تقديم بقلم هيئة التحرير
أدناه نضع بين أيديكم ترجمتنا لمقالات غاية بالأهمية من أرشيف لينين عام 1905 و1906 . هذه المقالات ليست مجرد وثائق تاريخية عفا عنها الزمن ؛ بل هي الإرث النظري لمعترك لينين حول عقيدة الثورة المسلحة. في تلك السنوات، وبينما كان الليبراليون يرتجفون أمام “قدسية” الدولة القيصرية، كان لينين يفكك الآلة التي تحمي تلك الدولة: الجيش. و لتاريخه إذا ما نظرنا إلى الأحزاب الشيوعية التقليدية في منطقتنا نجدهم يطمسون معالم المؤسسة العسكرية بصفتها أداة للقمع الطبقي و يقفون خلف البرجوازية الوطنية و أداتها هذه. ومن جهة أخرى نجد هناك من يتعامل مع المؤسسة العسكرية و الشرطة بصفتها كتلة واحدة غير قابلة للتشريح الطبقي.
1. تحطيم وهم “حياد” البنادق
في مقال “القوات المسلحة والثورة”، يضع لينين إصبعه على الجرح الذي كان يخشى المنادون بـ”السلمية” لمسه. إن الجيش ليس كياناً فوق الطبقات، بل هو أداة قمع في يد الطبقة السائدة. يوضح لينين هنا أن الثورة لا يمكن أن تنتصر بمجرد التمني، بل عبر اختراق هذا الجدار الصلب وتحويل “سلاح القمع” إلى “سلاح للتحرر”.
2. الجيش أيضاً انعكاس للصراع الطبقي
الديالكتيك ليس إما وإما. الصوريون يفهمون المواقف و النصوص إما أبيض أو أسود. لذلك عندما يقول ماركس و إنجلز و لينين أن الجيش و الشرطة أداة للقمع الطبقي إذاً عليهم مهاجمة كل عسكري و كل مجند وكل شرطي. في مقال “الجيش والشعب”، نرى لينين الديالكتيكي الذي ينقض كل هذا الهراء . إنه لا ينظر إلى الجندي كآلة صماء، بل كفلاح أو عامل يرتدي بزة عسكرية. يدرك لينين أن العزلة بين الثكنة والشارع هي ضمانة بقاء القيصر، ولذلك فإن مهمة الحركة العمالية هي كسر هذه العزلة. إن وحدة ياقات العمال و سترات الجنود هي الكابوس الذي لم يكن يترك رومانوف ينام هادئاً. دعونا نذكركم: إنتفاضة بحارة كيل في ألمانيا كانت الشرارة لأمجد ثورات الطبقة العاملة الألمانية والتي مازال ملايين العمال الألمان والمهاجرين يعيشون حتى اليوم حقوق عمل من إنجازاتها.
3. الضرورة: من التمرد العفوي إلى التنظيم الثوري
أما في “الجيش الثوري والحكومة الثورية”، فينتقل لينين إلى مستوى “فن الثورة”. هنا، لا يتحدث عن الاحتجاج فحسب، بل عن السلطة. يجادل لينين بأن الجيش الثوري هو الجنين المادي للحكومة الجديدة. بدون قوة مسلحة تحمي قرارات الشعب، تظل “الإرادة الشعبية” مجرد حبر على ورق أمام مدافع الثورة المضادة. والقوة المسلحة هذه كان قد تحدث عنها لينين بشكل جيد في كتابه الدولة والثورة: هي الشعب المسلح وليس الجيش النظامي
القوات المسلحة والثورة
كُتب: 15(28) تشرين الثاني/نوفمبر 11905
نُشر: في صحيفة نوفايا جيزن، العدد 14، 16 تشرين الثاني/نوفمبر 1905
موقَّع باسم: ن. لينين
نُشر وفق نص الصحيفة
المصدر: الأعمال الكاملة للينين، دار التقدم، موسكو، 1965، المجلد 10، الصفحات 54–57
إنّ الانتفاضة في سيفاستوبول2 ما تزال آخذة في الاتساع، والأحداث تقترب من لحظتها الحاسمة. فالملّاحون والجنود الذين يقاتلون من أجل الحرية يعزلون ضباطهم، مع الحفاظ على نظامٍ كامل. والحكومة عاجزة عن تكرار الحيلة القذرة التي لجأت إليها في كرونشتادت3 ؛ فهي غير قادرة على افتعال أعمال شغب.
وقد رفض الأسطول الإبحار، وهدّد بقصف المدينة إذا جرت أي محاولة لقمع المتمرّدين. وقد تولّى الملازم شميت (المحال على التقاعد) قيادة الطرّاد أوتشاكوف4، وهو الذي كان قد فُصل من الخدمة بسبب خطاب «وقح» دعا فيه إلى الدفاع، بالسلاح، عن الحريات التي وُعِد بها في بيان 17 تشرين الأول/أكتوبر5. ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة روس، فإن المهلة المحدّدة لاستسلام البحّارة تنتهي اليوم، في الخامس عشر.
وهكذا، نحن على أعتاب لحظة حاسمة. فالأيام القليلة المقبلة—وربما الساعات—ستُظهر ما إذا كان المتمرّدون سيحققون نصراً كاملاً، أو سيتعرّضون للهزيمة، أو سيُعقد نوع من التسوية. غير أنّ أحداث سيفاستوبول، في جميع الأحوال، تعبّر عن الانهيار التام للنظام العبودي القديم داخل القوات المسلحة، ذلك النظام الذي حوّل الجنود إلى آلات مسلّحة، وجعلهم أداة لقمع أدنى نزوع إلى الحرية.
لقد ولّت، إلى غير رجعة، الأيام التي كان يمكن فيها إرسال القوات الروسية إلى الخارج لقمع ثورة—كما حدث عام 61849. واليوم، انصرفت القوات المسلحة بصورة لا رجعة فيها عن الاستبداد. وهي لم تصبح بعدُ ثورية بالكامل؛ فما يزال الوعي السياسي لدى الجنود والبحّارة في مستوى متدنٍ للغاية. غير أنّ الأمر الجوهري هو أنّ هذا الوعي قد استيقظ بالفعل، وأن الجنود قد بدأوا حركة خاصة بهم، وأن روح الحرية قد نفذت إلى الثكنات في كل مكان. فالثكنات العسكرية في روسيا هي، في العادة، أسوأ من أي سجن؛ ولا مكان تُسحق فيه الفردية وتُضطهد كما تُسحق في الثكنات؛ ولا مكان تنتشر فيه التعذيب والضرب وإهانة الإنسان كما هو الحال فيها. ومع ذلك، فإن هذه الثكنات تتحوّل اليوم إلى بؤر للثورة.
إنّ أحداث سيفاستوبول ليست معزولة ولا عرضية. ولن نتناول هنا المحاولات السابقة للانتفاضة المسلحة في الأسطول أو في الجيش. بل لنقارن الشرارات التي اندلعت في بطرسبورغ بالحريق المتّقد في سيفاستوبول. ولنستحضر مطالب الجنود التي يجري الآن طرحها في وحدات عسكرية مختلفة في بطرسبورغ (وقد نُشرت في عدد صحيفتنا الصادر أمس). يا لها من وثيقة لافتة هذه اللائحة من المطالب! وكم تُظهر بوضوح أنّ الجيش العبودي يتحوّل إلى جيش ثوري! وأيّ قوة تستطيع الآن أن تمنع انتشار مطالب مماثلة في الأسطول بأسره وفي الجيش بأسره؟
إنّ الجنود المتمركزين في بطرسبورغ يطالبون بحصص غذائية أفضل، وملابس أفضل، ومساكن أفضل، وأجور أعلى، وتقليص مدة الخدمة، وتقصير ساعات التدريب اليومي. غير أنّ الأبرز بين مطالبهم هو تلك التي لا يمكن أن يطرحها إلا الجندي الواعي بوصفه مواطناً. فهي تشمل: الحق في حضور جميع الاجتماعات بالزي العسكري «على قدم المساواة مع سائر المواطنين»، والحق في قراءة جميع الصحف والاحتفاظ بها داخل الثكنات، وحرية الضمير، والمساواة التامة في الحقوق بين جميع القوميات، والإلغاء الكامل لكل مظاهر الخضوع للرتب خارج الثكنات، وإلغاء خدم الضباط، وإلغاء المحاكم العسكرية، وإخضاع جميع الجرائم العسكرية لاختصاص المحاكم المدنية، والحق في تقديم الشكاوى بصورة جماعية، والحق في الدفاع عن النفس ضد أي محاولة من قبل الضابط للاعتداء الجسدي على المرؤوس. هذه هي المطالب الأساسية لجنود بطرسبورغ.
وتُظهر هذه المطالب أن جزءاً كبيراً من الجيش بات بالفعل في صف واحد مع رجال سيفاستوبول الذين انتفضوا من أجل الحرية. كما تُظهر أن الأحاديث المنافقة التي يطلقها أتباع الاستبداد عن «حياد» القوات المسلحة، وعن ضرورة «إبعادها عن السياسة»، لا يمكن أن تلقى أدنى تعاطف بين الجنود.
إنّ القوات المسلحة لا يمكنها ولا ينبغي لها أن تكون حيادية. فشعار «عدم زجّ القوات في السياسة» ليس سوى شعار خدّام البرجوازية والقيصرية المنافقين، الذين كانوا في الواقع دائماً يزجّون القوات في سياسة رجعية، ويحوّلون الجنود الروس إلى أتباع للعصابات السوداء، وإلى شركاء للشرطة. ومن المستحيل الوقوف على الحياد إزاء النضال الذي يخوضه الشعب بأسره من أجل الحرية؛ فكل من يبدي لامبالاة تجاه هذا النضال إنما يدعم فظائع حكومة الشرطة7، التي وعدت بالحرية لا لشيء إلا لتسخر منها.
إنّ مطالب الجنود-المواطنين هي مطالب الاشتراكية-الديمقراطية، ومطالب جميع الأحزاب الثورية، والعمال الواعين طبقياً. وبانضمام الجنود إلى صفوف أنصار الحرية، وبوقوفهم إلى جانب الشعب، فإنهم يضمنون انتصار قضية الحرية، وتحقيق مطالبهم هم أنفسهم.
غير أنّ تحقيق هذه المطالب تحقيقاً كاملاً ودائماً يقتضي الإقدام على خطوة صغيرة أخرى إلى الأمام. فجميع المطالب الجزئية للجنود، الذين أنهكتهم حياة الأشغال الشاقة اللعينة في الثكنات، ينبغي أن تُجمع في كلٍّ واحد. وإذا جُمِعت، فإنها تُختصر في مطلب واحد: إلغاء الجيش الدائم، وإحلال تسليح الشعب بأسره محلّه.
ففي كل مكان، وفي جميع البلدان، يُستخدم الجيش الدائم لا ضد العدو الخارجي بقدر ما يُستخدم ضد العدو الداخلي. وفي كل مكان، أصبح الجيش الدائم أداة للرجعية، وخادماً لرأس المال في صراعه ضد العمل، وجلاداً لحرية الشعب. لذلك، لا ينبغي لنا أن نتوقّف عند حدود المطالب الجزئية في ثورتنا التحررية العظمى، بل يجب اقتلاع الشر من جذوره، والقضاء على الجيش الدائم بالكامل.
وليندمج الجيش مع الشعب المسلّح؛ وليحمل الجنود إلى الشعب معارفهم العسكرية؛ ولتختفِ الثكنات، ويحلّ محلّها مدارس عسكرية حرّة. فلن تجرؤ أية قوة في العالم على الاعتداء على روسيا الحرّة، إذا كان حصن حريتها شعباً مسلّحاً، حطّم الطغمة العسكرية، وجعل كل جندي مواطناً، وكل مواطن قادراً على حمل السلاح، جندياً.
لقد أظهرت تجربة أوروبا الغربية مدى رجعية الجيش الدائم المطلقة، كما أثبت العلم العسكري أن الميليشيا الجماهيرية أمر قابل للتحقق تماماً، وأنها قادرة على الاضطلاع بالمهام العسكرية التي تفرضها الحرب، سواء كانت دفاعية أم هجومية. فليحلم البرجوازيون المنافقون أو العاطفيون بنزع السلاح. ما دام في العالم أناس مضطهَدون ومستغَلّون، فإن الواجب ليس السعي إلى نزع السلاح، بل إلى تسليح الشعب بأسره. فهذا وحده كفيل بضمان الحرية ضماناً كاملاً، وهو وحده القادر على إسقاط الرجعية إسقاطاً تاماً. وفقط عندما يتحقق هذا التحوّل، سينعم الملايين من الكادحين—لا حفنة من المستغِلّين—بحرية حقيقية.
الجيش والشعب
نُشر: في صحيفة إيخو، العدد 10، 2 تموز/يوليو 1906. نُشر وفق نص إيخو.
المصدر: الأعمال الكاملة للينين، دار التقدم ، موسكو، 1965، المجلد 11، الصفحات 85–87.
الملكية العامة: أرشيف لينين على الإنترنت، 2004. يجوز نسخ هذا العمل وتوزيعه وعرضه وأداؤه بحرية، وكذلك إعداد أعمال مشتقة وتجارية منه، على أن يُذكر «Marxists Internet Archive» كمصدر
ما تزال جميع الصحف تعجّ بالأخبار عن الحركة الجارية داخل القوات المسلحة. ومن العسير الآن تقدير عدد الأفواج أو الوحدات العسكرية التي شهدت اضطرابات وتمردات خلال الشهرين اللذين سمّتهما الدوما «فترة العمل»8. وحتى في الشؤون العسكرية أيضاً، فإن ذلك النشاط البرلماني السلمي المشهور—الذي اخترعه سياسيون برجوازيون سذّج (وليسوا دائماً سذّجاً، بالمناسبة)—قد أفضى إلى أساليب نضال وأشكال حركة ليست سلمية البتة، ولا برلمانية بأي حال.
وعندما تنشر صحافتنا الليبرالية-البرجوازية الوقائع والتقارير عن الحركة داخل القوات المسلحة، فهي تستخدم هذه المادة عادةً لغرض واحد: تخويف الحكومة. فتجادل صحف الكاديت غالباً على النحو التالي: «إن الحريق ينتشر. احذروا، تنبّهوا أيها السادة أعضاء الوزارة. قدّموا لنا التنازلات قبل فوات الأوان». ويردّ الوزراء (عبر نوفويه فريميا وغيرها من الصحف الذليلة) بمحاولة تخويف الكاديت بدورهم: «انظروا أيها السادة، إن الحريق ينتشر. توصلوا إلى تفاهم معنا قبل فوات الأوان».
وهكذا، ينظر كلٌّ من الكاديت والحكومة إلى الحركة داخل القوات المسلحة بوصفها برهاناً على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لإخماد الثورة. غير أنّ قصر نظرهم—الذي تمليه إلى حدّ كبير مصالحهم الأنانية—يمنعهم من رؤية أن هذه الحركة هي أحد أهم المؤشرات على الطابع الحقيقي لثورتنا وعلى أهدافها الفعلية. فالكاديت والحكومة، كلٌّ على طريقته، يلاحقان مصالحهما الخاصة في مسألة الجيش. مثيرو المذابح (البوغرومات)9 يحتاجون إلى الجيش أداةً للمذابح. والبرجوازية الليبرالية تحتاج إليه لحماية الملكية البرجوازية من «التجاوزات المفرطة» ومن مطالب الفلاحين، ولا سيما العمال. ومن هنا تُصبح العقيدة المبتذلة المنافقة الكاذبة القائلة إن «الجيش يجب أن يُبعَد عن السياسة» شديدة الملاءمة لإخفاء مقاصد البرجوازية الحقيقية في هذا المجال.
لكن انظروا إلى طابع الاضطرابات داخل القوات المسلحة، وإلى المطالب التي يرفعها الجنود. حاولوا أن تنظروا إلى الجنود الذين يعرّضون أنفسهم لخطر الإعدام بتهمة «العصيان» بوصفهم بشراً لهم مصالحهم الخاصة المستقلة، وبوصفهم جزءاً من الشعب، وبوصفهم رجالاً يعبّرون عن الحاجات الملحّة لفئات معيّنة من مجتمعنا. سترون أن هؤلاء الجنود—الأقرب إلى الفلاحين الأقل تطوراً سياسياً، الذين يُدرَّبون بقسوة ويُسحَقون ويُرهبون على أيدي الضباط—أن هؤلاء «البهائم الصمّ»10 يذهبون في مطالبهم أبعد بما لا يُقاس من برامج الكاديت!
إن الكاديت ودوما الكاديت يحبون الادعاء بأنهم يعبّرون عن مطالب الشعب. وكثير من السذّج يصدقون ذلك. لكن انظروا إلى الوقائع. انظروا إلى المطالب التي تطرحها جماهير الشعب العريضة فعلاً، وإلى النضال الذي تخوضه فعلاً، وستجدون أن الكاديت ودوما الكاديت يبترون مطالب الشعب ويشوّهونها.
انظروا إلى الوقائع. لقد طرح رجال فوج بريوبرازينسكي 11 مطلباً يقول: «دعم جماعة التروودوفيك12 في النضال من أجل الأرض والحرية». لاحظوا: ليس «دعم الدوما»، بل «دعم جماعة التروودوفيك»—تلك الجماعة التي اتهمها الكاديت بأنها «أهانت دوما الدولة إهانة فظيعة» حين قدمت مشروع قانون الأرض الموقَّع من 33 نائباً، والذي يقترح إلغاء الملكية الخاصة للأرض! ومن الواضح أن الجنود يذهبون أبعد من الكاديت. هؤلاء «البهائم الصمّ» يريدون أكثر مما تريده البرجوازية «المستنيرة…».
وطالب أحد أفواج المشاة في بطرسبورغ بما يلي: «… يجب أن يُسمح لنا، نحن الجنود، بانتخاب نوّابنا إلى دوما الدولة للتعبير عن حاجات الجنود». إنّ الجنود لا يريدون الابتعاد عن السياسة، ولا يوافقون الكاديت. وهم يطرحون مطلباً يعني بوضوح إلغاء جيش الطائفة المغلقة، أي الجيش المعزول عن الشعب، واستبداله بجيش من مواطنين أحرار ومتساوين. وهذا، في الجوهر، هو بعينه إلغاء الجيش الدائم وتسليح الشعب.
إنّ جنود منطقة وارسو يطالبون بعقد جمعية تأسيسية، كما يطالبون بحرية الاجتماع وحرية تكوين الجمعيات للجنود «من دون موافقة الضباط أو حضورهم». ويطالبون كذلك بأن تُؤدّى الخدمة العسكرية في المناطق الأصلية للجنود، وبالحق في ارتداء اللباس المدني خارج أوقات الخدمة، وبالحق في انتخاب ممثلي الجنود للإشراف على طعامهم، وللقيام بدور قضاة في محاكمة المخالفات التي يرتكبها الجنود.
فهل يشبه هذا، بأي وجه، تصور الكاديت لإصلاح الجيش؟ أم أنه يقترب كثيراً من مؤسسة ميليشيا وطنية ديمقراطية بالكامل؟
إن الجنود يعبّرون عن المطالب الحقيقية للشعب—المطالب المشتركة لدى الغالبية الساحقة من الشعب—أفضل بكثير من أولئك السادة من البرجوازية «المستنيرة». وإن طابع الحركة داخل القوات المسلحة وسماتها الأساسية يعبّران، في الظروف الراهنة، عن إن الجنود يعبّرون عن المطالب الحقيقية للشعب—المطالب المشتركة لدى الغالبية الساحقة من الشعب—أفضل بكثير من أولئك السادة من البرجوازية «المستنيرة». وإن طابع الحركة داخل القوات المسلحة وسماتها الأساسية يعبّران، في الظروف الراهنة، عن جوهر الأشكال الرئيسية والأساسية للنضال من أجل التحرر تعبيراً أدقّ بكثير مما تعبّر عنه تكتيكات الكاديت. وتؤكد حركة العمال والفلاحين ذلك على نحو أشد.
واجبنا ليس محاولة حشر هذه الحركة ضمن الحدود الضيقة لسياسة كاديتية تافهة، ولا الحطّ من شأنها بتكييفها على مقاس شعارات كاديتية تافهة، بل دعمها وتوسيعها وتطويرها بروح ديمقراطية حقيقية، متّسقة، حازمة، وكفاحية.
الجيش الثوري والحكومة الثورية
نُشر: في صحيفة البروليتاري (Proletary)، العدد 7، 10 تموز/يوليو (27 حزيران/يونيو) 1905. نُشر وفق نص البروليتاري، ودُقِّق على المخطوط.
المصدر: الأعمال الكاملة للينين، دار نشر اللغات الأجنبية، موسكو، 1962، المجلد 8، الصفحات 560–568.
الترجمة: برنارد آيزاكس وإيزيدور لاسكر (الراحل).
التفريغ/التنسيق: ر. سيمبالا.
الملكية العامة: أرشيف لينين على الإنترنيت (2003).
إنّ الانتفاضة في أوديسا، وانحياز الطرّاد المدرّع بوتيومكين إلى جانب الثورة13، شكّلا خطوة جديدة كبرى إلى الأمام في تطوّر الحركة الثورية ضد الحكم الاستبدادي. وقد أكّدت مجريات الأحداث، وبسرعة لافتة، راهنية النداءات إلى الانتفاضة وإلى تشكيل حكومة ثورية مؤقتة، تلك النداءات التي وجّهها إلى الشعب ممثلو البروليتاريا الواعون طبقياً، كما تجسّدوا في المؤتمر الثالث لحزب العمال الاشتراكي-الديمقراطي الروسي. إن تجدّد اشتعال الحريق الثوري يبرز بوضوح الدلالة العملية لهذه النداءات، ويفرض علينا أن نحدّد بدقّة أكبر مهام المناضلين الثوريين في الظرف الراهن في روسيا.
إنّ الانتفاضة المسلحة للشعب تنضج وتنتظم أمام أعيننا، بفعل المسار العفوي للأحداث ذاتها. فلم يمضِ وقت طويل حين كان الشكل الوحيد لنضال الشعب ضد الاستبداد يقتصر على تمرّدات غير واعية، غير منظَّمة، عفوية، وأحياناً على انفجارات جامحة. غير أنّ حركة العمل، بوصفها حركة الطبقة الأكثر تقدّماً، أي البروليتاريا، تجاوزت سريعاً هذه المرحلة البدائية. وقد كان للدعاية والتحريض الهادفين اللذين مارسهما الاشتراكيون-الديمقراطيون أثرهما، فحلّت محلّ الاضطرابات نضالاتٌ إضرابية منظَّمة ومظاهراتٌ سياسية ضدّ الاستبداد. كما أنّ أعمال القمع العسكري الوحشي في السنوات الأخيرة «علّمت» البروليتاريا وجماهير المدن، وهيّأتها لأشكال أرقى من النضال الثوري. أمّا الحرب الإجرامية والمُهينة التي زجّ الاستبدادُ الشعبَ فيها، فقد ملأت كأس صبره حتى فاض. وبدأت الجماهير تُبدي مقاومةً مسلّحة للقوات القيصرية، فانطلقت معارك شوارع حقيقية، ومعارك متاريس، بين الشعب والقوات. وقد قدّمت لنا القوقاز، ولودج، وأوديسا، وليباو، في الآونة الأخيرة، نماذج حيّة من بطولة البروليتاريا وحماسة الشعب. وهكذا ارتقى النضال إلى مستوى الانتفاضة. بل إنّ القوات القيصرية نفسها أخذت، شيئاً فشيئاً، تدرك أنّها تُساق لأداء دور مشين: دور جلّادي الحرية وأعوان الشرطة. وبدأ الجيش يتزعزع. ففي البداية ظهرت حالات فردية من العصيان، واضطرابات بين جنود الاحتياط، واحتجاجات من ضباط، ونشاط دعائي بين الجنود، ورفض بعض السرايا والأفواج إطلاق النار على إخوتهم العمال. ثم—انحاز جزء من الجيش إلى جانب الانتفاضة.
وتكمن الأهمية البالغة لأحداث أوديسا الأخيرة، تحديداً، في أنّ وحدةً مهمّة من القوات المسلحة للاستبداد القيصري—أي سفينةً حربية—انتقلت، وللمرّة الأولى، علناً إلى جانب الثورة. وقد بذلت الحكومة جهوداً محمومة، ولجأت إلى شتّى الحيل الممكنة لإخفاء هذا الحدث عن الشعب، ولخنق تمرّد البحّارة في مهده، لكن من دون جدوى. فقد رفضت السفن الحربية التي أُرسلت ضد الطرّاد المدرّع الثوري بوتيومكين القتال ضد رفاقها. وحين نشرت الحكومة الاستبدادية في أوروبا خبر استسلام بوتيومكين14، وأمرت بإغراق الطرّاد الثوري، لم تفعل إلا أن كشفت فضيحتها كاملة أمام العالم بأسره.عاد السرب البحري إلى سيفاستوبول، وراحت الحكومة تُسارع إلى تفكيك الطواقم ونزع سلاح السفن؛ وتَرِد تقارير عن استقالات جماعية لضباط أسطول البحر الأسود؛ كما اندلع تمرّد جديد على الطرّاد المدرّع غيورغي بوبيدونوسيتس15 الذي كان قد استسلم. ويثور البحّارة كذلك في ليباو وكرونشتادت؛ وتتزايد الاشتباكات مع القوات؛ ويقاتل البحّارة والعمال الجنود على المتاريس (في ليباو). وتفيد الصحافة الأجنبية بحدوث تمرّدات على عدد من السفن الحربية الأخرى (مينين، ألكسندر الثاني، وغيرها). وهكذا يجد الحكم القيصري نفسه بلا أسطول. وكلّ ما استطاع تحقيقه حتى الآن هو الحيلولة دون انحياز الأسطول انحيازاً فعلياً إلى جانب الثورة. أمّا الطرّاد المدرّع بوتيومكين فما يزال أرضاً ثورية غير مقهورة، ومهما يكن مصيره، فإن الحقيقة الثابتة، ذات الأهمية القصوى، هي أنّنا نشهد هنا محاولة لتشكيل نواة جيش ثوري.
ولا يمكن لأي إجراءات قمعية، ولا لأي انتصارات جزئية على الثورة، أن تقلّل من أهمية هذا الحدث. فقد أُنجزت الخطوة الأولى. وقد جرى عبور الروبيكون16. وأصبح انحياز الجيش إلى الثورة حقيقة راسخة في وعي روسيا بأسرها والعالم كله. وستتبع أحداث أسطول البحر الأسود، لا محالة، محاولات جديدة، وأكثر جرأة، لتشكيل جيش ثوري. ومهمتنا الآن هي تقديم أقصى دعم ممكن لهذه الجهود، وشرح الأهمية الوطنية الشاملة للجيش الثوري في النضال من أجل الحرية لأوسع جماهير البروليتاريا والفلاحين، ومساعدة الوحدات المختلفة من هذا الجيش على رفع راية الحرية الشعبية—الراية القادرة على جذب الجماهير وتوحيد القوى التي ستسحق الحكم الاستبدادي القيصري.
اضطرابات—مظاهرات—قتال شوارع—وحدات من جيشٍ ثوري: هذه هي مراحل تطوّر الانتفاضة الشعبية. وقد بلغنا الآن المرحلة الأخيرة. ولا يعني ذلك، بالطبع، أنّ الحركة برمّتها قد ارتقت إلى هذه المرحلة الأعلى؛ فما يزال فيها قدرٌ كبير من التخلّف، وتظهر في أحداث أوديسا بجلاء بقايا من أعمال الشغب القديمة. لكنّ ذلك يعني أنّ الموجات المتقدّمة للسيل العفوي قد بلغت بالفعل عتبة «القلعة» الاستبدادية. ويعني أنّ الطليعة من ممثلي الجماهير الشعبية قد وصلت بنفسها—لا بفعل استنتاجات نظرية، بل تحت ضغط الحركة المتنامية—إلى مهام جديدة وأعلى في النضال، أي إلى المعركة النهائية ضد عدوّ الشعب الروسي.
لقد فعل الاستبداد كل ما بوسعه لتهيئة هذه المعركة. فعلى مدى سنوات، استفزّ الشعب إلى نضال مسلّح باستخدام قواته، وهو اليوم يحصد ما زرع. إن وحدات الجيش الثوري تنبثق من الجيش نفسه.
وتتمثّل مهمة هذه الوحدات في إعلان الانتفاضة، وتقديم القيادة العسكرية للجماهير—وهي قيادة لا غنى عنها في الحرب الأهلية كما في أي حرب أخرى—وإقامة نقاط ارتكاز للنضال الجماهيري العلني، ونشر الانتفاضة إلى المناطق المجاورة، وإرساء الحرية السياسية الكاملة، ولو بدايةً في جزء صغير من البلاد، والشروع في التحويل الثوري للنظام الاستبدادي المتعفّن، وإفساح المجال كاملاً للنشاط الخلّاق الثوري للجماهير، التي يكون دورها محدوداً في أوقات السلم، لكنها تتقدّم إلى الصفوف الأولى في العهود الثورية. وفقط من خلال الفهم الواضح لهذه المهام الجديدة، وطرحها بجرأة واتساع، تستطيع وحدات الجيش الثوري أن تحقّق نصراً كاملاً، وأن تصبح ركائز حكومة ثورية.
وإن الحكومة الثورية لا تقلّ ضرورة، في هذه المرحلة من الانتفاضة الشعبية، عن الجيش الثوري نفسه. فالجيش الثوري ضروري للنضال العسكري وللقيادة العسكرية للجماهير ضد بقايا القوات العسكرية للاستبداد. وهو ضروري لأن القضايا التاريخية الكبرى لا تُحسم إلا بالقوة، وتنظيم القوة في الصراع الحديث يعني التنظيم العسكري. وإلى جانب بقايا القوات الاستبدادية، توجد قوات عسكرية للدول المجاورة التي بدأ الحكم الروسي المتداعي يستجدي دعمها—وسنعود إلى ذلك لاحقاً.
أمّا الحكومة الثورية، فهي ضرورية للقيادة السياسية للجماهير: أولاً في ذلك الجزء من البلاد الذي انتُزع من قبضة القيصرية بقوة الجيش الثوري، ثم في البلاد كلها. وهي ضرورية للشروع الفوري في الإصلاحات السياسية التي تُخاض الثورة من أجلها: إقامة حكم ذاتي ثوري للشعب، والدعوة إلى جمعية تأسيسية شعبية حقاً، وإقرار تلك الحريات التي لا يمكن من دونها أي تعبير فعلي عن إرادة الشعب. وهي ضرورية للتوحيد والتنظيم السياسيين للجزء المنتفض من الشعب الذي انفصل بالفعل وبصورة نهائية عن الاستبداد. وبطبيعة الحال، فإن هذا التنظيم السياسي لا يمكن إلا أن يكون مؤقتاً، تماماً كما أن الحكومة الثورية نفسها—التي تستولي على السلطة باسم الشعب، لتنفيذ إرادته والعمل بأداته—لا يمكن إلا أن تكون مؤقتة. لكنّ هذا العمل التنظيمي يجب أن يبدأ فوراً، وأن يرتبط ارتباطاً عضوياً بكل خطوة ناجحة من خطوات الانتفاضة، لأن التوحيد والقيادة السياسيين لا يحتملان أي تأخير.
ولا يستطيع أيُّ شخصٍ قادرٍ على إصدار حكمٍ سليم أن يشكّ في النتيجة النهائية للصراع بين أنصار الاستبداد وجماهير الشعب. غير أنّه لا يجوز لنا أن نُغمض أعيننا عن حقيقة أنّ الصراع الجدي لم يبدأ إلا الآن، وأن اختبارات قاسية تنتظرنا. فالجيش الثوري والحكومة الثورية ليسا إلا «كائنين» من مستوى رفيع للغاية، يتطلّبان مؤسسات معقّدة ووعياً مدنياً متقدّماً، ومن الخطأ توقّع إنجاز بسيط، فوري، ومكتمل لهذه المهام منذ اللحظة الأولى. لكن ما لا يجوز السماح به—وهو الأخطر في الظروف الراهنة—هو فقدان الثقة بقدرات الشعب. علينا أن نتذكّر القوة التربوية والتنظيمية الهائلة للثورة، حين تُخرج الأحداث التاريخية العظمى الإنسان العادي قسراً من زاويته النائية، من علّيته أو قبوِه، وتحيله إلى مواطن فاعل. فأشهر قليلة من الثورة قد تُعلّم المواطنين أحياناً أسرع وأكمل مما تفعله عقود كاملة من الركود السياسي. ومهمّة القادة الواعين طبقياً للطبقة الثورية هي دائماً أن يتقدّموا الصفوف في ميدان التثقيف، وأن يشرحوا للجماهير معنى المهام الجديدة، وأن يدفعوها قدماً نحو هدفنا النهائي العظيم. إن الإخفاقات الحتمية في محاولاتنا اللاحقة لتشكيل جيشٍ ثوري وحكومةٍ ثوريةٍ مؤقتة لن تكون عبثاً، بل ستعلّمنا مواجهة هذه المهام عملياً، وستستنهض قوى جديدة وحية من الشعب كانت حتى الآن كامنة، وتُدخلها في معترك حلّ هذه المهام.
لم تنظر الاشتراكية-الديمقراطية قطّ إلى الحرب نظرة عاطفية. فهي تدين الحرب بلا تحفّظ باعتبارها وسيلةً وحشيةً لحلّ النزاعات في المجتمع البشري. غير أنّها تدرك في الوقت نفسه أنّه ما دامت المجتمعات منقسمة إلى طبقات، وما دام استغلال الإنسان للإنسان قائماً، فإن الحروب لا مفرّ منها. ولا يمكن القضاء على هذا الاستغلال من دون حرب، كما أنّ الحروب تبدأ دائماً، وفي كل مكان، على يد المستغِلّين أنفسهم، أي الطبقات السائدة والقامعة. فهناك حروب وحروب. هناك حروبٌ مغامِرة تُخاض لخدمة مصالح سلالية، أو لإشباع شراهة عصابة من المغامرين، أو لتحقيق أهداف فرسان الربح الرأسمالي. وهناك نوع آخر من الحروب—وهو النوع الوحيد المشروع في المجتمع الرأسمالي—ألا وهو الحرب ضد مضطهدي الشعب ومستعبديه. ولا يستطيع إدانة هذه الحرب من حيث المبدأ إلا الطوباويون والفلستيون الصغار17. ولا يمكن إلا لخونة الحرية البرجوازيين أن يقفوا على الحياد إزاء مثل هذه الحرب في روسيا اليوم—حرب الشعب من أجل حريته.
لقد شرعت البروليتاريا الروسية في هذه الحرب التحررية العظمى، وستواصلها، من خلال تشكيل وحدات الجيش الثوري، وتعزيز وحدات الجنود أو البحّارة التي انحازت إلى جانبها، واستنهاض الفلاحين، وبثّ روح البطولة والحماسة في المواطنين الجدد لروسيا18، أولئك الذين تَشكّلوا وتصلّبوا في نار الحرب الأهلية، بوصفهم مقاتلين من أجل حرية وسعادة البشرية جمعاء.
إن مهمة إقامة حكومة ثورية جديدة في حداثتها وصعوبتها وتعقيدها لا تقل عن مهمة التنظيم العسكري للقوى الثورية. غير أن هذه المهمة أيضاً يمكن للشعب أن ينجزها، بل يجب عليه إنجازها. وفي هذا المجال كذلك، سيؤدي كل إخفاق جزئي إلى تحسين الوسائل والأساليب، وإلى تدعيم النتائج وتوسيعها. وقد رسم المؤتمر الثالث لحزب العمال الاشتراكي-الديمقراطي الروسي، في قراره، الشروط العامة لمعالجة هذه المهمة الجديدة؛ وحان الوقت الآن للتفكير في شروط تحقيقها العملي والاستعداد لها.
إن لحزبنا برنامجاً أدنى—برنامجاً كاملاً للتغييرات التي يمكن تحقيقها فوراً ضمن إطار الثورة الديمقراطية، أي البرجوازية—وهي التغييرات التي تحتاجها البروليتاريا في نضالها اللاحق من أجل انتصار الثورة الاشتراكية. غير أنّ هذا البرنامج لا يقتصر على المطالب الأساسية، بل يتضمّن أيضاً مطالب جزئية تنبثق عنها أو تُفترض ضمناً. وفي كل محاولة لإقامة حكومة ثورية مؤقتة، تبرز ضرورة طرح المطالب الأساسية تحديداً، لكي نُظهر للشعب بأسره—حتى لأكثر الجماهير تخلّفاً—بصيغة موجزة، وبخطوط واضحة وحادّة، أهداف هذه الحكومة ومهامها ذات الأهمية العامة.
وبرأينا، هناك ست نقاط أساسية يجب أن تتحول إلى الراية السياسية والبرنامج الفوري لأي حكومة ثورية. وينبغي أن تكسب هذه النقاط تعاطف الشعب، وأن تُعدّ المهمة الأكثر إلحاحاً التي ينبغي أن تُركَّز عليها مجمل الطاقة الثورية للجماهير.
وهذه النقاط الست هي:
- جمعية تأسيسية للشعب بأسره؛
- تسليح الشعب؛
- الحرية السياسية؛
- الحرية الكاملة للقوميات المضطهَدة والمحرومة من الحقوق؛
- يوم العمل من ثماني ساعات؛
- لجان فلاحية ثورية.
وبالطبع، ليست هذه سوى قائمة أولية، تمثّل عناوين عامة لسلسلة من التحولات الضرورية فوراً من أجل الظفر بالجمهورية الديمقراطية. ولا نزعم أنها مكتملة. إنما نريد فقط التشديد على أهمية عدد من المهام الأساسية. فالحكومة الثورية يجب أن تسعى إلى كسب دعم الجماهير—جماهير الطبقة العاملة والفلاحين—ومن دون ذلك لن يكون بوسعها أن تصمد. ومن دون النشاط الثوري للشعب، لن تكون سوى عدم، بل أقل من عدم.
وواجبُنا أن نحذّر الشعب من مغامرات الوعود الرنّانة الفارغة—كـ«التشريك الفوري»19، الذي لا يفهمه حتى أنصاره—وفي الوقت نفسه أن نطرح تغييرات قابلة للتحقّق فعلاً في اللحظة الراهنة، وضرورية حقاً لتعزيز قضية الثورة. فالحكومة الثورية يجب أن تُوقِظ «الشعب» وأن تنظّم نشاطه الثوري. والحرية الكاملة للقوميات المضطهَدة—أي الاعتراف لا بحقوقها الثقافية فحسب، بل بحقها في تقرير المصير السياسي— وإقرار تدابير عاجلة لحماية الطبقة العاملة (ويوم العمل من ثماني ساعات هو أولها)، وأخيراً، ضمان اتخاذ إجراءات جدّية، من دون أي اعتبار للمصالح الأنانية للملاّك العقاريين، لصالح جماهير الفلاحين— هذه، في رأينا، هي النقاط التي ينبغي على كل حكومة ثورية أن تُبرزها على نحو خاص.
لن نتوقف عند النقاط الثلاث الأولى، فهي أوضح من أن تحتاج إلى شرح. كما لن نتناول مسألة التطبيق العملي للإصلاحات، ولو في رقعة صغيرة من البلاد انتُزعت من القيصرية؛ فالتطبيق العملي أهم ألف مرة من البيانات، وهو بطبيعة الحال أصعب ألف مرة. إنما نريد أن نلفت الانتباه إلى ضرورة نشر تصور صحيح لمهامنا العامة والفورية، من دون أي تأخير، وبكل الوسائل الممكنة. يجب أن نعرف كيف نخاطب الشعب—بالمعنى الحقيقي للكلمة—لا بنداء عام إلى النضال فقط (وهو كافٍ في المرحلة التي تسبق قيام الحكومة الثورية)، بل بنداء مباشر إلى التنفيذ الفوري لأهم الإصلاحات الديمقراطية، وإلى تحقيقها المستقل بلا إبطاء.
إن الجيش الثوري والحكومة الثورية هما وجهان لعملة واحدة. وهما مؤسستان متكافئتان في الضرورة لنجاح الانتفاضة ولترسيخ نتائجها. وهما شعاران يجب طرحهما وشرحهما بوصفهما الشعارين الثوريين الوحيدين المتّسقين حقاً.
كثيرون اليوم يسمّون أنفسهم ديمقراطيين؛ غير أنّ «كثيرين يُدعون، وقليلين يُختارون». فكثيرون يتحدّثون باسم «الحزب الدستوري-الديمقراطي»، غير أنّ «المجتمع» المزعوم، والزيمستفوات المتظاهرة بالديمقراطية، لا تضمّ إلا عدداً ضئيلاً جداً من الديمقراطيين الحقيقيين—من أولئك الذين يؤمنون فعلاً بسيادة الشعب الكاملة، والقادرين على خوض صراع حياة أو موت ضد أعداء هذه السيادة، أي المدافعين عن الاستبداد القيصري. إنّ الطبقة العاملة متحرّرة من الجبن، ومن التردّد المنافق وأنصاف الحلول، وهي السمات التي تميّز البرجوازية بوصفها طبقة. فالطبقة العاملة تستطيع—ويجب—أن تكون ديمقراطية بالكامل وبصورة متّسقة. وقد أثبتت حقّها في لعب دور الطليعة في الثورة الديمقراطية بدمائها التي أُريقت في شوارع بطرسبورغ، وريغا، وليباو، ووارسو، ولودج، وأوديسا، وباكو، وغيرها من المدن. وعليها أن تثبت أهليتها لهذا الدور العظيم في هذه اللحظة الحاسمة أيضاً. ومن دون أن ينسى ممثلو البروليتاريا الواعون طبقياً، وأعضاء حزب العمال الاشتراكي-الديمقراطي الروسي، لحظةً واحدة هدفهم الاشتراكي واستقلالهم الطبقي والحزبي، يجب أن يتقدّموا أمام الشعب كلّه بشعارات ديمقراطية متقدّمة. فبالنسبة لنا، نحن البروليتاريا، ليست الثورة الديمقراطية سوى الخطوة الأولى على طريق التحرّر الكامل للعمل من كل استغلال، وعلى طريق الهدف الاشتراكي العظيم.
ولذلك ينبغي أن نَعبر هذه المرحلة الأولى بأسرع ما يمكن، وأن نحسم الحساب مع أعداء حرية الشعب بأقصى قدر من الحزم، وأن نرفع بأعلى صوت شعارات الديمقراطية المتّسقة:
جيش ثوري، وحكومة ثورية.
إضافات المترجم
1- كُتب: 15 (28) تشرين الثاني/نوفمبر 1905: يشير هذا التاريخ المزدوج إلى الفرق بين التقويم اليولياني (القديم) الذي كان معتمداً في روسيا القيصرية آنذاك، والتقويم الغريغوري (الجديد) المستخدم في أوروبا الغربية.
2- الانتفاضة في سيفاستوبول: تشير إلى تمرد البحّارة والجنود في قاعدة سيفاستوبول البحرية في تشرين الثاني/نوفمبر 1905، خلال الثورة الروسية الأولى. قاد التمرد ضباط وبحّارة ثوريون، أبرزهم الملازم بيوتر شميت، ووجّه ضد الاستبداد القيصري وظروف الخدمة القمعية في الأسطول والجيش. وقد مثّلت هذه الانتفاضة دليلاً مبكراً على تصدّع ولاء القوات المسلحة للنظام القيصري، وعلى انتقال روح الثورة إلى الثكنات والأساطيل، وهو ما رآه لينين مؤشراً حاسماً على إمكان تحوّل الجيش من أداة قمع بيد السلطة إلى قوة فاعلة في الثورة.
3- الحيلة القذرة التي لجأت إليها في كرونشتادت: يقصد لينين بها أسلوب السلطة القيصرية في قمع حركة كرونشتادت عام 1905 عبر افتعال الفوضى والاستفزازات وتشويه مطالب البحّارة والجنود، ثم استخدام ذلك ذريعة لفرض الأحكام العرفية والتدخل العسكري. شمل ذلك عزل العناصر الثورية، ونشر الشائعات، وإرسال قوات موالية من خارج القاعدة، ومحاولة تصوير التمرّد كـ«شغب إجرامي» لا كحركة سياسية. ويؤكد لينين أن الحكومة عاجزة عن تكرار هذا الأسلوب في سيفاستوبول بسبب اتساع الحركة الثورية وتماسكها وارتفاع وعي المشاركين فيها.
4- المقصود هو بيوتر بيتروفيتش شميت، ضابط بحري روسي كان قد أُحيل إلى التقاعد القسري بعد أن ألقى خطاباً علنياً دعا فيه إلى الدفاع المسلّح عن الحريات التي وعد بها القيصر في بيان 17 تشرين الأول/أكتوبر 1905. أثناء انتفاضة سيفاستوبول، التفّ حوله البحّارة المتمرّدون، فتولّى قيادة الطرّاد (أوتشاكوف) بوصفه شخصية تحظى بثقتهم وتمثّل القطيعة مع القيادة القيصرية. ويستشهد لينين بهذه الواقعة للدلالة على انتقال السلطة داخل الجيش من الضباط الموالين للنظام إلى عناصر ثورية منتخبة فعلياً من القاعدة.
5- بيان 17 تشرين الأول/أكتوبر (1905) : هو البيان الذي أصدره القيصر نيقولا الثاني في 17 تشرين الأول/أكتوبر 1905، تحت ضغط الإضراب السياسي العام والثورة المتصاعدة، ووعد فيه بمنح «حريات مدنية» شكلية مثل حرية الكلمة والتجمع، وبإنشاء مجلس دوما ذي طابع تشريعي. ينظر لينين إلى هذا البيان بوصفه مناورة خداعية هدفت إلى كسب الوقت، وشقّ صفوف الحركة الثورية، وتهدئة الجماهير مؤقتاً، من دون نية حقيقية لتنفيذ تلك الوعود. ولذلك يذكره هنا ليوضح أن دعوة شميت إلى الدفاع المسلّح عن «الحريات الموعودة» كشفت الطابع الزائف للبيان وأدّت إلى اضطهاده من قبل السلطة القيصرية.
6- حدث عام 1849: يشير لينين إلى تدخل الجيش القيصري الروسي عام 1849 لقمع الثورة المجرية ضمن موجة الثورات الأوروبية (1848–1849). فقد أرسل القيصر نيقولا الأوّل قوات روسية لدعم الإمبراطورية النمساوية في سحق حركة التحرر الوطني والدستوري في المجر. ويستحضر لينين هذا المثال ليؤكد أنّ الجيش الروسي كان يُستخدم سابقاً أداةً لقمع الثورات في الداخل والخارج، وليبيّن أن هذا الدور بات مستحيلاً عام 1905 مع تزعزع ولاء القوات المسلحة للنظام القيصري وتغلغل الروح الثورية في صفوفها.
7- يقصد لينين بهذا التعبير النظام القيصري الاستبدادي الذي كانت تقوم سلطته الفعلية على جهاز الشرطة السرّية (الأوخرانا)، والقمع الإداري، والمراقبة، والاعتقالات، لا على الإرادة الجماهيرية أو التمثيل السياسي. ويستخدم المصطلح للتأكيد على أن الدولة القيصرية لم تكن دولة قانون أو مؤسسات، بل دولة قمع مباشر، تعد بالحرّيات شكلياً، كما في بيان 17 تشرين الأول/أكتوبر، ثم تنقضها عملياً عبر العنف والاضطهاد. وعند لينين، فإن الوقوف «على الحياد» تجاه هذا النظام يعني عملياً التواطؤ مع القمع ودعم استمرار حكم الشرطة.
8- فترة العمل: تعبير ساخر يستخدمه لينين للإشارة إلى الفترة القصيرة التي انعقدت فيها الدوما القيصرية الأولى عام 1906. فقد روّج السياسيون الليبراليون، ولا سيما حزب الكاديت، لفكرة أن البلاد دخلت مرحلة «عمل برلماني سلمي»، في مقابل النضال الثوري. ويضع لينين العبارة بين علامتي اقتباس للتشكيك في مضمونها، مبيّناً أن هذه «الفترة» لم تكن سلمية ولا برلمانية فعلاً، إذ ترافقت مع اضطرابات وتمردات داخل الجيش، ما كشف وهم الاعتماد على الإصلاح البرلماني في ظل الاستبداد القيصري.
9- البوغرومات: مصطلح يُطلق على مذابح منظَّمة وأعمال عنف جماعي، غالباً ما كانت تُوجَّه ضد اليهود وأقليات أخرى في روسيا القيصرية، خاصة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. جرت هذه المذابح بتواطؤ مباشر أو غير مباشر من أجهزة الدولة والشرطة، واستخدمتها السلطة القيصرية والقوى الرجعية كوسيلة لتحويل غضب الجماهير عن النظام، وبثّ الانقسام القومي والديني، وكسر الحركة الثورية. وعند لينين، يرتبط ذكر «البوغرومات» بدور الجيش كأداة بيد الرجعية لقمع الشعب وإشعال العنف المضاد للثورة.
10- البهائم الصمّ: تعبير تهكّمي يورده لينين على سبيل الاقتباس النقدي من لغة الضباط والرجعية، لا بوصفه توصيفاً منه. كان يُستخدم لوصم الجنود باعتبارهم أدوات عمياء بلا وعي أو إرادة. ويقلب لينين هذا الوصف ضد أصحابه ليُظهر المفارقة: فالجنود الذين تُنعتهم السلطة بـ«البهائم الصمّ» يطرحون مطالب سياسية وديمقراطية أعمق وأكثر جذرية من برامج البرجوازية الليبرالية (الكاديت)، ما يكشف زيف النظرة الطبقية المتعالية ويؤكد يقظة الوعي داخل صفوف الجيش.
11- رجال فوج بريوبرازينسكي: فوج بريوبرازينسكي هو أحد أقدم وأشهر أفواج الحرس الإمبراطوري الروسي، وكان يُعدّ تقليدياً من أكثر الوحدات ولاءً للقيصر والنظام القيصري، ويُستخدم رمزاً للنخبة العسكرية المرتبطة بالسلطة. ويكتسب ذكره هنا أهمية خاصة لأن تقدّم جنوده بمطالب سياسية واجتماعية جذرية—منها دعم جماعة التروودوفيك في النضال من أجل الأرض والحرية—يدلّ على اختراق الثورة حتى قلب الحرس القيصري نفسه. ويستشهد لينين بهذه الواقعة ليؤكد أن الحركة داخل الجيش لم تعد محصورة بالوحدات الهامشية أو «غير المنضبطة»، بل شملت حتى أكثر التشكيلات تقليديةً وارتباطاً بالنظام.
12- التروودوفيك (Trudoviki) : تيار سياسي ديمقراطي صغير نشأ في روسيا بعد ثورة 1905، وكان يضمّ أساساً نواباً فلاحين ومثقفين ديمقراطيين في الدوما القيصرية. لم يكن حزباً اشتراكياً ثورياً، بل مثّل الجناح الأكثر يساريةً وجذريةً داخل الإطار البرلماني القانوني، مقارنةً بالكاديت. طالب التروودوفيك بإصلاح زراعي جذري، وأبرز مشاريعهم كان إلغاء الملكية الخاصة للأرض وتسليمها للاستعمال الجماهيري. ويشير لينين إليهم هنا ليبيّن أن الجنود—حتى في وحدات نخبوية—يتجاوزون الليبراليين (الكاديت) في راديكاليتهم، إذ يعلنون دعمهم لقوى أقرب إلى مطالب الفلاحين والعمال، لا إلى البرجوازية الليبرالية.
13- الانتفاضة في أوديسا وانحياز الطرّاد المدرّع «بوتيومكين» إلى جانب الثورة: تشير هذه العبارة إلى أحداث حزيران/يونيو 1905 خلال الثورة الروسية الأولى. ففي مدينة أوديسا اندلعت اضطرابات وإضرابات جماهيرية واشتباكات بين العمّال والسلطات القيصرية، ترافقت مع تمرّد بحّارة الطرّاد المدرّع بوتيومكين التابع لأسطول البحر الأسود. تمرّد البحّارة بدأ احتجاجاً على ظروف الخدمة القاسية وسوء المعاملة، ثم اتخذ طابعاً سياسياً واضحاً بانحياز الطاقم إلى الحركة الثورية ضد الحكم القيصري. وقد مثّل هذا الحدث أول انشقاق علني ومهم لوحدة عسكرية كبرى عن السلطة القيصرية، وأظهر إمكانية انتقال التمرّد من صفوف العمّال إلى داخل الجيش والأسطول، وهو ما اعتبره لينين خطوة نوعية نحو تكوين نواة جيش ثوري قادر على مواجهة الاستبداد.
14- في سياق هذا النص، تشير العبارة إلى السلطات القيصرية التي حاولت التستّر على تمرّد بحّارة الطرّاد «بوتيومكين» عام 1905 عبر نشر أخبار كاذبة في الصحافة الأوروبية عن استسلامه، وإصدار أوامر بإغراقه، في محاولة فاشلة لاحتواء أثر التمرّد الثوري وطمأنة الرأي العام الدولي.
15- غيورغي بوبيدونوسيتس : طرّاد (سفينة حربية) تابع لأسطول البحر الأسود القيصري. في سياق أحداث عام 1905، استسلم الطرّاد في البداية للسلطات القيصرية، ثم اندلع تمرّد جديد على متنه متأثراً بتمرّد الطرّاد «بوتيومكين» وبالمدّ الثوري داخل البحرية. يَذكره لينين بوصفه دليلاً على اتّساع عدوى العصيان داخل الأسطول، حتى في الوحدات التي كانت قد خضعت مؤقتاً للسلطة، ما يؤكد تفكك الانضباط القيصري داخل القوات البحرية.
16- الروبيكون: إشارة تاريخية إلى نهر الروبيكون في روما القديمة. حين عبره يوليوس قيصر عام 49 ق.م بجيشه، كان ذلك عملاً محرّماً قانونياً ويعني القطيعة النهائية مع النظام القائم وبداية الحرب الأهلية الرومانية. يستخدم لينين هذا التعبير مجازاً للدلالة على أنّ انحياز جزء من الجيش إلى جانب الثورة يمثّل نقطة لا عودة فيها: أي انتقال الصراع من مرحلة الاضطراب والاحتجاج إلى مرحلة المواجهة الحاسمة والحرب الأهلية المفتوحة، حيث يصبح التراجع مستحيلاً.
17- الفلستيون: ممثلو الذهنية البرجوازية الصغيرة، يرفضون الصراع الثوري باسم الأخلاق أو السلام، ويقفون عملياً ضد تحرر المضطهَدين.
18- المواطنون الجدد لروسيا: الجماهير التي صاغتها الثورة عملياً—وعياً وتنظيماً—فحوّلت الرعايا القيصريين إلى فاعلين سياسيين في بناء السلطة الثورية.
19- التشريك الفوري: مصطلح يشير إلى الدعوات التي طُرحت خلال ثورة 1905 للانتقال المباشر إلى تشريك الملكية ووسائل الإنتاج من دون إنجاز مهام الثورة الديمقراطية البرجوازية، ومن دون توافر الشروط المادية والتنظيمية الضرورية. انتقد لينين هذا الشعار بوصفه طوباوياً ومغامِراً، لأنه يخلط بين البرنامج الأدنى (الديمقراطي) والبرنامج الأقصى (الاشتراكي)، ويستبدل النضال الثوري الواقعي بوعود قصوى لا يفهمها حتى مروّجوها. كما رأى فيه شعاراً يربك الجماهير ويضعف قدرتها على التنظيم والعمل السياسي الفعلي، بدل أن يعزّز مسار الثورة ويخدم انتقالها التاريخي الضروري نحو الاشتراكية.