المصدر: Alexandra Kollontai: Selected Articles and Speeches، دار بروغرس، 1984. نُشر أولاً، بصيغة مختصرة، في Zhensky zhurnal (مجلة النساء)، العدد 11، تشرين الثاني/نوفمبر 1927، الصفحتان 2–3.
النساء اللواتي شاركن في ثورة أكتوبر العظمى — مَن كنّ؟ هل كنّ أفراداً معزولين؟ كلا، لقد كنّ جموعاً غفيرة؛ عشرات، بل مئات الآلاف من البطلات المجهولات اللواتي سرن جنباً إلى جنب مع العمال والفلاحين، خلف العلم الأحمر وشعار السوفييتات، وعبرن فوق أنقاض الثيوقراطية1 القيصرية إلى مستقبل جديد…
إذا نظر المرء إلى الماضي، أمكنه أن يراهنّ: تلك الجماهير من البطلات المجهولات اللواتي وجدهنّ أكتوبر يعشن في مدن جائعة، وفي قرى فقيرة نهبتها الحرب… منديل على الرأس، ونادراً جداً، حتى ذلك الحين، منديل أحمر؛ تنورة بالية، وسترة شتوية مرقّعة… شابات ومسنّات، عاملات وزوجات جنود، فلاحات وربات بيوت من فقراء المدن. وكان هناك، على نحو أندر، بل أندر بكثير في تلك الأيام، موظفات ونساء من أصحاب المهن، نساء متعلمات ومثقفات. غير أن بين من حملن العلم الأحمر إلى انتصار أكتوبر كانت هناك أيضاً نساء من الإنتلجنسيا: معلمات، وموظفات مكاتب، وطالبات شابات في المدارس الثانوية والجامعات، وطبيبات.
لقد سرن بفرح، وبلا أنانية، وبهدف واضح. وذهبن إلى حيث أُرسلن. إلى الجبهة؟ كنّ يضعن قبعة الجندي ويصبحن مقاتلات في الجيش الأحمر. وإذا وضعن الشارات الحمراء على أذرعهن، فقد كنّ يسرعن إلى نقاط الإسعاف لمساعدة الجبهة الحمراء ضد كيرنسكي في غاتشينا2. وعملن في اتصالات الجيش. عملن بفرح، وقد ملأهن الاعتقاد بأن شيئاً جليلاً كان يحدث، وأننا جميعاً تروس صغيرة في طبقة الثورة الواحدة.
وفي القرى، كانت الفلاحات، وقد أُرسل أزواجهن إلى الجبهة، ينتزعن الأرض من ملاكها، ويطردن الأرستقراطية من الأعشاش التي ربضت فيها قروناً.
حين يستعيد المرء أحداث أكتوبر، لا يرى وجوهاً فردية، بل يرى جماهير. جماهير لا تُحصى، كموجات بشرية. ولكن أينما نظر المرء رأى النساء: في الاجتماعات، والتجمعات، والمظاهرات…
لم يكنّ بعد واثقات تماماً مما يردن، أو إلى ماذا يسعين؛ لكنهن كنّ يعرفن شيئاً واحداً: أنهن لن يحتملن الحرب بعد الآن. ولم يكنّ يردن ملاك الأراضي والأثرياء أيضاً… في عام 1917، كان المحيط العظيم للبشرية يعلو ويتماوج، وكان جزء كبير من ذلك المحيط مكوّناً من النساء…
سيكتب المؤرخ يوماً ما عن مآثر هؤلاء البطلات المجهولات للثورة: اللواتي متن في الجبهة، أو أُطلق عليهن الرصاص على يد البيض3، أو تحملن الحرمان الذي لا يُحصى في السنوات الأولى التي أعقبت الثورة، لكنهن واصلن مع ذلك رفع الراية الحمراء لسلطة السوفييتات والشيوعية عالياً.
وإلى هؤلاء البطلات المجهولات، اللواتي متن من أجل كسب حياة جديدة للشعب العامل في أثناء ثورة أكتوبر العظمى، تنحني الجمهورية الفتية اليوم اعترافاً بفضلهن، فيما يشرع شبابها، مبتهجين ومتحمسين، في بناء أسس الاشتراكية.
غير أنه، من هذا البحر من رؤوس النساء المغطاة بالمناديل والقبعات البالية، لا بد أن تبرز شخصيات سوف يوليها المؤرخ اهتماماً خاصاً حين يكتب، بعد سنوات كثيرة، عن ثورة أكتوبر العظمى وقائدها لينين.
أولى الشخصيات التي تبرز هي شخصية رفيقة لينين الوفية، ناديجدا كونستانتينوفنا كروبسكايا4، بثوبها الرمادي البسيط، وسعيها الدائم إلى البقاء في الخلفية. كانت تدخل إلى الاجتماع من دون أن يلاحظها أحد، وتقف وراء عمود، لكنها كانت ترى وتسمع كل شيء، وتراقب كل ما يحدث، لكي تقدم بعد ذلك تقريراً كاملاً إلى فلاديمير إيليتش5، وتضيف ملاحظاتها المناسبة، وتهتدي إلى فكرة معقولة وملائمة ومفيدة.
في تلك الأيام، لم تكن ناديجدا كونستانتينوفنا تتكلم في الاجتماعات العاصفة الكثيرة التي كان الناس يجادلون فيها حول المسألة الكبرى: هل ستكسب السوفييتات السلطة أم لا؟ لكنها عملت بلا كلل بوصفها اليد اليمنى لفلاديمير إيليتش، وكانت تدلي، بين حين وآخر، بملاحظة وجيزة لكنها نافذة في اجتماعات الحزب. وفي لحظات أشد الصعوبات والأخطار، حين كان رفاق أقوى منها يفقدون عزيمتهم ويستسلمون للشك، ظلت ناديجدا كونستانتينوفنا كما هي دائماً، مقتنعة تماماً بصواب القضية وبانتصارها المؤكد. كانت تشع إيماناً لا يتزعزع، وكانت هذه الصلابة الروحية، المختبئة وراء تواضع نادر، تترك دائماً أثراً مشجعاً في كل من احتك برفيقة القائد العظيم لثورة أكتوبر.
وتبرز شخصية أخرى: شخصية رفيقة وفية أخرى لفلاديمير إيليتش، رفيقة سلاح في سنوات العمل السري الصعبة، وسكرتيرة اللجنة المركزية للحزب، يلينا دميترييفنا ستاسوفا. جبين صافٍ عالٍ، ودقة نادرة، وقدرة استثنائية على العمل، وموهبة نادرة في «التقاط» الشخص المناسب للمهمة المناسبة. كان يمكن رؤية قامتها الطويلة المهيبة أولاً في السوفييت في قصر تافريتشسكي، ثم في بيت كشيشينسكايا، وأخيراً في سمولني6.
كانت تمسك دفتر ملاحظات بين يديها، وحولها يتزاحم رفاق من الجبهة، وعمال، وحرس حمر، وعاملات، وأعضاء في الحزب والسوفييتات، يطلبون جواباً سريعاً واضحاً أو أمراً محدداً.
كانت ستاسوفا تحمل مسؤولية شؤون كثيرة مهمة، لكن إذا واجه رفيق حاجة أو ضيقاً في تلك الأيام العاصفة، كانت تستجيب دائماً، فتقدم جواباً قصيراً، يبدو أحياناً حاداً، وتفعل هي نفسها كل ما تستطيع. كان العمل يغمرها، وكانت دائماً في موقعها. دائماً في موقعها، لكنها لا تدفع بنفسها أبداً إلى الصف الأمامي أو إلى دائرة الشهرة. لم تكن تحب أن تكون مركز الاهتمام. لم يكن همّها نفسها، بل القضية.
من أجل قضية الشيوعية النبيلة والعزيزة، تلك القضية التي من أجلها عانت يلينا ستاسوفا النفي والسجن في زنازين القيصرية، فتركت صحتها محطمة… باسم القضية كانت كالصوان، صلبة كالفولاذ. لكنها، إزاء آلام رفاقها، أظهرت حساسية واستجابة لا توجدان إلا عند امرأة ذات قلب دافئ ونبيل.
كانت كلافديا نيكولايفا امرأة عاملة من أصول متواضعة جداً. وكانت قد انضمت إلى البلاشفة منذ عام 1908، في سنوات الردة، وتعرضت للنفي والسجن… وفي عام 1917 عادت إلى لينينغراد، وصارت قلب أول مجلة للعاملات، كومّونيستكا7. كانت لا تزال شابة، مليئة بالنار والعجلة. لكنها أمسكت بالراية بثبات، وأعلنت بجرأة أن العاملات، وزوجات الجنود، والفلاحات، يجب أن يُجذبن إلى الحزب. إلى العمل أيتها النساء! إلى الدفاع عن السوفييتات والشيوعية!
كانت تتكلم في الاجتماعات وهي لا تزال متوترة وغير واثقة تماماً من نفسها، لكنها كانت تجذب الأخريات إلى اتباعها. وكانت واحدة من اللواتي حملن على أكتافهن كل الصعوبات التي انطوت عليها تهيئة الطريق للمشاركة الواسعة والجماهيرية للنساء في الثورة؛ واحدة من اللواتي ناضلن على جبهتين: من أجل السوفييتات والشيوعية، وفي الوقت نفسه من أجل تحرر النساء8.
إن اسمي كلافديا نيكولايفا وكونكورديا سامويلوفا، التي ماتت في موقعها الثوري عام 1921 بسبب الكوليرا، مرتبطان ارتباطاً لا ينفصم بالخطوات الأولى والأصعب في حركة النساء العاملات، ولا سيما في لينينغراد. كانت كونكورديا سامويلوفا عاملة حزبية ذات تفانٍ لا مثيل له، وخطيبة جيدة وعملية، تعرف كيف تكسب قلوب العاملات. وسيظل الذين عملوا إلى جانبها يتذكرون كونكورديا سامويلوفا طويلاً. كانت بسيطة في سلوكها، بسيطة في لباسها، صارمة في تنفيذ القرارات، صارمة مع نفسها ومع الآخرين على السواء.
وتلفت النظر، على نحو خاص، شخصية إينيسا أرماند الرقيقة والساحرة، التي عُهد إليها بعمل حزبي بالغ الأهمية في التحضير لثورة أكتوبر، ثم أسهمت بعد ذلك بأفكار خلاقة كثيرة في العمل الجاري بين النساء. وبرغم كل أنوثتها ورقة سلوكها، كانت إينيسا أرماند لا تتزعزع في قناعاتها، وقادرة على الدفاع عما تراه صواباً، حتى حين تواجه خصوماً مرهوبين. وبعد الثورة كرست إينيسا أرماند نفسها لتنظيم الحركة الواسعة للنساء العاملات، وكان المؤتمر المندوبي من صنعها9.
وقد أنجزت فارفارا نيكولايفنا ياكوفليفا عملاً هائلاً في أيام ثورة أكتوبر الصعبة والحاسمة في موسكو. وعلى ساحة المتاريس أظهرت حزماً يليق بقائد في مقر حزبي… وقال كثير من الرفاق حينها إن حزمها وشجاعتها التي لا تتزعزع قد بثّا القوة في المترددين، وألهما من فقدوا عزيمتهم. «إلى الأمام!» — نحو النصر.
وحين يستعيد المرء النساء اللواتي شاركن في ثورة أكتوبر العظمى، تنهض من الذاكرة، كأنها بفعل السحر، أسماء ووجوه أكثر فأكثر. هل يمكن أن نعجز اليوم عن تكريم ذكرى فيرا سلوتسكايا، التي عملت بلا أنانية في التحضير للثورة، ثم صرعها رصاص القوزاق10 في أول جبهة حمراء قرب بتروغراد؟
وهل يمكن أن ننسى يفغينيا بوش11، ذات المزاج الناري، المتحفزة دائماً للمعركة؟ لقد ماتت هي أيضاً في موقعها الثوري.
وهل يجوز أن نغفل هنا ذكر اسمين مرتبطين ارتباطاً وثيقاً بحياة فلاديمير إيليتش لينين ونشاطه: أختيه ورفيقتيه في السلاح، آنا إيليينيتشنا يليزاروفا وماريا إيليينيتشنا أوليانوفا12؟
… والرفيقة فاريا، من ورش السكك الحديدية في موسكو، النشيطة دائماً، المستعجلة دائماً؟ وفيودوروفا، عاملة النسيج في لينينغراد، بوجهها اللطيف المبتسم، وبلا خوفها حين كان الأمر يتعلق بالقتال على المتاريس؟
من المستحيل أن نعددهن كلهن. وكم منهن بقين بلا أسماء؟ لقد كانت بطلات ثورة أكتوبر جيشاً كاملاً؛ ومع أن أسماءهن قد تُنسى، فإن تفانيهن باقٍ في انتصار تلك الثورة نفسه، وفي كل المكاسب والإنجازات التي تتمتع بها النساء العاملات الآن في الاتحاد السوفييتي.
إنها حقيقة واضحة لا جدال فيها: من دون مشاركة النساء، ما كان في وسع ثورة أكتوبر أن تحمل العلم الأحمر إلى النصر. المجد للنساء العاملات اللواتي سرن تحت تلك الراية الحمراء في أثناء ثورة أكتوبر. المجد لثورة أكتوبر التي حررت النساء!
إضافات المترجم
1- المقصود بالثيوقراطية القيصرية هو النظام القيصري الروسي القديم، حيث امتزج الحكم المطلق بشرعية دينية أرثوذكسية وبسلطة طبقية أرستقراطية.
2- كيرنسكي هو ألكسندر كيرنسكي، رئيس الحكومة المؤقتة بعد ثورة فبراير 1917. وغاتشينا مدينة قرب بتروغراد شهدت مواجهة عسكرية مع قواته بعد انتصار أكتوبر.
3- البيض: تسمية عامة للقوى المعادية للثورة البلشفية في الحرب الأهلية الروسية، وشملت ملكيين وليبراليين وجنرالات سابقين وقوى مدعومة من دول أجنبية.
4- ناديجدا كونستانتينوفنا كروبسكايا: رفيقة لينين وزوجته، ومناضلة بلشفية بارزة، لعبت دوراً تنظيمياً وتعليمياً مهماً قبل الثورة وبعدها.
5- فلاديمير إيليتش هو لينين. تستخدم كولونتاي الاسم الشخصي الأبوي الشائع بين الرفاق الروس للدلالة على القرب السياسي والإنساني.
6- قصر تافريتشسكي، وبيت كشيشينسكايا، وسمولني كانت من أهم مراكز النشاط السياسي والتنظيمي في بتروغراد خلال عام 1917.
7- كومّونيستكا: مجلة بلشفية موجهة إلى النساء العاملات، ارتبطت ببدايات تنظيم العمل النسائي الشيوعي بعد الثورة.
8- المقصود بالجبهتين هنا: جبهة الصراع الطبقي والسياسي من أجل سلطة السوفييتات والشيوعية، وجبهة تحرير النساء العاملات من الاضطهاد الاجتماعي والسياسي.
9- المؤتمرات المندوبية كانت شكلاً تنظيمياً استُخدم لجذب النساء العاملات والفلاحات إلى الحياة السياسية والعمل السوفييتي والحزبي.
10- القوزاق: جماعات عسكرية حدودية في الإمبراطورية الروسية، استُخدمت كثيراً في القمع القيصري ثم ظهر بعضها في صفوف القوى المضادة للثورة.
11- يفغينيا بوش: مناضلة بلشفية أوكرانية بارزة، اشتهرت بدورها في الحرب الأهلية والعمل الحزبي، وتوفيت عام 1925.
12- آنا يليزاروفا وماريا أوليانوفا هما شقيقتا لينين، وكانتا مناضلتين بلشفيتين شاركتا في العمل الثوري والتنظيمي.