هذا المقال هو الجزء الثاني من مقالين للرد على الرفاق في تيار اليسار الثوري بخصوص وصفهم لنظام الجولاني بأنه تيرميدوري.
من يطلع على موقع الرفاق في اليسار الثوري يجد أنه بين كل مقال ومقال يوجد مقال يصف نظام الجولاني بالتيرميدوري. وعند البحث عن جذور اعتمادهم هذه التسمية نصل إلى كراس بعنوان “التيرميدور السوري”، تحدث فيه المنسق العام لتيار اليسار الثوري غياث نعيسة عن سبب تسميتهم لنظام الجولاني بالتيرميدوري ضمن فقرة عنوانها: “سلطة تيرميدورية؟”
لقد تم طرح القضية على شكل سؤال، أي أن موقفهم غير محسوم رغم أنهم قد حسموه فعلاً. إن طرح المسألة على هذا النحو لا يعكس حياداً نظرياً بقدر ما يكشف عن تردد نظري. فهذا التردد ينبع من طريقة مقاربة الواقع نفسها: الانتقال السريع إلى القياس التاريخي قبل الأساس المادي للتحليل.
هنا نكون أمام سمة معروفة في التحليل الماركسي، أشار إليها فلاديمير لينين مراراً، وهي عقلية البرجوازية الصغيرة المتذبذبة بين الاستنتاجات المتعارضة. فهي، بحكم موقعها بين الطبقات، تميل إلى ترك الأبواب مفتوحة، فتطرح الفكرة ونقيضها في آن واحد دون حسم يستند إلى تحليل طبقي واضح.
لكن بالنسبة لنا سوف ننتقد ونحلل ونعطي رأينا النهائي، وإن اكتشفنا يوماً من الأيام بأنه يحتوي على ثغرات أو أنه صحيحاً لكنه أربك القارئين أكثر من كونه قد أوضح معنى التيرميدور، فسوف نتعامل مع ذلك بجدية تامة.
الاستخدام الخاطئ للاقتباسات
لقد عرض الرفاق في كراسهم اقتباسات توضح سمات التيرميدوريين:
أن لهم تاريخاً عبثياً متناقضاً ودموياً، لكن تمتلكهم رغم ذلك الثقة بأنهم أبناؤها (الثورة).. في حين أنه لا يربطهم بها شيء آخر سوى حياتهم
والصفة الثانية:
يرتدون ملابس تماهي وسط الأغنياء الجدد ويتباهون بارتقائهم الاجتماعي، ويتشاركون بأسرارهم ويشبعون بشهوة الثراء والسلطة
بالإضافة إلى كون:
هذه النخب التيرميدورية ترطن بخطاب ثوري ولكنها تعشق المال ومستعدة لكل المساومات من أجل بقائها في السلطة
لكن هل هذه الصفات فعلاً كافية لنقول عن نظام الجولاني بأنه تيرميدوري؟ وفق هذه الصفات تصبح معظم أنظمة المنطقة تيرميدورية. أشار تروتسكي ذات مرة أنه من دون القياسات التاريخية لا يمكننا أن نتعلم من التاريخ، لكن يجب أن يكون القياس ملموساً، فخلف سمات التشابه لا بدّ من رؤية سمات الاختلاف أيضاً.
ولكي نستطيع رؤية سمات الاختلاف التي لم يعرضها رفاقنا في تيار اليسار الثوري، والتي هي بطبيعة الحال الأساس الجوهري الذي يجب دراسته، سوف نصعد عدة أسطر للأعلى في كراسهم، حيث بدأ الرفيق غياث نعيسة مقاربته على النحو التالي:
يف يمكن فهم طبيعة السلطة الجديدة، التي أتت في سياق سيرورة ثورية تم إجهاضها وهزيمتها بالدم، تدعي أنها، رغم سياساتها القمعية والمحافظة والنيوليبرالية، وريثة للثورة الشعبية لعام 2011؟، هي التي في الوقت الذي تعمل فيه على احتكار السلطة تغني صفوفها بـ مجرمي النظام السابق.
وجدنا أن أفضل مقاربة تاريخية لما جرى في سوريا هو التيرميدور الذي شكل منعطفاً في الثورة الفرنسية لعام 1789، حيث قام الجناح المحافظ بالقضاء على الجناح الثوري للثورة الفرنسية.
لا يوجد أسهل من ذلك: الذهاب إلى التاريخ لإيجاد مقاربات تدعم موقفنا السياسي. إن التحليل المادي يعتمد دائماً على دراسة متأنية للحقائق، وهذه الدراسة تفترض الانطلاق من الواقع وتحليله، وليس تقديم مقاربات لا تمت له بصلة ومن ثم بناء مملكة من النظريات فوقه.
نلاحظ من اقتباس الرفاق أعلاه أن التحليل انطلق من عبارتين متناقضتين تماماً. الأولى هي ادعاء نظام الجولاني بأنه وريث للثورة. الثانية هي، وبالمقارنة مع الثورة الفرنسية، فإن فصائل الجولاني كانت هي الجناح المحافظ للثورة الذي قضى على جناحها الثوري.
فيما يخص العبارة الأولى، لا يمكن لأي ماركسي أن ينطلق بتحليله فقط من ادعاءات أي تيار سياسي، سواء كان هذا التيار في النظام أو في المعارضة، بل من مواضع الطبقات نفسها في بداية الثورة وما آلت إليه الأمور الآن. أما بخصوص العبارة الثانية فهي بكل بساطة تنقض العبارة الأولى. إذا كنتم معترضين على أن نظام الجولاني ليس وريثاً للثورة، كيف يمكنكم إذاً اعتباره أحد أجنحتها؟
جبهة النصرة: ليست انحرافاً عن الثورة بل جسم مفروض خارجياً
لقد تحدث تروتسكي عن التيرميدور في مناسبتين. الأولى في الثورة الفرنسية، والثانية في الثورة الروسية. في الأولى كان التيرميدور لتثبيت حكم البرجوازية، وفي الثانية كان نتيجة عزلة الثورة. إلا أن القاسم المشترك بين التجربتين هو أن الردة التيرميدورية نشأت من قوى الثورة نفسها. في سوريا لم تنشأ جبهة النصرة من داخل البنية الطبقية التي شكلت أساس الثورة، بل تم فرضها على الساحة من الخارج إمبريالياً.
أولاً، القيادة: أبو محمد الجولاني ومعظم قيادات جبهة النصرة لم تخرج من الثورة، بل تم تشكيلها سياسياً وعسكرياً داخل تنظيمات جهادية في العراق. القيادة إذاً هي جسم مُشكَّل من شخصيات سابقة عن الحراك الثوري في سوريا، ولم تخرج من خضم الثورة.
ثانياً، التشكل: جبهة النصرة لم تنشأ كامتداد للتنسيقيات في عام 2011، ولا حتى من أي سيرورة ناتجة عن الحراك الجماهيري من الأسفل حتى نستطيع تسميتها الجناح المحافظ للثورة. هي بالأساس فرع من شبكة جهادية قائمة بالأساس وعابرة للحدود، وتنتقل حسب مقتضيات ومصالح الأوغاد الإمبرياليين ,وما ساعدها هو غياب القيادة الثورية الذي خلق لها فراغاً على الساحة السياسية استطاعت استغلاله لأخذ دور حاسم .
ثالثاً، الأساس الاجتماعي: ليس باليسير الدخول بتفاصيل قاعدة جبهة النصرة الاجتماعية، لكن يمكننا القول بأن جبهة النصرة تشكلت بنسبة ساحقة من جهاديين أجانب وكوادر جهادية سابقة، وتوسعت لاحقاً لتشمل سوريين من أبناء الأرياف والبرجوازية الصغيرة التي تطرفت أثناء الحرب، وعند السيطرة الكاملة على إدلب أصبحت تمتلك نواة لجهاز دولة.
لذلك حتى لو تواجد في قاعدة تنظيمها عناصر كانت تنتمي للثورة في بدايتها، فهذا لا يغير من أصل التشكل، وإنما هذا نتيجة لتكيف التنظيم مع الظروف الداخلية والخارجية التي رمت جزءاً كبيراً من البرجوازية الصغيرة في معسكر معاداة الثورة، وبنفس الوقت توسع البروليتاريا الرثة كنتيجة للحرب.
المكاسب الثورية
هنا نأتي إلى النقطة الأساسية في قضية التيرميدور. لم يكن كتاب الثورة المغدورة هو المكان الوحيد الذي تطرق فيه تروتسكي للتيرميدور. فقد تحدث عن ذلك في كتابه عن ستالين، وفي مقال بغاية الأهمية بعنوان “الدولة العمالية، التيرميدور، والبونابرتية”.
وفي جميعها كان الانطلاق من نمط الإنتاج والتموضع الطبقي خلال الثورتين الفرنسية والروسية. ذكر تروتسكي في مقال “الدولة العمالية، التيرميدور، والبونابرتية”:
إنّ انقلاب التاسع من تيرميدور لم يُصفِّ المكاسب الأساسيّة للثورة البرجوازيّة، لكنّه نقل السلطة إلى أيدي اليعاقبة الأكثر اعتدالاً ومحافظة، أي العناصر الأكثر ثراءً من المجتمع البرجوازي. واليوم يستحيل التغاضي عن أنّه في الثورة السوفيتية أيضاً قد حدث منذ زمن بعيد تحوّل إلى اليمين، تحوّل مماثل تماماً للتيرميدور، وإنْ كان أبطأ بكثير في وتيرته وأكثر تمويهاً في شكله.
ويضيف لاحقاً:
قد أنهت كلتا الثورتين الإقطاع والقنانة. غير أنّ إحداهما، عبر جناحها الأقصى، لم تستطع سوى أن تسعى عبثاً لتجاوز حدود المجتمع البرجوازي، بينما الأخرى أطاحت بالفعل بالبرجوازية وأقامت دولة العمّال…..
…… لقد أكمل أكتوبر 1917 الثورة الديمقراطية وافتتح الثورة الاشتراكية. لا قوّة في العالم تستطيع أن تعيد الانقلاب الزراعي–الديمقراطي في روسيا إلى الوراء؛ وهنا يكتمل القياس مع الثورة اليعقوبية
لقد كان الأساس الطبقي الذي تحدث عنه تروتسكي في قياسه للتيرميدور هو أن كلًّا من الثورتين الفرنسية والروسية كانتا قد أنجزتا التحول من نمط الإنتاج الإقطاعي إلى نمط إنتاج جديد مختلف تماماً، والتيرميدور جاء كانحراف سياسي على هذا النمط الاقتصادي الجديد، وهذا ما ذكره تروتسكي عن الثورة الفرنسية بوضوح عندما كتب:
“كان الانقلاب الاجتماعي بين 1789 و1793 ذا طابعٍ برجوازي. في جوهره اختُزل في استبدال الملكية الإقطاعية الثابتة بالملكية البرجوازية «الحُرّة». الثورة المضادّة «المكافئة» لهذه الثورة كان ينبغي أن تُحقّق إعادة الملكية الإقطاعية. لكنّ التيرميدور لم يحاول حتى السير في هذا الاتجاه.”
إذاً، وفق تروتسكي، فإن التيرميدور يستند طبقياً على إنجازات الثورة. عندما نقول بأن التيرميدوريين يدعون بأنهم ورثة الثورة، فهم يدعون ذلك على أساس طبقي، كونهم مضطرين للاستناد إلى الإنجازات التي حققتها الثورة. وهنا نرغب بطرح هذه الأسئلة: هل حققت الثورة السورية فعلاً أي إنجاز طبقي؟ هل تبدل نمط الإنتاج كما حصل في فرنسا وروسيا؟ هل هناك مكاسب تم تحقيقها فعلاً حتى يحافظ التيرميدور عليها ويستند إليها؟
لطالما كان أفراد جبهة النصرة يدوسون علم الثورة بأقدامهم، ولم يتكبدوا عناء نكران ذلك. أما أحاديث الجولاني عن انتصار الثورة عند وصولهم إلى دمشق الآن، فهو ليس أكثر من متطلبات الترويج الإعلامي، وليس لأنهم يريدون أن يستندوا إلى إنجازات الثورة الطبقية لأنها وبكل بساطة غير موجودة.
لقد شكلت البيروقراطية في روسيا ردة نحو اليمين، لكنها لم تجرؤ على المساس بنمط الإنتاج العمالي، لأنها كانت ستهلك أمام الكولاك وبقايا النظام القيصري القديم. وشكل التيرميدوريون في فرنسا أيضاً ردة باتجاه اليمين، لكنهم حافظوا على الحرية البرجوازية حتى لا يعودوا إلى الإقطاع.
في الواقع، لم يتبلور في الحالة السورية أي تحول نوعي مستقر في علاقات الإنتاج يمكن أن يشكل أساساً اجتماعياً جديداً. كما لم تنشأ سلطة طبقية بديلة قادرة على تثبيت نفسها تاريخياً. وبالتالي فإن الحديث عن تيرميدور يفترض وجود ما يمكن تثبيته، وهو ما لم يتحقق.
ما حاجتنا لهذا الكلام؟
قد يبدو بالنسبة للبعض بأن ما كتبناه ليس سوى ثرثرة نخبويين. سيقولون: أعطونا الحلول لمشاكلنا الآن. نحن لا يعنينا إن كان نظام الجولاني تيرميدورياً أو أي شيء آخر.
قد يبدو هذا الكلام للوهلة الأولى منطقياً، لكن في الحقيقة هو ليس كذلك، وإنما على العكس تماماً. إن حل مشاكل الجماهير في سوريا الآن لا يمكن أن يتم إلا بثورة جديدة، وهذه الثورة لا يمكن أن ينجزها سوى العمال وحلفائهم الطبقيين. وهم بطبيعة الحال بحاجة إلى قيادة ثورية تقود نضالاتهم إلى بر الأمان.هذا هو ما ذكره أيضاً الرفيق غياث نعيسة في نهاية كراسه عندما أتى على ذكر ما هي مهامهم في الوضع الراهن، حيث ذكر:
للنهوض بشكل فعال بكل هذه المهام يتوجب على الثوريين/ات مضاعفة الجهود ورص الصفوف من أجل التقدم نحو بناء الحزب العمالي الثوري الجماهيري عبر تنمية قدراتنا التنظيمية والسياسية وتوسعة انغراسنا الشعبي. وصولاً إلى ما تنشده الجماهير الشعبية من التغيير السياسي والاجتماعي الجذري، جمهورية ديمقراطية لامركزية لكل المواطنين/ات تقوم على المساواة والعدالة الاجتماعية
على الرغم من إشارتهم إلى أهمية القيادة الثورية إلا أنهم ألحقوا ذلك بطروحات لا علاقة لها بالثورية. إن القيادة الثورية تلعب دوراً أشبه بالطبيب. يجب أن تحلل المرض بشكل صحيح، وإلا لن تستطيع علاجه. أما التيارات غير الثورية فهي لن تكون قادرة على التحليل الصحيح، وبالتالي تقديم الحل المناسب. وعندما تستلم هذه التيارات قيادة الحراك الجماهيري عندما يندلع مرة أخرى، سوف تكون النتيجة معروفة، كما حصل في عام 2011 وربما أسوأ.
ماذا يعني عندما يعتبر أي تيار سياسي ينسب نفسه للماركسية بأن نظام الجولاني تيرميدوري؟ إن توصيف أي نظام على أنه تيرميدوري يفترض ضمنياً وجود مكاسب ثورية قائمة يمكن الاكتفاء بالدفاع عنها أو تصحيح مسارها بثورة سياسية. أما الواقع المادي الحقيقي في سوريا الآن فهو غياب هذه المكاسب. لذلك فإن المهمة المطروحة ليست تصحيحاً سياسياً، بل تغييراً اجتماعياً جذرياً يمس البنية الطبقية ونمط الإنتاج نفسه. وهذا ما لم يتكبد تيار اليسار الثوري عناء الدعوة له أو حتى الإشارة إليه، كونهم يدعون إلى “جمهورية ديمقراطية لا مركزية”.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى جمهورية ديمقراطية لا مركزية، بمعزل عن تغيير الأساس الاجتماعي، لا تمثل حلاً فعلياً، بل تعيد إنتاج أشكال جديدة من السيطرة السياسية دون المساس بجوهر السلطة الاقتصادية.
لذلك نحن ندعو لنظام فيدرالي، لكن قائم على أساس اشتراكي، أي على أساس الديمقراطية العمالية. إن الجمهورية الديمقراطية التي يدعو لها تيار اليسار الثوري لا تمثل أي حل، بل هي تمثل الاستمرار بإبعاد الجماهير عن مواقع القرار واختصار القرار السياسي بيد حفنة من المرتزقة والانتهازيين الذين يجلسون في البرلمان وينفذون فقط سياسة أصحاب الأموال والإمبرياليين.
على مستوى الممارسة السياسية، فإن هذا الخلل النظري لا يبقى في حدود التعريفات، بل ينعكس مباشرة في تحديد التحالفات والمواقف. ويتجلى ذلك بوضوح في موقفهم من مجلس سوريا الديمقراطية، حيث جرى التعامل معه باعتباره “أهون الشرور”، وتبرير دعمه تحت عناوين مثل الديمقراطية والجبهات المتحدة.
والنتيجة لم تكن عرضية. فمع أول اختبار جدي، تراجعت المكتسبات الديمقراطية للجماهير الكردية بسرعة، ما يؤكد أنها لم تكن تستند إلى أساس اجتماعي متين. وهذا يعيدنا إلى النقطة الجوهرية: دون تغيير فعلي في علاقات الإنتاج، تبقى كل الإنجازات السياسية معرضة للانهيار، وتتحول شعارات الديمقراطية إلى غطاء لإعادة إنتاج نفس البنية الطبقية بأشكال جديدة.
إن خلاص الجماهير في سوريا مرتبط بقيام الثورة الاشتراكية. هذه هي الثورة التي سوف تنجز المطالب الديمقراطية وتذهب بالجماهير إلى أبعد من ذلك. وهذا ما نناضل له نحن في إيسكرا. إن كنتم متفقين معنا، تواصلوا معنا لنخوض معاً نضالاً مشتركاً.
لدينا مستقبل لنكسبه