في منشور بثّته صفحة «الجزيرة – تركيا» بمناسبة ذكرى 23 تموز/يوليو 1939، قدّمت القناة ضمّ لواء إسكندرون إلى تركيا باعتباره «تحرراً من الانتداب الفرنسي» ونتيجة طبيعية لـ«استفتاء شعبي». ولم تكتف بذلك، بل زعمت أن «هاتاي كانت دولة مستقلة قبل احتلالها من الفرنسيين»، وأن مصطفى كمال أتاتورك دخلها بعد قرار الانضمام إلى تركيا وسط استقبال جماهيري.
بهذه الجمل القليلة، تمكّنت الجزيرة من جمع أكثر من ادعاء كاذب في منشور واحد: اخترعت دولة مستقلة قبل الاحتلال الفرنسي، وحوّلت قراراً اتخذه مجلس محلي في ظل تفاهم فرنسي–تركي إلى «استفتاء شعبي»، ثم جعلت أتاتورك يدخل المنطقة بعد انضمامها إلى تركيا، مع أنه كان قد توفي قبل ذلك بأشهر.
والأهم هنا أن من يكشف كذب هذه الرواية ليست مصادر سورية أو عربية، بل المصادر التركية الرسمية نفسها.
ماذا تقول المصادر التركية؟
تكشف المصادر التركية الرسمية نفسها زيف رواية الجزيرة، لا المصادر السورية أو العربية. فلم تكن هناك دولة مستقلة باسم «هاتاي» قبل الاحتلال الفرنسي؛ بل كانت المنطقة جزءاً من الدولة العثمانية، ثم أنشأت سلطات الانتداب عام 1918 وحدة إدارية باسم «لواء إسكندرون». أما «دولة هاتاي» فلم تُعلن إلا في 2 أيلول/سبتمبر 1938، أي بعد نحو عشرين عاماً من بدء الاحتلال الفرنسي، ولم تعش سوى عشرة أشهر وواحد وعشرين يوماً، مع استمرار الوجود الفرنسي والتأثير التركي فيها. كما لم يحدث «استفتاء شعبي» مباشر على الانضمام إلى تركيا؛ بل شُكّل مجلس من أربعين نائباً وفق مقاعد موزعة مسبقاً بين الجماعات، واعتمد المرشحون من دون إجراء انتخابات فعلية، ثم وقّعت فرنسا وتركيا اتفاقاً في 23 حزيران/يونيو 1939، وبعد ستة أيام قرر المجلس حل الدولة والانضمام إلى تركيا. أما القوات التركية التي دخلت اللواء في تموز/يوليو 1938 فكانت بقيادة العقيد شكرو قاناتلي، لا أتاتورك، الذي توفي في 10 تشرين الثاني/نوفمبر 1938، أي قبل قرار الضم بأكثر من سبعة أشهر. وهكذا لا نتحدث عن اختلاف في تفسير التاريخ، بل عن أكاذيب واضحة تكشفها التواريخ والمراجع التركية الرسمية نفسها: دولة لم تكن موجودة قبل الاحتلال، واستفتاء لم يحدث، وأتاتورك أُدخل إلى اللواء بعد وفاته.
ليس خطأً عابراً
لا يمكن التعامل مع هذا المنشور بوصفه هفوة صغيرة ارتكبها محرر على عجل. فالجزيرة مؤسسة إعلامية عالمية تمتلك عشرات المكاتب وآلاف الموظفين، ولديها القدرة الكاملة على التحقق من معلومة تاريخية بسيطة. لذلك، لا يمكن تحليل المنشور إلاّ باعتباره جزءاً من بنية إعلامية تعمل داخل شبكة من التمويل والمصالح والتحالفات الإقليمية. وحين تكون العلاقة بين الدوحة وأنقرة وثيقة، لا يعود مستغرباً أن تختفي الحقيقة، و تُحرّف وتُقدَّم للجمهور العربي في ثياب «الحقيقة التاريخية».
كتب لينين عام 1917، في مقاله «كيف نضمن نجاح الجمعية التأسيسية»، ضمن قسم «حول حرية الصحافة»:
إن حرية الصحافة في المجتمع البرجوازي تعني حرية الأغنياء في خداع وإفساد وتضليل جماهير الشعب المستغَلّة والمضطهَدة بصورة منهجية ومتواصلة ويومية، وبملايين النسخ
التحرر الوطني ورقة في يد الطبقات السائدة
لكن المسألة أعمق من نفاق قناة واحدة. فالبرجوازيات العربية لم تكن يوماً قادرة على الدفاع بصورة ثابتة عن التحرر الوطني. إنها ترفع راية فلسطين أو سوريا أو «الأمة العربية» عندما يخدم ذلك صراعها مع خصومها، ثم تساوم على الأرض والجماهير عندما تتطلب مصالحها الاقتصادية والدبلوماسية ذلك.
فالقضية الوطنية، في يد هذه الطبقات، ليست مبدأً، بل ورقة تفاوض. تُرفع حين تفيد، وتُطوى حين تصبح عائقاً، ويُعاد تفسير التاريخ كله وفقاً لموقع الحليف والخصم في اللحظة الراهنة.
ولهذا لا تتردد وسائل الإعلام المرتبطة بهذه الأنظمة في تغذية الانقسامات بين الجماهير حين تخدم تلك الانقسامات مصالح مموليها. رأينا ذلك في طريقة تناول أزمات سوريا، ولا سيما مجازر الساحل والسويداء، كما رأيناه في السودان واليمن. فالإعلام البرجوازي لا يقوم على كشف المصالح الطبقية أو الامبريالية التي تقف خلف العنف، بل يختزل الصراعات في هويات طائفية وقومية ومناطقية، مستخدماً دماء الجماهير مادةً في صراع المحاور.
لكن الرد على هذا النهج لا يكون بقومية عربية جوفاء، ولا بالاصطفاف خلف نظام عربي في مواجهة دولة إقليمية أخرى. فلا الدوحة تمثل الجماهير العربية، ولا أنقرة تمثل جماهير المنطقة، ولا تتحول رواية نظام برجوازي إلى حقيقة لمجرد أنها تعارض رواية نظام آخر. الرد الحقيقي يبدأ من كشف المصالح المادية والطبقية التي تقف خلف الخطاب الإعلامي، ومن الدفاع عن استقلال الجماهير عن جميع الأنظمة والمحاور.
الجماهير لم تعد تصدق بهذه السهولة
مع ذلك، هناك ما يغفله القائمون على هذا الإعلام: الجماهير لم تعد كما كانت قبل عقود. لقد رفعت الثورات والانتفاضات، ثم الحروب والثورات المضادة التي أعقبتها، مستوى الخبرة السياسية لدى قطاعات واسعة في المنطقة.
شاهدت الجماهير كيف تتبدل لغة القنوات بين ليلة وضحاها؛ وكيف يتحول من وُصف بالأمس بأنه «ثائر» إلى «إرهابي»، أو العكس، تبعاً لموقف الحكومات الممولة منه؛ وكيف تُضخّم جرائم الخصوم، بينما تُخفى جرائم الحلفاء أو تُختلق لها المبررات.
لهذا لم تعد الأخبار تُستقبل بالبساطة نفسها. يقارن الناس بين المصادر، ويفتشون في الأرشيف، ويتحققون من التواريخ، ويواجهون المؤسسات الإعلامية بتناقضاتها. والتعليقات الغاضبة التي واجهت منشور الجزيرة لم تكن مجرد انفعال قومي، بل تعبيراً عن ذاكرة تاريخية ووعي سياسي لم يعد من السهل محوهما بصورة دعائية ومنشور قصير.
صحيح أن الإعلام البرجوازي ما يزال يمتلك المال والمنصات والتقنيات والقدرة الواسعة على التأثير، لكن سيطرته على وعي الجماهير ليست مطلقة. ومع كل كذبة مكشوفة، يفقد جزءاً من هيبته ومصداقيته. وكلما ازدادت خبرة الجماهير وتنظيمها المستقل، تراجعت قدرة هذا الإعلام على تقديم مصالح الحكام بوصفها حقائق لا تُناقش.
الجزيرة ليست «صوت من لا صوت له». إنها صوت قوي لمن يمتلك المال والمنصة والقدرة على الوصول إلى مئات الملايين. لكن ارتفاع الصوت لا يحوّل الكذب إلى حقيقة، ولا يضمن خضوع الجماهير له إلى الأبد. أما الحقيقة، فلن تصونها قنوات الأمراء، بل حركة مستقلة للعمال والمضطهَدين، تثق بوعي الجماهير وقدرتها على التعلم من تجربتها، وترفض اقتطاع الأرض كما ترفض استغلال الإنسان، ولا تبدّل مبادئها كلما تبدّل الحليف في قصور الحكم.
إذا كنتم تتفقون معنا، فندعوكم إلى الانضمام إلى «إيسكرا» للمساهمة في بناء إعلام ثوري مستقل. فالتغيير يبدأ حين تمتلك الجماهير منبراً يعبر عنها، لا منبراً يتحدث باسمها.