تقديم من هيئة التحرير
المتابعات و المتابعين الأعزاء،
نعرض لكم هنا ترجمتنا لنصوص كتبها لينين فيما يخص الجمعية التأسيسية.
على مر عقود كانت الأحزاب الشيوعية التقليدية -في منطقتنا و حول العالم- و مازالت تنتقي نصوص من هذه الكتابات لتحريف موقف لينين بالكامل.
لا يمكننا فهم موقف لينين من الجمعية التأسيسية من خلال قراءة عدد من مقالاته المنشورة في «الأعمال الكاملة» الصادرة عن دار التقدم بمعزل عن سياقها التاريخي. بل يجب أن يتم ذلك عبر تحليل كتابات لينين مع إدخال عامل الزمن في هذا التحليل، إذ إن كتاباته حول الجمعية التأسيسية لم تكن عشوائية، بل جاءت ضمن تكتيك وبرنامج انتقالي متكامل يتعامل مع تلك المرحلة الانتقالية. وعليه، فمن الطبيعي أن يختلف التعاطي التكتيكي مع هذه القضية بين ما قبل ثورة أكتوبر وما بعدها.
لقد عارض لينين بحزم، في تلك الفترة أيضًا، الشعار الذي طرحه بعض البلاشفة اليساريين المتطرفين: «تسقط الحكومة المؤقتة»، رغم أن الحكومة المؤقتة كانت تواصل الحرب الإمبريالية، وترفض تنفيذ إصلاح زراعي، وتساوم قوى الرجعية. هل يعني هذا أن لينين كان مع الحكومة المؤقتة؟ من يقول ذلك إما مختل أو انتهازي أو برجوازي، أو كل ذلك معًا.
ومثال آخر من تلك المرحلة الانتقالية: طرح لينين شعار «كل السلطة للسوفييتات»، على الرغم من أن السوفييتات في ذلك الوقت كانت خاضعة بالكامل لهيمنة المناشفة والاشتراكيين-الثوريين، الذين كانوا يدعمون البرجوازية ويسعون إلى وضع حدّ للثورة. فهل كان لينين فعلًا معجبًا بسياسة المناشفة والاشتراكيين-الثوريين أو يسعى إلى دعمها؟ بالتأكيد لا.
ما هي الجمعية التأسيسية؟ إنها برلمان ديمقراطي برجوازي. وبالتالي فإن شعار «الجمعية التأسيسية» هو شعار ديمقراطي برجوازي، وليس اشتراكيًا. فهل يعني هذا عدم النضال من أجله؟ بالتأكيد لا. ففي الوضع الروسي، بوصفه بلدًا لم تكن توجد فيه برلمانات أو انتخابات أو حقوق ديمقراطية، لم يكن صحيحًا فقط أن تناضل البروليتاريا من أجل شعارات ديمقراطية برجوازية، بل كان من الضروري تمامًا القيام بذلك.
في ظل الظروف الملموسة لروسيا القيصرية، كان مطلب الجمعية التأسيسية مطلبًا صحيحًا إلى حدّ كبير. فقد ساعد هذا المطلب على إثارة وتحريك أوسع شرائح السكان في كفاح شامل ضد الاستبداد القيصري. وعليه، فمن البديهي أن على الماركسيين الاستفادة من المطالب الديمقراطية، ولكن بالقدر الذي تكون فيه ذات صلة بالوضع القائم وتحتفظ بمضمون تقدمي، أي بدفع الصراع الطبقي إلى الأمام، عبر تعبئة أوسع شرائح السكان — ليس العمال فقط، بل أيضًا الفلاحين الفقراء والشرائح الأكثر فقرًا — في النضال الثوري.
لكن ما يكون إيجابيًا وتقدميًا في فترة النضال ضد الاستبداد القيصري يمكن أن يصبح رجعيًا وسلبيًا عند وصول الجماهير إلى السلطة، لأنه يتحول، وبشكل واضح، إلى تعبير عن مصالح الثورة المضادة، وهو ما كان على لينين والبلاشفة محاربته بحذر شديد. فأي خطأ في التشخيص سيؤدي إلى خطأ في العلاج، وبالتالي إلى الموت.
لذلك سوف نعرض هنا ترجمتنا لنصوص لينين الأصلية في سياقها الزمني مع تعليقنا عليها
كيف نضمن نجاح الجمعية التأسيسية
نُشر لأول مرة في صحيفة رابوتشي بوت، العدد 11، 28 (15) أيلول/سبتمبر 1917.
موقَّع: ن. لينين.
نُشر وفق نص رابوتشي بوت.
المصدر: الأعمال الكاملة للينين، دار التقدم، موسكو، 1977، المجلد 25، الصفحات 378–383.
حول حرية الصحافة
في أوائل نيسان/أبريل، وأنا أعرض موقف البلاشفة من مسألة ما إذا كان ينبغي الدعوة إلى انعقاد الجمعية التأسيسية، كتبتُ:
«نعم، وبأسرع ما يمكن. ولكن لا توجد سوى طريقة واحدة لضمان انعقادها ونجاحها، وهي زيادة عدد السوفييتات وقوتها، وتنظيم وتسليح جماهير الطبقة العاملة. هذا هو الضمان الوحيد»
(الأحزاب السياسية في روسيا ومهام البروليتاريا، مكتبة الحياة والمعرفة الشعبية، الكتاب الثالث، ص. 9 و29).
لقد مضت خمسة أشهر منذ ذلك الحين، وقد أثبتت هذه الكلمات صحتها من خلال التأجيلات المتكررة لانعقاد الجمعية، والتي كان حزب الكاديت1 مسؤولاً عنها. كما أكّدتها تماماً قضية كورنيلوف2.
والآن، وبمناسبة الدعوة إلى انعقاد المؤتمر الديمقراطي في 12 أيلول/سبتمبر، أود أن أتوقف عند جانب آخر من المسألة.
لقد عبّرت كلٌّ من صحيفة رابوتشايا غازيتا المنشفيّة وديلو نارودا عن أسفهما لضآلة الجهود المبذولة في الدعاية بين الفلاحين، أي في تنوير هذه الكتلة الحقيقية من الشعب الروسي، التي تشكّل أغلبيته الفعلية. الجميع يدرك ويقرّ بأن نجاح الجمعية التأسيسية مرهون بتنوير الفلاحين، غير أنّ الجهود المبذولة في هذا الاتجاه ضئيلة إلى حدٍّ يدعو إلى السخرية. فالفلاحون يتعرّضون للخداع والتضليل والترهيب على يد الصحافة البرجوازية شديدة التضليل والمعادية للثورة، وكذلك الصحافة «الصفراء»3، التي تتفوّق—بفارق كبير—على صحافة المناشفة والاشتراكيين-الثوريين (ناهيك عن البلاشفة) من حيث القوة والانتشار.
لماذا هذا الوضع؟
لأن حزبي الاشتراكيين-الثوريين والمناشفة الحاكمين ضعيفان، مترددان، وعديما الفاعلية. فبرفضهما انتقال السلطة كاملةً إلى السوفييتات، يتركان الفلاحين في جهلٍ وعزلة، فريسةً للرأسماليين وصحافتهم ودعايتهم.
ففي الوقت الذي يتباهى فيه المناشفة والاشتراكيون-الثوريون بوصف ثورتنا بأنها عظيمة، ويطلقون يميناً ويساراً عبارات رنّانة جوفاء عن «الديمقراطية الثورية»، يتركون روسيا عملياً في إطار ثورة برجوازية صغيرة عادية إلى أبعد الحدود: ثورة أطاحت بالقيصر، لكنها أبقت كل ما عدا ذلك على حاله، ولم تفعل شيئاً—ولا شيئاً على الإطلاق—فعّالاً لتنوير الفلاحين سياسياً، أو لوضع حدٍّ لجهلهم، ذلك الجهل الذي يشكّل آخر وأقوى حصون المستغِلّين ومضطهدي الشعب.
وهذا هو الوقت المناسب لتذكيرهم بذلك. فاليوم، ونحن على أعتاب انعقاد المؤتمر الديمقراطي، وعلى بُعد شهرين من الموعد «المقرر» لانعقاد الجمعية التأسيسية (الذي سيُؤجَّل مرة أخرى)، ينبغي أن نُظهر مدى سهولة تصحيح هذا الوضع، وكم كان يمكن إنجازه في مجال التثقيف السياسي للفلاحين، لو أنّ «الديمقراطيين الثوريين»—بين قوسين—كانوا ثوريين حقاً، أي قادرين على العمل بأسلوب ثوري، وكانوا ديمقراطيين فعلاً، أي يحتكمون إلى إرادة ومصالح أغلبية الشعب، لا إلى مصالح أقلية الرأسماليين التي ما تزال ممسكة بالسلطة ممثَّلةً بحكومة كيرينسكي، والتي لا يزال الاشتراكيون-الثوريون والمناشفة حريصين على مهادنتها والمساومة معها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في شكل قديم أو جديد.
يطلق الرأسماليون—ويتبعهم في ذلك كثير من الاشتراكيين-الثوريين والمناشفة، إمّا عن غباء أو عن خمول—اسم «حرية الصحافة» على وضع أُلغيت فيه الرقابة، وأصبحت فيه جميع الأحزاب قادرة على إصدار مختلف الصحف.
غير أنّ الواقع ليس حريةً للصحافة، بل حريةً للأغنياء، للبرجوازية، كي يخدعوا الجماهير المضطهَدة والمستغَلّة من الشعب.
خذوا، على سبيل المثال، صحف بتروغراد وموسكو. ستلاحظون فوراً أنّ الصحف البرجوازية—ريتش، بيرجيفكا، نوفويه فريميا، روسكويه سلوفو، وغيرها كثير—تتفوق تفوقاً كبيراً على غيرها من حيث حجم التوزيع. فما سبب هذا التفوق؟ ليس، إطلاقاً، إرادة الأغلبية؛ إذ أظهرت الانتخابات أنّ أغلبية سكان كلتا العاصمتين—وبأغلبية ساحقة—تؤيد الديمقراطيين، أي الاشتراكيين-الثوريين والمناشفة والبلاشفة. فهذه الأحزاب الثلاثة تنال ما بين ثلاثة أرباع وأربعة أخماس الأصوات، في حين لا يتجاوز توزيع الصحف التي تصدرها ربع توزيع الصحافة البرجوازية بأكملها، بل ربما يقلّ عن الخُمس. وهي الصحافة نفسها التي، كما نعلم ونرى اليوم، دعمت قضية كورنيلوف دعماً مباشراً أو غير مباشر.
لماذا هذا الوضع؟
لأن إصدار صحيفة هو مشروع رأسمالي كبير ومربح، يستثمر فيه الأغنياء ملايين الروبلات. فـ«حرية الصحافة» في المجتمع البرجوازي لا تعني سوى حرية الأغنياء في تضليل الجماهير المستغَلّة والمضطهَدة بصورة منهجية، بلا انقطاع، يوماً بعد يوم، وفي ملايين النسخ.
إنها حقيقة بسيطة، معروفة وبديهية، يراها الجميع ويدركها، لكن «معظم الناس» يفضّلون «الخجل» من قولها علناً، ويتفادونها بجبن.
السؤال هو: هل يمكن، وكيف يمكن، محاربة هذا الشرّ الفاضح؟
أولاً، توجد وسيلة بسيطة، وجيدة، ومشروعة، سبق أن أشرتُ إليها في برافدا منذ زمن بعيد، ويغدو من المناسب جداً التذكير بها الآن، قبل 12 أيلول/سبتمبر. وينبغي على العمال أن يضعوها نصب أعينهم دائماً، لأنهم لن يستطيعوا الاستغناء عنها تقريباً حين ينتزعون السلطة السياسية.
وتتمثّل هذه الوسيلة في فرض احتكار الدولة للإعلانات الخاصة في الصحافة.
انظروا إلى روسكويه سلوفو، نوفويه فريميا، بيرجيفكا، ريتش، وغيرها: سترون كماً هائلاً من الإعلانات الخاصة التي تدرّ دخلاً ضخماً، بل تشكّل الدخل الرئيسي، لناشريها الرأسماليين. هكذا تفرض الصحف البرجوازية هيمنتها، وهكذا تراكم ثرواتها، وهكذا تتاجر بسمٍّ يُقدَّم للشعب في جميع أنحاء العالم.
وفي أوروبا، توجد صحف يبلغ توزيعها ثلث عدد سكان المدينة (مثلاً، 12 ألف نسخة في مدينة يبلغ عدد سكانها 40 ألفاً)، وتُوزَّع مجاناً على كل بيت، ومع ذلك تدرّ دخلاً كبيراً على أصحابها. فهذه الصحف تعيش على الإعلانات التي يدفعها الأفراد، بينما يضمن التوزيع المجاني أوسع انتشار ممكن لتلك الإعلانات.
فلماذا يعجز الديمقراطيون الذين يسمّون أنفسهم ثوريين عن اتخاذ إجراء من هذا القبيل، كإعلان احتكار الدولة للإعلانات الصحفية الخاصة، أو حظر الإعلانات في أي مكان خارج الصحف التي تصدرها السوفييتات في المدن والأقاليم، والصحيفة السوفييتية المركزية في بتروغراد على مستوى روسيا كلها؟ ولماذا ينبغي لـ«الديمقراطيين الثوريين» أن يتسامحوا مع إثراء الأغنياء—داعمي كورنيلوف ومروّجي الأكاذيب والتشهير ضد السوفييتات—عن طريق الإعلانات الخاصة؟
إن إجراءً كهذا سيكون عادلاً تماماً، وسيعود بفائدة كبيرة على كلٍّ من المعلنين وعلى الشعب بأسره، ولا سيما الطبقة الأكثر اضطهاداً وجهلاً، أي الفلاحين، الذين سيتمكنون من الحصول على صحف السوفييتات، مع ملاحق خاصة بهم، بثمن زهيد جداً أو حتى مجاناً.
فلماذا لا يُقدِمون على ذلك؟
فقط لأن الملكية الخاصة والحقوق الوراثية—ولا سيما الأرباح المتأتية من الإعلانات—تُعَدّ مقدّسة لدى السادة الرأسماليين. ولكن كيف يمكن لمن يطلق على نفسه اسم ديمقراطي ثوري، في القرن العشرين وفي خضمّ الثورة الروسية الثانية، أن يعترف بمثل هذه الحقوق بوصفها «مقدّسة»؟!
قد يقول بعضهم إن في ذلك انتهاكاً لحرية الصحافة.
غير أنّ هذا غير صحيح. فمثل هذا الإجراء يعني، على العكس، توسيع حرية الصحافة وإعادتها إلى معناها الحقيقي، لأن حرية الصحافة تعني أن تُنشر آراء جميع المواطنين بحرية.
فماذا لدينا اليوم؟ إن هذه الحرية محتكرة من قبل الأغنياء، ومعهم الأحزاب الكبرى. أمّا إذا صدرت صحف سوفييتية واسعة الانتشار تضمّ جميع الإعلانات، فسيصبح من الممكن تماماً ضمان حق التعبير لعدد أكبر بكثير من المواطنين—كأن يُتاح النشر لكل جماعة تجمع عدداً معيناً من التواقيع. وعندئذٍ ستغدو حرية الصحافة، في الممارسة الفعلية، أكثر ديمقراطية بما لا يُقاس، وأكثر اكتمالاً.
وقد يتساءل البعض: من أين نأتي بالمطابع وورق الصحف؟
وهنا يكمن جوهر المسألة! فالقضية ليست «حرية الصحافة»، بل الملكية «المقدّسة» التي يحتكر بها المستغِلّون المطابع ومخزونات ورق الصحف التي استولوا عليها.
ولماذا ينبغي لنا، نحن العمال والفلاحين، أن نعترف بتلك «القداسة»؟ كيف تكون «الملكية» التي تتيح نشر الأكاذيب أسمى من «الملكية» التي كانت تتيح امتلاك الأقنان؟
ولماذا يُسمح، في زمن الحرب، بجميع أشكال المصادرة—من منازل وشقق ووسائل نقل وخيول وحبوب ومعادن—وتُمارَس في كل مكان، بينما تُعَدّ مصادرة المطابع وورق الصحف أمراً محرّماً؟
قد يُخدَع العمال والفلاحون زمناً إذا صُوّرت مثل هذه الإجراءات على أنها ظالمة أو عسيرة التنفيذ، لكن الحقيقة ستفرض نفسها في نهاية المطاف.
إن سلطة الدولة، ممثَّلة بالسوفييتات، تستولي على جميع المطابع وكل ورق الصحف، وتوزّعهما توزيعاً عادلاً: فتأتي الدولة أولاً، باسم مصالح أغلبية الشعب—أغلبية الفقراء، ولا سيما أغلبية الفلاحين الذين عانوا قروناً من الاضطهاد والسحق والتجهيل على أيدي الملاّك والرأسماليين.
ثم تأتي الأحزاب الكبرى في المرتبة الثانية—ولنقل تلك التي حصدت مئة ألف أو مئتي ألف صوت في كلتا العاصمتين.
وتأتي الأحزاب الأصغر ثالثاً، ثم أي مجموعة من المواطنين تضمّ عدداً معيناً من الأعضاء أو تجمع عدداً معيناً من التواقيع.
هذا هو التوزيع العادل لورق الصحف والمطابع، وهو توزيع يمكن تطبيقه بسهولة كافية متى كانت السوفييتات في السلطة.
وعندئذٍ، قبل شهرين من انعقاد الجمعية التأسيسية، سنكون قادرين فعلاً على مساعدة الفلاحين، عبر ضمان إيصال نصف دزينة من الكراسات—أو الأعداد الصحفية، أو الملاحق الخاصة—إلى كل قرية، بملايين النسخ، من كل حزب كبير.
وسيكون ذلك إعداداً «ديمقراطياً ثورياً» حقيقياً لانتخابات الجمعية التأسيسية؛ وعوناً فعلياً للريف من جانب العمال والجنود المتقدمين؛ ودعماً من الدولة لتنوير الشعب لا لتجهيله وخداعه؛ وحرية صحافة حقيقية للجميع، لا للأغنياء وحدهم. كما سيكون قطيعةً مع ذلك الماضي العبودي اللعين الذي أُجبرنا فيه على تحمّل اغتصاب الأغنياء للقضية العظيمة المتمثّلة في إعلام الفلاحين وتعليمهم.
ملاحظات
- انظر هذه الطبعة، المجلد 24، ص. 99.
- روسكويه سلوفو («الكلمة الروسية»)—صحيفة يومية صدرت في موسكو منذ عام 1895 (ظهر العدد التجريبي الأول عام 1894) على يد إ. د. سيتيـن. كانت تُعلن نفسها غير حزبية، لكنها دافعت عن مصالح البرجوازية الروسية من موقع ليبرالي معتدل. في عام 1917 أيّدت بالكامل الحكومة المؤقتة البرجوازية، وشنّت حملة ضد لينين وحزب البلاشفة.
أُغلقت الصحيفة في تشرين الثاني/نوفمبر 1917 لنشرها تقارير تشهيرية معادية للسوفييتات. ومنذ كانون الثاني/يناير 1918 صدرت لفترة تحت اسمي نوفويه سلوفو وناشي سلوفو، ثم أُوقفت نهائياً في تموز/يوليو 1918.
تعليقنا: كان هذا المقال قد كُتب قبل ثورة أكتوبر، وكان لينين حينها يتعامل مع شعار «الجمعية التأسيسية». لكن كيف تعامل معه؟ ليس بوصفه مطلبًا مجردًا، بل بإخضاعه لمطلب اشتراكي أوسع، من خلال ربط «نجاحها» بانتقال السلطة فعليًا إلى السوفييتات. أي أن الجمعية لم تكن، بالنسبة إلى لينين، غايةً بحدّ ذاتها.
أطروحات حول الجمعية التأسيسية
كُتبت: 11 أو 12 كانون الأول/ديسمبر 1917
نُشرت لأول مرة: 26 كانون الأول/ديسمبر 1917 في صحيفة برافدا، العدد 213.
نُشرت وفق المخطوطة التي جرى التحقق منها بمقارنة نسخة مطبوعة تحمل تصحيحات لينين.
المصدر: الأعمال الكاملة للينين، دار التقدم، موسكو، المجلد 26، 1972، الصفحات 379–383.
- إنّ المطالبة بعقد جمعية تأسيسية كانت جزءاً مشروعاً تماماً من برنامج الاشتراكية-الديمقراطية الثورية، لأن الجمعية التأسيسية تمثّل، في الجمهورية البرجوازية، أعلى شكل من أشكال الديمقراطية. ولأن الجمهورية الإمبريالية برئاسة كيرينسكي، عبر إنشاء ما سُمّي «برلماناً تمهيدياً»، كانت تتهيّأ لتزوير الانتخابات وانتهاك الديمقراطية بطرق شتى.4
- ومع المطالبة بعقد الجمعية التأسيسية، شدّدت الاشتراكية-الديمقراطية الثورية، منذ بداية ثورة عام 1917، مراراً على أنّ جمهورية السوفييتات تمثّل شكلاً أرقى من الديمقراطية مقارنة بالجمهورية البرجوازية المعتادة المصحوبة بجمعية تأسيسية.
- ولأجل الانتقال من النظام البرجوازي إلى النظام الاشتراكي، أي إلى ديكتاتورية البروليتاريا، فإن جمهورية السوفييتات (سوفييتات نوّاب العمال والجنود والفلاحين) ليست مجرد شكل أعلى من المؤسسات الديمقراطية—قياساً بالجمهورية البرجوازية المعتادة المتوَّجة بجمعية تأسيسية—بل هي الشكل الوحيد القادر على ضمان انتقال أقل ألماً إلى الاشتراكية.
- إن عقد الجمعية التأسيسية في ثورتنا، على أساس القوائم المقدَّمة في منتصف تشرين الأول/أكتوبر 1917، يتمّ في ظروف تستبعد إمكان أن تعبّر انتخابات هذه الجمعية تعبيراً أميناً عن إرادة الشعب عموماً، وإرادة الكادحين خصوصاً.
- أولاً، لا يتيح التمثيل النسبي تعبيراً أميناً عن إرادة الشعب إلا إذا كانت القوائم الحزبية تعكس الانقسام الحقيقي للشعب وفق الاصطفافات الحزبية التي تمثلها تلك القوائم. غير أنّ الحزب الذي كان، من أيار/مايو إلى تشرين الأول/أكتوبر، يحظى بأكبر عدد من الأنصار بين الشعب، ولا سيما بين الفلاحين—أي حزب الاشتراكيين-الثوريين—تقدّم بقوائم انتخابية موحّدة للجمعية التأسيسية في منتصف تشرين الأول/أكتوبر 1917، ثم انقسم في تشرين الثاني/نوفمبر 1917، بعد الانتخابات وقبل انعقاد الجمعية. ولهذا السبب، لا يوجد—ولا يمكن أن يوجد حتى شكلياً—تطابق بين إرادة جماهير الناخبين وتركيبة الجمعية التأسيسية المنتخبة
- ثانياً، يوجد مصدر أهمّ للاختلاف—ليس شكلياً ولا قانونياً، بل اجتماعيّاً-اقتصاديّاً، طبقيّاً—بين إرادة الشعب، ولا سيما إرادة الطبقات العاملة، من جهة، وتركيبة الجمعية التأسيسية من جهة أخرى. ويعود ذلك إلى أنّ انتخابات الجمعية التأسيسية جرت في وقت لم تكن فيه الغالبية الساحقة من الشعب قد أدركت بعد المدى الكامل والأهمية الحاسمة لثورة أكتوبر السوفييتية البروليتارية-الفلاحية، التي انطلقت في 25 تشرين الأول/أكتوبر 1917، أي بعد تقديم قوائم المرشحين للجمعية التأسيسية.
- إن ثورة أكتوبر تمرّ، أمام أعيننا، بمراحل متعاقبة من التطور، إذ تنتزع السلطة لصالح السوفييتات، وتنتزع الحكم السياسي من البرجوازية، وتنقله إلى البروليتاريا والفلاحين الفقراء.
- وقد بدأت بانتصار يومي 24–25 تشرين الأول/أكتوبر في العاصمة، حين منح المؤتمر الثاني لعموم روسيا لسوفييتات نوّاب العمال والجنود—بوصفه طليعة البروليتاريا والجزء الأكثر نشاطاً سياسياً من الفلاحين—الأغلبية لحزب البلاشفة، ووضعه في موقع السلطة.
- ثم، خلال شهري تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر، امتدّت الثورة إلى الجيش بأكمله وإلى الفلاحين، وهو ما تجلّى قبل كل شيء في الإطاحة بالهيئات القيادية القديمة (لجان الجيش، ولجان الفلاحين على مستوى المحافظات، واللجنة التنفيذية المركزية لسوفييت عموم روسيا لنوّاب الفلاحين، وغيرها)، وهي الهيئات التي كانت تعبّر عن المرحلة التوفيقية المتجاوزة من الثورة—مرحلتها البرجوازية لا البروليتارية—وكان لا بدّ لها أن تزول تحت ضغط الجماهير الأعمق والأوسع، ليجري انتخاب هيئات قيادية جديدة محلّها.
- ولم تنتهِ هذه الحركة الجبّارة التي خاضها المستغَلّون لإعادة بناء الهيئات القيادية لتنظيماتهم حتى الآن، في منتصف كانون الأول/ديسمبر 1917، ويُعدّ مؤتمر عمّال السكك الحديدية، المنعقد حالياً، إحدى مراحلها.
- وعليه، فإن تكتّل القوى الطبقية في روسيا، في سياق نضالها الطبقي، اتخذ في تشرين الثاني/نوفمبر وكانون الأول/ديسمبر 1917 شكلاً يختلف من حيث المبدأ عن ذلك الذي كان يمكن أن تعكسه قوائم مرشحي الجمعية التأسيسية المُعدّة في منتصف تشرين الأول/أكتوبر 1917.
- وتشير الأحداث الأخيرة في أوكرانيا—وكذلك، جزئياً، في فنلندا وبيلاروسيا، وأيضاً في القوقاز—إلى إعادة تجمّع مماثلة للقوى الطبقية، تجري في سياق الصراع بين القومية البرجوازية للرادا الأوكرانية، والدايت الفنلندي5، وما شابههما، من جهة، وبين سلطة السوفييتات، أي الثورة البروليتارية-الفلاحية، في كل من هذه الجمهوريات القومية، من جهة أخرى.
- وأخيراً، فإن الحرب الأهلية التي أشعلها تمرّد الكاديت6–كاليدين المضاد للثورة ضد السلطة السوفييتية وضد حكومة العمال والفلاحين، قد أوصلت الصراع الطبقي إلى ذروته، وقضت نهائياً على أي إمكان لحلّ، على نحو ديمقراطي شكلي، المشكلات الحادّة للغاية التي طرحتها حركة التاريخ أمام شعوب روسيا، ولا سيما أمام طبقتها العاملة وفلاحيها.
- ولا يمكن أن يضمن الثورة البروليتارية-الفلاحية حقاً سوى الانتصار الكامل للعمال والفلاحين على تمرّد البرجوازية والملاّك العقاريين—كما يتجلّى في حركة الكاديت–كاليدين—وسوى القمع العسكري الحازم، بلا هوادة، لهذا التمرّد العبودي. وقد جعل مسار الأحداث وتطوّر الصراع الطبقي في الثورة من الشعار «كلّ السلطة للجمعية التأسيسية!»—الذي يتجاهل مكاسب ثورة العمال والفلاحين، ويتجاهل سلطة السوفييتات، ويتجاهل قرارات المؤتمر الثاني لعموم روسيا لسوفييتات نوّاب العمال والجنود والمؤتمر الثاني لعموم روسيا لنوّاب الفلاحين، وغيرها—شعاراً للكاديت والكاليدينيين وأنصارهم. وبات الشعب بأسره يدرك تماماً أنّ الجمعية التأسيسية، إذا انفصلت عن سلطة السوفييتات، فسيُحكم عليها حتماً بالفناء السياسي.
- ومن أكثر مسائل الحياة القومية حدّة مسألة السلام. ولم يبدأ في روسيا كفاح ثوري حقيقي من أجل السلام إلا بعد انتصار ثورة 25 تشرين الأول/أكتوبر، وكانت أولى ثمار هذا الانتصار نشر المعاهدات السرّية، وإبرام هدنة، وبدء مفاوضات علنية من أجل سلام عام بلا ضمّ أراضٍ ولا تعويضات. ولا تتاح اليوم إلا لقطاعات الشعب الواسعة فرصة حقيقية لمتابعة سياسة النضال الثوري من أجل السلام متابعةً كاملة وعلنية، ودراسة نتائجها. أمّا إبّان انتخابات الجمعية التأسيسية، فلم تكن جماهير الشعب قد أُتيح لها مثل هذه الفرصة. ومن ثمّ، فإن التباين بين تركيبة الجمعية التأسيسية المنتخبة والإرادة الفعلية للشعب في مسألة إنهاء الحرب يصبح، من هذا المنظور أيضاً، أمراً لا مفرّ منه.
- إن محصّلة جميع الظروف المذكورة أعلاه، مجتمعة، هي أنّ الجمعية التأسيسية التي دُعيت على أساس قوائم الأحزاب القائمة قبل الثورة البروليتارية-الفلاحية، وفي ظلّ حكم البرجوازية، لا بدّ أن تصطدم بإرادة ومصالح الطبقات العاملة والمستغَلّة التي شرعت، في 25 تشرين الأول/أكتوبر، في الثورة الاشتراكية ضد البرجوازية. ومن الطبيعي أن تكون مصالح هذه الثورة أسمى من الحقوق الشكلية للجمعية التأسيسية، حتى لو لم تكن تلك الحقوق قد نُقضت أصلاً بسبب غياب نصّ في قانون الجمعية التأسيسية يعترف بحق الشعب في عزل نوّابه وإجراء انتخابات جديدة في أي وقت.
- إن كل محاولة—مباشرة أو غير مباشرة—للنظر في مسألة الجمعية التأسيسية من زاوية شكلية قانونية، ضمن إطار الديمقراطية البرجوازية العادية، مع تجاهل الصراع الطبقي والحرب الأهلية، لا يمكن إلا أن تُعدّ خيانة لقضية البروليتاريا وتبنّياً للموقف البرجوازي. وتقع على عاتق الاشتراكيين-الديمقراطيين الثوريين مهمة التحذير الجميع من هذا الخطأ، الذي وقع فيه بعض قادة البلاشفة لعجزهم عن تقدير مغزى انتفاضة أكتوبر ومهام ديكتاتورية البروليتاريا.
- إن الفرصة الوحيدة لتأمين حلّ غير عنيف للأزمة الناشئة عن التباين بين انتخابات الجمعية التأسيسية، من جهة، وبين إرادة الشعب ومصالح الطبقات العاملة والمستغَلّة، من جهة أخرى، تتمثّل في أن يمارس الشعب، بأوسع وأسرع ما يمكن، حقه في إعادة انتخاب أعضاء الجمعية التأسيسية، وأن تقبل الجمعية التأسيسية قانون اللجنة التنفيذية المركزية بشأن هذه الانتخابات الجديدة، وأن تعلن اعترافها غير المشروط بسلطة السوفييتات، وبالثورة السوفييتية، وبسياستها في قضايا السلام والأرض ورقابة العمال، وأن تنضمّ بحزم إلى معسكر أعداء الثورة المضادة الكاديتية–الكاليدينية.
- وإذا لم تُستوفَ هذه الشروط، فلا يمكن تسوية الأزمة المتعلّقة بالجمعية التأسيسية إلا على نحو ثوري، عبر اتخاذ سلطة السوفييتات أشدّ الإجراءات الثورية حزماً وسرعةً وثباتاً ضد الثورة المضادة الكاديتية–الكاليدينية، بصرف النظر عن الشعارات أو الأطر التي قد تتخفّى وراءها هذه الثورة المضادة—حتى لو كان ذلك تحت ستار المشاركة في الجمعية التأسيسية. وكل محاولة لتكبيل يدي سلطة السوفييتات في هذا النضال إنما تعادل، في جوهرها، تقديم العون للثورة المضادة.
تعليقنا: كان هذا النص قد كُتب بعد انتصار ثورة أكتوبر وقبل انعقاد الجمعية التأسيسية، وقد أشار فيه لينين أيضًا بوضوح إلى أن السوفييتات هي الشكل الأرقى للديمقراطية، وأن الجمعية التأسيسية تعكس ميزان قوى تجاوزه التطور الثوري، ولا يمكن اعتبارها سلطةً أعلى من سلطات السوفييتات.
حول افتتاح الجمعية التأسيسية
كُتب: 19 كانون الأول/ديسمبر 1917
نُشر لأول مرة: 19 كانون الأول/ديسمبر 1917 في صحيفة برافدا، العدد 207
المصدر: الأعمال الكاملة للينين، دار التقدم، موسكو، المجلد 26، 1972، ص. 367
نظراً للتأخير في انتخابات الجمعية التأسيسية، والذي يعود في الأساس إلى تقصير لجنة الانتخابات لعموم روسيا السابقة، ونظراً لتشكيل مجموعات معادية للثورة لجنةً خاصة للجمعية التأسيسية في معارضة للمفوّضية التي أنشأتها السلطة السوفييتية، فقد جرى تداول شائعات تفيد بأن الجمعية التأسيسية، بصيغتها الحالية، لن تُعقَد إطلاقاً. ويرى مجلس مفوّضي الشعب ضرورة التصريح بأن هذه الشائعات باطلة تماماً، وقد نُشرت عمداً وبسوء نية من قبل أعداء سوفييتات نوّاب الفلاحين والعمال والجنود.
وبموجب مرسوم مجلس مفوّضي الشعب، الذي أقرّته اللجنة التنفيذية المركزية للسوفييتات، تُعقَد الجمعية التأسيسية فور تسجيل نصف أعضائها، أي 400 نائب، على نحو أصولي في ديوان قصر تاوريدا.فلاديمير أوليانوف (لينين)،
رئيس مجلس مفوّضي الشعب
تعليقنا: من يقرأ هذا النص قد يظن، للوهلة الأولى، أن لينين كان مقتنعًا بالجمعية التأسيسية بحدّ ذاتها، ودافع بشراسة عن ضرورة انعقادها انطلاقًا من هذا الموقف. وهكذا يصبح من الممكن تصور لماذا فهم المروجون للديمقراطية البرجوازية كحل و مطلب نهائي أن لينين والبلاشفة قاموا بحلّ الجمعية التأسيسية بسبب ظروف استجدّت، لا بسبب وعي مسبق بضرورة القيام بذلك. لكن تكتيك لينين كان: دعوها تنعقد و ستدين نفسها بنفسها
لكن لينين لم يدافع عن انعقاد الجمعية التأسيسية و«نجاحها» بوصفها سلطةً عليا أو بديلًا عن سلطة السوفييت، بل بوصفها مسألة تكتيكية–سياسية تهدف إلى نزع سلاح الخصوم وكشفهم، مع تثبيت أولوية سلطة السوفييت. فلماذا كان هذا مهمًا في تلك اللحظة؟
أولًا: كان لا بدّ من نزع الذريعة من قوى الثورة المضادة، المتمثلة بالكاديت والمناشفة والاشتراكيين-الثوريين، الذين كانوا يريدون تصوير البلاشفة وكأنهم يسعون إلى اغتصاب السلطة لأنهم خائفون من الديمقراطية وإرادة الشعب.
ثانيًا: كان لا بدّ من كشف التناقض بين الجمعية التأسيسية وسلطة السوفييت على أرض الواقع، من حيث إن الجمعية التأسيسية لا تعكس ميزان القوى الطبقي الجديد. وبالتالي، وبمجرد انعقادها، كان عليها إمّا أن تعترف بسلطة السوفييتات، أو أن تدخل في صدام معها، وهو ما حدث فعلًا. فقد رفضت الجمعية الاعتراف بسلطة السوفييت، وبذلك فقدت مبرر وجودها أمام الجماهير، وأصبح من الممكن حلّها. ولو كان لينين والبلاشفة قد لجؤوا إلى حلول إقصائية بحق الجمعية التأسيسية قبل انعقادها، لكانوا قد قدّموا خدمة على طبق من ذهب للثورة المضادة.
ثالثًا: كان لا بدّ من التأكيد أن سلطة السوفييت هي السلطة الشرعية الوحيدة.
مشروع مرسوم بشأن حلّ الجمعية التأسيسية
كُتب: 6 كانون الثاني/يناير 1918
نُشر لأول مرة: 7 كانون الثاني/يناير 1918 في إزفستيا، العدد 5
نُشر وفق المخطوطة الأصلية
المصدر: الأعمال الكاملة للينين، دار التقدّم، موسكو، المجلد 26، 1972، الصفحات 434–482
منذ اللحظة الأولى لانطلاقتها، أفرزت الثورة الروسية سوفييتات نوّاب العمال والجنود والفلاحين بوصفها التنظيم الجماهيري الوحيد الذي يضمّ جميع الطبقات العاملة والمستغَلّة، والقادر وحده على قيادة نضال هذه الطبقات من أجل تحرّرها السياسي والاقتصادي الكامل.
وخلال كامل المرحلة الابتدائية من الثورة الروسية، تكاثرت السوفييتات عدداً، ونمت وتعزّزت، وتعلّمت من خلال تجربتها الخاصة أن تنبذ أوهام التسوية مع البرجوازية، وأن تدرك الطابع الخادع لأشكال النظام البرلماني البرجوازي-الديمقراطي. وقد توصّلت، عبر الممارسة العملية، إلى الاستنتاج بأن تحرّر الطبقات المضطهَدة مستحيل ما لم تُقطع الصلة بهذه الأشكال وبكل أنواع التسوية. وقد جاءت هذه القطيعة مع ثورة أكتوبر، التي نقلت كامل السلطة إلى السوفييتات.
إن الجمعية التأسيسية، المنتخبة على أساس قوائم انتخابية أُعدّت قبل ثورة أكتوبر، كانت تعبيراً عن ميزان القوى السياسية القديم الذي كان سائداً حين كانت السلطة في أيدي دعاة التسوية وحزب الكاديت. وعندما صوّت الشعب آنذاك لمرشحي حزب الاشتراكيين-الثوريين، لم يكن في وضع يسمح له بالاختيار بين الاشتراكيين-الثوريين اليمينيين، أنصار البرجوازية، والاشتراكيين-الثوريين اليساريين، أنصار الاشتراكية. ولذلك، فإن الجمعية التأسيسية، التي كان من المفترض أن تتوّج الجمهورية البرلمانية البرجوازية، كان لا بدّ لها أن تصبح عقبة في طريق ثورة أكتوبر وسلطة السوفييتات.
لقد كشفت ثورة أكتوبر، بمنحها السلطة للسوفييتات، ومن خلالها للطبقات العاملة والمستغَلّة، عن مقاومة يائسة من جانب المستغِلّين، وفي سحق هذه المقاومة تجلّت الثورة بوضوح بوصفها بداية الثورة الاشتراكية. وقد تعلّمت الطبقات العاملة من خلال التجربة أن النظام البرلماني البرجوازي القديم قد استنفد وظيفته التاريخية، وأنه يتناقض تناقضاً تاماً مع هدف تحقيق الاشتراكية، وأنه ليس من خلال المؤسسات القومية، بل فقط من خلال المؤسسات الطبقية (مثل السوفييتات)، يمكن التغلّب على مقاومة الطبقات المالكة ووضع أسس المجتمع الاشتراكي. إن التخلّي الآن عن السلطة السيادية للسوفييتات، وعن الجمهورية السوفييتية التي انتزعها الشعب، لصالح النظام البرلماني البرجوازي والجمعية التأسيسية، لن يكون إلا خطوة إلى الوراء، وسيؤدي إلى انهيار ثورة أكتوبر العمالية-الفلاحية.
وبفعل الظروف المذكورة أعلاه، نال حزب الاشتراكيين-الثوريين اليمينيين، حزب كيرينسكي وأفكسنتييف وتشيرنوف، الأغلبية في الجمعية التأسيسية التي انعقدت في 5 كانون الثاني/يناير. ومن الطبيعي أن يرفض هذا الحزب مناقشة الاقتراح الواضح والدقيق وغير القابل لأي تأويل، الصادر عن أعلى هيئة في السلطة السوفييتية، أي اللجنة التنفيذية المركزية للسوفييتات، والقاضي بالاعتراف ببرنامج السلطة السوفييتية، وبإعلان حقوق الشعب العامل والمستغَلّ، وبثورة أكتوبر وبسلطة السوفييتات. وبهذا الموقف، قطعت الجمعية التأسيسية جميع صلاتها بالجمهورية السوفييتية الروسية. وكان من الحتمي أن تنسحب من مثل هذه الجمعية كلٌّ من الكتلة البلشفية وكتلة الاشتراكيين-الثوريين اليساريين، اللتين تشكّلان اليوم، بصورة واضحة، الأغلبية الساحقة في السوفييتات، وتحظيان بثقة العمال وأغلبية الفلاحين.
إن حزبي الاشتراكيين-الثوريين اليمينيين والمناشفة يخوضان في الواقع، خارج إطار الجمعية التأسيسية، نضالاً يائساً ضد السلطة السوفييتية، ويدعوان علناً في صحافتهما إلى إسقاطها، ويصفان سحق مقاومة المستغِلّين على يد قوى الطبقات العاملة—وهو أمر ضروري لمصلحة التحرّر من الاستغلال—بأنه عمل تعسّفي وغير شرعي. وهما يدافعان عن المخربين وخدّام رأس المال، ويبلغان حدّ الدعوة الصريحة إلى الإرهاب، وهي دعوات شرعت بعض «المجموعات غير المعرّفة »7 بالفعل في تنفيذها. ومن الواضح أنه، في مثل هذه الظروف، لم يكن الجزء المتبقّي من الجمعية التأسيسية ليؤدي سوى دور ستار تتخفّى خلفه قوى الثورة المضادة في نضالها لإسقاط السلطة السوفييتية.
وبناءً عليه، تقرّر اللجنة التنفيذية المركزية أن الجمعية التأسيسية تُحلّ بموجب هذا القرار.
حاشية
- نوقشت مسألة حلّ الجمعية التأسيسية في الحكومة السوفييتية بتاريخ 6 (19) كانون الثاني/يناير 1918. وقد عرض لينين المضمون الأساسي للمرسوم القاضي بحلّها في صيغة أطروحات.
انعقدت اللجنة التنفيذية المركزية لعموم روسيا في ليلة 6 (19) كانون الثاني/يناير، وبأغلبية مقابل صوتين، مع امتناع خمسة أعضاء، أقرّت المرسوم. وألقى لينين خطاباً حول حلّ الجمعية (انظر الصفحات 437–441). وقد استند المرسوم إلى مشروع لينين ونُشر في برافدا وإزفستيا في 7 (20) كانون الثاني/يناير 1918.
خطاب حول حلّ الجمعية التأسيسية
أُلقي أمام اللجنة التنفيذية المركزية لعموم روسيا
6 (19) كانون الثاني/يناير 1918
أيها الرفاق،
إنّ الصدام بين سلطة السوفييتات والجمعية التأسيسية ليس حادثاً عرضياً، بل هو ثمرة المسار الكامل للثورة الروسية، التي وُضعت أمام مهمّة غير مسبوقة في التاريخ: إعادة بناء المجتمع على أسس اشتراكية. فمنذ أحداث عام 1905 لم يعد ثمة شك في أنّ القيصرية قد انتهى عهدها، وأنها لم تنجُ من السقوط إلا بفعل تخلّف الريف وجهل سكانه. وقد تميّزت ثورة عام 1917، من جهة، بتحوّل الحزب البرجوازي الإمبريالي، تحت ضغط الوقائع، إلى حزب جمهوري8، ومن جهة أخرى، بظهور منظمات ديمقراطية جديدة هي السوفييتات، التي كانت قد نشأت أول مرة عام 1905. وحتى آنذاك، أدرك الاشتراكيون أنّ تنظيم هذه السوفييتات يخلق شيئاً عظيماً، جديداً، وغير مسبوق في تاريخ الثورة العالمية. فالسوفييتات، التي نشأت حصراً بمبادرة الشعب نفسه، تمثّل شكلاً من الديمقراطية لا نظير له في أي بلد آخر في العالم.
لقد أفرزت الثورة قوتين: اتحاد الجماهير من أجل إسقاط القيصرية، وتنظيمات الكادحين أنفسهم. وعندما أسمع أعداء ثورة أكتوبر يصرخون بأن أفكار الاشتراكية غير قابلة للتحقق أو «طوباوية»، أطرح عليهم دائماً سؤالاً بسيطاً ومباشراً: ما هي السوفييتات في نظرهم؟ وما الذي أنشأ هذه التنظيمات الشعبية التي لا سابقة لها في تاريخ تطور الثورة العالمية؟ ولم يتمكن أحد منهم حتى الآن من تقديم جواب واضح عن هذا السؤال. إنهم، بدافع الجمود والقصور، يدافعون عن النظام البرجوازي، ويقفون في وجه هذه التنظيمات الجبّارة التي لم يشهد العالم مثيلاً لظهورها في أي ثورة سابقة. فجميع من يناضلون ضد الملاّك العقاريين ينضمون إلى سوفييتات نوّاب الفلاحين. والسوفييتات تضمّ كل من لا يريد الوقوف موقف المتفرّج، بل يكرّس نفسه للعمل الخلّاق. وقد بسطت شبكتها على امتداد البلاد بأسرها، وكلما ازدادت كثافة هذه الشبكة من سوفييتات الشعب، تقلّصت إمكانية استغلال الكادحين. فوجود السوفييتات يتناقض تناقضاً جذرياً مع ازدهار النظام البرجوازي. ومن هنا ينبع مصدر جميع تناقضات البرجوازية، التي تحارب سوفييتاتنا دفاعاً عن مصالحها الخاصة وحدها.
إن الانتقال من الرأسمالية إلى النظام الاشتراكي يقتضي صراعاً طويلاً ومريراً. وبعد إسقاط القيصرية، لم يكن بوسع الثورة الروسية أن تتوقّف عند حدود الثورة البرجوازية، لأن الحرب، وما أنزلته من آلام لا تُحصى بالشعوب المنهكة، خلقت تربة ملائمة لانفجار الثورة الاجتماعية. ولهذا لا شيء أكثر إثارة للسخرية من الادعاء بأن التطور اللاحق للثورة، وانتفاضة الجماهير التي تلته، كانا من صنع حزب أو فرد أو—كما يصرخون—بإرادة «ديكتاتور». لقد اندلع لهيب الثورة فقط بسبب المعاناة الهائلة التي عاشتها روسيا، وبسبب الظروف التي خلقتها الحرب، والتي وضعت الكادحين بقسوة لا ترحم أمام خيار لا ثالث له: إمّا الإقدام على خطوة جريئة، يائسة وشجاعة، أو الهلاك والموت جوعاً.
وقد تجلّى هذا اللهيب الثوري في إنشاء السوفييتات، الركيزة الأساسية لثورة العمال. لقد أحرز الشعب الروسي قفزة تاريخية هائلة، من القيصرية إلى السوفييتات—وهي حقيقة لا جدال فيها ولا مثيل لها. ففي حين أنّ البرلمانات البرجوازية في جميع البلدان، المحصورة ضمن حدود الرأسمالية والملكية الخاصة، لم تدعم قط أي حركة ثورية، فإن السوفييتات، بعد أن أشعلت نار الثورة، تدعو الشعب دعوة حاسمة إلى النضال، وإلى أخذ كل شيء بين يديه، وإلى تنظيم حياته بنفسه. ومن المؤكد أن ثورة تستمد قوتها من السوفييتات لا بد أن ترافقها أخطاء وعثرات شتى. غير أنّ الجميع يعلم أن الحركات الثورية ترافقها دائماً، وبحكم الضرورة، فترات مؤقتة من الفوضى والاضطراب والدمار. فالمجتمع البرجوازي ذاته ليس سوى حرب دائمة ومجزرة مستمرة، ومن هنا نشأ الصدام واحتدم بين الجمعية التأسيسية والسوفييتات.
أما أولئك الذين يشيرون إلى أننا «نحلّ» اليوم الجمعية التأسيسية بعدما دافعنا عنها سابقاً، فهم لا يظهرون ذرة من العقل، بل يطلقون عبارات رنّانة جوفاء. ففي مرحلة من المراحل، اعتبرنا الجمعية التأسيسية أفضل من القيصرية ومن جمهورية كيرينسكي بأجهزتها السلطوية «الشهيرة». غير أنّ السوفييتات، حين برزت بوصفها منظمات ثورية للشعب بأسره، أصبحت بطبيعة الحال أسمى بما لا يُقاس من أي برلمان في العالم—وهي حقيقة شددتُ عليها منذ نيسان/أبريل الماضي. فالسوفييتات، بتحطيمها الكامل للملكية البرجوازية وملكية الملاّك العقاريين، وبتمهيدها للاجتثاث النهائي الذي يقتلع بقايا النظام البرجوازي، دفعتنا إلى الطريق الذي مكّن الشعب من تنظيم حياته بنفسه. وقد شرعنا في هذا العمل التنظيمي العظيم، وكان من الصواب أن نفعل ذلك.
وبالطبع، لا يمكن تقديم الثورة الاشتراكية للشعب فوراً في شكل نقيّ، أنيق وخالٍ من التناقضات؛ إذ لا بدّ أن ترافقها الحرب الأهلية، والتخريب، والمقاومة. أما الذين يدّعون غير ذلك، فهم إمّا كاذبون أو جبناء.
(تصفيق عاصف)
لقد أظهرت أحداث 20 نيسان/أبريل9 أن الشعب خرج، من دون توجيه من «ديكتاتور» أو من أحزاب، بصورة مستقلة وموحّدة ضد حكومة دعاة التسوية، وهو ما كشف آنذاك ضعف البرجوازية وافتقارها إلى سند حقيقي. وقد شعرت الجماهير بقوتها، فبدأت اللعبة الشهيرة لتبديل الوزراء بهدف خداع الشعب. لكن الشعب سرعان ما أدرك حقيقة هذه اللعبة، ولا سيما بعد أن شرع كيرينسكي—وجيوبه محشوة بالمعاهدات السرّية الافتراسية مع الإمبرياليين—في تحريك الجيوش من أجل شنّ هجوم. وهكذا انكشف سلوك دعاة التسوية، ونفد صبر الجماهير المخدوعة، وكانت النتيجة ثورة أكتوبر.
لقد تعلّم الشعب من التجربة، بعد أن عانى التعذيب والإعدامات وإطلاق النار الجماعي، ولذلك فإن زعم الجزارين بأن البلاشفة أو بعض «الديكتاتوريين» مسؤولون عن انتفاضة الكادحين ليس سوى هراء. وتكذّبهم الوقائع، كما يظهر في الانقسام الجاري داخل صفوف الشعب نفسه في المؤتمرات والاجتماعات والتجمعات المختلفة.
إن الشعب لم يفهم بعد ثورة أكتوبر فهماً كاملاً. غير أنّ هذه الثورة أظهرت عملياً كيف ينبغي للشعب، عبر دولة العمال والفلاحين، أن يأخذ بين يديه الأرض، والثروات الطبيعية، ووسائل النقل والإنتاج. كان شعارنا: «كلّ السلطة للسوفييتات»، ومن أجل ذلك نقاتل. لقد أراد الشعب عقد الجمعية التأسيسية، فعقدناها. لكنه سرعان ما أدرك ماهية هذه الجمعية «الشهيرة» على حقيقتها. وها نحن اليوم ننفّذ إرادة الشعب: كلّ السلطة للسوفييتات.
أمّا المخربون، فسنسحقهم. وعندما جئت من سمولني، ذلك المنبع المتدفّق بالحياة والحيوية، إلى قصر تاوريدا، شعرت كأنني بين جثث ومومياوات فاقدة للحياة10 . لقد استنفدوا كل ما في وسعهم لمحاربة الاشتراكية، ولجأوا إلى العنف والتخريب، بل حوّلوا حتى المعرفة—فخر الإنسانية—إلى أداة لاستغلال الكادحين. ومع أنهم نجحوا في إعاقة التقدم نحو الثورة الاشتراكية إلى حدّ ما، فإنهم لم ولن يتمكنوا من إيقافها، لأن السوفييتات التي بدأت تحطيم الأسس البالية للنظام البرجوازي، لا بأسلوب السادة بل بأسلوب بروليتاري وفلاحي صريح، أقوى من أن تُهزم.
إن تسليم السلطة إلى الجمعية التأسيسية يعني العودة إلى سياسة التسوية مع البرجوازية الخبيثة. أما سوفييتات روسيا، فإنها تضع مصالح الكادحين فوق مصالح سياسة التسوية الخادعة، مهما ارتدت من أثواب جديدة. إن خطابات السياسيين البائدين، تشيرنوف وتسيريتيلي11، الذين يواصلون نواحهم المملّ المطالب بوقف الحرب الأهلية، تفوح منها رائحة العتق والعفن. وما دام كاليدين قائماً، وما دام شعار «كلّ السلطة للجمعية التأسيسية» يخفي في جوهره شعار «يسقط حكم السوفييتات»، فإن الحرب الأهلية لا مفرّ منها. ولن يدفعنا شيء في هذا العالم إلى التخلّي عن سلطة السوفييتات.
(تصفيق عاصف)
وحين كشفت الجمعية التأسيسية مرة أخرى استعدادها لتأجيل جميع المشكلات والمهام الملحّة التي طرحتها عليها السوفييتات، أبلغناها بأن هذه القضايا لا يجوز تأجيلها ولو للحظة واحدة. وبإرادة سلطة السوفييتات، تُحلّ الجمعية التأسيسية التي رفضت الاعتراف بسلطة الشعب. لقد خسر آل ريابوشينسكي12 رهاناتهم، ولن تؤدي محاولاتهم للمقاومة إلا إلى تعميق واستفزاز اندلاع جديد للحرب الأهلية.
لقد حُلّت الجمعية التأسيسية. وستنتصر الجمهورية السوفييتية الثورية، مهما كان الثمن.
اضافات المترجم
1- حزب الكاديت: هو حزب الدستوريين الديمقراطيين (Cadets)، حزب برجوازي ليبرالي مثّل مصالح الرأسماليين والملاّك الكبار، ودافع عن الملكية الخاصة والنظام البرلماني البرجوازي. لعب دوراً رئيسياً في الحكومة المؤقتة بعد شباط/فبراير 1917، وكان من أبرز القوى التي سعت إلى تأجيل الجمعية التأسيسية خوفاً من صعود نفوذ العمال والفلاحين والسوفييتات.
2- قضية كورنيلوف: تشير إلى محاولة الانقلاب العسكري التي قادها الجنرال لافـر كورنيلوف في آب/أغسطس 1917 بهدف سحق السوفييتات والحركة العمالية وإقامة ديكتاتورية عسكرية. حظيت المحاولة بدعم مباشر أو غير مباشر من البرجوازية وحزب الكاديت، وأظهرت عملياً الطابع المعادي للثورة للتحالف بين الرأسماليين والقيادة العسكرية.
3- الصحافة الصفراء: مصطلح يُطلق على الصحافة التجارية المثيرة التي تعتمد على التهويل والتضليل ونشر الشائعات بدل الوقائع، وتخدم في السياق الروسي لعام 1917 مصالح البرجوازية والقوى المعادية للثورة، مستخدمة أساليب التخويف والتشهير للتأثير في وعي الجماهير، ولا سيما الفلاحين، وصرفهم عن التنظيم الثوري والسوفييتات.
4- الجمهورية الإمبريالية برئاسة كيرينسكي والبرلمان التمهيدي:
يقصد لينين بحكومة كيرينسكي الجمهورية البرجوازية التي واصلت الحرب الإمبريالية وحافظت على مصالح الرأسماليين والملاّك بعد سقوط القيصرية. أمّا «البرلمان التمهيدي» (المجلس الديمقراطي أو ما عُرف بالبرلمان ما قبل التأسيسي)، فقد أُنشئ في خريف 1917 كهيئة استشارية غير منتخبة، هدفها تأجيل انعقاد الجمعية التأسيسية، وتقييد سلطة السوفييتات، والتحكّم بمسار الانتخابات عبر ترتيبات إدارية وسياسية تضمن بقاء السلطة الفعلية بيد البرجوازية، بما شكّل عملياً التفافاً على الإرادة الشعبية وانتهاكاً للديمقراطية.
5- الرادا الأوكرانية (Rada) :
هي الهيئة السياسية التي شكّلها القوميون البرجوازيون الأوكرانيون عام 1917 لتمثيل أوكرانيا بعد سقوط القيصرية. سعت الرادا إلى إقامة سلطة قومية برجوازية مستقلة، واصطدمت بسلطة السوفييتات والحركة العمالية-الفلاحية، إذ دافعت عن الملكية الخاصة وتحالفت، بشكل مباشر أو غير مباشر، مع قوى معادية للثورة البلشفية.
الدايت الفنلندي (Diet) :
هو البرلمان التقليدي في فنلندا، الذي مثّل بدوره مصالح البرجوازية والقوى القومية الفنلندية. بعد عام 1917، دخل في صراع مع السوفييتات والقوى العمالية، وسعى إلى ترسيخ سلطة برجوازية قومية في مواجهة الثورة البروليتارية والفلاحية، ما جعله، في نظر لينين، جزءاً من معسكر معادٍ لسلطة السوفييتات.
6- تمرّد الكاديت – كاليدين:
يشير إلى الحركة المضادّة للثورة التي قادها الجنرال أليكسي كاليدين، أتامان قوزاق الدون، بدعمٍ سياسي مباشر أو غير مباشر من حزب الكاديت (الدستوريين الديمقراطيين) والبرجوازية الروسية، في أواخر عام 1917. استهدف هذا التمرّد إسقاط سلطة السوفييتات، وإعادة سلطة الملاّك والرأسماليين، وقمع الحركة العمالية والفلاحية بالقوة العسكرية. ويرى لينين في هذا التمرّد التعبير الأوضح عن تحوّل الصراع السياسي إلى حرب أهلية مفتوحة بين الثورة البروليتارية-الفلاحية والثورة المضادّة البرجوازية.
7- المجموعات غير المعرّفة: يقصد بها لينين جماعات سرّية معادية للثورة كانت تنفّذ أعمال عنف وتخريب من دون إعلان رسمي عن هويتها أو تبنّي أفعالها، وغالباً ما ارتبطت عملياً بقوى الثورة المضادّة (من ضباط قيصريين سابقين، وشبكات يمينية، وأنصار الكاديت والاشتراكيين-الثوريين اليمينيين)، مع توفير غطاء سياسي أو إعلامي غير مباشر لها.
8- يقصد لينين الأحزاب البرجوازية الروسية الكبرى التي كانت تدعم النظام القيصري والإمبريالية الروسية قبل عام 1917—ولا سيما حزب الكاديت وحلفاءه—والتي، تحت ضغط الثورة وسقوط القيصرية في شباط/فبراير 1917، تخلّت شكلياً عن الملكية وتبنّت شعار الجمهورية، من دون أن تتخلّى عن مصالحها الطبقية الإمبريالية أو عن سعيها للحفاظ على الرأسمالية والحرب. ويشير لينين بذلك إلى الطابع القسري والانتهازي لهذا «التحوّل»، بوصفه استجابة اضطرارية للوقائع الثورية لا تحوّلاً جوهرياً في المضمون الاجتماعي أو السياسي.
9- أحداث 20 نيسان/أبريل 1917: يقصد بها المظاهرات الجماهيرية العفوية التي اندلعت في بتروغراد بعد كشف مضمون «مذكرة ميليوكوف»، التي أكّدت استمرار الحكومة المؤقتة في الحرب الإمبريالية والتزاماتها بالمعاهدات السرّية مع الحلفاء. خرج العمال والجنود إلى الشوارع من دون توجيه حزبي مباشر، رافعين شعارات ضد الحكومة وسياسة «التسوية». ويستشهد لينين بهذه الأحداث بوصفها دليلاً مبكراً على ضعف البرجوازية، وعلى نمو الوعي الذاتي للجماهير وقدرتها على التحرّك المستقل، تمهيداً لثورة أكتوبر.
10- سمولني وقصر تاوريدا: يشير لينين بـ«سمولني» إلى معهد سمولني في بتروغراد، الذي أصبح مقرّ السوفييتات ومركز السلطة الثورية بعد أكتوبر 1917، ويرمز عنده إلى الحركة، والحياة، والمبادرة الثورية للجماهير. أمّا «قصر تاوريدا» فكان مقرّ الجمعية التأسيسية ومجلس الدوما سابقاً، ويرمز هنا إلى الجمود، والعجز، وانفصال المؤسسات البرلمانية البرجوازية عن الواقع الثوري. والتشبيه بـ«الجثث والمومياوات» تعبير بلاغي عن تقادم هذه المؤسسات وفقدانها لأي طاقة سياسية حيّة.
11- فيكتور تشيرنوف كان أحد أبرز قادة حزب الاشتراكيين-الثوريين اليمينيين ورئيساً للجمعية التأسيسية، وممثلاً لتيار إصلاحي تمسّك بالديمقراطية البرلمانية ورفض سلطة السوفييتات.
إيراكلي تسيريتيلي كان من قادة المناشفة ووزيراً سابقاً في الحكومة المؤقتة، ومن دعاة «التسوية» بين البرجوازية والطبقة العاملة والاستمرار في الحرب.
ويستخدم لينين اسميهما رمزاً للقيادة الاشتراكية-الإصلاحية القديمة التي، في نظره، فقدت صلتها بالجماهير وبالواقع الثوري، وأصبحت تمثّل سياسة المماطلة والتوفيق مع البرجوازية ضد سلطة السوفييتات.
12- آل ريابوشينسكي:عائلة من كبار الرأسماليين الصناعيين والمصرفيين في روسيا القيصرية، كانت من أبرز ممثلي البرجوازية الكبيرة قبل وبعد ثورة 1917. ارتبط اسمها بالصناعة الثقيلة والمصارف وبالصحافة البرجوازية، ووقفت سياسياً إلى جانب حزب الكاديت وقوى الثورة المضادّة. ويستخدم لينين ذكر «آل ريابوشينسكي» رمزاً لمصالح الرأسمال الكبير التي راهنت على إسقاط سلطة السوفييتات أو إخضاعها، وللدلالة على أن هذه الطبقة خسرت معركة السلطة بعد أكتوبر، وأن محاولاتها اللاحقة للمقاومة لم تعد سوى مقامرات يائسة تزيد من حدّة الصراع الطبقي.