في تموز/يوليو من عام 1935 ظهر في النيو إنترناشيونال مقال لـ ليون تروتسكي بعنوان: “الدولة العمالية، التيرميدور، والبونابرتية”. اكتسب هذا المقال أهمية بالغة بعد انهيار مفهوم عبادة ستالين لدى الكثيرين، حيث تحدث تروتسكي بإيجاز عن طبيعة البيروقراطية السوفياتية مستعيناً بتشبيه تاريخي حول ردة التيرميدور والبونابرتية إبان الثورة الفرنسية الكبرى.
استهل تروتسكي مقاله بالصياغة التالية:
لقد عادت كلمة «تيرميدور» تتردّد على ألسنة كثيرة. غير أنّ هذه الكلمة، للأسف، ابتُذلت من فرط الاستخدام وفقدت مضمونها الملموس
وما أقرب هذا اليوم من ذاك اليوم. السمة التي تطغى على المراحل الانتقالية وما يرافقها من تحريف أعادت كلمة “تيرميدور”، وبشكل مبتذل أيضاً، للظهور على رأس كل مقال من مقالات رفاقنا في تيار اليسار الثوري بوصفهم لنظام الجولاني في سوريا.
لم تكن وثائق رفاقنا في اليسار الثوري عما أسموه “التيرميدور” في سوريا، بحاجة في الحقيقة للتقصي الدقيق ليظهر مدى ابتعادها عن التحليل العلمي. بطبيعة الحال لن نقول بأن رفاقنا عندما قرروا أن نظام الجولاني هو ردة تيرميدورية، كان قرارهم مبنياً على حالة انتقائية أو صدفة غبية. بل فهمهم لطبيعة نظام الجولاني بأنه تيرميدوري له أساس نظري صوري تمتد جذوره إلى نظرية رأسمالية الدولة.
نحن لا نرى في هذا المقال مجرد رد على تيار اليسار الثوري، بل فرصة لخوض نقاش عميق حان أوانه فعلاً عن مصطلح التيرميدور. لذلك لا بد لنا من تقديم سياق تاريخي متكامل عن هذا المصطلح لكل الراغبين بخوض معارك جدية ضد النظام الرأسمالي. وهذا ما لا يمكن أن يتم إن لم نقم بعرض مفهوم التيرميدور في سياق الثورة الفرنسية الكبرى. سوف ننطلق من تقديم شرح مفصل لمفهوم التيرميدور في المقال الأول،و في المقال الثاني سوف نرد على رفاقنا في تيار اليسار الثوري لماذا نظام الجولاني ليس تيرميدورياً.
بروميير وتيرميدور
قبل الخوض في المادية التاريخية والصراع الطبقي، لا بد من البداية ببعض القضايا اللغوية. كتب ماركس كتاباً بعنوان: “الثامن عشر من بروميير”، وتروتسكي تحدث بإسهاب عن “تيرميدور”. لكن ماذا تعني بروميير وتيرميدور؟
مرت أوروبا بسلسلة من الثورات البرجوازية ضد الإقطاع، والتي بدأت في هولندا على شكل حركة قومية ضد الاحتلال الإسباني. الحلقة الثانية من الثورات البرجوازية كانت في إنكلترا في القرن السابع عشر، واتخذت شكل حرب أهلية. أما الحلقة الثالثة، وهي الثورة الفرنسية بين عامي 1789–1793، فقد انطلقت من مستوى أعلى بكثير من الثورة الإنكليزية. بينما حارب كرومويل في إنكلترا تحت راية الدين، فقد رفعت البرجوازية الفرنسية راية العقل. في فرنسا سقطت جدران الكنيسة والدين غير المرئية قبل سقوط جدران الباستيل المنيعة.
القطيعة مع الدين تغلغلت حتى في أدق التفاصيل، لدرجة القطيعة مع التقويم المسيحي الكاثوليكي القديم وإقرار التقويم الثوري الفرنسي في 5 أكتوبر عام 1793 من قبل المؤتمر الوطني الفرنسي.
جعلوا بداية السنة 22 سبتمبر 1792، وهو اليوم الذي تم فيه إعلان الجمهورية وسقوط الملكية، وكانت أسماء الشهور كلها مرتبطة بالفصول والطبيعة. ومن هنا جاءت تسمية الأشهر بـ بروميير (شهر الضباب) وتيرميدور (شهر الحر). ألغاه نابليون بونابرت في عام 1806 (بعد حوالي 12 سنة من العمل به)، وذلك كجزء من مصالحته مع الكنيسة الكاثوليكية لتثبيت نظامه البونابرتي. وفي هذا الجدول نوضح بالتفصيل أسماء الأشهر والفصول وما يقابلها بالتقويم الميلادي.

أما سياسياً فالردة التيرميدورية هي المرحلة التي بدأت بعد انقلاب 9 تيرميدور من عام 1794 أثناء الثورة الفرنسية، حيث تمت الإطاحة بالزعيم الثوري ماكسيمليان روبسبير وإعدامه، وانتهى معه حكم اليعاقبة الراديكاليين. وفيما يلي سوف ندخل بتفاصيل الثورة الفرنسية والردة التيرميدورية.
الثورة الفرنسية واليعاقبة
كانت فرنسا تعيش نظاماً إقطاعياً يقوم على امتيازات النبلاء والكنيسة، بينما تحمل البرجوازيون والفلاحون والعمال أزمات النظام الإقطاعي. بدأت الأزمة الاقتصادية تأخذ حالة نوعية أعلى في ملكية لويس السادس عشر. في 14 تموز/يوليو بدأت الثورة فعلياً باقتحام سجن الباستيل. لم تبدأ الثورة بطبقة واحدة، بل بتحالف طبقي بين البرجوازيين والفلاحين والسان كيلوت.
البرجوازيون من تجار وصناعيين أرادوا إزالة القيود الإقطاعية على التجارة والملكية الخاصة، وطالبوا بدستور وبرلمان. أما الفلاحون الذين كانوا يدفعون الإتاوات للإقطاعيين، فقد أحرقوا سجلات الإقطاع في الريف، وضغطوا لإلغاء الرسوم الإقطاعية. أما السان كيلوت من العمال والحرفيون في المدن، فكانوا القوة الجماهيرية المسلحة في باريس، وضغطوا من أجل المساواة والأسعار العادلة.
أما سياسياً، فقد مثل اليعاقبة الجناح الراديكالي للثورة، حيث كانوا يمثلون البرجوازية الصغيرة والمثقفين الثوريين والسان كيلوت، وكانت مطالبهم راديكالية، حيث طالبوا بإجراء إصلاحات عميقة والتحول إلى جمهورية. لعب اليعاقبة تحت قيادة ماكسيمليان روبسبير الدور الحاسم بالقضاء على الإقطاع، عندما تم إنهاء الإتاوات الإقطاعية وامتيازات النبلاء، وفي عام 1793 تم إعدام لويس السادس عشر لتكون هي الضربة القاضية للنظام الملكي الإقطاعي.
اتبع اليعاقبة سياسة راديكالية لعدة أسباب داخلية وخارجية. بعد إعدام لويس السادس عشر وسقوط الملكية، أعلن معظم ملوك أوروبا (النمسا، بروسيا، إنكلترا) الحرب ضد الثورة الفرنسية لاستعادة الملكية. ومن الداخل بدأت التمردات والمؤامرات من قبل بقايا الملكية والنبلاء، بالإضافة إلى قيام المضاربين باستغلال سوء الأحوال الاقتصادية الكارثية، حيث قاموا بالاحتكارات ورفع أسعار الخبز الذي سيؤدي إلى سخط السان كيلوت.
صعود روبسبير
لقد وصل الصراع الطبقي في فرنسا أشده، وأصبح من الضروري استدعاء شخصيات مثل ماكسيمليان روبسبير. لم يكن صعود روبسبير للسلطة اغتصاباً لها، بل إنقاذاً للشعب. اعتبر لويس بلان، وهو شخصية متحمسة لـ روبسبير، بأن السمة المميزة لليعاقبة كانت كراهيتهم لجميع أوجه عدم المساواة، وقناعاتهم التي لا تلين.
لقد كان لجدية خطاب روبسبير وخطابه المتملق دائماً، لكن الصارم وفق وصف تروتسكي، شيء يجعله يشبه حكماء اليونان القدماء. حتى تقشفه كان يتسم بلطف لا ينتهي. لكن هذه الصفات، ورغم نبلها، فهي ليست حاسمة في الصراع الطبقي. روبسبير لم يستطع المضي قدماً ضد واقع الظروف الاقتصادية والداخلية والضغوط الدولية والتيارات الجديدة الناتجة عنها.
في هذه الظروف أنتجت كل خطوة نتائج بعكس ما كان يتأمله. لقد تم استنفاذ دوره. مراحل الثورة والثورة المضادة تلاحقت واحدة تلو الأخرى بوتيرة متسارعة. تحدث تروتسكي في كتابه عن ستالين بأن روبسبير كان رجلاً للكلمات وليس الأفعال. جريء في اتهاماته وتنديداته، لكنه كان متردداً لدرجة الجبن. وكلما كان يُطلب منه القيام بالدور الحاسم، كان يجعل من نفسه غير متوفر ويختفي من المشهد.
استنفاد الجماهير وصعود التيرميدور
كان للتيرميدور أساس اجتماعي يقوم عليه. كان الأمر يتعلق بالخبز واللحم والسكن. كانت قد بدأت مرحلة جديدة في فرنسا عندما كانت الجماهير منهكة ومستنزفة. وكانت خيبة الأمل عميقة، ورافقتها بداية الشتاء والارتفاع المستمر بالأسعار. لم يتم تطبيق قوانين “فانتوز” التي اقترحها الزعيم اليعقوبي لويس دي سانت جوست، والتي نصت على أن ممتلكات المنفيين وأعداء الثورة يجب أن تُصادر وتُوزع على المحتاجين.
استغل التيرميدوريون ذلك، وكانوا واضحين جداً. قاموا بإعادة صياغة إعلان حقوق الإنسان، وحذفوا منه فقرة هامة جداً، وهي “يولد الناس ويظلون أحراراً ومتساويين في الحقوق”. بالنسبة للتيرميدوريين كان ذلك خطيراً. الناس متساوون في الحقوق، لكن ليس في ممتلكاتهم. لقد كان هذا بالضبط المفهوم البرجوازي للمساواة. الجميع متساوون بالتبعية لأصحاب الملكية الخاصة.
في ذلك الوقت كانت الخزانة فارغة، واليعاقبة قد ذابوا في جهاز الدولة من جهة، ومن جهة أخرى لم يعد لديهم خطباء وصحفيون قادرون على إلهام الجماهير، فمعظم رجالهم الموهوبين كانوا قد اعتُقلوا أو أُعدموا أو انتقلوا إلى معسكر المحافظين. لم يكن روبسبير نشطاً بما يكفي لحسم الصراع ضد هؤلاء المحافظين، لذلك كان لا بد من انتصار التيرميدوريين.
ما هو التيرميدور؟
تم توصيف المزاج السائد في تلك الأوقات بشكل معبر من قبل “مالي دوبان” بالكلمات التالية:
إن أكثر الأسئلة إلحاحاً وأكثر الرغبات عمومية هي تحقيق نوع من النهاية للثورة والتخلص من الصراع
منذ لحظة انتصار التيرميدوريين انطلقت حملة لإلغاء “الحد الأقصى” واستعادة حرية التجارة والتنمية البرجوازية غير المقيدة. في الفترة الأولى لم يكن الهجوم التيرميدوري موجهاً ضد اليعاقبة ككل، بل فقط ضد عناصرهم الأكثر راديكالية.
في تلك الفترة نُسبت إلى هؤلاء اليعاقبة كل الأحداث المزعجة التي وقعت. فقد تم تحميلهم كل المسؤولية عن كل اضطراب بين العمال، وعن كل فعل مقاومة من جانب الفلاحين، وعن الحرائق والانفجارات وكل شيء آخر تحت الشمس.
الهجوم ضد هؤلاء لم يكن موجهاً كما كان يدعي التيرميدوريون إظهاره بأنه ضد هؤلاء اليعاقبة “غريبي الأطوار والمتعطشين للدماء” على حد وصفهم، بل ضد هؤلاء الذين تعهدوا بكبح الفردية، وكل ذلك من أجل تمهيد الطريق للرأسمالية الناشئة.
في المراحل الأولى كان التيرميدوريون يخشون الجماهير، وفي محاولة لاسترضائهم تم تفعيل الثورة المضادة خطوة بخطوة اقتصادياً وسياسياً. كانت مهمة التيرميدوريين تقديم التاسع من تيرميدور “أي الإطاحة بروبسبير” بصفته حدثاً ثانوياً، أي مجرد تضحية بعناصر عرضية من أجل الحفاظ على الجوهر الأساسي لليعاقبة واستمرار برنامجهم الثوري.
إلا أن الهجوم الذي بدأ ضد العناصر الأكثر راديكالية من اليعاقبة انتشر لاحقاً ليشمل اليعاقبة ككل. تم حل الأندية اليعقوبية، وتأسس مكانها “سوق التاسع من تيرميدور” على حد وصف تروتسكي، حيث كان استخدام كلمة سوق كدلالة على مرحلة المساومات والصفقات والانتقال من الثورة للثورة المضادة.
قامت الإدارات المحلية في كل مكان بتطهير نفسها من العناصر الأكثر راديكالية واستبدالهم بعناصر أكثر اعتدالاً. تحرك البندول من اليسار إلى اليمين، لكن بشكل بطيء نسبياً، حيث استمر اليعاقبة لوقت طويل في كونهم مؤثرين في الأجهزة الإدارية.
في النهاية، وفي الثامن عشر من فروكتيدور، اضطر التيرميدوريون للقيام بانقلاب عسكري صارخ من أجل استعادة الديكتاتورية بدلاً من النظام الدستوري، وبما أنهم لم يعد بإمكانهم اللجوء إلى الشعب، فقد استمدوا قوتهم من خلال الانقلاب بمساعدة الجيش، وبهذه الطريقة حولوا الجمهورية إلى ديكتاتورية عسكرية.
الأساس الطبقي للتيرميدور
كما ذكرنا أعلاه، فإن الثورة ضد الملكية والإقطاع كانت مكونة من الفلاحين والسان كيلوت والعمال والبرجوازيين. أي كانت تحالفاً طبقياً. وبدون الديكتاتورية اليعقوبية لم يكن بالإمكان القضاء على الإقطاع. لكن بعد القضاء على الإقطاع أصبح لا بد من حسم التناقض بين الطبقات التي شاركت بهذه الثورة نفسها. وبوجود اليعاقبة لم يكن من الممكن للبرجوازية أن تحل مكان الإقطاع. وهذه كانت بالضبط مهمة التيرميدور. بعد إزاحة السان كيلوت، وهم فقراء المدن والطبقة الأكثر تمرداً، أصبح من الممكن للبرجوازية حيازة إرث الثورة.إن جوهر التيرميدور كان فتح الباب أمام البرجوازية وتزويدها بالوسائل التي تمكنها من الاستيلاء على ميراث الثورة. كتب جورج لوفيغر، صاحب كتاب التيرميدوريون ”The Thermidorian”:
كانوا ينتمون – يقصد هنا التيرميدوريون – إلى الطبقة الوسطى، لقد أرادوا منح رجال الأعمال مرتبة مرة أخرى وتخفيض مرتبة الرجل الفقير إلى مرتبة تالية
هذا ما ساهم بصعود حركة الشباب المُذَهَّب كجماعة سياسية – اجتماعية في مرحلة التيرميدور. وكانوا شباناً برجوازيين أو أبناء طبقات ميسورة، وكانوا معادين لليعاقبة الراديكاليين والسان كيلوت ومؤيدين للتيرميدوريين والبرجوازية المعتدلة. وكانوا معروفين بملابسهم الفاخرة بشكل مبالغ به، لذلك كان اسمهم المُذَهَّبين.
لقد شن التيرميدوريون هجوماً لا هوادة فيه ضد الاتجاهات اليعقوبية التي كانت تميل للعدالة والمساواة. لكن على الجهة الأخرى أثبت التيرميدوريون أنهم الاستمرار المباشر لليعاقبة من ناحية استعداء الملكية الإقطاعية وسلطة الكنيسة، وظلوا خصوماً للكاثوليكية الدوغمائية، وقاموا برعاية جميع أنواع المؤسسات العلمية والاكتشافات والمعاهد الفنية. بكلمات أخرى: أعادوا تأسيس جميع مكاسب الثورة التي كانت مفيدة في خدمة الاقتصاد الرأسمالي والبرجوازية.
ومن هذه الفقرة الأخيرة بالذات سوف ننطلق للرد على الرفاق في تيار اليسار الثوري لماذا نظام الجولاني ليس تيرميدورياً، لكن في المقال القادم.