حوالي 4000 عامل في شركة زنوبيا في ريف دمشق في سوريا نفذوا إضرابات استمرت لمدة ثمانية أيام انتزعوا خلالها مكاسب هامة جداً. وجرى تداول بيان حول الإضراب جاء فيه إعلان العمال عن بدء إضراب شامل في عدة معامل منها معمل الصحية والغرانيت والسيراميك والكرتون بعد أن تلقوا وعوداً سابقة بتحسين الأحوال المعيشية لكن جميعها كانت كاذبة وفق ما صرحت به لجنة الإضرابات.
نقلت وسائل إعلام مطلعة أن العمال حصلوا على زيادات شهرية وصلت لـ700 ألف ليرة سورية (65 دولاراً) بالإضافة إلى ضمانات بالاستمرار بتقديم مكتسبات أهمها شمل العمال بالتأمين الصحي وتأمين وجود طبيب في المعمل للرعاية الصحية.
عمال زنوبيا لم يكونوا الوحيدين، فقد انتقلت موجات الإضراب إلى معامل أخرى مثل معمل مدار لصناعة مواد التنظيف وتشكلت ضمن المعامل لجان للإضراب.
فقط 4000 عامل ولمدة ثمانية أيام أنجزوا كل هذه المنجزات. ماذا لو تحدثنا عن الديمقراطية العمالية التي سوف يتشارك فيها العمال والفلاحون والطلاب تحت قيادة العمال مهام البناء الاقتصادي والاجتماعي؟
لهذا السبب ننطلق من العمال
إذا ما قمنا بنظرة سريعة إلى السلوك الطبقي في سوريا سواء على المدى البعيد أو القصير نصل إلى نتيجة واضحة كالشمس: وحدهم العمال من يملكون القدرة على لعب الدور الحاسم في بناء مشروع تقدمي.
أعادت الطبقة البرجوازية في سوريا بعد سقوط الأسد تموضعها الطبقي بما يضمن مصالحها وإعادة سيطرتها الطبقية وبطبيعة الحال هذا التموضع أتى ضمن عملية تقاسم إمبريالي للثروات في سوريا. هذه ليست المرة الأولى، فقد كان تاريخ الطبقة البرجوازية السورية وأحزابها مليئاً بالتوافقات مع الاستعمار ضد العمال وصغار الفلاحين. من جهتها فإن الغالبية الساحقة من البرجوازية الصغيرة أدت دورها على أكمل وجه بتفكيك المجتمع وتنفيذ الهجمات المباشرة على العمال و شاهدنا ذلك بوضوح في الساحل و السويداء و المناطق الكردية.
أما العمال فقد قدموا لنا درساً آخر. من خضم كل هذا الدمار والانقسام سمع الجميع الشعار الذي رفعه عمال شركة زنوبيا: “يد واحدة….. نحن جميعاً يد واحدة”. هذه الصفة ليست حكراً على العمال في سوريا، منذ أشهر فقط قدم لنا عمال الموانئ في إيطاليا أوضح صورة عن الدور الذي يمكن أن تلعبه الطبقة العاملة بإيقاف الحرب الهمجية التي يشنها النظام الصهيوني على غزة. بدأت الإضرابات تمتد من ميناء لآخر ومن بلد لآخر رفضاً لنقل الأسلحة إلى إسرائيل.
هذا الأمر جعل الطبقات السائدة في أوروبا تتحرك على الفور لاحتواء هذه الإضرابات ومنع تطورها باتجاه يصبح من الصعب السيطرة عليه. اتفاق إيقاف الحرب على غزة بالصيغة التي صدر فيها كان يمكن أن يصدر حتى في عام 2023، لكن الإضرابات العمالية هي التي جعلت من صدوره ضرورة للطبقات السائدة. هذا هو الحمض النووي للطبقة العاملة.
ما حدث في شركة زنوبيا ورغم عفويته وصغر حجمه إلا أنه يشكل خطوة هامة جداً باتجاه الديمقراطية العمالية. هكذا فقط يمكن للعمال أن يدركوا ما هي القوة التي يملكونها. الطليعة العمالية في سوريا والمنطقة بأكملها بحاجة للوصول إلى أيديولوجيتها الطبقية الخاصة أي الأيديولوجية الماركسية. فقط هكذا يمكن للعمال أن يمتلكوا دليل العمل الثوري اليومي والوقوف بوجه أصحاب المصانع والأعمال وداعميهم الإمبرياليين.
الماركسية بحاجة حاملها الطبقي
إن المشكلة الأكبر التي وقفت وما زالت تقف بوجه وصول الماركسية للعمال في سوريا هي أن الحامل الطبقي للأفكار الماركسية هم من المثقفين النخبويين، أي من يحملون الذهنية البرجوازية الصغيرة. لذلك فقد عانت الماركسية من اغتراب كبير. هؤلاء قاموا بتشذيب الماركسية من محتواها الثوري تماماً كما وصفهم لينين في كتابه الدولة والثورة عندما كتب: “ينسون، يستبعدون، يشوهون الجانب الثوري من التعاليم”.
ما يزيد الوضع سوءاً هو أن سوريا مرت في مرحلة حرب طاحنة دمرت جزءاً كبيراً من وسائل الإنتاج وأعادت الاقتصاد إلى مراحل صعبة جداً. وهذا ما انعكس أيضاً على الميدان السياسي. فالميدان السياسي في سوريا الآن، وخصوصاً جانبه اليساري، كان قد وصفه تروتسكي قبل عقود في مقاله عن الستالينية والبلشفية عندما قال:
إن الهزائم السياسية الكبرى تثير إعادة تقييم للقيم، ويحدث ذلك عموماً في اتجاهين. فمن جهة، تدافع الطليعة الحقيقية، وقد أغنتها تجربة الهزيمة، عن تراث الفكر الثوري دفاعاً مستميتاً، وعلى هذا الأساس تسعى إلى تثقيف كوادر جديدة للنضال الجماهيري القادم. ومن جهة أخرى، يبذل الروتينيون والوسطيون والهواة، وقد أفزعتهم الهزيمة، قصارى جهدهم لتحطيم سلطة التقليد الثوري والعودة إلى الوراء بحثاً عن «عالم جديد»
مما لا شك فيه أن الطبقة العاملة في سوريا الآن منهكة وغير مستقرة وغير ممركزة في ظل الهزيمة الثورية والدمار الاقتصادي الحاصل، لذلك من الطبيعي أن نقول بأن قيام ثورة اشتراكية في سوريا صعب للغاية. لكن الصعوبة لا تعني الاستحالة. ولا تعني أن لا نمشي بطريق الثورة الاشتراكية. هنا أصبح من الضروري تحديد الطريق المؤدي للثورة الاشتراكية.
في أي سياق يتم طرح عدم إمكانية الثورة الاشتراكية الآن؟ هناك من قال ذلك في سياق تبرير موقفه الانتهازي للمطالبة بديمقراطية برجوازية بصفتها الحل السحري لأزمة من تبقى في سوريا من جماهير مسحوقة واستبعاد أي محاولة لبناء الطبقة العاملة ومنظماتها بحجة ضعف هذه الطبقة.
إلا أن الموقف الماركسي مختلف تماماً. إن فهم الظروف الموضوعية للطبقة العاملة الآن في سوريا هو ضرورة لكن للانطلاق باتجاه الثورة الاشتراكية. وهذا ما سوف ينعكس بطبيعة الحال على التكتيك والاستراتيجية والبرامج المطروحة.
نحن نعرف تماماً أن الثورة الاشتراكية الآن صعبة وبحاجة لظروف لقيامها، وبنفس الوقت نجد أنه من السذاجة القول بأن الديمقراطية البرجوازية هي الحل لأن الثورة الاشتراكية الآن غير ممكنة.
لم ولن يكون هناك يوم ستكون فيه الثورة الاشتراكية سهلة المنال. لا توجد طرق مخملية للثورة الاشتراكية، ولم يقدم لنا التاريخ أي مثال يدل بأنه توجد طرق مختصرة للتغيير. وإنما على العكس، فقد قدم لنا التاريخ مثالاً يدحض هذا الادعاء. لكن كانت هناك ظروف يجب أن نجعلها بوصلة لنا.
في روسيا عام 1917 وبالنسبة للمناشفة فقد كانت الثورة الاشتراكية في شباط/فبراير غير ممكنة لاستحالة ظروف قيامها. وفعلاً كان العمال آنذاك يثقون بالمناشفة والاشتراكيين الثوريين الذين كانوا يريدون السير بطريق الرأسمالية. لكن بسبب البلاشفة الذين أوضحوا بشكل لا قطع فيه مدى انسداد الطريق الرأسمالي تم السير بطريق الثورة الاشتراكية فقط بعد ستة أشهر. لذلك المشكلة ليست بالظروف وإنما بطريقة التعاطي مع هذه الظروف.
إذاً، ليست صعوبة الظروف هي ما نختلف به مع هؤلاء الانتهازيين. خلافنا معهم هو من أي جهة علينا التعامل مع هذه الظروف. بالوقت الذين يأتون هم لهذه المشكلة من جهة اليمين عن طريق برجوازي بحت وبرنامج مرحلي، يأتي الماركسيون لهذه المشكلة من جهة اليسار عن طريق برنامج انتقالي يربط المطالب اليومية بضرورة وصول العمال للسلطتين السياسية والاقتصادية.
أهم الشروط التي يجب توافرها لوصول العمال وحلفائهم الطبقيين للسلطتين السياسية والاقتصادية هو توافر طبقة عاملة متماسكة وطليعة عمالية واعية سياسياً وحزب ثوري قادر على التقدم والتراجع بأقل الخسائر. وكل هذه الشروط لا يمكن تحقيقها في سوريا أو أي بلد من بلدان المنطقة على أي طريق رأسمالي. لا يمكن أن نسلك طريق الرأسمالية كمرحلة لتهيئة الظروف لظفر العمال بالسلطة.
سوف يتساءل البعض: كيف وصلنا لهذه النتيجة؟ للإجابة على هذا السؤال لا بد من العودة لجملة قالها تروتسكي في كتابه “نتائج وتوقعات” عام 1906 عندما كتب: “الامتحان الأخير للنظرية هو التجربة”، والتجربة أكدت وبالدليل القاطع أنه لا يمكن أن يأتي أي تطور على أساس رأسمالي.
تطور الرأسمالية في سوريا
عادة ما يتم ذكر أن الرأسمالية وصلت إلى سوريا في فترة انحطاطها، لذلك خلقت نمط إنتاج مشوهاً لم يستطع القيام بمهامه التاريخية. لكن كيف خلقت الرأسمالية نمط الإنتاج هذا؟ هذا السؤال يحتاج إلى تبحر بالكتابة، لذلك خصصنا لهذا الموضوع مقالاً كاملاً سوف نعرضه في مجلتنا النظرية التي نخطط لإصدار أول عدد منها قريباً. لكن هذا لا يمنع عرض بعض النقاط العريضة حول تطور الرأسمالية في سوريا.
وصلت الرأسمالية إلى سوريا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. لكن وصولها لم يكن قادراً على خلق نمط الإنتاج الذي خلقته الرأسمالية في أوروبا. وإنما على العكس، وصلت الرأسمالية عن طريق الاستعمار الغربي الذي عمل جاهداً على عدم فسح المجال لأي إمكانية لعزل أسواق وثروات المنطقة عن المصانع في مانشستر وليون.
وكان ذلك يحدث في فترة زمنية كان فيها نمط الإنتاج في “رجل أوروبا المريض”، وهو لقب السلطنة العثمانية آنذاك، يحمل الكثير من خصائص نمط الإنتاج الآسيوي الذي كان يمنع أي عملية فرز طبقي حتى ولو على غرار روسيا القيصرية.
عندما تحدث ماركس عن نمط الإنتاج الآسيوي كان يصف بشكل خاص الصين والهند من حيث وجود دولة مركزية على رأسها ملك أو سلطان وتركيزها في الأعمال على القنوات المائية لخدمة الزراعة، كون أن المدن فيها ذات قاعدة زراعية.
لهذا السبب قد يقول البعض بأن بلاد الشام لم تكن تحمل خصائص نمط الإنتاج الآسيوي، كون أن بلاد الشام تختلف عن مصر والرافدين القديمة بعدم توفر الأنهار الكبيرة التي كانت تساعد على بناء شبكة القنوات المائية الضخمة التي تحدث عنها ماركس في نمط الإنتاج الآسيوي.
إلا أن خلاصة حديث ماركس عن نمط الإنتاج الآسيوي كان بأن هذا النمط يعيد إنتاج نفسه بطريقة لن يكون قادراً على تحقيق أي تغيير عن طريق داخلي، وإنما عن طريق ضغوط خارجية مباشرة أو غير مباشرة، صديقة أو معادية، تجعل من إعادة إنتاج الحياة السياسية غير ممكن.
في الماركسية فإن التناقض هو سبب الحركة، وبالتالي حركة التاريخ هي نتيجة حركة التناقضات الطبقية. وبطبيعة الحال فقد كانت هذه الحركة في السلطنة العثمانية أيضاً غير ممكنة، كون أن مركزية الدولة الشديدة منعت من حدوث فرز طبقي يجعل من هذه التناقضات ممكنة على غرار ما حدث في الغرب.
التاريخ السياسي للبرجوازية السورية.
الرأسمالية عندما وصلت إلى سوريا كانت قد فقدت قدرتها على أن تلعب دور تقدمي على مستوى العالم. و بنفس الوقت فإن خصائص نمط الإنتاج الآسيوي و رغم بوادر تفككها التي حصلت في القرن الأخير من عمر السلطنة العثمانية كانت مازالت ترخي بظلالها على البلاد. لم يكن من الممكن بناء أي صناعة وطنية بسبب عدم وجود الحماية الجمركية و سياسات السطات التركية التي منعت حدوث أي تطور رأسمالي. (حنا، 1973).
إن صعود طبقة رأسمالية كان يتطلب بالضرورة وجود أسواق لتصريف البضائع و هذا يعني تفكك القرية المغلقة الشبه مكتفية ذاتياً. هذا التفكك كان سيهدد نظام الجباية المستقر للدولة العثمانية والذي يقوم على استمرار السلطة و الملكية بيد السلطان و كان سيرمي بآلاف العائلات من الجباة الذين يستند عليهم النظام السلطاني في الشوارع.
من جهة أخرى فقد كانت السلطنة العثمانية تسيطر على الحرف و المهن اليدوية عن طريق ترتيب هرمي. كان لكل مهنة شيخ يدين بولائه للسلطان و كان اسم هؤلاء الشيوخ ” شيوخ الكار”. وخوف السلطنة من التطور باتجاه الرأسمالية كان نابع من فكرة مفادها بأنه سيتم فقدان السيطرة على (شيوخ الكار) كون أن المانيفاكتورات سوف تصبح غير ذات وزن بالمقارنة مع المعامل التي سوف تنشأ في حال تم الذهاب باتجاه الرأسمالية. وهذا ما كان سيخلق تصدعات كبيرة في إعادة انتاج النظام السياسي و التي كانت ستجعل من نهاية السلطنة العثمانية أبكر بكثير وربما عن طريق العمال كما حدث قي روسيا.
هذا الواقع المركب للرأسمالية في سوريا جعل من إيديولوجيا الطبقة البرجوازية أيضاً غير متجانسة. في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كان يوجد فريقاً من ممثلي الفكر البرجوازي يحملون أفكاراً تقدمية و لم يقفوا من الحركة العمالية موقفاً عدائياً.
أبرز الأمثلة عن هؤلاء المفكرين هو عبد الرحمن الكواكبي الذي كان يرى في تجربة مارتن لوثر بالإصلاح الديني قدوة جيدة. لقد كان مفهوم الحرية و المساواة البرجوازيين المناهضين للنظام الاقطاعي يظهر في كل فصل من فصول كتابه ” طبائع الاستبداد” و الذي نقتبس هنا جزء منه:
إن رجال البشر اقتسموا مشاق الحياة قسمة ظالمة أيضاً. فإن رجال السياسة و الأديان ومن يلتحق بهم و عددهم لا يتجاوز الخمسة في المائة يتمتعون بنصف ما يتجمد من دم البشر أو زيادة ينفقونه في الرفاق و الاسراف، مثال ذلك أنهم يزينون الشوارع بملايين من المصابيح لمرورهم فيها أحياناً و لا يفكرون في ملايين من الفقراء. ثم أهل الصنائع النفيسة والكمالية و التجار الشرهون و المحتكرون و أمثال هذه الطبقة و يقدرون كذلك بخمسة في المائة يعيش أحدهم بمثل ما يعيش به العشرات أو المئات أو الألوف من الصناع و الزراع.(الكواكبي، 1902)
هذه الصبغة التقدمية لمفكري البرجوازية كانت طوباوية كون أن البرجوازية السورية التي كانت قد بدأت بالتشكل في ذلك الوقت كانت ومازالت غير قادرة على أن تكون فعلاً حاملاً طبقياً لهذه الأفكار.
هذا الواقع تغير عندما بدأت طلائع مثقفي البرجوازية تنظر بحذر للعمال، بعد أن أصبحت الحركة العمالية في سوريا تتحول من طبقة بذاتها إلى طبقة لذاتها.
بعد عشر سنوات من صدور كتاب الكواكبي طبائع الاستبداد قام المفكر البرجوازي رفيق رزق سلوم وهو من قادة الحركة الوطنية الذين أعدمهم جمال باشا أثناء الحرب العالمية الأولى بنشر كتابه بعنوان ” حياة البلاد في علم الاقتصاد” و الذي ووفق المؤرخ السوري الدكتور عبد الله حنا لم يكن سوى نسخة طبقة الأصل مترجمة وبتصرف عن كتب الاقتصاد البرجوازية الفرنسية مع مراعاة بعض الظروف المحلية.
بطبيعة الحال نحن لا ننكر مدى كفاحية رفيق رزق سلوم وباقي الشهداء الذي سقطوا على منبر الحرية من الاستبداد التركي و الذي كان أكبر شاهد عليها إعدامه مع مجموعة من الوطنيين العرب من قبل جمال باشا. إلا أن تقديرنا لكفاحية المثقفين البرجوازيين لا تعني و لا بأي شكل من الأشكال أن نطمس الطابع الطبقي لهذا النضال و مدى محدوديته.
في كتاب رفيق رزق سلوم الذي صدر في عام 1912 كان من الممكن أن نلاحظ بداية خوف مفكري البرجوازية السورية من الطبقة العاملة. أحد فصول الكتاب كان يتحدث عن الإضرابات و لم يكن من الصعب أن نلاحظ أن الفكرة المطروحة من قبل رفيق رزق سلوم كانت تتماشى مع من كان يسميهم لينين ” الاقتصاديين”:
أصبحت الحرب اليوم سجالاً بين العمال و أصحاب الأموال…. و لا بأس من قيام جمعيات العمال ما دامت مقتصرة على المسائل الاقتصادية، ولكن بعض هذه الجمعيات انجرت إلى الاشتغال بالسياسة فخسرت من حيث تريد الربح” (سلوم، 1912)
هذا الطرح كان ومازال يتم طرحه من قبل الطابور الخامس ضمن الحركة العمالية. يجب على العمال الاهتمام فقط بالاقتصاد و الابتعاد عن السياسة. هكذا تضمن البرجوازية إعادة انتاج نفسها. لا يوجد استقرار للمكاسب العمالية إلا بوصول الطبقة العاملة للسلطتين السياسية والاقتصادية معاً وهذا ما تسعى البرجوازية بكل ما أوتيت من قوة أن تمنع حدوثه.
وفق الدكتور عبد الله حنا فقد كان هذا الخوف هو صدى لخوف البرجوازية الغربية من الحركات العمالية في أوروبا و التي دخلت بصراع مرير مع الرأسمالية وليس بسبب التخوف من الحركة العمالية الجنينية في سوريا.
إلا أن هذا التفسير الذي طرحه الدكتور عبد الله حنا يبقى أيضاً ضمن إطار التفسير المثالي كونه اعتبر أن خوف البرجوازية السورية من الطبقة العاملة انطلق من الأفكار التي وصلت لهؤلاء المثقفون البرجوازيون من الغرب. في الحقيقة أن الخوف كان مصدره الواقع المادي نفسه الذي عاشته سوريا من عام 1900 والذي لعبت فيه الطبقة العاملة دوراً كبيراً في النضال للتحرر الوطني و الطبقي.
وطيلة فترة الانتداب الفرنسي سارت البرجوازية السورية و مفكروها على منوال رفيق رزق سلوم من ناحية التحذير من أن يدخل العمال بأي نضال سياسي. هذا ما عاد ليؤكد عليه عبد القادر العظم و هو رئيس الجامعة السورية و معهد الحقوق في كتابه ” علم الاقتصاد” الذي صدر بعد حوالي 28 عام من صدور كتاب رفيق رزق سلوم. أكد العظم على ضرورة عدم انخراط العمال بالحياة السياسية حيث جاء في فصل “تنظيم العمال” من هذا الكتاب:
النقابات التي كانت مجردة عن تأثير النزعات السياسية خدمت العمال خدمات جلى و دافعت عنهم، أما النقابات التي كانت مسرحاً للنفوذ السياسي فإنها تسيء إلى العمال بما تلقنهم إياه من الأفكار الضارة بمصالحهم أكثر من نفعهم” (العظم، دمشق 1940)
لقد كان البرجوازيين و مثقفيهم يدعون العمال وباقي فئات الجماهير المسحوقة للمشاركة في النضال ضد الانتداب ولكن تحت اشراف أو وصاية البرجوازية.
المفارقة كانت هي أنه وعندما كانت الجماهير تقرر أن تسير بالنضال ضد الاستعمار إلى أبعد ما تريده البرجوازية فسرعان ما بدأت بيانات الكتلة الوطنية بالصدور لدعوة الشعب إلى ” التزام الهدوء و السكينة” و ” العودة إلى العمل” وترك ” أمور البلاد” لمعالجتها بهدوء. (حنا، 1973)
و كيف كانت تتم المعالجة؟ دخول البرجوازية الوطنية بمساومات أو مصالحات مع الانتداب يحررها من رقابة الجماهير وضغط الشارع. البرجوازية السورية كانت واعية لمصالحها الطبقية التي تقتضي الإبقاء على معاناة العمال. كان لا بد من اقناع العمال بفصل النضال الاقتصادي عن النضال السياسي و هذه الحالة مازالت مستمرة حتى الآن.
لقد كان الناظم السياسي للبرجوازية السورية يقوم على نقيضين: الأول، إشراك أكبر قسم ممكن من الجماهير و في مقدمتها العمال للنضال ضد الاستعمار من أجل انتزاع بعض المطالب من الإمبرياليين لصالحها. الثاني، مع منع هذه الجماهير من أن تسير في اتجاه و طني لا يتفق مع مصالحها. أي ينتقل من النضال ضد المستثمرين الأجانب إلى النضال ضد المستثمرين الأجانب و الوطنيين.
وبعد الاستقلال من الاحتلال الفرنسي بدت الأمور أكثر وضوحاً من حيث مدى عجز هذه البرجوازية عن أداء أي دور تقدمي فعلاً. أصبح النضال من أجل فلسطين هو القضية الأكثر جوهرية في المنطقة. و بطبيعة الحال من حمل هذه القضية بشكل رئيسي كان العمال و باقي الجماهير الفقيرة. في المجموعة الاقتصادية السنوية لغرفة تجارة حلب لعام 1949 ذكر التقرير عن الأحوال الاقتصادية العامة في سوريا ما يلي:
لقد حملت سوريا القسط الكبير من واجبها في سبيل فلسطين المنكوبة……
…… وهذا القسط من الواجب قد أناخ سوريا و أثقل كاهلها. فالحكومة بإهمالها الشؤون الداخلية الأخرى و في انفاقها ما تستطيع في سبيل فلسطين ومن التدابير الاستثنائية التي فرضتها لأجلها قد أخرت سير الحركة الاقتصادية و أهابت برؤوس أموال كبيرة و بحركة دائمة أن تنتقل إلى لبنان و الخارج تخلصاً من القيود التي لا مثيل لها في البلد الشقيق…..” (حلب، 1949)
في الوقت الذي كان فيه العمال و باقي الجماهير المسحوقة يمولون الانفاق الحكومي من ضرائبهم لنصرة القضية الفلسطينية كان أصحاب رؤوس الأموال هم أول الهاربين من سوريا.
وهذا ما زال قائم حتى الآن. نظرة سريعة على موقع حزب الدستور السوري بصفته ممثل من دون حقيبة لهذه الطبقة البرجوازية يمكن أن يشرح الحالة. تراهم يتحدثون عن فشل السياسات النقدية و عن انخفاض أسعار القمح و عن غياب العلمانية لكنهم يتحايدون الحديث بجدية عن إضرابات العمال أو عن الرأسماليين أنفسهم.
كل حديثهم عن هذه المشاكل هو غير مجدٍ كونهم لم يتحدثوا عن أصل المشكلة. المشكلة بالنسبة لهم ليست هذه البرجوازية المتعفنة بل أن البرجوازية وداعميها الإمبرياليين لا يعتمدون عليهم. هذا ليس غباء و لا نفاق، هذا هو تماماً موقف البرجوازية الوطنية و أحزابها. هذا هو الحمض النووي للبرجوازية السورية. لذلك نقول دائماً: لا حلول على أسس رأسمالية.
تاريخ نضالات الطبقة العاملة في سوريا
لقد شكلت الطبقة العاملة في سوريا قبل الحرب العالمية الأولى ما نسبته 10% من السكان. (Ruppin, 1917)
ورغم ضعف تركزها بسبب ضعف الصناعات الثقيلة، إلا أن الطبقة العاملة شكلت هاجساً كبيراً للسلطات العثمانية، خصوصاً عند بدء ظهور بوادر للحركات العمالية في شركات سكك الحديد والإنارة والترامواي، والتي كانت مملوكة لمستثمرين أوروبيين.
عندها قامت السلطنة العثمانية بإصدار قانون “منع تعطيل الأشغال” في عام 1909. منع هذا القانون تشكيل النقابات والاتحادات في المؤسسات المملوكة من الرأسمال الأجنبي، وفرض عقوبات على من يقوم بتشكيل نقابات أو يتسبب بتعطيل الأشغال.
ومع انهيار السلطنة العثمانية عام 1918، وبدء السيطرة الفرنسية لاحقاً، وازدياد تصدير الرساميل إلى كل من سوريا ولبنان، وتجديد بعض الآلات والمصانع القديمة، وتأسيس صناعات جديدة، نشأت طبقة عاملة أكثر عدداً وتركزاً.
وعلى عكس ما يتحدث عنه المؤرخون البرجوازيون، فقد لعبت الطبقة العاملة الدور الأساسي في النضال ضد الاستعمار الفرنسي. تحت سلطة الاحتلال الإمبريالي الفرنسي قام العمال بالعديد من الإضرابات، والتي كان أهمها إضراب عمال شركة السكك الحديدية (DHP) في عام 1926. بدأ الإضراب بمطالب اقتصادية بحتة مثل المطالبة بـ 8 ساعات عمل ومعالجة تدني الأجور بالمقارنة مع الموظفين الفرنسيين، ولكن ما لبث أن اتخذ هذا الإضراب طابعاً سياسياً.
شل الإضراب حركة القطارات وأصاب الشريان اللوجستي والعسكري لجيش الانتداب الفرنسي بمقتل، مما جعل الإضراب المطلبي في مواجهة مباشرة مع السلطة الاستعمارية التي كانت تحاول قمع الثورة السورية الكبرى التي انطلقت ضد الاحتلال الفرنسي عام 1925 من محافظة السويداء وامتدت لتشمل سوريا بأكملها.
ليس فقط عمال شركة السكك الحديدية. نفذ عمال معمل التبغ أيضاً احتجاجاً كبيراً على سياسات شركة الريجي “Régie” الفرنسية، والتي حصلت على منح احتكاري كامل من سلطات الانتداب للتحكم بزراعة وصناعة وتجارة التبغ في سوريا، مما أدى إلى تضرر آلاف العمال والفلاحين الصغار.
نظم العمال مظاهرات اصطدمت مباشرة مع القوات الفرنسية. كان شعار الحراك إسقاط الاحتكار الأجنبي بوصفه وجهاً من وجوه الاستعمار الاقتصادي، ونجحوا في إجبار سلطات الانتداب على تقديم تنازلات تضمن حقوق العمال وصغار الفلاحين. لم يكن هذا التحرك عمالياً خالصاً. بل كان تحالفاً طبقياً بين البروليتاريا المدينية وصغار الفلاحين ضد الرأسمالية الاحتكارية الكولونيالية وتجسيداً واضحاً لمفهوم الثورة الدائمة لليون تروتسكي.
أما عام 1936، ونظراً لاشتداد الأزمة التي سبقت الحرب العالمية الثانية ومحاولة الاحتلال الفرنسي استخراج أكبر قدر من الموارد التي تدعمهم في الحرب، حصل في سوريا الإضراب الستيني، والذي استمر مدة 60 يوماً. رُوّج لهذا الإضراب تاريخياً بصفته حراكاً قادته النخب السياسية البرجوازية، إلا أن نجاحه واستمراره الفعلي ارتكز على تلاحم الطبقة العاملة وصغار الفلاحين.
رفض عمال الخدمات والمطابع والنسيج والنقل العودة إلى العمل رغم التهديدات الفرنسية والقمع العسكري. شكل العمال لجان تضامن لتوزيع الأغذية على العائلات الفقيرة التي انقطع قوت يومها بسبب الإضراب، مما أحرج حكومة الانتداب وأجبرها على قبول المفاوضات التي قادها البرجوازيون. وبذلك شكل العمال وحلفاؤهم الطبقيون “العمود الفقري” لإنجاح هذا الإضراب الطويل عبر التضامن الطبقي والامتناع الكلي عن تشغيل المرافق الحيوية، واستفادت منه كالعادة البرجوازية الوطنية.
قد حاولنا في هذا المقال أن نبين، انطلاقاً من التجربة التاريخية للطبقة العاملة في سوريا ومن موقعها داخل عملية الإنتاج، لماذا ننطلق دائماً من العمال في تحليلنا وبرنامجنا السياسي. إنها نتيجة يفرضها تاريخ سوريا نفسه. فكل تجربة خاضتها البرجوازية السورية انتهت إلى إعادة إنتاج التبعية والاستغلال، بينما كانت كل لحظة تقدمت فيها الجماهير خطوة إلى الأمام وكانت هذه الخطوة مصحوبة بدخول العمال إلى ساحة النضال بوصفهم طبقة مستقلة هي لحظة رعب للاستعمار والبرجوازية السورية معاً.
لهذا السبب ننطلق دائماً من العمال. ليس لأنهم الأكثر فقراً، بل لأن موقعهم في عملية الإنتاج يجعلهم الطبقة الوحيدة القادرة على توحيد مصالح الأغلبية الساحقة من المجتمع ووضع حد لسيطرة رأس المال.
لكن الاعتراف بهذا الدور لا يكفي بحد ذاته. فإذا كانت الطبقة العاملة هي القادرة على قيادة المجتمع، فما هو الشكل الذي تمارس من خلاله هذه القيادة؟ وكيف يمكن للعمال أن يتحولوا من قوة تحتج وتضرب إلى قوة تدير المجتمع والاقتصاد بنفسها؟ هذا هو السؤال الذي سنحاول الإجابة عنه في المقال القادم، عندما نناقش مفهوم الديمقراطية العمالية، وأسسها، وسبل تحقيقها في ظروف سوريا والمنطقة.