تضاد آخر، تخبطت فيه الميتافيزيقا أيما تخبط، هو تضاد الصدفة والضرورة. هل هناك من ضدين، أشد تعارضاً من هاتين المقولتين المنطقيتين؟ كيف يمكن أن تكونا متطابقتين، كيف يمكن أن يكون العرضي ضرورياً، والضروري عرضياً؟ إن العقل البشري السليم (العادي)، ومعه غالبية العلماء الطبيعيين، يعتبر الضرورة والصدفة مقولتين، تستثني إحداهما الأخرى. فالشيء، أو العلاقة، أو العملية، إما أن تكون عرضية أو أن تكون ضرورية، ولكن لا يمكن أن تكون هذه وتلك معاً. ولذا فإن الضرورة والصدفة موجودتان في الطبيعة جنباً إلى جنب؛ والطبيعة تنطوي على مختلف الأشياء والعمليات، بعضها عرضي، وبعضها الآخر ضروري، والمسألة كلها تنحصر في عدم الخلط بين هذين النوعين.
من ذلك، مثلاً، الاتفاق على اعتبار السمات النوعية المقرَّرة سمات ضرورية، في حين تُعتبر الاختلافات بين فردين من نوع (Species) واحد عرضيةً؛ وهذا ينطبق أيضاً على البلورات (Crystals)، مثلما يصح على النباتات والحيوانات. وعندئذٍ، تُعتبر المجموعة (Group) الدنيا، بدورها، عرضية بالنسبة للمجموعة العليا: على سبيل المثال، فإن عدد الأنواع المختلفة لـ (Genus felis) أم (Equus) ، أم عدد الأجناس والفصائل (Orders) في صف (Class) ما، أم عدد أفراد كلٍّ من هذه الأنواع، أم عدد الأنواع المختلفة من الحيوانات في منطقة معينة، أم ما هو شكل الحياة الحيوانية والنباتية لهذه المنطقة، تعتبر، كلها، أموراً عرضية. وبعد ذلك يعلنون أن الضروري، وحده، جدير بالاهتمام العلمي، في حين ينبغي على العلم ألا يبالي بالعرضي.
وهذا يعني أن ما يُدرج في إطار القوانين، أي ما يعرفونه، يستحق الاهتمام، في حين يمكن تجاهل ما يتعذر إدراجه في إطار القوانين، أي ما لا يعرفونه. وفي ظل هذه النظرة ينتهي كل علم، ذلك أن العلم مدعو، بالضبط، إلى دراسة (استكشاف) ما لا نعرف. وهذا يعني أن ما يُدرج في إطار القوانين الكلية يُعتبر ضرورياً، ما يتعذر إدراجه يُعتبر عرضياً. وجليٌّ أن هذا النوع من العلم، الذي يعتبر طبيعياً ما يقدر على تفسيره، وينسب إلى القوى الخارقة كلّ ما يعجز عن فهمه. وفي حقيقة الأمر، ليس هناك من فارق بين أن أسمّي سبب الظواهر غير المفسَّرة صدفةً، أو أن أسميها إلهاً. فليس الإسمان كلاهما إلا تعبيراً عن عدم معرفتي، وإذن لا يمتّان بصلة إلى العلم. إن العلم يتوقف عندما تنقطع العلاقة السببية.
في مجابهة هذه النظرة تقف الحتمية (Determinism)، التي انتقلت إلى العلوم الطبيعية من المادية الفرنسية، والتي تحاول الخلاص من الصدفة بأن تنكرها كليةً. ترى الحتمية أن الضرورة البسيطة، المباشرة، تسيطر، بلا منازع في الطبيعة كلها. فإن يضم جراب البازلا، هذا، خمس حبات وليس أربع أم ست حبات، وأن يبلغ طول ذيل كلب معين خمسة إنشات لا أطول قيد أنملة ولا أقصر، وأن تُلقَّح زهرة برسيم معينة هذا العام ولا تُلقَّح زهرة أخرى، وأن تُلقِّحها نحلة محددة، وفي وقت محدد، وأن «تنفتح» بزرة هندباء، ذرتها الريح ولا تتفتح أخرى، وأن يلسعني برغوث في الرابعة صباحاً، لا في الثالثة ولا في الخامسة، في كتفي اليمنى وليس في ربلة الساق اليسرى – تلك، جميعاً، وقائع، ولدتها سلسلة صارمة من العلة والمعلول، ولدتها ضرورة لا تنثني، بحيث أن السديم الغازي الكروي، الذي عنه نشأت منظومتنا الشمسية، كان على نوع من التنظيم، جعل هذه الحوادث تجري على هذا النحو، وليس على نحو آخر.
بهذا النوع من الضرورة نبقى في إطار النظرة اللاهوتية إلى الطبيعة. وسيان بالنسبة للعلم، هل ندعو هذا، مع أوغسطين وكالفن، حكماً إلهياً أزلياً، أو ندعوه، مع الأتراك، قسمة، أو ضرورة. في هذه الحالات كلها لا يُتطرق أبداً إلى تتبع التسلسل السببي. ولذا فإننا لن نغدو أكثر ذكاءً لا في هذه الحالة، ولا في تلك. وتبقى «الضرورة» عبارة فارغة، ومعها تبقى الصدفة على ما كانت عليه من قبل. وطالما بقينا عاجزين عن أن نبيّن بِمَ يتعلّق عدد حبات البازلاء في الجراب، يبقى هذا العدد عرضياً، مجرد صدفة؛ والقول بأن هذه الحقيقة متضمنة مُسبقاً في التنظيم الأولي للمنظومة الشمسية لن يمضي بنا خطوة واحدة إلى الأمام.
وفضلاً عن ذلك، فإن علماً، يأخذ على عاتقه مهمة بحث هذا الجراب المفرد في ارتباطه السببي بأسباب قصوى، لن يكون علماً، بل هو عبث محض؛ وذلك أن لجراب البازلاء هذا عدداً لا يحصى من الصفات الفردية الأخرى، التي تبدو عرضية: تدرّج اللون، وسماكة الغلاف الخارجي وقساوته، وحجم الحبات، ناهيك عن الخصائص الفردية، التي لا تظهر إلا بالمجهر. وهكذا يتحتم علينا، في حالة جراب بازلاء واحد، تتبع عدد من العلاقات السببية، أكبر مما يقدر علماء النبات كلهم على بحثه.
وبناءً عليه، فإن الصدفة، هنا، لا تُفسَّر من الضرورة، بل، على الأصح، تنحدر الضرورة حتى توليد صدفة بحتة. فعندما توضع حقيقة أن جراباً معيناً من البازلاء يضم ست حبات، وليس خمساً أو سبعاً، على قدم المساواة مع قانون حركة المنظومة الشمسية، أو مع قانون تحول الطاقة، فإن ما يحدث، فعلاً، ليس الارتقاء بالصدفة إلى مستوى الضرورة، بل الانحدار بالضرورة حتى مستوى الصدفة. وفضلاً عن ذلك، يمكن القول، قدر ما يحلو لنا، أن تنوع الأنواع والأفراد، العضوية وغير العضوية، في منطقة معينة يستند إلى ضرورة صارمة، في حين يبقى هذا التنوع، بالنسبة لأنواع وأفراد مستقلة، عرضياً، كما كان سابقاً. فبالنسبة لحيوان مفرد يكون من قبيل الصدفة أين وُلد، وأي بيئة وُجد فيها، ومن هم الأعداء، الذين يتهددون وجوده، وما هو عددهم. وبالنسبة للنبتة الوليدة – المكان الذي تجد فيه البذرة، التي تحدرت منها تربة صالحة للنتوء؛ وإن الطمأنينة بأن كل شيء هنا يقوم على ضرورة صارمة ليس إلا تعزية بائسة للغاية. فإن تواجد أشياء الطبيعة، بكل تنوعها، في منطقة معينة، أو حتى على الكرة الأرضية بأسرها، يظل – برغم كل تحديده الأولي، الأزلي – كما في السابق، مسألة صدفة.
وتجاه هاتين النظرتين كلتيهما تأتي موضوعات هيغل، التي لم يُسمع بها أبداً من قبل، والقائلة بأن للعرضي أساساً ما، لأنه عرضي، وفي الوقت نفسه لا أساس له، لأنه عرضي؛ وبأن العرضي ضروري، وبأن الضرورة تحدد نفسها بنفسها كصدفة، وبأن هذه الصدفة، من ناحية أخرى، هي بالأحرى الضرورة المطلقة (المنطق، الكتاب الثاني، الجزء الثالث، الفصل الثاني: الواقع). إن العلوم الطبيعية قد فضّلت إهمال هذه الموضوعات بوصفها تلاعباً بالألفاظ، هراءً يناقض نفسه بنفسه، وتقوقعت، من جهة، في صُدَف ميتافيزيقا ك. فولف الغثّة، التي ترى أن الشيء إما عرضي أو ضروري، ولكن ليس الاثنين معاً في آن واحد، وتقوقعت، من جهة أخرى، في الحتمية (Determinism) الميكانيكية، التي تكاد لا تقل عنها ضحالةً، والتي تنكر، كلامياً، الصدفة عموماً، لتعترف بها، عملياً، في كل حالة منفردة. ولكن ماذا قدَّمت العلوم الطبيعية، بشخص داروين، رغم استمرارها في نمط التفكير هذا؟
في مؤلفه، الذي كان بعيد الأثر انطلق داروين مع أوسع أساس وقائعي (Factual)، قائم على الصدفة. فإن الاختلافات العرضية، اللامتناهية بين الأفراد داخل النوع الواحد، هذه الاختلافات، التي يمكن أن تتعزز (تزداد) حتى تتجاوز أطر سمات النوع، والتي يتعذر الوقوف على أسبابها القريبة إلا في حالات نادرة للغاية، هي، بالتحديد، ما أرغمه على التشكيك بالأساس السابق لكل قانونية في البيولوجيا – بمفهوم النوع، في صيغته الميتافيزيقية السابقة، الثابتة والمحنطة. لكن بدون مفهوم النوع لا وجود لعلم البيولوجيا؛ ففروعه كلها تحتاج إلى هذا المفهوم كأساس: بدون مفهوم النوع ما قيمة علم التشريح البشري والتشريح المقارن، ما قيمة علوم الأجنة، والحيوان والمستحثات، والنبات، إلخ.؟ بدونه لن توضع نتائجها موضع شك، فحسب، بل وستطرح جانباً على الفور. إن الصدفة قد أطاحت بفهم الضرورة، الذي كان قائماً حتى الآن .
لم يعد التصور السابق عن الضرورة صالحاً. والاحتفاظ به إنما يعني أن نفرض على الطبيعة مفهوماً (تحديداً) بشرياً، اعتباطياً، يتناقض مع نفسه ومع الواقع، ونلزمها به كقانون، وإذن، يعني نفي أية ضرورة داخلية في الطبيعة الحية، يعني، أخيراً، إعلان مملكة الصدفة العشوائية قانوناً وحيداً للطبيعة الحية.