عاشت تونس في الأسابيع الماضية، وما تزال تعيش، أزمة خانقة في مياه الشرب، حيث وصل سعر علبة الماء الواحدة في بعض المناطق إلى 6 دنانير، في حين أن سعرها الرسمي لا يتجاوز 1.5 دينار. إحدى البائعات في منطقة المرسى بالعاصمة أخبرتنا بأنها لا تعطي أكثر من علبتي ماء لكل زبون، وذلك من أجل إتاحة المجال أمام أكبر عدد ممكن من المواطنين للحصول على المياه. وأضافت: «ماذا سوف يشرب هؤلاء العمال الذين يعملون تحت الشمس، في درجات الحرارة الحارقة؟».
لم يكن من الممكن أن نفهم كلماتها تماماً لو لم نرَ بأعيننا العمال الذين يعملون على إعادة تأهيل سكة حديد القطار الداخلي بين وسط العاصمة ومنطقة المرسى. درجات الحرارة عالية، والعمال مضطرون إلى ارتداء ألبسة طويلة لحماية أجسادهم من حروق الشمس، ناهيك عن غياب أدنى عوامل الأمان.
لكن حتى البؤس لا يتم توزيعه بالتساوي. نصحتنا إحدى السيدات بالذهاب إلى مجمع كارفور. وعندما ذهبنا إلى هناك، صُدمنا بطابور يمتد لحوالي 150 متراً، من أشخاص ينتظرون الحصول على مياه معلبة. وبطبيعة الحال، حتى هذا الطابور هو أيضاً نوع من الرفاهية، وليس متاحاً للجميع.
فوجود مجمع كارفور في مكان بعيد عن مركز المدينة، وغير مخدَّم بشكل جيد بوسائل النقل العام، جعل هذا الخيار غير متاح لشريحة كبيرة من الشعب التونسي، سواء لعدم امتلاكهم سيارة أو لعدم قدرتهم على تحمل أجرة سيارة. لكن طريقة الوصول لم تكن هي المشكلة الوحيدة.
فهناك الكثيرون أيضاً ممن لا يملكون حتى الوقت للذهاب إلى كارفور وشراء الماء. أحد العاملين في قطاع المطاعم أخبرنا أنه يعمل من الساعة التاسعة صباحاً إلى الساعة الحادية عشرة ليلاً. ولم يكن هذا الشاب استثناءً، بل إن هذه حالة منتشرة بقوة.
في عددها الصادر بتاريخ 3 أيلول/سبتمبر، تحدثت جريدة الصباح التونسية عن وجود انفراج في وضع مياه الشرب، على الرغم من أن الضخ المكثف تركز في العاصمة فقط. ونقلت عن مدير الأبحاث الاقتصادية بوزارة التجارة، سمير الخلفاوي، أن طفرة الاستهلاك المسجلة خلال تموز/يوليو الماضي، على خلفية موجة الحر، أدت إلى نفاد المخزون.
لكن عند حديثنا مع عدد من المواطنين، سمعنا آراء مختلفة عما طرحته جريدة الصباح. فقد أجمعت الآراء على أن الأزمة لم تتضخم إلى هذه الدرجة بسبب الحر وحده، وإنما أيضاً بسبب الاحتكار الذي تمارسه مختلف مكونات سلسلة توريد مياه الشرب، للاستفادة من الأزمة وتحقيق أعلى قدر ممكن من الأرباح. ووفقاً للآراء التي استطلعناها، فإن جزءاً كبيراً من الأزمة مصطنع أيضاً لغايات ربحية.
وإن كانت أزمة المياه المعلبة جديدة على تونس العاصمة، فإن أزمة المياه في المناطق الداخلية هي أزمة مستمرة. فقد أطلعنا أحد الطلاب الجامعيين على أن المدارس في منطقة سيدي بوزيد تعاني هي أيضاً من شح كبير في المياه، إلى جانب قلة عدد المدارس. ففي بعض المناطق، يضطر الطلاب إلى المشي مسافات طويلة حتى يستطيعوا الوصول إلى مدارسهم.
الجذور الطبقية لأزمة المياه
تُعد SFBT أحد أكبر الفاعلين في سوق المياه المعبأة في تونس، وهي مملوكة بأغلبية لمجموعة Castel الفرنسية، حيث تقوم بإنتاج العصائر والبيرة والمياه المعلبة. وهي، بطبيعة الحال، مستفيدة من تردي واقع مياه الشرب العمومية من حيث الكمية والجودة.
مع تكرار انقطاعات مياه الصنبور التابعة لـ SONEDE، وتراجع جودتها أو ارتفاع ملوحتها في عدة مناطق، ازداد اعتماد قطاعات واسعة من السكان على المياه المعبأة. وهذا ما وسّع السوق التجارية للمياه المعلبة، ورفع أهميتها الاقتصادية بالنسبة إلى الشركات العاملة فيها (وفي مقدمتها مجموعة SFBT وعلامات أخرى، وخصوصاً في ذروة الأزمة المائية).
تعتمد مصانع التعبئة على ضخ المياه من العيون الجوفية والمناطق الغنية بالمياه العذبة (مثل نبع عين زغوان، والشمال الغربي، وسليانة). وتعتمد شركات المياه المعبأة على استخراج المياه الجوفية من عدد من المناطق. وهذا ما يطرح مسألة التنافس بين الاستخدام التجاري للمياه من جهة، وحاجات السكان والزراعة من جهة أخرى، ولا سيما في ظل الضغط المتزايد على الموارد المائية الجوفية.
تدفع شركات تعبئة المياه مبالغ تُوصَف بالرمزية للدولة (إتاوات استغلال الملك العمومي المائي) مقابل استخراج المتر المكعب من أصفى عيون المياه الطبيعية، ثم تُعيد بيعه للمستهلك بأسعار مضاعفة. وقد خلق هذا الفارق انتقادات شعبية وإعلامية حول استغلال الموارد الطبيعية الحيوية لتحقيق أرباح تجارية، في ظل أزمة متواصلة في توفير مياه الشرب وإدارتها.
تسبب الاعتماد المتزايد على المياه المعلبة في إضافة عبء مالي جديد على العائلات متوسطة ومحدودة الدخل، والتي باتت تدفع جزءاً من دخلها للحصول على مياه شرب نقية، بينما يُفترض أن توفر الدولة هذا الحق عبر الشبكة العمومية.
إرث استعماري
هذه السياسة ليست مقتصرة فقط على قطاع المياه. فالشركات الفرنسية تحصل على عقود كثيرة ضمن تونس، مع امتيازات عالية جداً ناتجة عن الإرث الاستعماري، وهو إرث حافظت عليه الطبقة البرجوازية التونسية المرتبطة عضوياً بهذا الوجود الاقتصادي الاستعماري، وغير القادرة على تنفيذ مهامها التاريخية بصورة مستقلة.
تداولت الأوساط السياسية والإعلامية في تونس، بعد عام 2011، ملف الاتفاقيات التاريخية المبرمة مع فرنسا. ومن أبرز هذه الحالات عقود امتياز استغلال الموارد الطبيعية، التي أُبرمت خلال أو بعد فترة الحماية. ولعل أشهر مثال على هذه العقود هو اتفاق عام 1949 (قبل الاستقلال) بين السلطات التونسية تحت الحماية والشركة العامة للملاحات التونسية (ذات رأس المال الفرنسي).
مكنت الاتفاقية الشركة من استغلال الملك العمومي المائي والشواطئ لاستخراج الملح مقابل إتاوة رمزية. واستمر العقد بنظامه الاستثنائي خلال العقود التالية، مع تجديده تلقائياً في بعض المراحل (مثل تمديد 1999). وأثار استمرار العمل بالاتفاقية جدلاً قانونياً وسياسياً حول وضعها الاستثنائي، وعلاقتها بمجلة المناجم والإطار القانوني التونسي اللاحق.
في 27 شباط/فبراير 2019، أعلنت الحكومة التونسية رسمياً عدم تمديد الاتفاقية وإنهاء العمل برخصة عام 1949 التاريخية، لإخضاع قطاع الملح للقانون التونسي ومجلة المناجم.
أما في قطاع المحروقات، فشهدت تونس منذ الستينيات والسبعينيات منح امتيازات لاستغلال حقول النفط والغاز لشركات أجنبية، ومن بينها Elf Aquitaine ، التي كانت لها مصالح في حقل عشتارت قبل أن تبيعها إلى ARCO عام 1997.
ومن الأطر القانونية التي نظمت العلاقات الاستثمارية الفرنسية–التونسية اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات الموقعة عام 1997، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1999، وحلّت محل اتفاقية 1972. وتوفر الاتفاقية حماية قانونية للاستثمارات، وتنظم مسائل المعاملة، ونزع الملكية، وتحويل الاستثمارات، وتسوية المنازعات.
غليان على كافة الأصعدة
ترافقت هذه التطورات مع موسم العودة المدرسية. تحدثنا إلى أحد الأطفال في الشارع، وأبلغنا بأنه ما يزال بحاجة إلى 75 ديناراً لاستكمال كافة مستلزماته المدرسية. كما لاحظنا انتشار جامعي التبرعات على أبواب المكاتب لجمع الأموال لهذه الغاية.
أحد الطلاب الجامعيين أخبرنا بأنه قام بإعارة كتبه المدرسية لأصدقائه الذين لا يملكون ثمن الكتب. وبطبيعة الحال، هذا أسلوب يتبعه الكثيرون في تونس، وهو بمثابة نظام تكافل اجتماعي عفوي طورته الجماهير للتعامل مع نتائج عجز النظام الاقتصادي القائم عن توفير مستلزمات أساسية للجميع بصورة ميسورة.
وتكشف هذه المبادرات، في الوقت نفسه، عن قدرة الجماهير على تطوير أشكال عفوية من التضامن والتعاون لمواجهة أعباء الحياة اليومية. لكنها تكشف أيضاً حدود هذه المبادرات؛ فهي تخفف من آثار الأزمة على الأفراد، من دون أن تمس الظروف الاقتصادية التي تنتجها.
جريدة الشعب، الصادرة عن الاتحاد العام للشغل، وفي عددها الصادر بتاريخ 10 أيلول/سبتمبر، أشارت إلى وجود زيادة بمقدار 7 بالمئة في أسعار المستلزمات المدرسية مقارنة بالسنة الماضية. وفي حوار نشرته الجريدة مع رئيس منظمة إرشاد المستهلك، لطفي الرياحي، أشار إلى أن زيادة الأسعار تعود إلى عدم توحيد القوائم الخاصة بها، وإلى إغراق البلد بالبضائع المستوردة.
توحيد القوائم المدرسية، من وجهة نظر منظمة إرشاد المستهلك، خطوة إيجابية إلى الأمام يجب دعمها، لما ينطوي عليه ذلك من إزالة للفوارق بين جميع الطلاب، واقتصار المستلزمات المدرسية على الأشياء الضرورية فعلاً. لكن هذا الإجراء، بذاته، هو معالجة للنتيجة وليس للسبب، نظراً لأن أزمة العائلات في تونس هي أزمة تضخم عام، وليس فقط أزمة في أسعار المستلزمات المدرسية، حيث ارتفع معدل التضخم العام من 4.9 في الشهر الأول من هذا العام إلى 5.4 في الشهر الثامن.
أما بخصوص إغراق البلد بالبضائع المستوردة، فهذا الطرح يثير الكثير من إشارات الاستفهام. وفق رئيس منظمة إرشاد المستهلك:
توريد المنتوجات وبيعها بأسعار مشطة، في حين أنها تفتقر للجودة المطلوبة مقارنة بالمنتج التونسي الذي نحث على اقتنائه لدعم اقتصادنا واستقرار مؤسساتنا وديمومة مواطن الشغل للعاملين فيها، وننتظر أن تكون العودة المدرسية مقترنة بالإقبال على المنتوج التونسي الذي تبقى له الأولوية مقارنة بغيره من البضائع والسلع
على الرغم من أن اللقاء كان حول الأوضاع الاستهلاكية للعائلات التونسية، فإن الحلول المقدمة كانت، برمتها، موجهة نحو إنقاذ البرجوازية والبرجوازية الصغيرة، وليس أصحاب الدخل المحدود، بالإضافة إلى أنها لا تضع يدها على جوهر المشكلة. هل فعلاً يمكن أن يكون عزوف المواطنين عن شراء المنتج التونسي هو سبب المشكلة؟
من يمشي في تفرعات ساحة برشلونة، وسط العاصمة، بين بسطات المبيعات، يمكنه أن يرى كمية الأقلام والدفاتر المستوردة، والتي يتم بيعها بأسعار رخيصة جداً، وهي، بطبيعة الحال، تشكل حلاً أخيراً لأصحاب الدخل المحدود.
إذا كان المستورد الرخيص يستطيع الوصول إلى المستهلك التونسي رغم تكاليف النقل والجمارك وهوامش الوسطاء، فإن مجرد الدعوة إلى تفضيل المنتج المحلي لا تفسر سبب عجز الإنتاج المحلي عن توفير سلع بأسعار يستطيع أصحاب الدخل المحدود تحملها.
إن الدعوة إلى تفضيل المنتج المحلي لا تعالج، بذاتها، التناقض الذي تواجهه الأسر محدودة الدخل. فمطالبة المستهلك بشراء المنتج التونسي مهما كان سعره تعني عملياً تحميله جزءاً من كلفة حماية الإنتاج المحلي، من دون أن تطرح السؤال حول الأجور أو هوامش الربح أو تكاليف الإنتاج والتوزيع.
وهذا يتطلب إجراءات تتجاوز تحميل المستهلك مسؤولية إنقاذ الإنتاج المحلي، وتتجه نحو إعادة تنظيم الإنتاج والتوزيع، بما يحد من قدرة الوسطاء والمحتكرين على استخراج هوامش ربح مرتفعة على حساب المنتجين والمستهلكين.
قروض الشرف و إبر التخدير
في اللقاء نفسه، تحدث رئيس منظمة إرشاد المستهلك عن ضرورة الإسراع في وضع منصة للتقديم على «قروض الشرف»، بطريقة سلسة وواضحة وبعيداً عن التعقيدات الإدارية.
تأتي «قروض الشرف» في تونس في سياق أزمة أعمق من مجرد صعوبة الوصول إلى التمويل. فبينما بلغ معدل التضخم 5.4% في أغسطس/آب 2026، ارتفعت أسعار الغذاء والمشروبات غير الكحولية بنسبة 7.5% خلال سنة، مع ارتفاع أسعار العديد من المواد الغذائية الأساسية بمعدلات أعلى من ذلك بكثير. وفي هذا السياق، تقدم الدولة «قروض الشرف»، التي تصل بالنسبة للأفراد إلى 5 آلاف دينار، دون فوائد أو ضمانات، باعتبارها وسيلة لتسهيل حصول المواطنين على التمويل.
لكن من منظور طبقي، ينبغي التمييز بين معالجة عجز المواطنين عن تلبية حاجاتهم وبين معالجة الأسباب التي تنتج هذا العجز. فالقرض، حتى عندما تكون فائدته صفراً، لا يرفع الأجر، ولا يخفض أسعار السلع، ولا يغير شروط إنتاجها. وإنما يسمح للمقترض بالحصول اليوم على مبلغ من المال، مقابل اقتطاع جزء من دخله المستقبلي لتسديده. وهكذا يتحول جزء من أزمة القدرة الشرائية من مشكلة حاضرة إلى التزام مستقبلي. ويظهر ذلك بوضوح عندما نلاحظ أن أحد الأهداف المعلنة للقروض بالنسبة للأفراد هو تمويل حاجيات الاستهلاك.
ومن جهة أخرى، فإن منح مثل هذه القروض سيؤدي إلى زيادة الكتلة النقدية المعروضة في السوق، والتي لا تقابلها، بطبيعة الحال، زيادة مماثلة في معروض المنتجات. وبالتالي، قد يجد المواطن التونسي نفسه أمام موجات تضخمية جديدة تطال مداخيل الحاصلين وغير الحاصلين على القروض على حد سواء. وهذا التضخم يعني عملياً انتقالاً متزايداً للثروة من الأسفل إلى الأعلى، بما يسمح لأقلية صغيرة بمراكمة مزيد من وسائل الإنتاج والثروات.
ولا يعني ذلك أن القرض عديم الفائدة بالنسبة للفرد الذي يحتاجه فعلاً. فقد يستطيع أن يتجاوز به عجزاً مؤقتاً، أو أن يمول وسيلة تساعده على تحسين دخله. لكن على المستوى الاجتماعي العام، لا يمكن للائتمان الاستهلاكي أن يكون بديلاً عن زيادة الأجور، وتحسين شروط العمل، وخفض كلفة إعادة إنتاج قوة العمل. بل إن الاعتماد المتزايد عليه يمكن أن يخفي مؤقتاً اتساع الفجوة بين ما يحصل عليه العامل من دخل، وما يحتاجه لتلبية حاجاته.
وتكشف آلية تمويل هذه القروض أيضاً عن حدودها. فالبنوك مطالبة بتخصيص 8% من أرباحها السابقة لهذه الآلية، أي نحو 120 مليون دينار استناداً إلى أرباح سنة 2025، وتُقدَّر حصة الأفراد والشركات الأهلية بنحو نصف هذا المبلغ. وبحسب تقدير أحد المختصين نقلته وكالة تونس إفريقيا للأنباء، قد لا يتجاوز عدد المستفيدين نحو 12 ألف شخص. وهذا يعني أن آلية بهذا الحجم لا يمكن أن تغير بصورة جوهرية الظروف المادية لملايين المواطنين الذين يواجهون ارتفاع تكاليف المعيشة.
بالإضافة إلى أن هذا القرض ليس متاحاً للجميع. فالتقرير نفسه الذي نشرته وكالة TAP أوضح أن أحد العمال أراد استخدام القرض لشراء دراجة نارية بقيمة تقارب 3,500 دينار، حتى يتمكن من العمل في مجال التوصيل وزيادة دخله، لكنه اكتشف أنه غير مؤهل لأنه عامل يومي. فإذا كان العمال المياومون غير قادرين على الحصول على القرض، فمن هم الذين يستطيعون الحصول عليه؟ هنا تظهر المفارقة بوضوح: الشخص الذي قد يكون أكثر حاجة إلى التمويل بسبب هشاشة وضعه الاقتصادي، هو نفسه الذي يمكن أن يجد نفسه خارج آلية الائتمان.
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: «كم مواطناً سيحصل على قرض؟»، بل: «لماذا أصبح المواطن بحاجة إلى الاقتراض حتى يتمكن من مواجهة حاجاته أو تحسين قدرته على العمل؟». فالمشكلة الأساسية ليست غياب القروض وحده، وإنما العلاقة بين الأجور والأسعار وشروط العمل وتوزيع الدخل. وما لم تتغير هذه العلاقة، ستبقى القروض وسيلة لتخفيف بعض آثار الأزمة بالنسبة إلى جزء محدود من السكان، لا حلاً للأزمة نفسها.
تحركات برلمانية و نقابية
حالة الغليان التي يشهدها الشارع دفعت عدداً من الأعضاء البرلمانيين إلى المطالبة بعقد جلسة استثنائية تقطع العطلة البرلمانية، حيث ينص الدستور التونسي على أنه يمكن الدعوة إلى مثل هذه الجلسة بدعوة من الرئيس أو ثلث أعضاء البرلمان. وجاءت هذه الدعوة لمساءلة الحكومة عن تدهور وفقدان الخدمات الأساسية، حسب ما جاء في البيان المشترك الصادر عنهم. وحتى تاريخ 10 أيلول/سبتمبر، لم تشهد هذه الدعوة أي تجاوب من قبل رئاسة البرلمان أو الحكومة.
حسب جريدة الشعب الصادرة عن الاتحاد العام للشغل، فإنه:
لا يمكن فصل هذه الدعوة من النواب لعقد جلسة عامة استثنائية عن الظرفية التي تعيشها البلاد والصعوبات التي تواجه المواطنين في مختلف جهات البلاد
وأضافت الجريدة:
الدورة البرلمانية المنتظرة بداية شهر أكتوبر ستكون هي الأخيرة في المدة النيابية 2022-2027 إذ ستجرى الانتخابات التشريعية في نهايتها…..
ومن هنا فإن الدعوة إلى جلسة عامة استثنائية خلال العطلة يراه المتابعون خطوة استباقية لمن سيطرحون مجدداً ترشحاتهم على الناخبين في الاستحقاق الانتخابي المقبل من باب تحميل الحكومة مسؤولية عدم قدرتها على إيجاد الحلول الواقعية لمعاناة المواطنين….
ما طرحته جريدة الشعب منطقي إلى حد بعيد، لكن في الوقت نفسه فإن هواجس الجماهير تجاه الاتحاد العام للشغل لا تختلف كثيراً عن هواجسها تجاه البرلمان. فالمواطنون التونسيون الذين يسمعون يومياً خطابات البرلمانيين والبيروقراطيين النقابيين، في الوقت الذي تصبح فيه أزماتهم أعمق فأعمق، فقدوا الثقة بالكلام، وهم بحاجة إلى أفعال. وهذا الواقع يصب في مصلحة السلطة، التي تستدعي أبواقها في كل منصة ومكان لتشويه سمعة أي حراك جماهيري حقيقي.
اجتمعت الهيئة الإدارية الوطنية للاتحاد العام التونسي للشغل يوم الخميس 9 سبتمبر 2026، وأصدرت بياناً يتضمن خطة نضالية متصاعدة، داعية إلى تثبيت مبدأ الإضراب العام والتعبئة والإعداد له مجدداً. زرنا مبنى الاتحاد العام للشغل، وحاولنا إجراء لقاء مع بعض المسؤولين للوقوف على مخرجات الاجتماع، إلا أن الإجراءات البيروقراطية والتردد حالا دون ذلك. ومع ذلك، قدمت لنا جريدة الاتحاد معلومات جيدة مكّنتنا من الاطلاع بشكل أفضل على الوضع.
أكد الاتحاد العام للشغل على ضرورة الابتعاد عن الخطابات التبريرية ومحاولات التنصل من المسؤولية وإلقاء اللوم على الآخرين، حيث طالب السلطة بإنهاء الانفراد بالقرار وفتح باب الحوار. وقد لاحظنا أن هذه الدعوة تأتي في فترة تشهد فيها السلطة السياسية في تونس ضغوطاً كبيرة من الخارج، وخاصة فيما يتعلق بتجديد بعض العقود مع الشركات الأجنبية، ولا سيما الفرنسية منها.
لذلك، فإن فتح باب الحوار يتطلب جعل الضغط الداخلي من الأسفل أكثر قوة وإيلاماً للسلطة من الضغط الممارس عليها من الخارج ومن الأعلى. وهذا ما يتطلب، بطبيعة الحال، تعبئة جماهيرية حقيقية عن طريق النقابات. وهذه النقطة بالذات يضعها الكثير من العمال تحت المجهر، لأن الوضع المتردي الذي وصلت إليه تونس اليوم كان للاتحاد العام للشغل دور فيه أيضاً.
إحدى التعليقات الواردة على البيان الذي نشره الاتحاد العام للشغل على صفحة الفيسبوك جاءت كالتالي:
الوحدة النقابية؟؟؟ ماهو مفهومكم لها وكيف ستجسدونها بعد كل عمليات التجريد والتجميد والطرد والتلاعب بنتائج مؤتمرات الهياكل النقابية التي قمتم بها في حق عديد النقابيين من اصحاب الرأي والشجاعة والنضال؟
هذا ليس مجرد تعليق على بيان، بل هو جزء من حركة نقابية معارضة نشأت في تونس. موقع نواة، الذي يتحدث باسم هذه المعارضة، نشر بتاريخ 6 آذار/مارس 2025:
يبدو أن المعارضات النقابية بشكلها المعروف اليوم، وٌلدت من رحم “ظلم الماكينة”، كما تقول قياداتها، ولفظها لكل من يتجه عكس ما تذهب إليه المركزية النقابية للاتحاد العام التونسي للشغل، وأساسا فيما يتعلّق بتنقيح فصل من القانون الأساسي الذي يمنع أعضاء المكتب التنفيذي الترشح لأكثر من دورتين نيابيتين. الفصل 10 سابقا 20 جديد، أنتجت معارضة تنقيحه اللبنة الأولى للمعارضة النقابيّة التي حولتها السنوات إلى معارضات تختلف في تصوّراتها وطرحها الرافض لما يعرف بالبيروقراطية النقابية
وثيقة برنامجية
تونس بلد غني بالموارد وبقوة العمل، وقد حققت الجماهير التونسية مكاسب ديمقراطية لا بد من الحفاظ عليها. لكن ملايين العمال والشباب والفقراء يواجهون ارتفاع الأسعار، وتدهور الخدمات العامة، والبطالة، والعمل الهش، ونقص المياه، وتراجع القدرة الشرائية.
أزمة المياه التي شهدتها البلاد، وارتفاع أسعار المواد الغذائية والمستلزمات المدرسية، واضطرار العمال إلى العمل لساعات طويلة، واللجوء المتزايد إلى الاقتراض لتغطية الحاجات الأساسية، ليست أزمات منفصلة. إنها تعبير عن تناقض أساسي في المجتمع الرأسمالي: الثروة ينتجها ملايين العمال، بينما يقرر استخدامها وتوزيعها أصحاب رأس المال والدولة التي تحمي مصالحهم.
إن مطالبة الحكومة بإدارة أفضل للأزمة لا تكفي. كما أن التضامن الفردي، والقروض، ودعم «المنتج الوطني»، أو بعض الإجراءات الاجتماعية المحدودة، لا يمكنها أن تعالج جذور المشكلة.
نحن بحاجة إلى برنامج يربط النضال من أجل تحسين ظروف الحياة اليوم بالنضال من أجل تغيير المجتمع.
مطالبنا
1- الماء حق للجميع
-ضمان توفير مياه الشرب لجميع السكان بصورة منتظمة ومجانية أو بأسعار رمزية.
-وضع قطاع المياه ومصادرها تحت الملكية العامة.
– وقف استغلال الشركات الخاصة للمياه الجوفية على حساب حاجات السكان والزراعة.
– إخضاع قطاع المياه لرقابة العمال والمستهلكين من خلال لجان منتخبة.
– إطلاق خطة عامة عاجلة لصيانة وتوسيع شبكة المياه، مع إعطاء الأولوية للمناطق المحرومة.
2- الأجور يجب أن تلاحق الأسعار
– زيادة فورية في الأجور والمعاشات والتعويضات بما يعوض ارتفاع تكاليف المعيشة.
– ربط الأجور آلياً بالتضخم حتى لا يؤدي ارتفاع الأسعار إلى خفض الأجر الحقيقي.
– رفع الحد الأدنى للأجور إلى مستوى يسمح للعامل وأسرته بالعيش الكريم.
– رفض أي تخفيض في الأجور أو المعاشات أو الخدمات الاجتماعية.
– توحيد النضال من أجل الأجور بين العمال في القطاعين العام والخاص.
3- ضد ارتفاع الأسعار والمضاربة
– فرض رقابة على أسعار المواد الأساسية.
– فتح حسابات الشركات الكبرى العاملة في الغذاء والمياه والتوزيع أمام لجان منتخبة من العمال والمستهلكين.
– الكشف عن تكاليف الإنتاج وهوامش الأرباح وأسعار الشراء والبيع.
– مصادرة الأرباح الناتجة عن المضاربة والاحتكار.
– تنظيم الإنتاج والتوزيع بما يضمن وصول السلع الأساسية بأسعار يستطيع العمال والفقراء تحملها.
لا ينبغي تحميل المستهلك مسؤولية إنقاذ الرأسمال المحلي عبر مطالبته بشراء المنتج التونسي مهما كان سعره. يجب أن يتحمل أصحاب رأس المال كلفة الأزمة، لا العمال والفقراء.
4- لا للقروض كبديل عن الأجور
القرض لا يحل أزمة القدرة الشرائية. إنه يؤجلها.
– شطب الديون الاستهلاكية التي تثقل كاهل العمال والفقراء.
– توفير دعم مباشر للحاجات الأساسية بدلاً من دفع المواطنين إلى الاقتراض.
– توفير تمويل عام للشباب والعمال الراغبين في إنشاء مشاريع منتجة، دون تحويلهم إلى مدينين للبنوك.
– وضع البنوك الكبرى تحت الملكية العامة والرقابة الديمقراطية.
– توجيه الائتمان إلى الإنتاج والخدمات العامة وخلق فرص العمل، لا إلى المضاربة والربح المالي.
5- تقليص ساعات العمل دون تخفيض الأجور
لا يمكن حل الفقر بإجبار العامل على بيع المزيد من وقته.
– تقليص ساعات العمل دون تخفيض الأجور.
– توزيع العمل المتوفر بين عدد أكبر من العمال.
– دفع العمل الإضافي بأجر مضاعف.
– إنهاء الاستخدام الدائم للعمل المياوم والمؤقت.
– تثبيت العمال الذين يؤدون وظائف دائمة.
– ضمان شروط الصحة والسلامة في جميع أماكن العمل.
وبالنسبة للعمال الذين يعملون في درجات الحرارة المرتفعة، يجب أن تكون للعمال ولجان السلامة المنتخبة صلاحية إيقاف العمل عندما تصبح ظروفه خطرة.
6- التعليم والسكن والصحة حقوق وليست سلعاً
– توفير المستلزمات المدرسية الأساسية مجاناً لأبناء الأسر العاملة والفقيرة.
– توفير النقل المدرسي المجاني في المناطق التي تعاني من ضعف الخدمات.
– تطوير المدارس والمستشفيات والبنية التحتية العامة.
– توفير السكن الاجتماعي بأسعار تتناسب مع دخل العمال.
– زيادة أجور العاملين في التعليم والصحة وتحسين ظروف عملهم.
– وقف خصخصة الخدمات العامة.
7- تأميم القطاعات الاستراتيجية
الماء والطاقة والنقل والاتصالات والبنوك والصناعات الأساسية لا ينبغي أن تكون أدوات لتحقيق أرباح خاصة.
لذلك نطالب بـ:
– تأميم الشركات الكبرى والقطاعات الاستراتيجية التي تسيطر على حياة ملايين الناس.
– عدم دفع تعويضات لأصحاب رؤوس الأموال الكبار الذين راكموا ثرواتهم من استغلال العمال ونهب الموارد.
– نشر حسابات الشركات والعقود والاتفاقيات أمام الجمهور.
– إخضاع المؤسسات المؤممة لرقابة وإدارة ديمقراطية من العمال والمستهلكين والمجتمعات المحلية.
إن الملكية العامة وحدها لا تكفي. يجب أن تقترن بالسيطرة الديمقراطية للعمال والجماهير على كيفية إدارة هذه المؤسسات.
8- افتحوا دفاتر الشركات!
إذا قالت الشركات إنها لا تستطيع زيادة الأجور، أو خفض الأسعار، أو الحفاظ على الوظائف، فلنفتح دفاتر حساباتها.
– حق العمال والنقابات في الاطلاع الكامل على الحسابات.
– الكشف عن الأرباح والأجور الإدارية والعقود والتحويلات المالية.
– منع الشركات من إخفاء الأرباح أو نقلها إلى الخارج.
– عندما تكون شركة قادرة على الاستمرار، ولكن ملاكها يهددون بالإغلاق أو التسريح، يجب وضعها تحت الملكية العامة وإدارتها تحت رقابة العمال.
9- أوقفوا نهب الموارد
الموارد الطبيعية في تونس ملك للمجتمع، وليست ملكاً للشركات الأجنبية أو المحلية.
– مراجعة جميع الاتفاقيات المتعلقة بالموارد الطبيعية.
– نشر العقود والامتيازات أمام الجمهور.
– إلغاء الامتيازات التي تضر بالمصلحة العامة.
– وضع الموارد الطبيعية الاستراتيجية تحت الملكية العامة.
– توجيه عائداتها إلى الاستثمار في الصناعة والزراعة والمياه والتعليم والصحة.
لا يعني ذلك استبدال السيطرة الأجنبية بسيطرة الرأسمال التونسي. العامل التونسي لا مصلحة له في أن يستغله رأسمالي تونسي بدلاً من رأسمالي أجنبي.
10- الدفاع عن الحريات الديمقراطية ومكاسب الثورة
لا يمكن للطبقة العاملة أن تنظم نفسها وتدافع عن مصالحها من دون حرية التعبير والتنظيم والتظاهر والصحافة والإضراب.
إن المكاسب الديمقراطية التي انتزعتها الجماهير التونسية من خلال نضالاتها، وخاصة منذ ثورة 2011، ليست مسألة ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد حل الأزمة الاقتصادية. فالقدرة على تنظيم الإضرابات، وتأسيس الجمعيات والنقابات، ونشر الصحف والمواقع، وانتقاد السلطة، والتظاهر بحرية، هي شروط أساسية لنضال العمال والجماهير من أجل مصالحهم.
نحن نرفض كل محاولة للتراجع عن هذه الحقوق، سواء جاءت من الحكومة، أو أجهزة الدولة، أو أي قوة سياسية أخرى.
نطالب بـ:
– الإلغاء الفوري للمرسوم عدد 54 لسنة 2022، وجميع النصوص التي تجرّم التعبير السياسي والصحفي بصياغات فضفاضة.
– إسقاط جميع التبعات والأحكام الصادرة لمجرد ممارسة حق التعبير، أو الصحافة، أو النشاط النقابي والسياسي السلمي، والإفراج عن كل من سُجن لهذا السبب.
– ضمان حرية الصحافة والإعلام وحق الصحفيين في الوصول إلى المعلومات دون تدخل أو ترهيب من الدولة.
– ضمان حرية التظاهر والاجتماع والتنظيم والإضراب دون تدخل تعسفي من أجهزة الدولة.
– إلغاء كل القيود التي تمنع العمال والشباب والجماهير من تنظيم أنفسهم سياسياً ونقابياً.
– ضمان استقلال القضاء وحق كل متهم في محاكمة عادلة أمام قضاء مدني مستقل.
– رفض استخدام أجهزة الدولة والقوانين القمعية لإسكات المعارضة والنشاط الجماهيري.
لكن الدفاع عن الحريات الديمقراطية لا يعني الدفاع عن مؤسسات الدولة القائمة كما هي، ولا يعني منح الثقة للبرجوازية أو للأحزاب التي حكمت البلاد في السابق.
نحن ندافع عن كل حق ديمقراطي لأنه ضروري للطبقة العاملة والجماهير في نضالها ضد الاستغلال والقمع. وفي الوقت نفسه، نربط الدفاع عن هذه الحقوق بالنضال من أجل توسيع الديمقراطية إلى أماكن العمل والجامعات والأحياء وإلى الاقتصاد نفسه.
لا يكفي أن يكون للعمال الحق في التصويت كل عدة سنوات إذا كانوا محرومين من أي سلطة داخل أماكن عملهم، وإذا كانت القرارات الاقتصادية الكبرى تُتخذ من قبل أقلية من أصحاب رؤوس الأموال.
نريد ديمقراطية سياسية كاملة، وديمقراطية نقابية حقيقية، وديمقراطية في أماكن العمل، وسيطرة جماهيرية على الاقتصاد.
فالحرية السياسية لا يمكن فصلها عن التحرر الاقتصادي.
ولهذا فإن الدفاع عن المكاسب الديمقراطية ليس مرحلة منفصلة عن النضال الاشتراكي، بل جزء منه.
11- النقابات في أيدي العمال
الاتحاد العام التونسي للشغل قوة اجتماعية مهمة، لكن قوة النقابات لا تكمن في بيانات قياداتها وحدها، بل في قدرة العمال على التنظيم والتحرك.
لذلك ندعو إلى:
– عقد جمعيات عامة منتظمة في أماكن العمل.
– انتخاب لجان عمالية قابلة للعزل.
– انتخاب لجان إضراب ديمقراطية.
– تنسيق النضالات بين القطاعات والمناطق.
– الدفاع عن حق المعارضة والتيارات المختلفة في التنظيم داخل الحركة النقابية.
– الضغط من القاعدة من أجل إعداد إضراب عام وطني عندما ترفض الحكومة تنفيذ المطالب الأساسية.
الوحدة النقابية الحقيقية لا تعني الصمت أمام البيروقراطية، بل تعني وحدة العمال في النضال، مع ضمان الديمقراطية النقابية.
12- لجان في أماكن العمل والأحياء
ينبغي ألا يبقى النضال محصوراً في حدود البيانات والمظاهرات المنظمة من أعلى.
ندعو إلى بناء لجان منتخبة:
– في أماكن العمل.
– في الأحياء.
– في الجامعات والمدارس.
– بين العاطلين عن العمل.
– في المناطق التي تعاني من نقص المياه والخدمات.
وتتولى هذه اللجان تنظيم النضالات، ومراقبة الأسعار والخدمات وتوزيع المواد الأساسية، والتنسيق فيما بينها على المستوى المحلي والجهوي والوطني.
إن هذه اللجان يمكن أن تشكل نواة لأشكال جديدة من السلطة الديمقراطية للجماهير.
كيف نمول هذه المطالب؟
سيقال لنا إن هذه المطالب «مكلفة جداً«.
لكن السؤال الحقيقي هو: من يملك الثروة؟
تونس ليست بلداً بلا موارد. المشكلة هي أن الثروة مركزة في أيدي أقلية، بينما تتحمل الأغلبية تكاليف الأزمة.
لذلك نطالب بـ:
– فرض ضرائب تصاعدية كبيرة على الثروات والأرباح الكبرى.
– مصادرة الأموال المنهوبة والثروات الناتجة عن الفساد والتهرب الضريبي.
– وقف الامتيازات الضريبية التي تمنح للشركات الكبرى.
– وضع البنوك والشركات الكبرى تحت الملكية العامة.
– توجيه موارد الدولة بعيداً عن خدمة الدين ومنح الامتيازات للرأسمال، ونحو الخدمات العامة والاستثمار المنتج.
لكن حتى هذه الإجراءات لن تكون كافية إذا بقيت القطاعات الأساسية في أيدي رأس المال الخاص.
لذلك فإن السؤال المتعلق بتمويل الإصلاحات يقود حتماً إلى السؤال الأكبر: من يملك الاقتصاد، ومن يقرر بشأنه؟
من يقرر؟
لا يمكن أن تكون الشركات مملوكة ملكية عامة، بينما يستمر اتخاذ القرارات خلف أبواب مغلقة من قبل بيروقراطيين غير خاضعين للمساءلة.
نحن نطالب بإدارة ديمقراطية للاقتصاد من خلال:
– مجالس منتخبة من العمال في أماكن العمل.
– ممثلين منتخبين من المستهلكين والمجتمعات المحلية.
– رقابة ديمقراطية على المؤسسات العامة.
– نشر الحسابات والميزانيات والعقود.
– حق انتخاب الممثلين وعزلهم في أي وقت.
– أجور للمسؤولين المنتخبين لا تتجاوز أجور العمال الذين يمثلونهم.
بهذا الشكل تصبح الملكية العامة خطوة نحو سيطرة الأغلبية على الاقتصاد، وليس مجرد نقل الملكية من الرأسمالي الخاص إلى جهاز الدولة.
من ينفذ البرنامج؟
لن تنفذ هذه المطالب حكومة تعتمد على الرأسمال وتطلب من العمال الانتظار.
إن تنفيذ البرنامج يحتاج إلى تعبئة جماهيرية واسعة تقودها الطبقة العاملة، بالتحالف مع الشباب والعاطلين عن العمل وصغار المزارعين والفئات الفقيرة.
لذلك ندعو إلى بناء حركة نضالية من أسفل، تبدأ بالمطالب اليومية وتربط بينها على المستوى الوطني.
وفي مواجهة أي محاولة لقمع هذه الحركة أو تفريقها، يجب أن تتوسع اللجان الديمقراطية في أماكن العمل والأحياء والجامعات، وأن تنسق فيما بينها.
إن القوة التي تنتج الثروة هي القوة القادرة على تغيير المجتمع.
نحو حكومة العمال والجماهير
لا يمكن ضمان هذه المطالب بصورة دائمة ما دام الاقتصاد والسياسة خاضعين لمصالح الطبقة الرأسمالية.
لذلك نطرح الحاجة إلى حكومة تستند إلى العمال والجماهير المنظمة ديمقراطياً، وتبدأ بتطبيق برنامج انتقالي يضع الثروة والقطاعات الأساسية تحت سيطرة المجتمع.
لكن ذلك لا يعني إدارة الرأسمالية بصورة أفضل.
الهدف هو البدء بعملية تحويل الاقتصاد من اقتصاد قائم على الربح إلى اقتصاد مخطط ديمقراطياً وفق حاجات الأغلبية.
وهنا يصبح النضال من أجل الماء والأجور والتعليم والصحة والعمل جزءاً من النضال من أجل الاشتراكية.
تونس والعالم
لا يمكن للرأسمالية التونسية أن تعيش بمعزل عن النظام الرأسمالي العالمي.
الشركات الأجنبية، والمؤسسات المالية الدولية، والأسواق الأوروبية، ورأس المال المحلي، كلها مرتبطة ببعضها البعض.
لذلك لا يمكن بناء اشتراكية مستقرة في تونس عبر «رأسمالية وطنية» أكثر عدالة.
نحن بحاجة إلى توحيد نضال العمال في تونس مع نضالات العمال في شمال أفريقيا وأوروبا وبقية العالم.
إن البديل ليس رأس مال تونسي في مواجهة رأس مال أجنبي، بل وحدة العمال في مواجهة الرأسمال أياً كانت جنسيته.
من أجل الاشتراكية
أزمة المياه، وارتفاع الأسعار، والبطالة، والاستغلال، وتدهور الخدمات، والقروض، ليست مشكلات منفصلة يمكن حل كل واحدة منها بإجراء إداري.
إنها ناتجة عن نظام يضع الربح قبل حاجات الإنسان.
لذلك نناضل من أجل برنامج يبدأ بالمطالب التي يحتاجها العمال والجماهير اليوم، لكنه لا يتوقف عند حدود الرأسمالية.
من أجل:
ماء للجميع.
أجور تواكب الأسعار.
عمل لائق وساعات عمل أقصر.
تعليم وصحة وسكن للجميع.
نقابات ديمقراطية ومكافحة للبيروقراطية.
رقابة العمال على أماكن العمل.
تأميم القطاعات الكبرى تحت رقابة وإدارة العمال والجماهير.
تخطيط ديمقراطي للاقتصاد.
وحكومة تستند إلى العمال والجماهير المنظمة.
هذه ليست مجرد إصلاحات منفصلة.
إنها خطوات في اتجاه نقل السلطة الاقتصادية والسياسية من الأقلية المالكة إلى الأغلبية التي تنتج الثروة.
من أجل تونس اشتراكية، ومن أجل عالم اشتراكي.
هيئة تحرير إيسكرا