المتابعات و المتابعين الأعزاء،
ننشر لكم هنا الجزء الخامس و الأخير من سلسلة مقالاتنا عن الحزب الشيوعي العراقي.
إن هذا الضياع النظري لدى قيادات الحزب الشيوعي العراقي، وما يرافقه من هيكل تنظيمي بعيد عن المركزية الديمقراطية، قد انعكس في الممارسات التي تقوم بها عدد من المجموعات الشبابية التي تتحرك باسم الحزب. ونحن، بطبيعة الحال، نرى أن هذا الانعكاس هو نتيجة طبيعية، ولا يتحمّل مسؤوليته المباشرة الشباب الثوري في ظل غياب قيادة شيوعية حقيقية. لذلك، وفي هذا المقال، نتوجّه إلى الشباب الشيوعي العراقي، وكلّنا ثقة بأن قسمًا كبيرًا منهم سيصغي إلينا ويأخذ ما سنطرحه على محمل الجد.
أحد منشورات هذه المجموعات دعا إلى ضرورة القيام بحملة في الشوارع وداخل النقابات ضد العمّال الأجانب بحجّة أنهم يأخذون مكان العامل العراقي. إن مهادنة قيادات الحزب الشيوعي العراقي للبرجوازية العراقية، وتبنّيها الخط الديمقراطي البرجوازي، والدعوة إلى الوحدة مع هذه البرجوازية، قد انعكس في الممارسة على نحوٍ جعل الشباب الشيوعي في العراق عاجزًا عن رؤية العدو الطبقي الحقيقي، وبالتالي غير قادر على مواجهته، فجرى تحميل العمّال الأجانب مسؤولية البطالة.
حين تعجز الأحزاب العمالية عن قيادة الصراع ضد رأس المال، تبدأ بتقليد البرجوازية في البحث عن أكباش فداء داخل الطبقة العاملة نفسها.
يا رفيقاتنا ورفاقنا الشباب، ويا من رفعتم شعار «يا عمّال العراق اتحدوا». لقد أثبتم، مرة بعد أخرى، مدى حبكم للينين وماركس، واقتناعكم بأفكارهما. ونحن ندرك تمامًا أنكم تريدون الأفضل للعامل العراقي، لكن دعونا نكون جادّين وواضحين: ما تقدمون عليه في الممارسة عبر مثل هذه الشعارات والفعاليات هو نقيض تام لما تحدّث عنه ماركس ولينين.
ماركس ولينين ليسا مقطع فيديو على قناة تلغرام، ولا صورة غلاف على فيسبوك، ولا حتى جثتين هامدتين أو عظامًا يكسوها الغبار إلى جانب شواهد حجرية قبيحة في هايغيت أو في الساحة الحمراء. ماركس ولينين، بالنسبة للشيوعيين، هما أفكار صمدت أمام اختبار التاريخ.
الرأسمالي العراقي لا يسرّح العمّال العراقيين بسبب العمّال الأجانب، بل يعتمد على هؤلاء العمّال الأجانب للحصول على أعلى فائض قيمة ممكن. مشكلة العامل العراقي ليست العامل الأجنبي، بل البرجوازي العراقي. إن تحميل العمّال الأجانب مسؤولية بطالة العامل العراقي لا يعني سوى تعميق أزمة العمّال العراقيين والأجانب معًا، وصرف النظر عن السبب الحقيقي لمعاناتنا جميعًا، أي النظام الرأسمالي.
ما الذي تريدونه من هذا المطلب؟ هل تريدون فعلًا أن يكون العامل العراقي هو صاحب المركز الأول على قائمة الاستغلال من قبل البرجوازية العراقية، التي هي، بطبيعة الحال، برجوازية خاضعة لكل أشكال التدخلات الإمبريالية؟ لو كنتم تريدون ذلك، لما تكبّدنا عناء كتابة هذه المقالات. نحن متأكدون أنكم لا تريدون ذلك، ولذلك سنقدّم وجهة نظرنا بشأن ما طرحتموه.
إن الترويج لهذه الفكرة ليس سوى ترويج لأفكار الطبقة السائدة نفسها. فالعنصرية آلية تستخدمها الطبقة الرأسمالية لتجزئة العمّال وبسط هيمنتها الطبقية، بهدف انتزاع أعلى فائض قيمة ممكن. تستخدم الطبقات السائدة في أوروبا اليوم هذا التكتيك ضد المهاجرين (ومن بينهم العمّال العراقيون) عبر التحريض العنصري عليهم وتحميلهم مسؤولية التدهور الاقتصادي. هل ستدعمون طرح الرأسمالية الألمانية في هذا الشأن؟ أغلب الظن لا.
كما استخدمت الطبقة السائدة في سوريا هذا الطرح ضد المهاجرين العراقيين عام 2003، حين روّج نظام الأسد آنذاك لفكرة مفادها أن ارتفاع أسعار الإيجارات والمواد الاستهلاكية وازدياد البطالة سببه العمّال العراقيون. ما رأيكم في هذا الطرح؟ هل ستدعمونه؟ أيضًا، أغلب الظن لا.
فهل يصحّ إذن ما تدعون إليه اليوم بخصوص العمّال الأجانب في العراق؟
المشكلة ليست في العمّال المهاجرين، بل في الطبقة السائدة نفسها. إن ثروة الرأسماليين الألمان وحدها كافية، ربما، لتمويل تنمية قارة بأكملها. وفي سوريا، كانت ثروة رامي مخلوف وحدها كفيلة بحلّ مشاكل اقتصاد البلد بأكمله. وما يملكه البرجوازيون العراقيون اليوم يكفي لتحقيق تنمية اقتصادية تضمن حياة كريمة للعمّال العراقيين والأجانب معًا. هؤلاء البرجوازيون هم أنفسهم من فتحوا ثروات العراق أمام الناهبين الإمبرياليين مقابل الحصول على حصّة من هذه الكعكة.
المشكلة، إذن، ليست في العمّال المهاجرين، بل في تركز الثروة في أيدي البرجوازية.
المؤتمر الاشتراكي الأممي في شتوتغارت 1907
لقد قدّمت نقاشات ومخرجات لجنة هذا المؤتمر العديد من النقاط الثورية التي يمكن تبنّيها في مسألة الهجرة العمالية. وقد حصل انقسام حاد بين الانتهازيين والثوريين في ما يخص هذه القضية. تمثّل الموقف الانتهازي بالرأي الذي قدّمه موريس هيلكويت، عن الحزب الاشتراكي الأميركي آنذاك، والذي دعا إلى فرض قيود على الهجرة، وخصوصًا على العمال الصينيين واليابانيين، بحجّة أنهم أرخص كلفة من العمال المولودين في الولايات المتحدة. وقد أكّد هيلكويت أن وجودهم يشكّل «منافسة خطيرة» للعمال المحليين، كما تحجّج بأن هؤلاء العمال قد يتحوّلون إلى كاسري إضرابات.
وقد قوبلت آراء هيلكويت المعادية للمهاجرين، والمنحازة طبقيًا، بانتقادات حادّة من عدد من المتحدّثين، الذين عبّروا عن الموقف الشيوعي الواضح: رفض القيود على الهجرة، والترحيب بالعمال المهاجرين بوصفهم حلفاء في الصراع الطبقي. وقد جرى رفض قرار الحزب الاشتراكي الأميركي بشأن الهجرة داخل اللجنة، وكذلك في الجلسة العامة للمؤتمر، بأغلبية ساحقة.
لينين، من جهته، علّق على نقاشات ومخرجات مؤتمر شتوتغارت، واصفًا الذين وقفوا ضد العمال المهاجرين بأن روح الانعزالية النقابية الضيّقة والعنصرية الطبقية كانت تفوق، في أذهانهم، الوعي بالمهام الاشتراكية. وقد أعلن المؤتمر آنذاك أن الهجرة العمالية ظاهرة لا يمكن فصلها عن جوهر الرأسمالية، شأنها شأن البطالة وفائض الإنتاج.
ولم يعتبر المؤتمر أن الإجراءات الاستثنائية، من أي نوع كانت، اقتصادية أو سياسية، وسيلة لإزالة أي «خطر» قد ينشأ على الطبقة العاملة من الهجرة والتنقّل، لأن مثل هذه الإجراءات عقيمة ورجعية، كونها تقيّد حرية التنقّل وتهدّد المبدأ الجوهري للنضال العمالي، أي التضامن الأممي للبروليتاريا. وفي الوقت نفسه، أكّد المؤتمر حق العمال في أي بلد في الدفاع عن مستوى معيشتهم، لكن ليس عبر العمل ضد العمال المهاجرين، بل من خلال التضامن البروليتاري.
وقد طرح المؤتمر آنذاك برنامجًا من عدة نقاط، لا تزال راهنيته قائمة اليوم، نورد بعضها:
- توفير الحماية للعمال المهاجرين القادمين حديثًا، كي لا يصبحوا ضحايا للاستغلال الرأسمالي.
- تشريع يحدّد يوم العمل للعمال المهاجرين، ويضع حدًا أدنى للأجور في المصانع والمنازل، مع رقابة صارمة على الشروط الصحية وظروف السكن.
- إلغاء جميع القيود التي تستبعد جنسيات معيّنة من حق الإقامة، أو من الحقوق السياسية والاقتصادية، أو تجعل الحصول عليها أكثر صعوبة، والمطالبة بأقصى درجات الحرية في قوانين التجنيس.
وفي ما يخص النقابات العمالية في جميع البلدان، شدّد المؤتمر على المبادئ التالية:
أ- قبول العمال المهاجرين دون قيود في النقابات.
ب- تسهيل الانتساب عبر تحديد رسوم قبول معقولة.
ج- إبرام اتفاقيات نقابية أممية لتنظيم هذه المسائل وتمكين تطبيق هذه المبادئ على نطاق أممي.
إن حليف العامل العراقي هو العامل السوري والهندي والإيراني، وليس البرجوازي العراقي. ومهمة الشيوعيين هي وضع العمال، على اختلاف أصولهم، في مواجهة عدوهم الطبقي الحقيقي: الطبقة الرأسمالية، لا تقسيمهم عبر إعطاء «أولوية» لعمال على حساب آخرين ليكونوا أول من يُستغَلّ من قبل البرجوازية.
توحيد النضالات العمالية في العراق ضد البرجوازية العراقية هو الطريق الوحيد لتحسين أوضاع الطبقة العاملة.
يا رفيقاتنا ورفاقنا الشباب، انظروا حولكم: أليس من الواضح أن هناك عمالًا عاطلين عن العمل إلى جانب عمال يُجبَرون على العمل 12 ساعة يوميًا أو أكثر؟ لماذا يحدث هذا؟ أليس لأن العمال الأجانب محرومون من التنظيم النقابي الذي يمكّنهم من خفض ساعات العمل، وبالتالي خلق فرص عمل جديدة للجميع؟
إذا كنتم تريدون فعلًا النضال من أجل العمال العراقيين، نقترح عليكم هذه المطالب:
- القضاء على البطالة عبر توزيع ساعات العمل المتاحة على جميع العمال، بما يخفض ساعات العمل من دون المساس بالأجور.
- رفع الأجور، بحيث لا يقل الحد الأدنى الصافي عن 750 دولارًا للأعزب و1000 دولار للمتزوج.
- دفع بدل مواصلات، وتوفير وجبة طعام يومية ذات جودة مناسبة.
- ضمان بيئة عمل آمنة وصحية.
- منح العاملات إجازة أمومة مدفوعة الأجر: ثلاثة أشهر قبل الولادة وسنة كاملة بعدها، مع علاوة لا تقل عن 20% من الراتب لتغطية نفقات المولود.
- شمول عائلات الطبقة العاملة بتأمين صحي شامل يغطي 100% من نفقات العلاج.
- ضمان دفع الرواتب لمدة لا تقل عن خمس سنوات في حال تعرّض أي عامل/ة لعجز جزئي أو كلي بسبب حادث عمل.
- تطبيق هذه المطالب على جميع العمال في العراق، بغض النظر عن جنسيتهم، وهو ما يتطلّب تشريع قوانين تسمح للعمال الأجانب بالانضمام إلى النقابات، كخطوة أساسية لوقف الاستغلال الذي يضرب الجميع.
اذهبوا بهذه المطالب إلى نقاباتكم وإلى قيادات حزبكم، وأبلغوهم أنكم تريدون النضال من أجلها، وأخبرونا بما سيكون ردّهم.
في الختام، يا رفيقات ورفاق،
إن ما طرحناه في هذه السلسلة من المقالات ليس نقاشًا نظريًا معزولًا ولا محاولة لتسجيل نقاط رخيصة، بل هو مسألة مصير طبقي. مسألة تحدّد ما إذا كنا سنسير في طريق ماركس ولينين، أم سنُدفَع مرة أخرى — من حيث لا ندري — إلى خدمة أعداء طبقتنا.
البرجوازية لا تخاف من الشعارات الرنّانة ولا من الصور الحمراء، بل تخاف من شيء واحد فقط: وحدة الطبقة العاملة ووضوح وعيها بعدوّها الحقيقي. ولهذا تعمل بلا توقف على زرع الشك والكراهية والانقسام بين العمال.
يا رفيقات ورفاق،
إن تاريخ الحركة العمالية يخبرنا:
في كل مرة انقسم فيها العمال على أساس قومي أو ديني أو عرقي، كانت النتيجة هزيمة وقمعًا ومزيدًا من الاستغلال. وفي كل مرة توحّدوا بلا تمييز ولا أوهام وطنية ضيّقة، انتزعوا مكاسب وفتحوا طريق الثورة.
لا تسمحوا لأحد أن يسرق منكم راية الأممية التي رفعها ماركس ولينين. لا تسمحوا لأحد أن يحوّل غضبكم المشروع من البطالة والفقر إلى سلاح موجّه ضد إخوتكم وأخواتكم الطبقيين.
العامل السوري والهندي والإيراني ليس عدوّكم، بل شريككم في المعاناة وحليفكم الطبيعي في المعركة القادمة. عدوّكم واحد، واضح، وله اسم وطبقة: البرجوازية العراقية المرتبطة بالإمبريالية وببرجوازيات المنطقة.
ناقشوا هذا المقال في خلاياكم، وفي نقاباتكم، وفي اجتماعاتكم. واجهوا به قياداتكم. طالبوا ببرنامج انتقالي عمالي، أممي، ثوري، لا يساوم ولا يهادن.
تذكّروا دائمًا:
ليس فقط يا عمّال العراق…
بل يا عمّال الشرق…
ويا عمّال العالم أجمع… اتحدوا.
عاش الشباب الشيوعي في العراق
عاش عمّال العراق
إلى الأمام من أجل الثورة الاشتراكية الأممية