 21.5 مليار يورو عام 2023، كما تراجعت مخصصات الإنفاق على الصحة بنحو 9.3 مليارات يورو تقريبًا في 2024 مقارنة بعام 2023. ويجري اليوم في ألمانيا اعتقال المتضامنين مع القضية الفلسطينية لمجرّد ارتدائهم الكوفية، بل حتى الأطفال يتعرّضون للاعتقال.
ووفق أرقام نشرها موقع Statista الألماني، انخفضت نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية الألمانية من 91.1% عام 1972 إلى 70.8% عام 2009. وفي انتخابات عام 2021، شارك 76.4% من الناخبين، ما يعني أن ربع الشعب الألماني لم يشارك في الانتخابات لأنه لم يعد مقتنعًا بالمخارج البرلمانية للأزمات. بعد كل هذه الأرقام والحقائق والتحليلات، هل يستطيع رفاقنا في الحزب الشيوعي العراقي الاستمرار في طرحهم القائل بإمكانية توسيع المطالب الديمقراطية إلى مرحلة تضمحل فيها الدولة البرجوازية من تلقاء نفسها؟
لهذا بالضبط، يستحيل منطقيًا ونظريًا تفسير المكاسب التي انتزعها العمّال في البلدان الرأسمالية بوصفها دليلًا على «استقلالية» الدولة. فهذه المكاسب لم تكن يومًا ثمرة حياد الدولة، ولا تعبيرًا عن تحرّرها من طابعها الطبقي، بل كانت دائمًا نتاج مدٍّ وجزرٍ في موازين القوى فرضه نضال الطبقة العاملة وانتزعته من دولة بقيت، في جوهرها، أداةً لحماية الملكية الرأسمالية.
إن توسيع الحريات البرجوازية أو انتزاع حقوق اجتماعية لا يحوّل الدولة إلى كيان مستقل عن الطبقات، بل يكشف فقط حدود ما تضطر البرجوازية إلى التنازل عنه دفاعًا عن نظامها. ومن يخلط بين الإصلاحات التي تُفرض على الدولة تحت ضغط الصراع الطبقي وبين استقلالها عن الطبقات، لا يسيء فهم الماركسية فحسب، بل يعيد إحياء الوهم الإصلاحي القديم القائل بإمكانية تحويل دولة البرجوازية تدريجيًا إلى أداة لتحرّر العمّال من دون المساس بأسس الملكية الرأسمالية نفسها.
وبطبيعة الحال، لسنا قادرين على الرد على جميع الانحرافات النظرية الواردة في هذه الوثيقة، لأننا لسنا بصدد تأليف كتاب. غير أن من المسلّم به أن كل انحراف نظري يقابله، بالضرورة، انحراف أكثر كارثية على مستوى الممارسة. ومن هنا تبرز أهمية الانتقال إلى مناقشة وجهة نظر الرفاق في الحزب الشيوعي العراقي بوصفها ما يطرحونه بوصفه حلًا.
ضد ستالين في البيان و المشي بطريقه في الميدان
في المحور الثالث، ذكر الرفاق أن «الديمقراطية هي طريقنا إلى الاشتراكية»، ووجّهوا رسائل تطمين إلى الطبقة البرجوازية العراقية جاء فيها ما يلي:
إن تحليل وثائق الحزب المختلفة يتيح بلورة العناصر الأساسية التي يرتكز عليها المشروع/البرنامج الوطني الديمقراطي:
أ. إن جوهر المشروع سياسيًا هو الديمقراطية السياسية. فهناك تأكيد على أن هذه الإشكالية تمثل مكوّنًا عضويًا أساسيًا فيه، ويجد ذلك انعكاسه في مفاهيم وصياغات عديدة من قبيل: النظام البرلماني التداولي، التداول السلمي للسلطة، نبذ العنف، اللجوء إلى الطرق الديمقراطية السلمية في معالجة الخلافات والمشاكل التي تنشأ بين القوى السياسية، دولة القانون، التعددية الحزبية، والديمقراطية المستندة إلى دستور دائم تشرّعه جمعية تأسيسية، فصل السلطات… إلخ
عند هذه النقطة، يتضح بجلاء سبب الضرورة التي دفعت إلى كل هذا التحريف الوارد في الوثيقة، إذ كان لا بدّ من تبرير هذه الفكرة تحديدًا: «جوهر الحل هو الديمقراطية السياسية». وهنا نودّ أن نلفت انتباه الرفاق إلى أنه، ما دمتم تطرحون رأيكم ضمن إطار مشروع سياسي، فليس من الضروري إضافة صفة «السياسية» إلى كلمة الديمقراطية. فمن وجهة نظرنا، كان الأجدر بكم أن تكتبوا «الديمقراطية البرجوازية» بدلًا من «الديمقراطية السياسية»، لأنكم في الواقع شرحتم بوضوح ماذا تعني الديمقراطية بالنسبة لكم، وكل ما قدّمتموه من مفاهيم وصياغات يندرج، دون لبس، في إطار الديمقراطية البرجوازية.
أصبح من الواجب التذكير بأن الرفاق، في وثيقتهم، وفي إطار نقدهم المعلن للستالينية، نسبوا نظرية «الاشتراكية في بلد واحد» إلى لينين، رغم أنها من أبرز منجزات الفكر الستاليني اللاحق. ولم يكتفوا بهذا التحريف، بل سعوا إلى تبرير هذا الموقف وتدعيمه بتوثيق يستند إلى نظرية «الثورة المستمرة» لماركس، وهي النظرية التي يقوم جوهرها على نفي منطق الاشتراكية القومية المنعزلة. ومع ذلك، عادوا في نهاية المطاف ليسلكوا الطريق ذاته الذي سلكه ستالين، أي طريق «الثورة على مراحل»، فجمعوا بين رفض لفظي للستالينية وممارسة سياسية وفكرية تعيد إنتاج منطقها نفسه.
وهكذا، فإنهم، في الوقت الذي أعلنوا فيه القطيعة مع «ماركسية» لا علاقة لها بالاتحاد السوفياتي الستاليني، ساروا عمليًا في الدرب الستاليني نفسه، وكرّروا الجوهر النظري والسياسي الذي زعموا أنهم ينتقدونه.
لا يوجد طرق برجوازية للاشتراكية…. بل توجد مهام ديمقراطية لا تُنجَز إلا بسلطة العمال
أنصار نظرية «الثورة على مراحل» يقولون إن بناء الاشتراكية في اقتصاد متخلّف أمر غير ممكن، ولذلك نحن بحاجة إلى مرحلة رأسمالية نحقّق فيها تراكمًا رأسماليًا يجعل من بناء الاشتراكية أمرًا ممكنًا. تفترض هذه النظرية أنه في البلدان المتخلّفة يجب إنجاز مهام الثورة البرجوازية أولًا، وأن البرجوازية الوطنية ستكون قادرة، أو راغبة، في إنجاز هذه المهام. وبعد ذلك فقط يمكن التفكير بالاشتراكية.
غير أن الخطأ الجوهري في نظرية «الثورة على مراحل» لا يكمن في تشخيص نقص القوى المنتِجة. فمن الصحيح أن بناء الاشتراكية يتطلّب مستوىً معيّنًا من تطوّر وسائل الإنتاج، لكن الخطأ الأكبر هو افتراض أن هذا المستوى يمكن بلوغه عبر مرحلة رأسمالية تقودها برجوازية تابعة.
لقد وصلت الرأسمالية إلى بلداننا وهي في مرحلة احتضارها، ولذلك خلقت نمط إنتاج مشوّهًا وطبقة برجوازية وُلدت رجعية وستبقى كذلك. وهذه البرجوازية، نظرًا لضعفها البنيوي، غير قادرة على الاستمرار من دون ارتباط عضوي بالإمبريالية. وهذا الارتباط جعلها عاجزة حتى عن تنفيذ أدنى مطالب الثورة البرجوازية، وأبسطها فصل الدين عن الدولة. إضافة إلى ذلك، لم تكن قادرة على خلق أي تراكم اقتصادي أو تطوير قوى الإنتاج، بوصفها برجوازية تابعة. وقد جعلها ضعفها هذا طبقةً تخاف من الطبقة العاملة أكثر مما تخاف من الاستعمار، وتفضّل الاستبداد الدموي على الديمقراطية كلما هدّدها الصراع الطبقي.
على ماذا قامت التجارب الستالينية في مناطقنا؟ لقد قامت، بالضبط، على الشعار نفسه الذي يرفعه الرفاق في الحزب الشيوعي العراقي: «الديمقراطية طريقنا إلى الاشتراكية». وبناءً على ذلك، كان لا بدّ من التحالف مع ما سُمّي «البرجوازية الوطنية التقدمية»، وهي في الواقع برجوازية لا تحمل ذرة واحدة من التقدّمية. وأدّى هذا المسار إلى تأجيل الصراع الطبقي في هذه البلدان تحت شعار «الوحدة الوطنية» من أجل التحرر الوطني ومحاربة الاستعمار والإمبريالية، وإلى إخضاع الأحزاب الشيوعية والطبقة العاملة لمشاريع الطبقات البرجوازية أو للأنظمة البونابرتية العسكرية التي نشأت في عدد من البلدان. وكانت النتيجة سحق الطبقة العاملة والمنظمات العمالية، بحيث لم تتحقق لا الديمقراطية ولا الاشتراكية.
إن التاريخ يبيّن أن هذه البرجوازية غير قادرة على بناء قواعد إنتاج مستقلة، لأنها مضطرة، من أجل الحفاظ على سيطرتها الطبقية، إلى خدمة مصالح الرأسمالية العالمية: الإبقاء على اقتصادات ريعية، وتحويل بلداننا إلى أسواق لتصريف السلع، ومصادر للمواد الأولية والثروات. وبذلك فإن أي مرحلة رأسمالية تُدار في إطار ديمقراطية برجوازية تابعة لن تخلق شروط الاشتراكية، بل ستمنع تكوّنها، وتُعمّق التبعية، والتفكيك الصناعي، والخصخصة.
باختصار: إن أي مرحلة رأسمالية تحت إدارة ديمقراطية برجوازية سوف تمنع توفر الشروط اللازمة لبناء الاشتراكية وليس خلقها كما يريد الرفاق اقناعنا.
نقص التراكم لا يبرّر تسليم القيادة للبرجوازية والانتظار حتى «تنضج» الرأسمالية تحت قيادتها، لأنها لن تنضج أصلًا، وقد شرحنا لماذا. بل على العكس، يؤكّد هذا النقص على ضرورة أن تكون الطبقة العاملة وحلفاؤها في السلطة لإدارة مرحلة انتقالية طويلة، أي الديمقراطية العمالية، وربط التطوّر الاقتصادي بانتصار الثورة في البلدان الأكثر تقدّمًا.
وعليه، فإن الديمقراطية البرجوازية لا يمكن أن تكون مرحلةً وسيطة باتجاه الاشتراكية، بل هي مرحلة — إن وُجدت ولا بدّ منها — يمكن للشيوعيين استخدامها من أجل: فضح حدود النظام، وتنظيم أنفسهم، وانتزاع إصلاحات مؤقتة. أما النقطة الأخيرة والحاسمة فهي أن يتزامن كل ذلك مع التحضير للقطيعة الثورية النهائية مع الدولة البرجوازية، ومن دون إيهام الجماهير بإمكانية التحوّل السلمي التدريجي إلى الاشتراكية.
إن السير في طريق الديمقراطية البرجوازية وإيهام الجماهير بأنها يمكن أن تشكّل مرحلة انتقالية بعد الثورة يعني، بكل بساطة، تأجيل سلطة العمّال، أي تعطيل الأداة الوحيدة القادرة على بناء الاشتراكية، باسم «النضوج الاقتصادي». وقد أثبتت التجربة أن هذا الطريق ينطوي على سحق المنظمات العمالية، ودمج الأحزاب الشيوعية في جبهات شعبية وتحالفات برجوازية تضمن استمرارية هيمنة برجوازية عاجزة، وبذلك لا تحدث ثورة ولا يتحقق تراكم.
وربما لا يقتنع البعض بكل المبرّرات النظرية التي قدّمناها. لذلك سنعرض هنا تجارب تاريخية من العراق ومن بلدان أخرى تؤكّد أن البلدان المتخلّفة لا تمتلك طريقًا برجوازيًا إلى الاشتراكية.
تجارب تاريخية
أولًا: الصين 1927 – كارثة التحالف مع الكومنتانغ
في عشرينيات القرن العشرين، تبنّى الحزب الشيوعي الصيني خطّ الكومنترن الستاليني القائم على التحالف مع البرجوازية الوطنية، الممثَّلة بحزب الكومنتانغ بقيادة تشيانغ كاي شيك، على أساس أن المهمة الأولى هي إنجاز الثورة البرجوازية الديمقراطية. جرى إخضاع الحزب الشيوعي سياسيًا وتنظيميًا لقيادة برجوازية «وطنية» بحجة الوحدة ضد الإمبريالية والإقطاع.
كانت النتيجة كارثية: ففي عام 1927، انقلب الكومنتانغ على الشيوعيين والعمّال في شنغهاي وكانتون، وارتُكبت مجازر قُتل فيها عشرات الآلاف من العمّال والمناضلين، وسُحقت الحركة العمالية بالكامل. أثبتت هذه التجربة أن البرجوازية التابعة، حتى عندما ترفع شعارات وطنية، تفضّل التحالف مع الإمبريالية والاستبداد على السماح للطبقة العاملة بأن تتحول إلى قوة مستقلة. أي إن «المرحلة البرجوازية» لم تُنجز مهامها الديمقراطية، بل انتهت بسحق العمّال ومنع أي انتقال اشتراكي.
ثانيًا: إندونيسيا 1965 – التحالف الذي انتهى بمجزرة مليونية
كان الحزب الشيوعي الإندونيسي أحد أكبر الأحزاب الشيوعية في العالم، بل الثالث من حيث العدد بعد الصين والاتحاد السوفييتي. وقد تبنّى خط التحالف مع نظام سوكارنو القومي–العسكري في إطار جبهة وطنية معادية للإمبريالية. اعتمد الحزب استراتيجية «ناساكوم» (التحالف بين القومية والدين والشيوعية) التي طرحها الرئيس سوكارنو، وجرى تأجيل الصراع الطبقي باسم الوحدة الوطنية وبناء الدولة المستقلة.
في عام 1965، ومع أول اهتزاز في ميزان القوى، نفّذ الجيش بقيادة سوهارتو انقلابًا دمويًا، وشنّ حملة إبادة بحق الشيوعيين والعمّال والفلاحين، قُتل فيها ما بين نصف مليون إلى مليون إنسان، ودُمّرت الحركة العمالية كليًا.
تُظهر هذه التجربة، مرة أخرى، أن البرجوازية والجيش «الوطني» لا يترددان في تنفيذ أفظع المجازر حين تشعر الطبقة السائدة بأن نفوذ العمّال يهدد سيطرتها. فلم تتحقق ديمقراطية، ولا تحرر وطني، ولا اشتراكية، بل انتقلت البلاد مباشرة إلى ديكتاتورية رأسمالية تابعة.
ثالثًا: العراق 1963 و1978 – ثمن الجبهة الوطنية مع البعث
تعامل الحزب الشيوعي العراقي بمرونة مع عبد الكريم قاسم، لكنه لم يستولِ على السلطة حين كان قادرًا على ذلك (خصوصًا في مسيرة 1 أيار 1959)، ما أتاح للبعثيين والقوميين تنفيذ انقلاب 1963 في ما وُصف آنذاك بـ«القطار الأميركي»، وارتكاب مجازر «قصر النهاية».
تبنّى الحزب الشيوعي خط التحالف مع الأنظمة القومية العسكرية مرتين: الأولى قبل انقلاب 1963، والثانية في إطار «الجبهة الوطنية» مع حزب البعث بعد عام 1973. وفي الحالتين، جرى تعليق الصراع الطبقي باسم الدفاع عن الثورة الوطنية والديمقراطية.
في عام 1963، وبعد فترة قصيرة من التعاون الضمني مع نظام قاسم، جاء انقلاب البعث والقوميين ليشنّ حملة إبادة بحق الشيوعيين والعمّال والنقابيين. وفي عام 1978، وبعد سنوات من المشاركة في الجبهة الوطنية مع البعث، انقلب النظام مجددًا على الحزب الشيوعي، فاعتقل قادته، وفكّك منظماته، وسحق الحركة العمالية بالكامل، ممهدًا لقيام ديكتاتورية صدام المطلقة.
قدّم تاريخ العراق أمثلة صارخة على أن أي طريق غير بروليتاري لا يؤدي لا إلى ديمقراطية ولا إلى اشتراكية، بل إلى سحق الحزب نفسه والطبقة العاملة التي يُفترض أنه يمثلها. وهكذا نكون قد أوضحنا، نظريًا وعمليًا، فشل شعار «الديمقراطية طريقنا إلى الاشتراكية».الآن أصبح بإمكاننا العودة إلى العبارة التي وردت في بداية المقال الأول من هذه السلسلة، والتي تقول:
«إحدى المجموعات الشبابية النشطة في العراق كانت قد صرّحت في أحد منشوراتها أن الأحزاب الشيوعية في المنطقة كلها قد أصبحت بحكم المختفية، إلا الحزب الشيوعي العراقي، فهو موجود وبقوة. وللحقيقة، فإن هذه النقطة بالذات يجب نقاشها ديالكتيكيًا، لأنها تحمل في طياتها العديد من التناقضات».
إن بروز راية الحزب الشيوعي العراقي اليوم أكثر من غيره من أحزاب المنطقة لا يعني بالضرورة أنه يختلف عنها في الخط أو في الجوهر، بل قد يعني العكس تمامًا. فالفارق الأساسي لا يكمن في طبيعة الحزب، بل في طبيعة التجربة التي خاضها جيل الشباب الثوري، والذي لم يطّلع بعد على التجربة التاريخية لهذا الحزب.
نحن هنا لا نهدف إلى التشكيك في كفاحية الكثير من الرفاق الشيوعيين العراقيين الذين ناضلوا، على مدى عقود، بنزاهة من أجل مستقبل أفضل. لكننا نقول إن الكفاحية وحدها لا تكفي، ولا يمكن اتخاذ موقف عاطفي من تاريخ حزب سياسي.
في بلدان أخرى من المنطقة، خاض الشباب تجربتهم مع أحزابهم الشيوعية، واختبروها في الممارسة، واكتشفوا حدودها الطبقية وخياراتها السياسية، فانفضّوا عنها بعدما تأكد لهم أنها لم تعد تمثل طريق الثورة، بل طريق المساومة والمهادنة والانخراط في النظام القائم. وهكذا لم تختفِ تلك الأحزاب صدفة، بل انتهت لأنها سارت في الطريق نفسه الذي يسير فيه الحزب الشيوعي العراقي اليوم.
لقد انتهت لأنها تبنّت «الثورة على مراحل»، وتحالفت مع البرجوازية الوطنية، وقطعت مع الماركسية الثورية باسم الواقعية، واختارت الطريق الأسهل في الظاهر، لكنه الطريق المسدود في الجوهر. انتهت لأنها استبدلت الصراع الطبقي بالتوافق الطبقي، والأممية بالوطنية الضيقة، والثورة بالإصلاح داخل النظام. وما لم يُطرح هذا السؤال بجرأة داخل صفوف الحزب الشيوعي العراقي اليوم، وما لم يجرِ القطع مع هذا الخط قبل فوات الأوان، فإن المصير نفسه ينتظره، مهما طال الزمن.
إن قوة الحزب لا تُقاس بعدد الرايات المرفوعة، ولا بعدد المقرات، ولا بحضوره الإعلامي، بل تُقاس بشيء واحد فقط: مدى ارتباطه العضوي بمصالح الطبقة العاملة، ومدى تمسّكه بالخط الماركسي الثوري. وكل حزب يتخلّى عن هذا المعيار، مهما بدا قويًا اليوم، يحمل في داخله بذور فنائه غدًا.