لقد قال لينين ذات يوم: “الحرب شيء فظيع؟ نعم، لكنها شيء مربح للغاية”. إن التفاقم المستمر للصراعات بين الإمبرياليات والحروب بالوكالة يثبت مرة أخرى صحة قول لينين تماماً.
بينما يُذبح الآلاف في المنطقة وحول العالم، ومع ارتفاع الإنفاق العسكري، فإن حفنة من الرأسماليين يملؤون جيوبهم، والطبقة العاملة مضطرة إلى دفع ثمن هذا الإنفاق المميت. لقد أعطتنا الحرب على غزة الدليل الأكثر وضوحاً على وحشية الرأسمالية. والآن تأتي الحرب على إيران لتزيد من معاناة العمال والفقراء في المنطقة وحتى العالم، وتثبت أنظمة الإجرام في طهران وتل أبيب في مكانها.
المرحلة الإمبريالية هي تعبير واضح على أن النظام الرأسمالي عاش أكثر من عمره، لكنه يريد البقاء. وفي صراعه من أجل البقاء، يغرق البشرية في بحر من الدماء بدلاً من جلوسه في مزبلة التاريخ. لكن من ناحية أخرى، يتميز الوضع العالمي أيضاً بغضب ثوري ضد الحرب والإمبريالية.
الحرب هي استمرار للسياسة، لكن بطرق أخرى. هذا القول المأثور الشهير لكلاوسفيتز قد اعتمده الماركسيون كأساس نظري لوجهة نظرهم حول جوهر أي حرب.
ما هو موقف الماركسية من الحروب؟
الماركسية تدين دائماً الحروب الإمبريالية لأنها حروب وحشية وهمجية. لكن موقفنا باتجاه الحرب مختلف بشكل جوهري عن موقف دعاة السلام البرجوازي، وكذلك موقف اللاسلطويين. نحن نختلف عنهم بأننا نفهم العلاقة بين الحرب والصراع الطبقي، وعليه نفهمها من منطلق أنه لا يمكن إلغاء الحروب ما لم يتم إلغاء الطبقات وإقامة الاشتراكية.
نحن نختلف عنهم أيضاً في موقفنا من الحروب التي تنشأ خلال الثورات، أي التي تشنها الطبقات المظلومة ضد الطبقة الظالمة: الحروب التي يشنها العبيد ضد مالكي العبيد، والتي يشنها الأقنان ضد مالكي الأراضي، والتي يشنها العمال ضد البرجوازيين. كما أننا نختلف عنهم أيضاً في فهمنا لطبيعة الحروب التي تشنها الأمم المضطهَدة ضد الأمم المضطهِدة، فالماركسيون يقفون دائماً إلى جانب المظلومين ضد الظالمين.
الخلاصة: نحن نختلف عن كل من دعاة السلام البرجوازيين و اللاسلطويين في أننا نرى من الضروري دراسة كل حرب تاريخيا ومن وجهة نظر الماركسية المادية الجدلية.
لكن ماهي الأنواع التاريخية للحروب حسب الماركسية؟
إن دراسة الموقف الماركسي من الحروب مهمة جداً لأن مسألة الحرب أصبحت مطروحة مجدداً وبقوة على جدول الأعمال، وقد اتخذ الكثيرون في الحركة العمالية، بمن فيهم الذين يطلقون على أنفسهم لقب الشيوعيون، موقفاً اشتراكياً شوفينياً مؤيداً لطبقاتهم السائدة. هناك من وقف خلف الأوليغارشية الروسية في حربها ضد أوكرانيا بحجة مقارعة الإمبريالية، وهناك من وقف خلف الإمبرياليين في دعمهم للمهرج زيلنسكي تحت حجة نشر الديمقراطية.
الفرق ما بين حروب العدوان وحروب الدفاع
تم تطوير الموقف الماركسي من الحروب من قبل كارل ماركس وفريدريك إنجلز في وقت كانت فيه الرأسمالية لا تزال تلعب دوراً تقدمياً نسبياً، وكانت البرجوازية قد شنت سلسلة من الحروب التقدمية.
أوضح لينين أن الفترة ما بين الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 وكومونة باريس عام 1871 كانت معظم الحروب في أوروبا فيها حروب تحرير وطنية برجوازية تقدمية. الثورة الفرنسية العظمى بشرت بعصر جديد في تاريخ البشرية منذ لحظة اندلاعها وصولاً إلى كومونة باريس، أي ما بين عامي 1789 و1871.
كانت هذه الحروب ذات الطابع البرجوازي التقدمي هي تلك الحروب التي تم شنها من أجل التحرر الوطني. وبكلمات أخرى، الإطاحة بالحكم المطلق والإقطاعية وتقويض مؤسساتها، وإنهاء القمع الأجنبي، وهي الأمور التي كانت تشكل الجوهر الرئيسي والأهمية التاريخية لهذه الحروب، لذلك كانت حروباً تقدمية.
خلال هذه الحروب وقف كل الثوريين الديمقراطيين الصادقين، وكذلك الاشتراكيون، متمنين الانتصار لهذا البلد (أي البرجوازية في هذا البلد)، كون كل التقدميين كانوا يريدون تقويض أكثر أسس الإقطاع شراسة. من أجل الاشتراكية يجب تحطيم الإقطاع والاستبداد والقمع الأجنبي. لقد أخذ الاشتراكيون دائماً هذا في الاعتبار من أجل شرعنة هذه الحروب (أي الدفاع عن الثورة ضد القرون الوسطى والقنانة). فقط بهذا المعنى بالذات، أي “الدفاع”، فهم الاشتراكيون تقدمية هذه الحروب.
وفي وقتنا هذا فإن حروب الأمم المظلومة ضد الأمم الظالمة هي شرعية وتقدمية وعادلة. على سبيل المثال، عندما تشن الجماهير الفلسطينية الحرب من أجل تحررها من الصهاينة (نحن هنا لا نقصد حرب حماس، كون حماس منظمة رجعية ذات طابع رأسمالي ديني ومعزولة عن الشعب الفلسطيني أساساً )، أو الحروب التي شنتها شعوب المنطقة ضد الاستعمار، فهي شرعية وتقدمية وعادلة بغض النظر عمن سيكون أول من يهاجم.
كل ماركسي سيرغب بانتصار الدول المظلومة والتابعة ضد الظالمين وأصحاب القوى العظمى، لأنها حروب دفاع.
حروب العدوان
لكن حروب العدوان تختلف، ولا يمكن تبريرها بنفس مبررات حروب الدفاع. دعونا نتخيل أن أحد مالكي العبيد، والذي يملك 100 عبد، شن حرباً ضد مالك عبيد آخر يمتلك 200 عبد من أجل إعادة توزيع العبيد فيما بينهم.
إن استخدام مصطلح الحرب الدفاعية في هذا السياق هو خطأ تاريخي واضح. في مقال بعنوان “مبادئ الاشتراكية وحرب 1914 و1915” قدم لينين العديد من الإحصائيات الواجب ذكرها هنا. هذه الإحصائيات تظهر تقسيم العالم بين ما يسمى “القوى العظمى”، أي الناجحة بالنهب. إن معظم الأمم التي كانت سابقاً مقاتلة من أجل الحرية بين 1789–1871 على أساس رأسمالي تقدمي، كانت قد ساهمت بإيصال البرجوازية إلى السلطة السياسية، حيث أصبحت هذه البرجوازيات، اعتباراً من عام 1876، ظالمة ومستعبِدة.
في عام 1914 قامت ست قوى عظمى بالاستيلاء على 25 مليون كم مربع، أي ما يعادل مرتين ونصف حجم القارة الأوروبية. ست قوى عظمى قامت باستعباد ما مجموعه 523 مليون شخص في المستعمرات. أي كان لكل 4 سكان في البلدان التي تسمى قوى عظمى 5 أشخاص في المستعمرات.
لقد تحولت الرأسمالية من محررة للأمم عن طريق الصراع ضد الإقطاع إلى أكبر مضطهد للأمم. هذه الرأسمالية التي كانت تقدمية سابقاً أصبحت الآن رجعية. قامت الرأسمالية بتطوير وسائل الإنتاج إلى مرحلة أصبحت فيها البشرية في مواجهة خيارين، وهما: إما البحث عن بديل وتبني الاشتراكية كحل، أو الاستمرار بتجربة سنوات وسنوات، وحتى عقود، من التسلح والصراع بين القوى العظمى من أجل الحفاظ المزيف على الرأسمالية.
لماذا المزيف؟ لأن الرأسمالية تعمل، ومنذ زمن بعيد، خارج حدود قدرتها القصوى، لذلك كل المحاولات التي تقوم بها الرأسمالية للبقاء هي محاولات مزيفة وتجر البشرية بأكملها إلى الهاوية.
الحروب الرأسمالية الآن: ليست تقدمية ضد الإقطاع بل رجعية ضد العمال
في الحرب العالمية الأولى، كما اليوم، يتم تشويه مصطلح الحرب أو فهمه من جانب واحد.
الاشتراكيون الشوفينيون مثلاً برروا الحرب العالمية الأولى بحجة أنها يمكن أن تكون مثل الحروب البرجوازية عندما كانت تقدمية وذات أهمية للتحرر الوطني. كما يبررون حروب اليوم بأنها تقدمية لأنها ضد الإرهاب ومن أجل نشر الديمقراطية، وقد رأينا نتائج هذه “الديمقراطية” عندما تأتي عن طريق الإمبرياليين في العراق وأفغانستان.
إن الإمبريالية هي أعلى مرحلة من مراحل الرأسمالية. تجد الرأسمالية أن تكوين الدول التي ما زالت قديمة ولم تستطع الإطاحة بالإقطاعية هو تكوين ضيق عليها، لذلك تقوم هذه الرأسمالية، التي طورت تركزات أصبح عندها أقسام كاملة من الصناعة يتم التحكم بها من قبل الاحتكارات والصناديق الائتمانية التابعة للرأسماليين، باقتسام العالم كله تقريباً، إما على شكل مستعمرات أو عن طريق التشابك بآلاف الخيوط من الاستغلال المالي.
في هذه المرحلة، يحل السعي نحو الاحتكارات والاستيلاء على البلدان الأخرى محل التجارة الحرة والمنافسة التي كانت سائدة في بدايات الرأسمالية.
في مؤتمر شتوتغارت عام 1907 اعتمدت الأممية الثانية على الماركسية بخصوص موقفها من الحروب، وورد آنذاك بوضوح: “إن الحروب هي من جوهر الرأسمالية ولن تتوقف حتى يتم القضاء على النظام الرأسمالي”.
الجزء الأساسي من القرار كتبه أوغست بيبل وعكس النظرة الماركسية، ولكن بشكل عام لم تكن هناك تفاصيل ملموسة حول الإجراءات التي يجب على العمال اتخاذها ضد الحرب والعسكرة. وعندها قام الوفد الروسي (لينين ومارتوف) مع روزا لوكسمبورغ بصياغة عدد من التعديلات، وقدمت هذه التعديلات إلى “لجنة العسكرة والصراعات الدولية”، والتي تم قبولها.
وقد شرح لينين هذه التعديلات كما يلي:
1 -أشار إلى أن العسكرة هي أداة للقمع الطبقي.
2 -أشار إلى مهمة التحريض بين الشباب.
3- تم التأكيد على أن مهمة الاشتراكية الديمقراطية ليست فقط محاربة اندلاع الحروب أو الإنهاء السريع للحروب التي اندلعت بالفعل، بل أيضاً الاستفادة من الأزمة التي أحدثتها الحرب من أجل الإطاحة بالبرجوازية.
في لجنة الحروب والعسكرة في مؤتمر شتوتغارت تمكن أيضاً لينين وروزا لوكسمبورغ من الرد على أفكار اليسار المتطرف شبه الأناركي حول قضية الحروب، والذين كان موقفهم ساذجاً من حيث أنهم يريدون الرد على كل حرب بإضراب أو انتفاضة.
موقفهم هذا، من جهة، لم يفهم أن الحرب هي نتاج حتمي للرأسمالية، وأن البروليتاريا لا يمكنها في البداية رفض المشاركة في هذه الحروب، ومن جهة أخرى لم يفهموا أن الرد على هذه الحرب يعتمد على طبيعة الأزمة التي سببتها الحرب ذاتها.
من وجهة نظرهم، يجب أن يكون النضال ليس فقط من أجل استبدال الحرب بالسلام، بل أيضاً باستبدال الرأسمالية بالاشتراكية، لأن أي سلام على أساس الرأسمالية هو سلام مزيف وهدنة سوف تنتهي في الحرب القادمة حتمًا.
إذاً، موقف الماركسية من الحروب ليس فقط هو الهوس بالنضال ضد النزعة العسكرية والحرب بشكل عام، بل أن يكون هناك فهم مادي للمسألة وعدم فصل قضية الحرب والسلام عن أساسها الطبقي. عند اندلاع الحرب العالمية الأولى في عام 1914 خانت الأممية الثانية قراراتها وأيدت بالكامل المذبحة الإمبريالية.
في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وبريطانيا العظمى، صوت الاشتراكيون الشوفينيون لصالح اعتمادات الحرب، وقاموا بإعلان هدنة للصراع الطبقي بين العمل ورأس المال، ودخلت الاشتراكية الشوفينية في حكومات وحدة وطنية مع أحزاب الطبقة السائدة. لقد كان ذلك بمثابة صدمة كبيرة للينين، الذي رفض في البداية خبراً نشرته صحيفة (Vorwärts) – “إلى الأمام” – (وهي صحيفة الحزب الاشتراكي الديمقراطي في ألمانيا).
كان الخبر هو تصويت الحزب لصالح اعتمادات الحرب، وظن لينين أولاً أن ذلك تزييف من قبل هيئة الأركان العامة للجيش الألماني، لكن الخبر كان صحيحاً. عندها أدرك لينين أن الأحزاب الرئيسية للأممية الثانية، بما في ذلك الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني الكبير والمؤثر، كانت لسنوات تدافع بشكل سطحي عن الأفكار والبرامج الماركسية، لكنها كانت مصابة تماماً بالإصلاحية والشوفينية والرجعية.
ماذا كانت ردة فعل لينين آنذاك؟ هل ساوم على المبادئ وهادن مع الاشتراكية الشوفينية؟ بالطبع لا.
هل ارتد عن الماركسية بحجة أنها فشلت ويجب البحث عن ما هو جديد؟ بالطبع لا.
كان لينين آنذاك معزولاً في المنفى في غاليسيا التي احتلتها النمسا، ثم في سويسرا الأكثر أماناً، ولم يكن لديه سوى فرص قليلة جداً للحفاظ على الاتصالات والمراسلات مع البلاشفة في روسيا. لقد أيقن لينين أن الأممية الثانية قد سقطت في الخيانة وتركت البروليتاريا العالمية بلا دفاع.
لم يأت موقف الاشتراكيين الشوفينيين من فراغ، بل له أساس نظري برجوازي كان ينخر عظام هذه الأحزاب.
وفي الوقت الذي كان يعتقد فيه الكثيرون أن المهام التنظيمية والحزبية هي الأكثر إلحاحاً، أطلق لينين نضالاً حاسماً للدفاع عن المبادئ الماركسية، ورأى أن مهمته الرئيسية هي ترسيخ الوضوح النظري وترسيم خط حدود واضح، والحرب بلا هوادة على الأسس النظرية البرجوازية ضمن صفوف المنظمات العمالية.
كانت الأفكار الرئيسية التي حارب من أجلها هي أن الحرب حرب إمبريالية وتم فرضها على الطبقة العاملة في جميع البلدان، وأن قادة الاشتراكية الديمقراطية قد خانوا الأممية الثانية ويجب تأسيس أممية جديدة، وأن السبيل الوحيد لإنهاء الحرب هو الثورة. كما اتخذ لينين موققاً حازماً ضد السلمية الطبقية، وأكد أن السلام الإمبريالي ليس سوى مقدمة لحرب إمبريالية جديدة.
وبهذا الاندفاع الثوري استطاع البلاشفة، تحت قيادة لينين وتروتسكي، بعد عدة سنوات حسم السلطة وإيقاف الحرب وبناء الأممية الثالثة، وتحولت في فترة قصيرة الحروب بين الأمم إلى حروب بين الطبقات.
لقد أكد لينين أن إسقاط الحكومة القيصرية في روسيا هو أول ما يجب أن تقوم به الطبقة العاملة الروسية. لكن في الوقت نفسه، أسس الاشتراكيون الشوفينيون الألمان تياراً لدعم طبقتهم السائدة، التي كانوا يزعمون أنها “تقدمية” لأنها كانت تقاتل ضد القوة الأكثر رجعية في أوروبا، “الاستبداد الروسي”. لكن هنا أكد لينين على ملاحظة هامة جداً، وهي أن المهمة الرئيسية للعمال الألمان هي النضال ضد طبقتهم السائدة.
عندما طرح لينين هذه الأفكار، التفت إلى الكوادر الأكثر تقدماً في الاشتراكية الديمقراطية الثورية مستخدماً الصيغ الأكثر حدة للقضاء على التقلبات ورسم خط واضح لتمييز نفسه عن العناصر المتذبذبة.
لقد أكد لينين دائماً: ليس من شأن الاشتراكيين مساعدة لص يافع ضد لص أكبر سناً. يجب على الاشتراكيين الاستفادة من القتال بين اللصوص من أجل إسقاطهم جميعاً.من أجل القيام بذلك، يجب على الاشتراكيين أولاً وقبل كل شيء إخبار الناس بالحقيقة، وهي أن لهذه الحرب ثلاثة جوانب تجعل منها حرباً بين مالكي العبيد من أجل توطيد العبودية. هذه الحرب هي:
أولاً: من أجل زيادة الاستعباد في المستعمرات عن طريق توزيع أكثر إنصافاً بين مالكي العبيد.
ثانياً: من أجل زيادة قمع الأمم الأخرى (كون أن الحرب العالمية الأولى قد أعطت الإمكانية لروسيا والنمسا بأن يحافظا على حكمهما وقمعهما للدول التي كانتا تحتلانها في أوروبا الشرقية).
ثالثاً: هذه الحروب من أجل زيادة وإطالة العبودية المأجورة، كون أن البروليتاريا منقسمة ومقموعة، بينما الرأسماليون هم الرابحون ويصنعون المزيد من الثروات من هذه الحروب. في ظل الحروب يستطيع الرأسماليون تأجيج الانقسام الطبقي بين العمال وتكثيف الردات الرجعية التي تطل برأسها حتى في أكثر البلدان حرية وديمقراطية.
بعد اندلاع الثورة في شباط/فبراير عام 1917 في روسيا، أصبحت كتابات لينين موجهة لهذه المرحلة بالذات، لأنه كان يخاطب الجماهير في سياق ثورة، وكان لا بد من الإيضاح للجماهير أن الثورة لم تنته بعد، ولا بد من استيلاء العمال على السلطة.
في كل تلك الكتابات، استطعنا أن نرى كيف ميز لينين بين مزاج “الدفاع الصادق عن الوطن” الذي ساد بين الجماهير التي نفذت الثورة، وبين الدفاع الرجعي عن الوطن الذي كانت تنادي به الطبقة السائدة، وهو ما كان يحاول الاشتراكيون الشوفينيون إعادة إنتاجه.
لقد أشار لينين إلى أن الجماهير لا تقترب من القضايا نظرياً بل عملياً. إن مزاج الدفاع عن الوطن موجود بلا شك بين الجماهير، لأنه هكذا تتحدث دائماً غريزة الإنسان المضطهد. لكن هذه الجماهير تقبل الحرب فقط عندما تكون ضرورة، وليس لأنها تريد فتح مستعمرات جديدة، ولذلك يجب التعامل معها بشكل خاص، والإيضاح بصبر بأنه لا يمكن إنهاء الحرب بدون الإطاحة بالرأسمالية.
بذلك نستطيع أن نتعرف على طريقة لينين الثورية، فقد كان يوضح بلا ملل بأنه لا يمكن اتخاذ موقف حقيقي للدفاع عن الوطن إلا إذا استولى العمال على السلطة.
ماهي الاشتراكية الشوفينية؟
الاشتراكية الشوفينية هي التركيز على فكرة “الدفاع عن الوطن” في فترات الحروب. هذه الفكرة تؤدي منطقياً إلى التخلي عن الصراع الطبقي خلال الحرب للتصويت لاعتمادات الحرب.
في الواقع، فإن هؤلاء الاشتراكيين الشوفينيين، وبما أنهم في المرحلة الإمبريالية، فهم يناصرون برجوازية معادية للبروليتاريا وليست من صفهم ضد الإقطاع كما كانت الرأسمالية في بداياتها. لماذا؟ لأنهم في الواقع لا يناصرون “الدفاع عن الوطن” من وجهة نظر مكافحة الاضطهاد الأجنبي، وإنما عن ما يسمى حق إحدى القوى الإمبريالية بنهب المستعمرات واضطهاد الأمم.
الاشتراكية الشوفينية الروسية بقيادة بليخانوف اعتمدت في موقفها في الحرب العالمية الأولى على التزييف والتحريف في مواقف كارل ماركس عندما استخدموها في المكان الخاطئ. كانت لديهم أفكار مسبقة شوفينية، وبحثوا بانتهازية عن نصوص تدعم موقفهم، ولكن، كالعادة، لينين قام بفضحهم.
اعتمد الاشتراكيون الشوفينيون في موقفهم هذا على تكتيكات ماركس في حرب 1870 كمرجع، أي أنه في حالة الحرب ضد ألمانيا فإنه من واجب الاشتراكيين الروس الدفاع عن وطنهم، وفي حالة حرب ألمانيا على فرنسا يجب على الاشتراكيين الألمان الدفاع عن وطنهم.
حجتهم في ذلك بأن ماركس وإنجلز قد انحازا إلى أحد المتحاربين في حروب عام 1854 إلى 1871، أي في الأوقات التي كانت فيها البرجوازية تقدمية. بالنسبة للينين، فإن أي شخص يشير إلى موقف ماركس تجاه الحروب البرجوازية، وهي فترة عفا عليها الزمن عندما كانت تقدمية، ليبرر حروب النهب الإمبريالية اليوم، يسيء إلى ماركس وإنجلز والبيان الشيوعي الذي قال: “العمال ليس لهم وطن”.
وجهة النظر هذه هي تشويه شائن لموقف ماركس وإنجلز لمصلحة البرجوازية. في كتابه “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” شرح لينين الجذور الاجتماعية للاشتراكية الشوفينية والتحريفية، والتي ارتبطت بصعود الإمبريالية.
وفرت الأرباح الإضافية التي تم تحقيقها من استغلال المستعمرات للطبقة السائدة في البلدان الإمبريالية إمكانية شراء الفئات العليا من الطبقة العاملة ومنظماتها، وبالتالي خلق أرستقراطية عمالية لم تكن أكثر من عملاء للبرجوازية داخل الحركة العمالية، كما وصفهم لينين.
ما هو شعار الماركسيين؟
إن الحروب تخلق أزمات كبيرة وسوف تزيد من تعاسة الجماهير. إن كذب البرجوازيات الذي لا ينتهي في كل البلدان من أجل إخفاء أهدافهم اللصوصية سوف يؤدي لا محالة إلى خلق مزاج ثوري بين الجماهير ومن واجبنا مساعدة الجماهير على إدراك هذه الحالة المزاجية و تعميقها. هذه المهمة تأخذ التعبير الصحيح فقط في الشعار التالي: “حولوا الحرب الامبريالية إلى حروب طبقية”
من يريد انهاء الحروب بين الأمم يجب عليه الانضمام للحرب بين الطبقات. لا يمكن أن نطلب من مثيري الحروب أنفسهم أن يقوموا بإنهاء الحروب. يجب تحويل الحروب بين الأمم إلى حروب طبقية. طبعاً من الصعب التنبؤ فيما إذا كانت حركات ثورية قوية سوف تندلع بسبب الحروب الامبريالية سواء أثناء أو بعد الحرب لكن على أي حال من واجب الماركسيين العمل بشكل منهجي وثابت في هذا الاتجاه خصوصاً أن التاريخ يخبرنا أن أعظم الثورات اندلعت كسبب مباشر للحرب العالمية الأولى
كيف أنهت الثورة الحرب العالمية الأولى؟
بالنسبة للجنود كانت الحرب كابوس لا ينتهي و بالنسبة للمدنيين في الجبهات الداخلية وخصوصاً النساء كانت حياتهم جحيم. كانت الأغلبية العظمى للضحايا من الطبقة العاملة والناجون عاشوا صدمات نفسية شديدة.
تم إنهاء هذا الصراع العالمي الدموي عن طريق الثورة. هذه حقيقة تم دفنها تحت جبال من الأكاذيب و الاساطير التي تنشرها الطبقة السائدة. فهم يروجون أن الحرب انتهت لأن الرأسماليين أرادوا ايقافها. لكن الحقيقة هي أن الرأسماليين كانوا مستعدين للذهاب إلى أبعد من ذلك بكثير.
كيف حدث ذلك؟
على المستوى العالمي، كان للثورة البلشفية أثر كبير في إنهاء الحرب. في المصانع كما في الخنادق كان النداء واضحاً: يجب إنهاء الحرب. لقد كان السلام مطلباً عفوياً للجماهير في ثورة فبراير من عام 1917.
لكن المناشفة والاشتراكيين الثوريين لم يفوا بوعودهم، أو بالأحرى لم يستطيعوا الوفاء بها، لأنهم بكل بساطة كانوا يروجون حلولهم على أساس يمنع المساس بالملكية الخاصة والرأسماليين، وبالتالي لم يستطيعوا حل المشكلة على أساس المشكلة نفسها، وهي استمرار البرجوازية بأن تكون طبقة سائدة في روسيا.
في شهر نيسان/إبريل من نفس العام، أي بعد شهرين من اندلاع الثورة، عاد لينين إلى روسيا، وعندها بدأت بوصلة الحزب البلشفي بالتوجه بالاتجاه الصحيح. كان البلاشفة موجودين في السوفييتات والمعامل وفي أي مكان يجب أن يكونوا موجودين فيه.
كان عددهم 8000 في شباط/فبراير، وارتفع إلى 450 ألفاً في أكتوبر/تشرين عندما استولى العمال، بقيادة البلاشفة، على السلطة.(طبعا هذه الأرقام هي ما يدحض ادعاءات البرجوازيين و اللاسلطويين و المناشفة بأن البلاشفة وصلوا للسلطة بانقلاب)
في تلك الأثناء كانت الأولوية العاجلة للبلاشفة هي الخروج من الحرب. و أيقاف هذه المجزرة الامبريالية.
في ألمانيا كانت الطبقة السائدة آنذاك ماتزال تسعى للاستمرار بالحرب ملاحظة الوضع الذي كان يدور على الجبهة الشرقية حين كان التآخي بين الجنود و الألمان الروس قد أخذ مجراه عندما التقيا في مناسبات عدة و تبادلوا القبعات و الخوذات و شربوا الفودكا ورقصوا معاً. حتى أن عدد من الضباط انضموا إليهم. (حالات التآخي هذه تم قمعها بالصحافة البرجوازية وكذلك الأمر بالقوانين العسكرية)
أدركت هيئة الأركان العامة للجيش خطر هذا التآخي، وأمرت بتقدم عسكري جديد. عندها كانت الثورة البلشفية قد انتصرت حديثاً، والجيش القيصري لم يكن سوى فلول، والجيش الأحمر لم يتشكل بعد.
عندها ذهب البلاشفة إلى المفاوضات مع ألمانيا، ووصل وفد البلاشفة بقيادة ليون تروتسكي إلى بريست–ليتوفسك (في روسيا البيضاء الآن)، حيث كان مقر الجيش الألماني. وافتتح تروتسكي المفاوضات آنذاك بمهارة، وحولها إلى منصة لإطلاق دعاية ثورية موجهة للجنود وعمال القوى المتحاربة، والتي من شأنها أن تعطي البلاشفة القدرة والوقت لتوطيد حكم السوفييتات وتصدير الثورة إلى الخارج، وهذا ما حصل فعلاً.
في نوفمبر عام 1918 اندلعت الثورة في ألمانيا أيضاً، وكانت كنتيجة مباشرة للحرب عندما تمرد بحارة مدينة كييل رفضاً للذهاب بمهمات عسكرية جديدة، وانضم إليهم الجنود. الطبقة العاملة الألمانية أفشلت، عن طريق الإضراب، إرسال تعزيزات عسكرية للحرب ضد البلاشفة.
إن الموجة الثورية في روسيا حولت المزاج العام في النمسا والمجر أيضاً، وانعكس ذلك بموجة من الإضرابات في المصانع. لقد كانت اتفاقية بريست–ليتوفسك مجحفة بحق البلاشفة، لكنها كانت نقطة حاسمة للتحول من الدفاع إلى الهجوم.
هذا ما يمكن لحزب من الثوريين المحترفين أن يقوموا به: أن يجعلوا الطبقات العاملة تدرك مصالحها وتتجاوز ردات الفعل والحقد الانتقامي. خلال عام، العمال الذين كانوا يذبحون بعضهم بعضاً أصبحوا ينادون بنفس الشعارات، سواء في روسيا أو ألمانيا، وتأسست في ولاية بافاريا جمهورية بافاريا السوفياتية على غرار ما حدث في الاتحاد السوفياتي.
ما العمل؟
في الحرب، الحقيقة هي الضحية الأولى. الإعلام البرجوازي هو آلة دعاية بين الخصوم الإمبرياليين. إن وسائل الإعلام البرجوازية، سواء كانت عامة أو خاصة، لا تريد تنوير أحد بل تبرير المصالح الإمبريالية للطبقات السائدة. ليس من قبيل الصدفة أن المتحدث السابق باسم حلف الناتو، جيمي شيا، قام بوصف الصحفيين بأنهم “جنود” فيما يسمى معركة الرأي العام.
في المجتمع الطبقي، تعد الدعاية الحربية من الأدوات الجانبية الضرورية للصراعات العسكرية، لأن كل حرب تفترض مسبقاً تعبئة الجماهير المستغلة والمضطهدة. هذا ضروري بشكل خاص في الحروب الإمبريالية، لأنها دائماً رجعية وليست في مصلحة الطبقة العاملة، لذلك لا بد من سيل من الأكاذيب.
في الحرب الأوكرانية الروسية، برر الكرملين الغزو بـ”سحب العسكرة والقضاء على النازية في أوكرانيا”، وكذلك حماية الناطقين بالروسية في دونباس. الغرب جادل بأن روسيا تريد إخضاع ليس فقط أوكرانيا بل وكل أوروبا الشرقية. كلاهما كان يكذب، وكان عليهما حشد الرأي العام لتبرير الحروب التي الغاية منها فقط تعظيم أرباح الطبقات السائدة، سواء في روسيا أو الغرب.
وطبعاً تأتي في هذه الحالة الرقابة المباشرة وغير المباشرة. في حين تمتلئ وسائل الإعلام البرجوازية بالخطابات العنصرية وتجريد “العدو” من إنسانيته، فإن الأصوات التي تنحرف عن مسار الترويج للحروب الإمبريالية تواجه قمعاً لفظياً في كل البرامج الحوارية، بدءاً ممن يسمون أنفسهم مقدمين محايدين.
أصبحنا نسمع دائماً مصطلح “أضرار جانبية”، وهو مصطلح استخدمه الإعلام الإمبريالي في فيتنام عندما لم يتحلوا بالشجاعة ليتكلموا عن الضحايا المدنيين الذين قضوا على يد المجرمين الإمبرياليين الأمريكيين. نفس المصطلح الذي عاد حلف الناتو لاستخدامه في حرب كوسوفو.وهو ما كررته وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيبروك في خطابها في بداية حرب غزة عندما قالت:
الدفاع عن النفس لا يعني مهاجمة الإرهابيين فحسب، بل تدميرهم، ولهذا السبب فإن الأماكن المدنية مثل المدارس يمكن أيضاً أن تفقد وضعها المحمي. هذا ما تلتزم به ألمانيا، وهذا ما يعنيه أمن إسرائيل لنا”.
أطفال فلسطين في المدارس هم: “أضرار جانبية”.
عندما يتعلق الأمر بالجرائم التي يتم ارتكابها من قبل المجرمين الإمبرياليين، يصبح من الواضح قلة الاهتمام. مبدأهم هذا بالعمل كان قد أشار إليه البارون البريطاني آرثر بونسونبي بعد الحرب العالمية الأولى في كتابه “مبادئ الدعاية الحربية”، عندما قال:
العدو فقط يرتكب الفظائع عن قصد، أما نحن فنرتكبها فقط عن طريق الخطأ
إن ما يفشل دعاة السلام الليبراليون في فهمه هو أن العسكرة والحرب ليستا نتاج سياسات شريرة من جانب هذا الحزب البرجوازي أو ذاك، أو هذه الحكومة البرجوازية أو تلك. إن الحرب والعسكرة نتيجة عضوية ضرورية للرأسمالية في عصر انحطاطها الإمبريالي.
لذلك، سياستنا نحن الماركسيين في أوقات الحرب الإمبريالية ليست سوى استمرار لسياستنا في أوقات السلام الإمبريالي: العمل على بناء القيادة الثورية والسعي لخوض حربنا، أي الحرب الطبقية. يجب أن نستغل الحرب بين اللصوص الإمبرياليين لإسقاطهم جميعاً، وليس الوقوف خلف لص صغير ضد اللص الكبير.
لذلك نحن نكرر نداءنا إلى العمال وباقي الفئات الثورية: إن كنتم تتفقون معنا، انضموا إلينا الآن وليس غداً. إلى كل من لديه رغبة جادة من أجل مستقبل أفضل، نقول لهم: دعونا نعمل معاً، لدينا مستقبل لنكسبه.
لا للحروب الإمبريالية والعسكرة! أوقفوا الحروب التي لا تنتهي!
أسقطوا دعاة الحرب!
ناضلوا من أجل السلام بين الشعوب، والحرب ضد الرأسماليين!
يا عمال العالم، اتحدوا!