الرفيق خالد رضوان
إيسكرا- القاهرة
في خبر نُشر على موقع المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، أعلنت وزارة الداخلية في مصر أن عدد الأشخاص الذين قُتلوا خلال عمليات أمنية مختلفة في مختلف محافظات الجمهورية بلغ 573 شخصاً، وذلك على مدار عام ونصف، من يناير 2025 وحتى نهاية يونيو 2026. وقد عرضت الوزارة هذه الأرقام في سياق التدليل على جهودها في مكافحة الجرائم وتوجيه ما وصفته بـ«الضربات الاستباقية» إلى البؤر الإجرامية.
البيان مليء بالمعلومات والتفاصيل الموثقة، استناداً إلى بيانات وزارة الداخلية ذاتها، كما أنه مذيّل بمطالبة من المبادرة إلى النيابة العامة في مصر بالتحقيق في هذه الوقائع. ويرجع ذلك إلى أن مبررات وزارة الداخلية وحدها لا تكفي للتأكد مما إذا كان من الممكن تجنب عمليات القتل المذكورة، أو ما إذا كان بعضها قد يرقى إلى عمليات إعدام ميدانية خارج نطاق القانون ومن دون محاكمة أمام السلطة القضائية.
وبدون الحاجة إلى الدخول في التفاصيل الفنية والقانونية، وبطبيعة الحال الإنسانية، الواردة في البيان، والتي يمكن الرجوع إليها على موقع المبادرة، فإن ما يهمنا هنا هو تحليل هذا البيان والخبر المشار إليه فيه. فالخبر معلن من طرف وزارة الداخلية ذاتها، كما ذُكر سابقاً، وبكل وضوح، بما لا يترك مجالاً للبس أو الادعاء بسوء الفهم أو عدم الوضوح. ويأتي ذلك على الرغم من التعتيم الذي يمارسه الإعلام الرسمي على هذا النوع من الأخبار، وصمت جميع أجهزة النظام وسلطاته، التي تدعي استقلالية إما أنها غير متحققة فعلياً أو مشوهة. إن كل هذه الأجهزة والمؤسسات والسلطات، تنفيذية كانت أو قضائية أو تشريعية، هي سلطات استعمارية تعمل كمرتزقة بامتياز.
أجهزة الأمن المصرية والسلطة القضائية في مصر هي نتاج تاريخي لمسار تشكل الدولة الحديثة منذ بدايات القرن التاسع عشر، ثم خضعت لعقود طويلة من الإدارة والتحديث والتوجيه تحت تأثير مباشر من القوى الاستعمارية الأجنبية. وقد تشكلت هذه الأجهزة، في جانب أساسي من وظيفتها، على قمع السكان المحليين وإخضاعهم والسيطرة عليهم بمنتهى القسوة، بما يحفظ النظام القائم ويضمن استمرار السيطرة على الفقراء والكادحين والمهمشين. وبناءً على ذلك، كيف يمكن أن نتوقع المكاشفة والحيادية والشفافية من طرف الأجهزة الأمنية؟ وكيف يمكن أن نتوقع من النيابة العامة والقضاء أن يتعاملا باستقلال كامل مع انتهاكات تطال حقوق الجماهير المصرية، وخصوصاً الفقراء والكادحين والمهمشين؟
علينا أن نتوقف عن ترديد الأكاذيب الوطنية الهرائية عن حياد نظام الحكم ومؤسساته وأجهزته في مصر، وأن نستيقظ من وهم أنها تعمل لصالح الجماهير. هذه الأجهزة والمؤسسات صُممت في الأساس، لقمع الجماهير وقهرها ووأد أي محاولة منها للخروج عن نمط وأفكار ونظام الطبقة السائدة المسيطرة على السلطة والثروة في مصر. هذه أجهزة لم تكن يوماً وطنية ولن تكون، وهذه المؤسسات لم تكن يوماً حيادية ولن تكون.
فالنظام والدولة في مصر لا يقفان فوق الطبقات، بل يعملان في خدمة الطبقة السائدة ومصالحها، ويسحقان كل من يعارضها أو يقف في وجه طموحاتها البرجوازية الكومبرادورية. وهما، في الوقت نفسه، امتداد تاريخي لبنية تشكلت في ظل الاستعمار القديم، ووكيل محلي تابع وخاضع للإمبريالية وللرأسمال العالمي الاحتكاري المعاصر. وبناءً عليه، فهي أجهزة عدوة للجماهير الشعبية وقاتلة لها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إصلاحها.
فلنتوقف عن ترديد الهراء البرجوازي حول استقلال السلطات أو استقلال القضاء، وكأنهما منفصلان عن طبيعة الدولة والمجتمع الذي يعملان داخله. فالقضاء لم يكن يوماً مستقلاً استقلالاً كاملاً، ولا يمكن فهم استقلاله بمعزل عن علاقات السلطة والثروة القائمة. وكيف له أن يستقل فعلياً في مجتمع لا يملك استقلاله الذاتي بالأساس؟ علينا، كجماهير شعبية عمالية وفلاحية، أن نسعى إلى فرض الرقابة الشعبية المباشرة على أداء كل هذه الأجهزة، ومحاسبتها بشكل فوري ومباشر من القاعدة، في الشارع والحي والمدينة والقرية.
يجب أن تخضع هذه الأجهزة للرقابة الشعبية المباشرة، وأن تكون قابلة للمحاسبة والعزل من طرف الجماهير، وأن تتم مراقبة أدائها لا من خلال برلمان قعيد يُهندس طبقاً لأهواء السلطة ومصالحها، بل من طرف الفقراء والعمال والفلاحين في كل مدينة وقرية ونجع.
يجب أن تمارس الجماهير نفسها وظائف الإدارة والرقابة، حتى لا تبقى هذه الوظائف حكراً على جهاز بيروقراطي منفصل وقائم فوق المجتمع. وهذا هو المقصود من الفكرة التي طرحها لينين حول ضرورة أن يتعلم الجميع القيام بوظائف الإدارة والرقابة، بحيث تنتفي الحاجة تدريجياً إلى جهاز بيروقراطي منفصل عن الجماهير.
علينا أن نسعى بكل جدية ومثابرة إلى تثبيت فكرة سلطة الرقابة الشعبية المباشرة على الأمن والقضاء وسائر هذه الأجهزة، التي لم تعمل يوماً ولن تعمل لصالح الجماهير الفقيرة والمحرومة والكادحة ما دامت خاضعة للبنية الطبقية والسياسية القائمة.
فلتسقط دولة الباشا ولي النعم، فهي عبء وعقبة في طريق تطور الجماهير الشعبية وتقدمها.