جهل السلطة القائمة في النظم الإدارية يهدد بالرجعية
في قلب التحليل المادي للتاريخ، لا تُفهم الدولة وأجهزتها الإدارية ككيان محايد يعلو فوق صراع الطبقات، بل بوصفها الأداة الأكثر تركيزاً وتنظيماً التي تستخدمها الطبقة المسيطرة لضمان إعادة إنتاج علاقات الإنتاج القائمة. من هذا المنطلق، فإن “الجهل” الذي تتسم به السلطة القائمة في النظم الإدارية ليس مجرد عجز معرفي أو قصور بيروقراطي عابر، بل هو تجلٍّ بنيوي لاغتراب هذه الأجهزة عن الحركة الموضوعية للمجتمع، مما يحولها من أداة للضبط الطبقي إلى قوة رجعية فاعلة تهدد بتجميد التاريخ ووأد كل إمكانية للتقدم.
إن المادية الجدلية تعلمنا أن تطور قوى الإنتاج هو المحرك الديناميكي للتاريخ، وأن لحظة التناقض بين هذه القوى وعلاقات الإنتاج القائمة هي لحظة الثورة الاجتماعية. غير أن السلطة الإدارية، في تكوينها البرجوازي أو البيروقراطي الطفيلي، تعيش قطيعة وجودية مع هذا القانون الموضوعي. إنها تتعامل مع المجتمع كحقل ميت قابل للصياغة التكنوقراطية، لا كصرير تناقضات حية. إن جهلها هنا ليس جهلاً بالتفاصيل، بل هو إنكار مثالي للصراع الطبقي نفسه، إيمان واهم بأن الأبنية الفوقية ـ ومنها أجهزتها الإدارية ـ قادرة على قولبة القاعدة المادية وفقاً لإرادتها. هذا الوهم المثالي هو الجوهر الأيديولوجي لرجعيتها؛ فهي إذ تعزل “الإدارة” عن الإنتاج، وتفصل “السياسة” عن الاقتصاد، تتحول إلى طبقة قائمة بذاتها، طبقة التكنوقراط والموظفين العليا، التي ترى في أي حراك اجتماعي تهديداً لامتيازاتها المتكلسة.
يكمن الخطر الأعظم في أن هذا الجهل ليس سكونياً، بل هو جهل نشط وعدواني. حين تصطدم السلطة القائمة بأزمات تنتجها التناقضات الرأسمالية ـ أو ما قبل الرأسمالية التي تديرها ـ فإنها لا تلجأ إلى فهم الجذور المادية للأزمة، بل تسارع إلى تفسيرها كمسألة “سوء إدارة” أو “تآمر أعداء”. هنا تلبس الرجعية قناع الإصلاح الإداري. تخيل السلطة أنها بقرار فوقي، بتعديل هيكل تنظيمي، أو بجرعة من القمع البوليسي، تستطيع إلغاء قانون القيمة، أو إسكات هدير البروليتاريا المتنامية. لكن التاريخ الماركسي يثبت أن محاولات إجهاض التناقض بقوة الإدارة الجامدة لا تفعل سوى مضاعفة قوته الانفجارية. هكذا يصبح جهل السلطة بالجدل الموضوعي قوة إنتاج للرجعية بامتياز؛ فهي تدفع المجتمع إلى الوراء، ليس فقط بالمعنى السياسي كديكتاتورية مكشوفة للرأسمال، بل بالمعنى التاريخي العميق حيث تعمل على خنق تطور القوى المنتجة ووأد أشكال الملكية والعلاقات الاجتماعية التي تحمل في أحشائها نفي المجتمع الطبقي.
إن المثقف العضوي للطبقة العاملة مطالب بتعرية هذه الآلية. إن توصيف الحالة بـ”الجهل” ليس نعياً على الأفراد الفاسدين، بل هو تشريح لموقع طبقي. إن الإدارة المنعزلة، التي تحولت من خادم للرأسمال الجمعي إلى سيد متوهم، تتصور أنها “العقل” المدبر للمجتمع، غافلة أن لا عقل للتاريخ سوى الممارسة الثورية للجماهير. وكل يوم يمضي في ظل هذه السلطة الجاهلة بقوانين حركة المجتمع، هو يوم يتراكم فيه الموت البطيء للقوى المنتجة، وتتآكل فيه الثقة التاريخية للطبقات الكادحة في ضرورة التغيير، مما يمهد الطريق لأشكال أكثر توحشاً من الاستغلال في ثوبها الرجعي الجديد.
لذا، فإن مهمة تجاوز خطر الرجعية لا تكمن في “تنوير” السلطة أو إصلاح أجهزتها الإدارية من الداخل، بل في التحطيم الثوري لهذه الأجهزة وإقامة سلطة من نوع جديد: سلطة الكومونة، سلطة المجالس العمالية المسلحة، التي تذيب الفصل الاغترابي بين الإدارة والإنتاج، وتجعل من ممارسة السلطة فعلاً واعياً لقوانين التحول الاجتماعي. في هذا الوعي الطبقي الحي، لا مجرد التقنيات الميتة للمكاتب، يكمن السلاح الوحيد لدحر الرجعية التي يفرزها جبروت الجهل البرجوازي.