ادّعى الرأسماليون منذ فترة طويلة أنهم يدافعون عن الديمقراطية. حتى إنهم برروا حروبهم الإمبريالية من أفغانستان إلى العراق إلى غزة بأنها حروب للدفاع عن الديمقراطية، وبنفس الوقت روّجوا لفكرة أن الشيوعيين هم أعداء للحقوق الديمقراطية، وهذا ما ساعدتهم عليه بطبيعة الحال الأحزاب الستالينية. وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي تنفّس الرأسماليون الصعداء، وأعلنوا وبكل ثقة أن الرأسمالية انتصرت إلى الأبد.
هذا السيناريو جعل الكثير من التيارات التي تنسب نفسها للشيوعية تقتنع بأن الرأسمالية فعلاً قد انتصرت إلى الأبد، وقامت برفع العلم الأبيض بدلاً من العلم الأحمر، وأصبحت الديمقراطية البرجوازية، أي البرلمانية، هي البند الأول والأوسط والأخير ضمن برامجها بحجة أن الثورة الاشتراكية الآن غير ممكنة.
عادة ما يتم تصوير الديمقراطية وكأنها شيء يقف فوق المجتمع، ويمكن أن يسقط من السماء ليكون الوصفة السحرية لحل مشاكل المجتمع بأكمله. بالنسبة لنا نحن الماركسيين، فإن الحقوق الديمقراطية هي وصف قانوني للظروف السياسية والاقتصادية القائمة، وما يحدد هذه الظروف بشكل أساسي هو الصراع الطبقي. لذلك لا يمكن أبداً الحديث عن الحقوق الديمقراطية من دون ربطها بأساسها الطبقي.
نشأت الحقوق الديمقراطية وفق مفهومها البرجوازي في فترة كانت فيها الرأسمالية قوة تقدمية. كانت الرأسمالية قادرة على تطوير وسائل الإنتاج، وكذلك الأمر قادرة على تطوير كل ما هو مرتبط بها من أمور سياسية. لقد كانت الديمقراطية سلاحاً للبرجوازية الصاعدة ضد النبلاء. الرأسماليون الذين صعدوا كقوة طبقية كانوا بحاجة للظفر بالسلطة السياسية لتثبيت سلطتهم الاقتصادية. لذلك فقد كانت الحقوق الديمقراطية التي نسمع عنها اليوم، مثل حرية التجمع وحرية الانتخاب، هي نتيجة صراع طبقي للرأسمالية ضد الإقطاع.
لعب العمال في ذلك الوقت دوراً كبيراً في النضال ضد الإقطاع. كانت حركة الميثاقيين في بريطانيا أكبر تعبير عن مشاركة العمال من خلال ربط المطالب الديمقراطية مع المطالب الاجتماعية والاقتصادية، حيث أعلن القس ستيفنز: «إن مسألة الاقتراع العام هي مسألة سكين وشوكة وخبز». في فرنسا لعب السانت كيلوت، وهم عمال المدن، أيضاً دوراً محورياً في الثورة الفرنسية الكبرى ضد الحكم الملكي.
لكن وكما ذكر ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي، فقد كان العمال آنذاك عبارة عن جماهير مبعثرة. في تلك المرحلة لم يحارب البروليتاريين أعداءهم، وإنما أعداء أعدائهم، أي بقايا الحكم المطلق وكبار أصحاب الأراضي والبرجوازيين غير الصناعيين وصغار البرجوازية. وهكذا تكون الحركة التاريخية كلها متمركزة في أيدي البرجوازية، وكل انتصار في هذه الظروف يكون انتصاراً للبرجوازية.
بيد أن هذا الحال أخذ يتغير تدريجياً نتيجة تركز العمال أكثر وأكثر، ونتيجة تحول الرأسمالية من المزاحمة الحرة إلى الاحتكار، الأمر الذي جعل الرأسماليون مضطرون، وتحت ضغط الحركات العمالية، لتوسيع هذه الحقوق الديمقراطية لتشمل العمال أيضاً، إلا أنها استخدمت ذلك بكل نفاق.
الديمقراطية البرجوازية الآن
الرأسمالية الآن لم تعد تقدمية مثل بداياتها. الأمر نفسه ينطبق على نظامها السياسي المتمثل بالديمقراطية البرلمانية. بالنسبة للرأسمالية، فإن الديمقراطية لم تعد سلاحاً لسحق الإقطاع، وإنما آلية توفر «قنوات آمنة» مفيدة لعرقلة نضال عدوهم الطبقي الجديد، أي العمال. يتم استخدام هذه الحقوق كصمام أمان يمنع أي انفجار نتيجة تراكم الضغوط الطبقية.
عندما تبدأ الحركات العمالية بالصعود، يقدم الرأسماليون مكاسب للعمال بيدهم اليسرى لاحتواء هذا الصعود الجماهيري، ليعودوا ويسحبوا هذه المكاسب باليد اليمنى عند انحسار الحركة الجماهيرية. وبطبيعة الحال، يلعب الاشتراكيون الديمقراطيون دور اليد اليسرى للرأسمالية ضمن البرلمان.
تجري الانتخابات كل أربع أو خمس سنوات لتزيح سياسيين برجوازيين من مكانهم، وتأتي بسياسيين برجوازيين آخرين دون أن يحدث أي تعطيل في عمل الرأسماليين. آلان جرينسبان، وهو رئيس سابق للاحتياطي الفدرالي الأمريكي، تحدث في إحدى المقابلات:
نحن محظوظون لأنه، وبفضل العولمة، تم استبدال القرارات السياسية في الولايات المتحدة إلى حد كبير بقوى السوق العالمية، وبصرف النظر عن الأمن القومي، لا فرق كبير من سيكون الرئيس المقبل. العالم تحكمه قوى السوق
هكذا يرى الرأسماليون الديمقراطية، وهكذا ما يريدون هم أن تكون عليه. وبعبارة أدق: لا يمكن للديمقراطية البرجوازية أن تكون غير ما هي عليه الآن، وهذا ما لا يمكن أن يستمر للأبد.
شاهد الجميع كيف قامت الطبقة السائدة في أوروبا والولايات المتحدة باستهداف مؤيدي القضية الفلسطينية. في برلين تم اعتقال حتى الأطفال القُصّر. هذا ليس جديداً، وليست هذه أول مرة. هذا هو وجه الديمقراطية البرجوازية أيام الأزمات، أو بالأحرى هذا هو وجهها الحقيقي بعد سقوط القناع. هذا الوجه الذي يزداد بشاعة كلما اشتد الصراع الطبقي.
في أوقات السلم الطبقي النسبي، تشكل الحقوق الديمقراطية أداة في يد البرجوازية لإضفاء مظهر الحرية على حكمها، ولكن في فترات الصراع الطبقي تصبح هذه الديمقراطية عبئاً على الطبقة السائدة عندما يتم تناولها من قبل العمال الواعين طبقياً وربطها بمطالب اشتراكية واقتصادية.
إن الطبقات السائدة في أوروبا اليوم تتطلع إلى المستقبل برعب. تخفيض الإنفاق على الخدمات الاجتماعية وزيادة الإنفاق العسكري سوف يؤدي بطبيعة الحال إلى صراعات طبقية ضخمة واضطرابات ثورية، وعندها سوف يوسعون قمعهم عن طريق فرض المزيد من التضييق على الحقوق الديمقراطية، وهذا سوف يشمل الجزء الأكبر من العمال، وليس فقط أنصار القضية الفلسطينية كما يحدث اليوم.
الصراع من أجل الديمقراطية هو صراع طبقي
يناضل الماركسيون من أجل الحقوق الديمقراطية. لكن هذا النضال ليس نضالاً مجرداً، وإنما مرتبط بموقف طبقي رصين يعتمد على الصراع الطبقي المتصاعد، وعليه فإن أساليب النضال تختلف من زمان لزمان ومن مكان لمكان.
نحن نناضل من أجل الحقوق الديمقراطية في سوريا والمنطقة، لكننا نعرف تماماً أن انتزاع هذه الحقوق ليس كل شيء، والأهم من ذلك هو الحفاظ عليها. إن النضال من أجل الحقوق الديمقراطية، مثل حرية التجمع وحرية التعبير والحقوق اللغوية والثقافية للأقليات المظلومة، لا يمكن فصله، ولا بأي شكل من الأشكال، عن الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة، أي أن راية الدفاع عن الحقوق الديمقراطية لا يمكن أن يرفعها سوى العمال وحلفائهم الطبقيين، وليس البرجوازيين.
تجربة روجافا أمامنا خير مثال. رغم كل الكفاحية وتوافر السلاح، إلا أن الحقوق الديمقراطية للشعب الكردي، والتي تم بذل دماء كثيرة من أجلها، تبخرت بيوم وليلة، كون أن قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي أصرت على المسير بطريق الرأسمالية والثقة بالإمبريالية الأمريكية.
سنكون عادلين مع البرجوازية الوطنية
لطالما كانت البرجوازية وأحزابها في سوريا والمنطقة في السلطة، ومع ذلك لم تستطع أن تنجز حتى أدنى مهام الديمقراطية البرجوازية، مثل فصل الدين عن الدولة ومساواة الرجل بالمرأة. على الرغم من ذلك، يجب أن نكون عادلين.
لا يجب أن نكتفي بالقول بأن هذا حدث بسبب انتهازية هذه الطبقة ومفكريها وأحزابها. بل يجب أن نقول لماذا هم انتهازيون. هم كذلك لأنه لا يوجد لديهم طريق آخر. هم لا يمكنهم أن يكونوا غير ذلك. هذه البرجوازية أتت إلى الحياة مشوهة، ولم ولن تستطيع الاستمرار إلا بالمهادنة مع الإقطاع من جهة، والارتهان لرأس المال العالمي من جهة أخرى، وفي كلتا الجهتين هي عليها أن تتآمر على العمال والفلاحين الفقراء.
إن أي نضال سوف يتم خوضه على طريق الرأسمالية سوف ينتهي في نهاية المطاف في نقطة البداية، وسوف تخسر أجيال بأكملها كل نضالاتها وطاقتها من أجل أن يعود الوضع إلى نقطة الصفر، وربما السالب.
عمال شركة زنوبيا
يوجد صندوق واحد فقط لأرباح الرأسمالي وأجور العمال. كلما زاد أحدهما نقص الآخر. الرأسمالي، من أجل أن يبقى في السوق، عليه زيادة الأرباح، أو كحد أدنى الحفاظ عليها عند مستوى يبقيه في السوق. وفي ظل عمق أزمة الرأسمالية، وبالتالي ارتفاع تكاليف الإنتاج، لا بد من أن يشن الرأسماليون هجومات متكررة، كلما اقتضت الحاجة، على أجور العمال، وفي بعض الأحيان قد تصل هذه الهجمات لسياسة الأرض المحروقة. إذا ما ارتفع صوت العمال عالياً، سيكون الرأسمالي مضطراً لتقديم تنازلات لسحب فتيل أي إمكانية لتطور الاحتجاجات. وعندما تهدأ الاحتجاجات، يعود الرأسمالي لسحب ما قدمه من تنازلات للعمال.
تقديم الدعم لعمال زنوبيا ليس بياناً أو تحليلاً لا يتجاوز الصفحة. بل هو جدية بالتعاطي مع ما حصل بصفته خطوة يمكن أن تقلب الموازين الطبقية في سوريا وحتى المنطقة. دعم ينطوي على ضرورة المحافظة على المكتسبات التي حققها العمال، ودفعها خطوة أخرى باتجاه الأمام.
إن لم يعمل العمال، لن يحصل أحد على فائض قيمتهم. وإن عملوا تحت إدارتهم، سوف يعود فائض القيمة لكامل المجتمع. كلا الطريقين مرعب ومخيف للرأسماليين الوطنيين وداعميهم الإمبرياليين. هذا واقع لا يمكن للرأسماليين تجاوزه، لأنه بكل بساطة هو تناقض في العمل نفسه، وبالتالي في ناتج هذا العمل.
كلما تطورت الرأسمالية، كلما تركز العمال وازدادت قوتهم كطبقة بذاتها. وكلما ازدادت أزمة الرأسمالية، كلما تطور وعي العمال وازدادت قوتهم كطبقة لذاتها. ولهذا السبب، العمال هم من يملكون القوة التي لا يمكن لأي دبابة أو مدفع أن تثنيها إذا ما امتلكت طليعتهم أيديولوجيتها الخاصة، أي الماركسية.
البرنامج الانتقالي
حتى في الإضرابات التي تحدث في فترات الخمول الجماهيري، والتي هي بطبيعة الحال لا تمتد على نطاق واسع ولوقت طويل، يجب على الماركسيين أن يقوموا بطرح برنامج إنتقالي يتضمن ضرورة مصادرة وسائل الإنتاج ووضعها تحت الرقابة العمالية.
هذا الطرح كان وما زال يشكل مصدراً للسخرية لدى أتباع اليسار الذيلي الذي لا يمكنه أبداً اتخاذ موقف مستقل طبقياً، حتى لو كان العمال في وضعية الهجوم، فما بالكم عندما نكون في فترات الردة الرجعية.
مصدر سخريتهم نابع من الفلتر الأيديولوجي البرجوازي الموجود في أذهانهم. تعليقهم كان دائماً: هل فعلاً الآن وقت المطالبة بالمصادرة والحديث عن الثورة الاشتراكية؟ هل على العمال عدم المطالبة بالديمقراطية البرجوازية وانتظار الثورة الاشتراكية؟
لا يمكننا بالطبع أن نكون ميكانيكيين أو صوريين في طرحنا لكيفية تطور الثورة الاشتراكية. إن النضال من أجل وصول العمال للسلطتين السياسية والاقتصادية هو نضال يومي. هو تراكم نضالات من أجل مطالب يومية وإصلاحات اقتصادية صغيرة. نضال مرير وصعب لا يمكن أن يأتي بيوم وليلة.
لذلك سيكون من قمة الانهزامية أن نتضامن مع إضرابات عمال معمل زنوبيا متحدثين عن ضرورة الديمقراطية البرجوازية. قيامنا بذلك يعني أننا نزرع في درب العمال برنامجاً سياسياً معادياً لمطالبهم ومصالحهم الاقتصادية. مهمتنا كماركسيين هي أن نقدم برنامجاً انتقالياً في كل بند فيه خطوة باتجاه تكوين وعي عمالي مفاده أنه لا يوجد حل على أسس رأسمالية.
هذا البرنامج هدفه القضاء على الرأسمالية، لكنه بنفس الوقت يتضمن بنوداً لا يمكن تنفيذها إلا ضمن الرأسمالية نفسها. لذلك عندما يهدف الماركسيون إلى قيام الثورة الاشتراكية أو الإدارة العمالية، لا يعني بأي شكل من الأشكال تأجيل المطالب اليومية، وإنما ربط هذه المطالب بشكل مباشر بهذه الأهداف عن طريق برنامج انتقالي، وليس عن طريق بيع الوهم بأنه توجد طرق مرحلية رأسمالية للحل.
الرقابة العمالية
الرقابة العمالية تعني أن يستطيع العمال عن طريق ممثليهم المنتخبين من قبلهم في معمل ما أو شركة ما امتلاك الحق في فحص دفاتر الشركة للتحقق من جميع المدخلات والمخرجات ورقابتها والإشراف عليها. لذلك فإن الرقابة العمالية لا يتم إنجازها إلا عن طريق لجان المصانع أو المجالس العمالية في فترة يحدث فيها اشتداد للصراع الطبقي.
انطلاقاً من ذلك يمكننا القول بأن برنامج يقوم على ربط نضال العمال في شركة زنوبيا مع الرقابة العمالية هو المطلب الأكثر منطقية في الوقت الراهن. عمال شركة زنوبيا قدموا لنا إشارات واضحة المعالم بأن الصراع الطبقي قد اشتد فعلاً عن طريق تشكيلهم لجان للإضراب يمكن اعتبارها بمثابة حالة جنينية للجان العمالية ويجب العمل على تثبيتها في حالة اشتداد الصراع الطبقي في المرات القادمة.
من جهة أخرى فإن نظام الرقابة العمالية هو نظام لا يمكن أن يستمر للأبد ويقوم على ازدواجية السلطة ويتوافق مع المراحل الانتقالية التي تعيشها سوريا الآن. عدم قابلية الرقابة العمالية على الاستمرار ليست سلبية بالمعنى الكامل وإنما إيجابية عندما تأتي في سياق أنها مرحلة تفتح الأبواب للوصول للإدارة العمالية.
نقصد بالإدارة العمالية هنا عندما يصبح الإنتاج تحت الرقابة العمالية لكن بصفتهم طبقة سائدة أي في السلطة السياسية والاقتصادية معاً. وفق تروتسكي فإن الرقابة العمالية على الإنتاج هي بمثابة “مدرسة للاقتصاد المخطط” وتفتح للعمال الأبواب لكسب فهم علمي لكيفية عمل الاقتصاد وما هي إمكانية تخطيطه بشكل ديمقراطي عمالي ومن خلال تجربة الرقابة العمالية تؤهل الطبقة العاملة نفسها للإدارة العمالية عندما تصل للسلطة السياسية.
وكما أن الثورة الاشتراكية ليست خطوة واحدة فإن الرقابة العمالية كذلك الأمر ليست خطوة واحدة. لقد تحدث تروتسكي في البرنامج الانتقالي أن الخطوة الأولى باتجاه رقابة عمالية فعلية هي “إلغاء الأسرار التجارية” التي لطالما بقيت أسرار سوف يستطيع الرأسمالي تبرير شتى أنواع الهجمات على الطبقة العاملة مثل خفض الأجور وتسريح العمال والفصل من العمل وزيادة ساعات العمل. لذلك فقد طرحنا في بياننا التضامني مع إضراب عمال معمل زنوبيا أن تكون خطوة ربط لجان الإضراب ببعضها خلف برنامج يعطيها الحق في الاطلاع على الحسابات هو المطلب الانتقالي الأهم إلى جانب مطالبهم اليومية بزيادة الرواتب والتأمين الصحي.
المشاركة العمالية كسلاح برجوازي
في أوروبا ومن خمسينات وستينات وسبعينات القرن الماضي انتشر مصطلح الشراكة العمالية أو بالمعنى الأدق الشراكة الصناعية، وذلك نتيجة وصول الرأسماليات في أوروبا وفي عدة مناسبات إلى نقطة يائسة جداً لعدم قدرتها على دفع الاقتصاد واحتواء الاحتجاجات العمالية. رغم أنه لغوياً يختلف فقط بكلمة واحدة عن الرقابة العمالية، إلا أنه طبقياً وفي أرض الواقع فهما مصطلحان يعبران عن تكتيكين مختلفين تماماً وعن مصالح طبقية متناقضة.
على عكس الرقابة العمالية التي تتطلب وجوداً واعياً للعمال ضمن المعامل للرقابة على العمليات الإنتاجية، فإن المشاركة العمالية تجعل العمال خارج دائرة اتخاذ القرارات وتحصر أي عملية مشاركة بيد البيروقراطيين النقابيين، أي الفئات العليا ضمن النقابات، والذين يقومون عادة بعقد الصفقات مع الرأسماليين أنفسهم. في الوقت الذي تقوم فيه الرقابة العمالية على أساس الصراع الطبقي، فإن الشراكة الصناعية لا يمكن أن تحدث إلا على أساس توافق طبقي.
بطبيعة الحال فإن سيناريو المشاركة العمالية في سوريا غير مطروح حالياً لأنه وبكل بساطة لا يوجد أي وزن للنقابات، سواء بين العمال أو بين الرأسماليين أنفسهم. ولقيت جهود وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أصداء بين العمال واستطاعت احتواء الإضراب لمنع تطوره بشكل أكبر.
لكن لماذا نكتب عن المشاركة العمالية؟ لأنه وفي حال اشتداد الصراع الطبقي بشكل أكبر مما حصل، فيصبح من الصعب على جهاز الدولة الواضح المعالم أن يحسم الأمور، وفي هذه الحالة سوف تقوم الطبقة السائدة باستدعاء أسلحة جديدة لمعركتها الطبقية ضد العمال، وأحد هذه الأسلحة الفعالة هو عودة النقابات التي تدعي تمثيل العمال لتلعب دور الممرات الآمنة لكبح جماح أي صراع طبقي. أمر ممكن، وتصبح المشاركة العمالية أو النقابات الذيلية خيارات مطروحة ضمن مخازن الأسلحة الرأسمالية.
تاريخياً وبعد الاستقلال، فقد واجهت النقابات المستقلة عن أصحاب الأعمال في سوريا بصفتها نقابات أكثر وعياً لمصالح العمال الطبقية مخاطر النقابات الذيلية المزيفة التي قامت السلطة البرجوازية نفسها بتكوينها لاستخدامها في مجابهة النقابات العمالية المستقلة ولاستخدامها في معاركها الانتخابية للوصول إلى البرلمان والسلطة التنفيذية. (قسيس، 2006)
هذه النقابات الذيلية هي نقابات بوليسية يتم تشكيلها من قبل السلطة نفسها، ومهمتها توجيه الصراع الطبقي بما يضمن بقاء الطبقة البرجوازية في السلطة. انتشرت هذه النقابات أيضاً في تركيا وإيران (حنا، 1973)، وكذلك الأمر عُرفت في روسيا بالزوباتوفية نسبة إلى رئيس الشرطة السرية في موسكو زوباتوف، والذي اقترح عام 1902 فكرة تأسيس نقابات للعمال تعمل تحت سيطرة الشرطة السرية نفسها.
نحو برنامج انتقالي للعمال في سوريا والمنطقة
إن الوقائع التاريخية، بدءاً من ألاعيب “زوباتوف” في روسيا القيصرية وصولاً إلى نقابات السلطة البوليسية في منطقتنا، تؤكد حقيقة واحدة: الطبقة السائدة لن تتوانى عن استخدام كل ما في جعبتها من مكر سياسي وأدوات قمعية أو احتوائية لإجهاض أي صحوة عمالية.
الديمقراطية البرجوازية لن تمنح العمال سوى الأوهام، و”المشاركة العمالية” المزيفة لن تكون سوى طريق دائري سوف يبقي الطبقة العاملة في مكانها.
إن العادة التاريخية للبرجوازية المأزومة هي محاولة جرّ العمال إلى حلبة البرلمانيات العقيمة أو معارك “التدرج” المرحلي التي تُعيد الصراع دائماً إلى نقطة الصفر. لكن إضراب عمال شركة “زنوبيا” أثبت أن العمال قادرون، عبر المبادرة الطبقية والميدانية، على كسر هذه السيطرة البرجوازية وتشكيل نواة سلطتهم المستقلة.
إن واجبنا نحن الماركسيين اليوم ليس الاكتفاء بالتضامن الكلامي، ولا ببيع الأوهام حول “ديمقراطية برجوازية” تحت مظلة الرأسمالية المشوهة، بل هو طرح برنامج انتقالي يربط المطالب اليومية المباشرة للعمال بالنضال لإسقاط النظام الرأسمالي.
برنامجنا:
ندعو زملاءنا العمال في شركة زنوبيا لاتخاذ خطوات إضافية كافية للحفاظ على مكتسباتهم التي حققوها عن طريق توسيع مطالبهم لتشمل ما يلي:
☭ إلغاء الأسرار التجارية ورأس المال الخفي: فتح جميع دفاتر الحسابات والسجلات المالية لشركة “زنوبيا” ولكافة المنشآت الكبرى أمام لجان الإضراب المنتخبة، لكشف حجم الأرباح الفعلي وإسقاط حجج “الخسارة وتكاليف الإنتاج”.
☭ فرض الرقابة العمالية على الإنتاج والأسعار: تطوير لجان الإضراب لتصبح لجان مصانع ومجالس عمالية منتخبة ومستقلة، تُشرف بشكل مباشر على المدخلات والمخرجات، وتحدد ظروف العمل وساعاته.
☭ سلم متحرك للأجور والساعات: ربط الأجور فوراً ومباشرة بمعدلات التضخم والغلاء الحقيقي، وتقليل ساعات العمل لجميع العمال دون إنقاص أجورهم لتشغيل البطالة وتوزيع أعباء الإنتاج.
☭ استعادة المنظمات النقابية وطرد القيادات التابعة للسلطة: تطهير النقابات من البيروقراطية وأجهزة السلطة في دمشق، وإلغاء نظام تعيين القيادات فوقياً، وفرض انتخابات ديمقراطية ومباشرة من القاعدة والأسفل لانتخاب ممثلين يخضعون للاستدعاء والعزل في أي وقت.
☭ الربط مع أي حراك عمالي في معامل أخرى والعمل على مصادرة المنشآت المغلقة أو التي تهدد بالتسريح: أي مؤسسة يدّعي صاحبها العجز أو يهدد بالطرد الجماعي للعمال يتم مصادرتها فوراً ونقل ملكيتها للنفع العام وتحت إدارة وإشراف العمال أنفسهم.
☭ الربط بين الحقوق الديمقراطية والمطالب الاقتصادية: النضال من أجل حريات التنظيم، التظاهر، التعبير، والحقوق الثقافية واللغوية للمكونات المظلومة، باعتبارها أسلحة في يد العمال لا يمكن صونها إلا بربطها بالإطاحة بحكم رأس المال.
إن الرقابة العمالية ليست نهاية المطاف، بل هي المدرسة الميدانية للاقتصاد المخطط، وبوابة العبور نحو الإدارة العمالية الشاملة حيث يقبض العمال على مقاليد السلطة السياسية والاقتصادية معاً.
لن تمنحنا البرجوازية حريتنا، ولن يتم صون الحقوق الديمقراطية من طبقة تعيش على فائض قيمة عرق العمال. إن الخيار أمام الطبقة العاملة اليوم في سوريا والمنطقة حاسم: إما القبول بالدوران في حلقة الفقر والقمع البرجوازي المفرغة، أو الانضمام إلى نضال طبقي يتسلح بالأيديولوجية الماركسية وبرنامج انتقالي حازم، يحول الإضرابات الجنينية إلى ثورة اشتراكية تضع حداً للجشع الرأسمالي.
إلى الأمام من أجل الرقابة العمالية