سنعصركم ونفرغكم ثم نملأكم من أنفسنا. هذه العبارة هي اقتباس من رواية 1984 لجورج أورويل. هذه الرواية التي لطالما استخدمها الأكاديميون البرجوازيون في دعايتهم المضادة للشيوعية، لكن الآن أصبح واضحاً حتى للأعمى أنها وصف للنظام الرأسمالي نفسه. أما العبارة بحد ذاتها فيمكن استخدامها كتعبير أدبي عن توحش السياسات النيوليبرالية التي تمارسها المنظومة الرأسمالية في عصر انحطاطها الإمبريالي.
مصطلح عقيدة الصدمة استخدمته الكاتبة والصحفية الكندية نعومي كلاين لوصف الطريقة التي تفرض بها الرأسمالية المتوحشة سياساتها النيوليبرالية في المناطق التي تعرضت لصدمات مثل الحروب أو الهجمات الإرهابية أو الانقلابات أو حتى الكوارث الطبيعية. يتم استغلال تعب ومعاناة الجماهير الناتجين عن الصدمة الأولى من أجل فرض صدمة ثانية، لكن هذه المرة عن طريق السياسيين والشركات. وبعدها يتم اتباع هاتين الصدمتين بصدمة ثالثة، ألا وهي إخضاع أي محاولة للمقاومة على يد الدولة بصفتها أداة للقمع الطبقي.
جذور عقيدة الصدمة
ما سوف تقرؤونه في هذه الفقرة ليس مأخوذاً من فيلم رعب، بل قصة حقيقية وثقتها نعومي كلاين في كتابها (عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث). على الرغم من الكم الهائل من التحليلات السطحية والساذجة التي تضمنها هذا الكتاب، إلا أن كم ونوعية الحقائق والتوثيقات التي نجحت كلاين بتقديمها يجعلنا مدينين لها بشكر كبير. هذه المعلومات بطبيعة الحال مرتبطة بما يحصل الآن في سوريا وما حصل قبل ذلك في العراق. شبهت نعومي كلاين ما يحصل في مختبرات الصدمة من قبل أطباء النفس السلوكي بما يحصل في البلدان المدمرة من قبل منظومة رأس المال.
أجرت آنذاك نعومي كلاين عدة مقابلات، إحداها كانت مع غايل كاستنر، وهي إحدى ضحايا تجارب أطباء النفس السلوكي، والتي أصيبت بعد هذه التجارب بتشوهات نفسية وجسدية. غايل نفسها لم تكن لفترة طويلة تعرف أنها كانت إحدى ضحايا هذا المشروع، كونها كانت قد فقدت جزءاً كبيراً من ذاكرتها.
في عام 1992 مرت غايل كاستنر وشريكها جايكوب بالقرب من كشك لبيع الصحف، حيث وقع نظرها فوراً على عنوان “تجارب غسل الدماغ” وبضع جمل أخرى مثل “كانوا يتكلمون كالأطفال ويمصون أصابعهم” و”فقدان الذاكرة” و”سلس البول”. عندها أدركت غايل أن لها علاقة بما هو مكتوب.
راسلت كاستنر معهد “آلن” وطلبت منه الحصول على ملفها الطبي. قيل لها في البداية بأنه لا يوجد أي ملف باسمها. لكنها تمكنت بعد عناء طويل من الحصول على ملفها ذي الـ138 صفحة بأكمله. كان الطبيب إيوين كاميرون هو من عالجها، وتضمن الملف أيضاً العلاجات التي خضعت لها: جرعات عالية من الإنسولين، مزيج غريب من الأدوية المنشطة وأخرى مهدئة، سبات طويل بفعل المنومات، صدمات كهربائية بلغت قوتها ثمانية أضعاف المعيار المعتمد في تلك الفترة.
مختبر الصدمة
كان المرضى يأتون إلى كاميرون بحثاً عن علاج لاعتلالات نفسية شائعة وعادية كالقلق والمشاكل الزوجية. إلا أنه قام بتحويلهم، ومن دون إذنهم، لحقل من التجارب العلمية الممولة من المخابرات المركزية الأمريكية، التي كانت ترغب بالحصول على معلومات عن كيفية التحكم بعقل الإنسان.
كان المشروع يقوم على رفض النظرية الفرويدية التي تعتمد أسلوب “المعالجة بالكلام” من أجل كشف “الأسباب الجذرية” وراء أي مرض نفسي أو عقلي. كاميرون ومشروعه لم يكونوا يهدفون إلى معالجة أي مرضى بطبيعة الحال. كانوا يهدفون إلى إعادة خلقهم من جديد باستخدام أسلوب من ابتكاره أطلق عليه اسم “القيادة النفسية”.
إحدى العبارات المنسوبة لأرسطو كانت تقول: “… إلى لوح أملس لم يُدوَّن عليه شيء بعد”. بالضبط هذا ما كان يسعى كاميرون والأطباء الذين عملوا معه للوصول إليه. كانوا يعتقدون أنهم يستطيعون بلوغ تلك الحالة من خلال مهاجمة الدماغ دفعة واحدة بكل الوسائل المعروفة، حيث كانت تلك الإجراءات عبارة عن حرب من “الصدمة والترهيب” يتم شنها على الدماغ.
قام تسعة أشخاص برفع دعوى قضائية ضد المخابرات المركزية الأمريكية والحكومة الكندية، الأمر الذي اضطر وكالة المخابرات الأمريكية، من أجل عدم التصعيد، إلى تقديم تعويضات إلى المدعين التسعة بلغ مجملها 750 ألف دولار أمريكي، ووافقت الحكومة الكندية بعد أربع سنين على التعويض على كل مريض كان جزءاً من التجارب بمبلغ قدره 100 ألف دولار.
لكن تخيلوا من يكون كاميرون هذا، وما هي المناصب التي شغلها؟ شغل منصب رئيساً لجمعية طب النفس الأمريكية، ومنصب رئيساً لجمعية الطب الكندية، وكذلك الأمر رئيساً لجمعية طب النفس العالمية. من كاميرون إلى إيبستين: هذه ليست حالات فردية، بل هذا هو النظام، نظام الرعب الرأسمالي كما وصفه لينين.
عقيدة الصدمة: من مختبرات جامعة ماكغيل إلى مدرسة شيكاغو
يكاد لا توجد مؤسسة أكاديمية تم إحاطتها بتلك الهالة الأسطورية كما تلك الهالة التي أُحيط بها قسم العلوم الاقتصادية في جامعة شيكاغو. لم تكن مدرسة شيكاغو مدرسةً لتعليم الطلاب وتخريجهم فقط، بل تعدى ذلك إلى إنشاء مدرسة لتكون فيما بعد الذراع الإيديولوجي الاقتصادي لكل العمليات القذرة للإمبريالية الأمريكية. وكما كانت واجهة قسم الطب النفسي في جامعة ماكغيل في تلك الفترة بقبضة إيوين كاميرون، كان كذلك الأمر قسم العلوم الاقتصادية في جامعة شيكاغو بيد ميلتون فريدمان.
كانت أهداف فريق فريدمان كأهداف فريق كاميرون: العودة إلى تلك الحالة مما أسموه هم “الصفحة البيضاء”. وكما كان كاميرون يهدف من خلال الصدمة إلى إعادة الإنسان إلى حالته “النقية”، فقد سعت مدرسة شيكاغو بقيادة فريدمان إلى تفكيك نمط المجتمع وتحويله إلى حالة من الرأسمالية “النقية”، أي أن قوى السوق فقط — العرض والطلب — هي من تقرر من دون أي تدخل خارجي.
بينما كان ثالوث كاميرون المقدس في صدمته هو: جرعات كبيرة من الإنسولين، والصعق الكهربائي، وكميات كبيرة من المنومات، فإن ثالوث مدرسة شيكاغو وميلتون فريدمان هو ثالوث السوق الحرة: الخصخصة، وإزالة الضوابط، والحد من الإنفاق الاجتماعي.
تشيلي: 11 أيلول / سبتمبر لكن من عام 1973
يبدو أن الحادي عشر من أيلول بالنسبة لأنصار مدرسة شيكاغو هو تاريخ مقدس. ليس فقط عام 2001، أي بعد تدمير برجي التجارة العالمية وما تبعه من صدمة استغلها جورج بوش لغزو أفغانستان والعراق، بل عام 1973 عندما وصل الجنرال آوغستو بينوشيه وأنصاره للحكم. أنصار بينوشيه يسمون ما حصل بأنه حرب، إلا أن ما حصل في الحقيقة كان انقلاباً دموياً على سلفادور الليندي المنتخب ديمقراطياً من الشعب.
لقد كان الجيش بأكمله بيد بينوشيه، بينما لم يكن سوى 36 شخصاً في حراسة القصر. إلا أن ذلك لم يمنع من أن يقوم بينوشيه بإطلاق 24 صاروخاً كانت كفيلة بإخراج جثة الليندي مشوهة من القصر. في الحصيلة النهائية اختفى وأُعدم أكثر من 3200 شخص، وسُجن 80 ألف شخص على الأقل، وهاجر من البلد أكثر من 200 ألف شخص لأسباب سياسية. لقد رغب بينوشيه منذ البداية أن ينشر حكمه بعقيدة الصدمة والترهيب، وهذا ما يروق لمنافقي “الديمقراطية” في الولايات المتحدة ومعسكرها.
لقد كان هذا اليوم بالنسبة لصبيان “مدرسة شيكاغو” التشيليين هو إشارة أخيرة لاقتراب الموعد. لقد حاولوا سابقاً طرح أفكارهم في إطار جدل ديمقراطي، لكنهم خسروا الرهان حيث واجهتهم الجماهير برفض كبير. وكانت الصدمة التي صُدم بها بينوشيه البلد فرصة للعودة مع خططهم ليتواجدوا في ظل مناخ أكثر مناسبة لرؤيتهم. الآن لم يعودوا بحاجة إلا إلى موافقة حفنة صغيرة من العسكريين الأشداء لكن الأغبياء. كانت الجماهير بحالة صدمة، وتم القضاء على أي معارضة سياسية.
بينما كانت رصاصات جيش بينوشيه تُطلق في الشوارع، كان جيش مدرسة شيكاغو يجهز نفسه لإطلاق رصاصاته أيضاً، لكن على شكل كلمات. لقد تجمهر العديد من “صبيان مدرسة شيكاغو” أمام مطابع صحيفة ميركوريو اليمينية لاستلام طبعة المجلة التي تحتوي وثيقتهم. ذكر آرتورو فونتان، وهو أحد محرري الصحيفة، أن الآلات “بقيت تعمل على مدار الساعة لطبع نسخ تلك الوثيقة الطويلة”.
كانت الوثيقة تنطلق مما نص عليه كتاب ميلتون فريدمان “الرأسمالية والحرية”، وتبعها قيام بينوشيه بتعيين عدة متخرجين من جامعة شيكاغو في مناصب اقتصادية استشارية رفيعة المستوى. وبطبيعة الحال تم تشريع الأبواب أمام الواردات من الدول الرأسمالية، وتم تخفيف الإنفاق بنسبة 10% باستثناء الإنفاق على الجيش الذي شهد زيادة كبيرة، وتم إلغاء المراقبة على الأسعار.
التدرج ليس ممكناً
لقد أكد “صبيان شيكاغو” بثقة لبينوشيه أنه إذا تم إيقاف حمى الرقابة على الأسعار والتدخل في السوق، فإن القوانين الطبيعية للاقتصاد سوف تستعيد توازنها وسوف ينخفض التضخم بشكل سحري، إلا أن الرياح جرت عكس ما اشتهت سفنهم. في عام 1974 وصلت نسب التضخم إلى 375%، وقد كان المعدل الأعلى في العالم، وضعف ما كان في عهد الليندي.
واقع جعل ميلتون فريدمان بذاته يسافر إلى تشيلي. استقبلته الصحافة التابعة للطغمة العسكرية استقبال الملوك. تصدرت تصريحاته عناوين الصحف وتم بث محاضراته على التلفزيون. وكما ينهال توم براك الآن في سوريا بالمديح على نظام الجولاني، كان ميلتون فريدمان في كل لحظة يردد أن الطغمة العسكرية في تشيلي على عتبة بداية جيدة.
لم يكترث ميلتون فريدمان بطبيعة الحال للمجازر التي قام بها هذا الدكتاتور في ملاعب تشيلي، بل استرسل في رسائل لاحقة بمدح قرارات الجنرال “الشديدة الحكمة”، مشجعاً إياه على زيادة التخفيض الحكومي بنسبة 25%. في عام 1975 تم تخفيض الإنفاق بنسبة 27% دفعة واحدة. بين عامي 1973 و1983 خسرت تشيلي 177000 وظيفة صناعية، وبحلول منتصف الثمانينات هبطت نسبة الصناعة في الاقتصاد إلى مستويات مشابهة لتلك التي شهدها العالم خلال الحرب العالمية الثانية.
في عام 1982 انهار الاقتصاد التشيلي بالرغم من التزامه الصارم بعقيدة مدرسة شيكاغو. تراكمت الديون وواجه البلد تضخماً مرة أخرى، ووصلت نسبة البطالة إلى 30%، أي عشرة أضعاف ما كانت عليه أيام الليندي. وصل الاضطراب إلى وضع جعل بينوشيه يسير على خطى الليندي، بأن قام بتأميم عدد من الشركات.
كيف كانت نتائج النيوليبرالية في تشيلي؟ قفزت نخبة صغيرة من الثراء إلى الثراء الفاحش في وقت قصير. ومع قدوم عام 1988 واستقرار الحكم للطغمة، حقق 10% من الأغنياء التشيليين ازدياداً في مدخولهم بنسبة 83%. لكن يمكننا أن نقول، وبضمير مرتاح، أن السياسات النيوليبرالية حققت أهدافها: نقلت الثروة من الأسفل إلى الأعلى، ومن الداخل إلى الخارج، وتمت صدمة معظم الطبقة الوسطى وإخراجها من الوجود.
الولايات المتحدة: فيضانات نيو أورلينز
في آب/أغسطس من عام 2005 حصلت فيضانات كارثية في منطقة نيو أورلينز الأمريكية بسبب إعصار كاترينا، الذي سبب عطلاً في أنظمة السدود، مما أدى إلى غرق أكثر من 80% من مساحة المدينة.
ظهر آنذاك “العم ميلتي”، وهو لقب ميلتون فريدمان. إذا ما أردنا وضع ميلتون فريدمان في مكانه الصحيح، يمكننا أن نقول بأنه كان يجب أن يدخل كتاب غينيس للأرقام القياسية بصفته أخطر قاتل اقتصادي. كانت خطة ميلتون فريدمان للتعامل مع كارثة نيو أورلينز هي إبعاد الحكومة عن تقديم أي إعانات للمتضررين، وعدم القيام بأي نوع من أنواع الترميم لأنظمة التعليم العامة، والاستعاضة عنها بتقديم قسائم نقدية يقومون بإنفاقها في مدارس خاصة. ماذا كانت النتيجة؟
في غضون أسابيع من الكارثة تم تفكيك القطاع العام واستبدال نظام المدارس الحكومية في المدينة بواحد من أكبر أنظمة “المدارس الميثاقية” (Charter Schools) المخصخصة في الولايات المتحدة. ليتبع ذلك أيضاً تغيير في التركيبة السكانية، حيث تم هدم المجمعات السكنية التي كانت تأوي الفقراء واستبدالها بمشاريع عقارية استثمارية، مما جعل العودة مستحيلة للكثير من سكان المدينة.
سوريا: الصدمة النيوليبرالية الأولى عبر البعث
مرت سوريا بصدمتين نيوليبراليتين: الأولى عام 2000 والثانية عام 2024. وفي كلتا الصدمتين كان العرّاب هو ذاته: الدكتور عبد الله الدردري. توفي حافظ الأسد في 10 حزيران/يونيو بعد ثلاثة عقود من حكم سلطوي جعل الجماهير تصدق فعلاً شعار “الأسد للأبد”. شكلت هذه الوفاة حالة من الارتباك السياسي والنفسي جعلت الأجواء مناسبة لتمرير سياسات نيوليبرالية مثل الخصخصة وتحرير الأسواق وإعادة هيكلة جهاز الدولة بما يخدم الطغمة التي راكمت ثروات كبيرة من الجهاز البيروقراطي في عهد حافظ الأسد، وكانت بحاجة لاستثمارها.
تم آنذاك تعديل الدستور خلال يوم واحد فقط ليستطيع بشار الأسد تولي السلطة. رغم تبني بشار الأسد ادعاءات أبيه بمعاداة الإمبريالية، إلا أن ذلك لم يمنع من أن يكون أول لقاء يجريه مع وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت. بدأت آنذاك، وفي كل وسائل الإعلام، الحملات التبشيرية بالنيوليبرالية.
وكما يتم الآن إعادة تدوير الجولاني، تم آنذاك استقبال بشار الأسد في لندن استقبال الأبطال رغم امتلاء السجون بمعتقلي الرأي. في الأشهر الأولى من حكم بشار الأسد ظهرت مرحلة عُرفت بـ”ربيع دمشق”، حيث سمح النظام مؤقتاً بظهور منتديات سياسية ومنظمات مجتمع مدني. لكن هذه الانفتاحات لم تدم سوى أشهر قليلة قبل أن يُعاد فرض القبضة الأمنية وإغلاق المنتديات السياسية بحلول عام 2001.
كان ذلك متزامنًا مع عمليات الخصخصة، وأكبرها كان قانون البنوك الخاصة عام 2004، وتوقيع اتفاقية التجارة مع تركيا. هذه الاتفاقية التي كان لها تأثير مدمر على صناعة النسيج في سوريا. نظام بشار الأسد بطبيعة الحال كان أذكى من نظام بينوشيه؛ لم يقم بالهجوم بشكل كبير على القطاع العام. كانوا بحاجة إلى هذا الجهاز البيروقراطي ليكون بمثابة الخزان الذي سوف يستوعب قسماً من ضحايا السياسات النيوليبرالية الذين فقدوا أعمالهم نتيجة هذه السياسات.
كانت الأرقام الرسمية التي امتلأت بها مراكز الدراسات المحلية والعالمية أن نسبة البطالة انخفضت من 13.5% عام 2000 إلى 8.6% عام 2010. إلا أن هذه النسبة لم تكن سوى تعبير زائف، فقد كان هناك الملايين الذين يعملون من دون أي إنتاج حقيقي، كونه، وكما ذكرنا، تم استيعابهم في القطاع العام. تشير دراسة اقتصادية عن سوق العمل في سوريا إلى أنه لو تم احتساب من يعمل تحت غطاء البطالة المقنّعة، لكان معدل البطالة الحقيقي حوالي 25.3٪ بدلاً من 8.6٪ المسجلة رسمياً.
في عام 2010 كان 33% من السوريين كانوا تحت خط الفقر. أي حوالي 7 ملايين شخص كانوا يعيشون تحت خط الفقر. كانت تقارير النمو الاقتصادي تملأ صفحات ونشرات الإعلام البرجوازي والمحللين الاستراتيجيين لرأس المال. لكن هذا النمو كان المستفيد الرئيسي منه طبقة رجال الأعمال المرتبطين بالسلطة (قسم منهم قام بتسوية وضعه مع نظام الجولاني الآن واستمروا بتعظيم أرباحهم على حساب الجماهير المسحوقة). لقد كان أغنى 20% يسيطرون على حوالي نصف الإنفاق في الاقتصاد، ومن ضمنهم ليس فقط رامي مخلوف بل فراس طلاس ومحمد حمشو.
سوريا أيضاً: الصدمة النيوليبرالية الثانية عبر الإسلام السياسي
لقد شكّل وصول الجولاني للسلطة صدمةً ليس فقط للسوريين بل للعالم أجمع. ويشكّل ذلك ضرورة للنظام الرأسمالي الذي يعاني الآن من أزمة أسوأ بكثير من أيام وصول بشار الأسد للسلطة. رغم تعدد اللاعبين الإمبرياليين في سوريا واختلاف مصالحهم، إلا أنهم جميعهم متفقون على ضرورة وجود صدمة من العيار الثقيل في سوريا لتمرير سياسات نيوليبرالية على اقتصاد محطم أساساً. وهذه غاية لا يمكن أن ينجزها سوى الجولاني وعصاباته الفاشية. في الوقت الذي يتم فيه الهجوم على العمال والفلاحين الفقراء العلويين والدروز والكرد، يقوم نظام الجولاني بإعادة رأسماليي نظام الأسد إلى أماكنهم الطبيعية. وعاد العرّاب عبد الله الدردري للظهور في تقارير وندوات الهيئات والوزارات السورية.
حسب تحقيقات صحفية، قامت السلطات الجديدة بإعادة هيكلة الاقتصاد عبر السيطرة على أصول مرتبطة برجال أعمال من عهد الأسد. وتشير التقديرات إلى أن لجنة اقتصادية مرتبطة بالحكومة الجديدة سيطرت أو تفاوضت على أصول تتجاوز 1.6 مليار دولار وبطبيعة الحال، كما تم تقديم بينوشيه والأسد بصفتهم فاعلين إيجابيين، فإن الإعلام البرجوازي وموفد الإمبرياليين إلى سوريا توم باراك يخبروننا في كل يوم كم هي إيجابية إجراءات هذا البطل الرائع الذي اسمه أبو محمد الجولاني. تم تسليم النفط لشركة شيفرون الأمريكية، وما زالت سياسات رفع أسعار الكهرباء والخبز تجري على قدم وساق.
رغم هول الصدمة في عام 2024، فإن الجماهير بدأت تتعافى وتستيقظ من صدمتها. عادت التظاهرات والاحتجاجات للخروج، وكان لا بد من الاعتماد على المسكنات لاحتواء الموقف. هل تساءل أحد منكم لماذا بدأت محاكمة عاطف نجيب وظهر خبر اعتقال أمجد يوسف فقط خلال أسبوع بعد هذه التظاهرات؟ لا بد من عرض إنجازات وهمية لنظام لا يستطيع إنجاز شيء. لا بد من لفت الانتباه عن نتائج سياسات النيوليبرالية بفقاعات جديدة. يتم استخدام دماء ضحايا التضامن ودرعا من أجل تثبيت نظام يهدر دماء وكرامة ضحايا جدد في كل يوم ودقيقة.
عاطف نجيب و أمجد يوسف ليسوا ذئاباً منفردة.
كما ذكرنا، فإن نظام الجولاني بحاجة إلى غطاء على نتائج سياساته النيوليبرالية. هذه السياسات التي لا يستطيع أن يبقى بدونها في الحكم دقيقة واحدة. دعونا نتحدث قليلاً عن أمور هي أهم من اعتقال أمجد يوسف. لقد قام نظام الجولاني، وما زال يقوم، بإعادة تدوير رجال أعمال ارتبطت أسماؤهم بتمويل الميليشيات التي كان أمجد يوسف جزءاً منها. هل سمعتم عن سامر الفوز ومحمد حمشو؟
سامر الفوز ارتبط اسمه بتمويل ميليشيا تسمى درع الأمن العسكري التابعة للمخابرات العسكرية السورية. بعد سقوط نظام الأسد، تحدثت تقارير عن عقده تسويات مع السلطة الجديدة مقابل تسليم أصول مالية استولى عليها الجولاني ومقربوه.
أما محمد حمشو، فقد كان على علاقة مباشرة بماهر الأسد، وكان يدعم ويمول اقتصاد الفرقة الرابعة عبر شركاته وأنشطته مقابل حصوله على كرت مفتوح للعمل، خصوصاً في المناطق المدمرة. أشارت التقارير إلى أنه استطاع جمع مليارات من تجارة المعادن والخردة المستخرجة من تلك المناطق، والتي كانت تمر عبر قوافله من دون أي تفتيش.
هؤلاء ليسوا أشخاصاً، إنهم النظام. النظام الذي ينتمي له الجولاني نفسه. لذلك لا عدالة حقيقية إن لم تقم الجماهير المسحوقة بمحاكمتهم جميعاً.
الشباب لن يعود يوماً
في مسرحية سوفوكليس الشهيرة “أنتيغوني”، يردد أحد أفراد الجوقة بحكمة عبارة: “إن الشرَّ يغدو خيراً في نظرِ من ساقه الإله نحو الهلاك”، وهذا ما يحصل فعلاً مع كل من يريد إطالة عمر هذا النظام الرأسمالي منتهي الصلاحية.
على الرغم من كل تلك الهالة التي تحيط بصبيان النيوليبرالية، إلا أنه يمكننا أن نصفهم، وبكل ضمير مرتاح، بأنهم قمة في الغباء. والأهم من ذلك، علينا أيضاً أن نقول لماذا نقول ذلك. غباؤهم ليس هذا الغباء العفوي الناجم عن قلة الخبرة أو المعرفة، بل يكمن في الحمض النووي للإيديولوجية التي بدأت تنتجها الرأسمالية في فترة احتضارها.
إن سيكولوجيا الرأسمالية كطبقة تتجسد أيضاً في سيكولوجيا الأفراد الذين يمثلونها في مختلف المجالات. هتلر، وبصفته ممثلاً للرأسمالية الألمانية، في نهاية أيامه كان يتحدث لجنرالاته عن حتمية انتصار ألمانيا، على الرغم من أن جميعهم كانوا يسمعون دوي مدافع الجيش السوفياتي التي كانت تقصف من حي بانكوف (Pankow) في برلين نفسها. زيلنسكي يجلس الآن وكأنه فعلاً رئيس قاب قوسين أو أدنى من النصر، والجميع يعرف أن جيشه أصبح خردة على مستوى الأفراد والمعدات. أما ترامب، وبرفعه لشعار(Make America great again)، فهو يظن بأنه قادر على إعادة الولايات المتحدة الأمريكية إلى حالتها التي كانت عليها بعد الحرب العالمية الثانية بصفتها إمبريالية صاعدة على حساب أفول الإمبرياليات التقليدية. لكن الواقع له رأي آخر. هم لا يرغبون في التصديق بأنهم استنفدوا كل فرصهم، ويحاولون الاستمرار، وفي كل دقيقة يستمرون فيها يكبدون البشرية خسائر هائلة. هذا هو أيضاً حال النظام الرأسمالي برمته.
الرأسمالية الآن مثل رجل مريض عمره مئة عام، وأيامه معدودة، لكنها ترفض تصديق ذلك. لذلك تراها تذهب إلى هذا وذاك من أجل أن يحصلوا على فرصتهم بأن يعودوا لعمر الشباب. إلا أن هذا مستحيل. لا يمكن العودة بشروط الرأسمالية إلى تلك الفترة التي كانت فيها الرأسمالية في مرحلة شبابها، حيث لم يكن هناك منافسة شديدة واحتكار، وكان هناك سوق يتسع لكل ما يتم إنتاجه، لذلك كان من الممكن لقوى السوق أن تؤدي دورها بصفتها أيدي خفية.
أما الآن فعلينا الاعتذار من آدم سميث ونقول: “عذراً آدم سميث، لم يعد للسوق أيدٍ خفية”. إن الخيار الوحيد أمام الرأسمالية الآن هو أن تتجول بسلام في مزبلة التاريخ. لكن السؤال يبقى: هل سيكون ذلك عن طريق تطور البشرية بالانتقال إلى الاشتراكية، أم عن طريق دمار البشرية بالانتقال إلى الهمجية؟ هذا ما سوف يقرره أنتم المسحوقين بأنفسكم.
ناضلوا من أجل مستقبل أفضل
بعد فيضانات نيو أورلينز، وبينما كان يظن أبناء ميلتون فريدمان أنهم انتصروا، كانت كاساندرا آندروز المقيمة هناك تزيل الحطام بعد هدوء العاصفة وهي تقول: “أشعر وأنا أعيد بناء المدينة بأنني أعيد بناء نفسي”.
وهذا ما حصل في تشيلي أيضاً، وهذا ما سوف يحصل في سوريا. وكما أشار سبينوزا ذات مرة، بأنه لا يمكن لأحد أن يبقى في السلطة عن طريق العنف وحده. لا يمكنهم إبقاء الجماهير في حالة التطويع القسري، والرأسمالية لا يمكن أن تعود لفترة شبابها. من أتى بالجولاني ونظامه للحكم هم الإمبرياليون. هؤلاء المفلسون الذين لا يملكون القدرة على التخفيف من وطأة ما اقترفت أيديهم.
هم سوف يعتمدون على صدمة الجماهير وصعقهم وتدميرهم من أجل أن يستطيعوا البقاء. لذلك، طالما هم في السلطة، فإن آلام الجماهير ومعاناتها سوف تستمر. لا بديل عن التنظيم وتحول الجماهير المسحوقة من طبقات بذاتها إلى طبقات لذاتها. يوجد سلاح لمواجهة الدبابات والمشاة والطائرات، لكن لا يوجد سلاح لمواجهة جماهير ثائرة على رأسها حزب ثوري قادر على أن يكون ذاكرتها وبوصلتها في الصراع.
لذلك ندعوكم نحن في إيسكرا للانضمام لنا من أجل أن نخوض معاً نضالاً مشتركاً. دعونا نصدم هؤلاء الرأسماليين ونرميهم في مزبلة التاريخ مرة واحدة وإلى الأبد. لدينا مستقبل لنكسبه.