مراسلات ماركس-إنجلز 1890
إنجلز إلى ج. بلوخ
المصدر: المادية التاريخية، ماركس، إنجلز، لينين، ص. 294–296؛
الناشر: دار التقدم، 1972؛
نُشر أول مرة في: Der sozialistische Akademiker ، برلين، 1 تشرين الأول/أكتوبر 1895؛
لندن، 21 أيلول/سبتمبر 1890
وفقًا للتصور المادي للتاريخ، فإن العنصر المحدِّد في التاريخ، في التحليل النهائي، هو إنتاج وإعادة إنتاج الحياة المادية. ولم يؤكد ماركس ولا أنا غير هذا قط. لذلك، إذا حرّف أحدهم هذا القول إلى القول إن العنصر الاقتصادي هو العنصر المحدِّد الوحيد، فإنه يحوّل تلك القضية إلى عبارة لا معنى لها، مجردة وعديمة المعنى. إن الوضع الاقتصادي هو الأساس، لكن العناصر المختلفة للبناء الفوقي — الأشكال السياسية للصراع الطبقي ونتائجه، أي: الدساتير التي تضعها الطبقة المنتصرة بعد معركة ناجحة، إلخ، والأشكال القانونية، بل وحتى انعكاسات كل هذه الصراعات الفعلية في أدمغة المشاركين، والنظريات السياسية والقانونية والفلسفية، والآراء الدينية، وتطورها اللاحق إلى منظومات من العقائد — تمارس أيضاً تأثيرها في مجرى الصراعات التاريخية، وفي حالات كثيرة ترجح في تحديد شكلها. توجد علاقة تفاعل بين هذه العناصر كلها، وفي خضمّ الحشد اللامتناهي من المصادفات — أي من الأشياء والأحداث التي يكون ترابطها الداخلي بعيداً إلى درجة، أو عسير الإثبات إلى درجة، تسمح لنا بأن نعدّه غير موجود أو مهمَلاً — تفرض الحركة الاقتصادية نفسها في النهاية بوصفها ضرورة. ولولا ذلك، لكان تطبيق النظرية على أية مرحلة تاريخية أسهل من حلّ معادلة بسيطة من الدرجة الأولى.
نحن نصنع تاريخنا بأنفسنا، لكننا نصنعه، أولاً، في ظل مقدمات وشروط محددة جداً. ومن بين هذه الشروط، تكون الشروط الاقتصادية هي الحاسمة في التحليل النهائي. غير أن الشروط السياسية، وما شابهها، بل وحتى التقاليد التي تلازم عقول البشر، تؤدي دوراً أيضاً، وإن لم يكن الدور الحاسم. كذلك نشأت الدولة البروسية وتطورت من أسباب تاريخية، اقتصادية في التحليل النهائي. غير أنه لا يمكن، إلا بحذلقة مدرسية، الزعم بأن براندنبورغ، من بين الدويلات الكثيرة في شمال ألمانيا، كانت محددة تحديداً خاصاً بضرورة اقتصادية كي تصبح القوة الكبرى التي تجسد الاختلاف الاقتصادي واللغوي، وبعد الإصلاح الديني أيضاً الاختلاف الديني، بين الشمال والجنوب، لا بفعل عناصر أخرى كذلك، وفوق كل شيء بفعل تورطها مع بولندا بسبب امتلاك بروسيا، ومن ثم بفعل العلاقات السياسية الدولية، وهي علاقات كانت بدورها حاسمة أيضاً في تكوين القوة السلالية النمساوية. ودون أن يجعل المرء نفسه موضع سخرية، سيكون من العسير أن يفسر تفسيراً اقتصادياً وجود كل دويلة صغيرة في ألمانيا، سابقاً وحالياً، أو أصل التحول الصامتي في الألمانية العليا، الذي وسّع الجدار الجغرافي الفاصل الذي شكلته الجبال الممتدة من سلسلة السوديت إلى جبال التاونوس، حتى جعله شقاً منتظماً يعبر ألمانيا كلها.
غير أن التاريخ، ثانياً، يُصنع بطريقة تجعل النتيجة النهائية تنشأ دائماً من صراعات بين إرادات فردية كثيرة، تكون كل واحدة منها، بدورها، قد صارت ما هي عليه بفعل حشد من شروط الحياة الخاصة. وهكذا توجد قوى متقاطعة لا تُحصى، وسلسلة لا نهائية من متوازيات أضلاع القوى، تنشأ عنها محصلة واحدة: الحدث التاريخي. ويمكن، من جديد، النظر إلى هذا الحدث نفسه بوصفه نتاج قوة تعمل، ككل، بلا وعي وبلا إرادة. فما يريده كل فرد تعرقله إرادة كل فرد آخر، وما ينشأ هو شيء لم يرده أحد. وهكذا سار التاريخ حتى الآن على نحو يشبه سير عملية طبيعية، وهو خاضع، في جوهره، لقوانين الحركة نفسها. لكن من واقع أن إرادات الأفراد — الذين يريد كل واحد منهم ما تدفعه إليه بنيته الجسدية والظروف الخارجية، الاقتصادية في التحليل الأخير، سواء أكانت ظروفه الشخصية الخاصة أم ظروف المجتمع عموماً — لا تبلغ ما تريده، بل تندمج في متوسط كلي، في محصلة مشتركة، لا ينبغي أن نستنتج أنها تساوي صفرًا. بل، على العكس، تسهم كل واحدة منها في المحصلة، وهي، بهذا القدر، مشمولة فيها.
وأود، علاوة على ذلك، أن أطلب منك أن تدرس هذه النظرية من مصادرها الأصلية، لا من مصادر ثانوية؛ فذلك في الحقيقة أسهل بكثير. قلّما كتب ماركس شيئاً لم تؤدِّ فيه هذه النظرية دوراً. لكن، على وجه الخصوص، فإن الثامن عشر من برومير لويس بونابرت مثال ممتاز جداً على تطبيقها. وتوجد كذلك إشارات كثيرة إليها في رأس المال. ثم أود أيضاً أن أوجهك إلى كتاباتي: ثورة السيد أويغن دوهرنغ في العلم ولودفيغ فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، حيث قدمتُ العرض الأكثر تفصيلاً للمادية التاريخية الموجود، على حد علمي.
إن ماركس وأنا نتحمل نحن أنفسنا جزءاً من اللوم على أن الشباب أحياناً يشددون على الجانب الاقتصادي أكثر مما ينبغي. فقد كان علينا أن نؤكد المبدأ الرئيسي في مواجهة خصومنا الذين أنكروه، ولم يكن لدينا دائماً الوقت أو المكان أو الفرصة لكي نعطي العناصر الأخرى الداخلة في التفاعل حقها. لكن عندما كان الأمر يتعلق بعرض مقطع من التاريخ، أي بتطبيق عملي، كان الأمر مختلفاً، ولم يكن أي خطأ مسموحاً به هناك. غير أنه، لسوء الحظ، يحدث في كثير من الأحيان أن يظن الناس أنهم فهموا نظرية جديدة فهماً كاملاً، وأنهم يستطيعون تطبيقها دون مزيد من العناء منذ اللحظة التي يستوعبون فيها مبادئها الرئيسية، وحتى هذه لا يستوعبونها دائماً بصورة صحيحة. ولا أستطيع أن أعفي كثيرين من «الماركسيين» الأحدث عهداً من هذا اللوم، فقد أُنتج في هذا الوسط أيضاً أدهش أنواع الهراء….