الرفيقة نضال أحمد
إيسكرا – ألمانيا
في كل مرة نتحدث فيها عن الماركسية وعن مراجعها نسمع جملاً مثل: أنتم جامدون عقائديون، وأنتم غير حياديين لأن كل مصادركم من الفلسفة الماركسية نفسها. هنا نرد بكل وضوح: من لا يمتلك فلسفة الطبقة العاملة، أي الماركسية، فهو يمتلك فلسفة الطبقة السائدة، أي البرجوازية، التي تحاول على كل الأصعدة الترويج لفلسفتها على أنها حيادية، موضوعية ومنفتحة لكل الآراء والأفكار. لكن هل هذه هي فعلاً الحقيقة؟
هذا المقال ردٌّ من طالبة في علم الاجتماع بإحدى الجامعات الألمانية على ادعاء حياد وموضوعية العلم. ومن خلال أمثلة عدة وتجارب شخصية، يناقش المقال كيف يمكن لادعاء الحياد هذا أن يحجب انحيازات المؤسسات التعليمية، من المدرسة الابتدائية والمتوسطة وصولاً إلى الجامعة.
تزوير وإخفاء الحركات العمالية في المناهج التعليمية
الديمقراطية المفرطة لجمهورية فايمار
في المنهج الدراسي لمادة التاريخ، قُدِّم صعود النازية وهتلر إلى الحكم، ببساطة، على أنه نتيجة لكون جمهورية فايمار «ديمقراطية أكثر من اللازم»، ولأنها كانت تسمح لجميع الأحزاب بالوجود في البرلمان الألماني «الرايخستاغ». ولهذا كان بإمكان حزب NSDAP، أي حزب العمال القومي الاشتراكي الألماني بقيادة هتلر، المشاركة في القرارات البرلمانية، ثم الوصول إلى الحكم وإقامة النظام الفاشي. لكن هل هذا صحيح فعلاً؟ وهل كانت جمهورية فايمار ديمقراطية إلى هذه الدرجة؟
الجواب الحقيقي هو أن جمهورية فايمار كانت بالفعل ديمقراطية، لكنها كانت ديمقراطية دولة برجوازية، اقتصادياً وسياسياً. أما تجاه معارضيها من الشيوعيين الثوريين، فقد كانت دموية وقمعية إلى أبعد الحدود. فقد اغتيلت روزا لوكسمبورغ وكارل ليبكنيشت بعد اختطافهما وتعذيبهما على أيدي عناصر من الفرايكوربس، في سياق قمع اعتمدت فيه حكومة فايمار على هذه التشكيلات. والأدهى أنه بعد انكشاف الجريمة تسترت عليها الصحافة آنذاك، وروّجت الصحافة البرجوازية والوثائق الرسمية للدولة رواية مزيفة تقول إن كارل ليبكنيشت أُطلق عليه النار بصورة غير متعمدة أثناء محاولته الهرب، وإن روزا لوكسمبورغ قتلتها الجماهير الغاضبة.
وفي السياق التاريخي لجمهورية فايمار، وبالنظر إلى أحداث سبقتها مثل الحرب العالمية الأولى، كانت الجماهير الألمانية تعيش أوضاعاً معيشية شديدة السوء، وتعاني الفقر والجوع والبطالة الحادة. وكان من أهم أسباب هذه الأوضاع خسارة ألمانيا الحرب العالمية الأولى والعقوبات التي فرضتها معاهدة فرساي. أدى ذلك إلى مظاهرات وانتفاضات عمالية عدة، كان من أهمها ثورة نوفمبر 1918، حين أضرب البحارة في كيل، ثم توسعت الحركة إلى إضراب عام في برلين. وبعدها بنحو سنة، أضرب مئات الآلاف من العمال في برلين لإسقاط الحكومة وإقامة سلطة المجالس العمالية بقيادة جناح سبارتاكوس اليساري. وفي النهاية، سحقت جمهورية فايمار الجماهير سحقاً دموياً بالاستعانة بميليشيات الفرايكوربس مرة أخرى، إلى جانب مظاهرات وإضرابات أخرى كثيرة انتهت بالقمع والقتل، وحتى بتزييف المطالب العمالية وشيطنتها.
ومع ذلك، اختزل المنهج التعليمي في ألمانيا كل هذه الأحداث في القول إن ذنب جمهورية فايمار الوحيد أنها كانت ديمقراطية أكثر مما ينبغي. يعلّمنا التعليم اليوم أن الفاشية همجية ومرعبة، وأنها تجربة لا ينبغي تكرارها، لكنه لا يعرض التفسير الماركسي الذي يرى في الفاشية أحد أشكال الحكم البرجوازي حين تعجز الوسائل البرلمانية عن امتصاص غضب الجماهير وعن تقديم التنازلات.
وبعد معاداة اليهود التي انتشرت بكثافة في ألمانيا خلال الحربيين العالمية الأولى والثانية تعلمنا المناهج الألمانية ان يجب علينا دائما تذكر الهولوكوست ومهماجة كل الأفكار المشابهة لها بينما تقوم الحكومة الألمانية في نفس الوقت بتمويل وبإرسال السلاح لإسرائيل لقتل المدنين في غزة.
أوتو بسمارك الديمقراطي
يتعلق مثال آخر على هذا التزوير بالحركات العمالية في ألمانيا في عهد القيصر أوتو فون بسمارك. ففي النظام التعليمي تُنسب نشأة التأمينات الاجتماعية، مثل المعاش التقاعدي والتأمين الصحي والتأمين ضد حوادث العمل، إلى بسمارك أو إلى فترة حكمه. ويقال إن العمال وأرباب العمل عقدوا اتفاقاً يدفع بموجبه كل منهما خمسين بالمئة من هذه التأمينات. ويُقدَّم كل ذلك في رواية شديدة الرومانسية داخل المناهج التعليمية. لكن الحقيقة مختلفة؛ فالأمر ليس كما تروّج الجامعات والمدارس الألمانية، أي إن بسمارك ابتكر هذه القوانين بدافع حب الخير للعمال. بل على العكس تماماً، كان الخوف من صعود الحركة العمالية ومن احتمال اندلاع ثورة أحد الدوافع الأساسية وراء ذلك. فمع الثورة الصناعية، كان العمال يعملون 14 ساعة يومياً أو أكثر، من دون أمان فعلي عند التعرض للأمراض والحوادث، وهي أمور كانت شائعة في ظل ظروف العمل آنذاك. وعلى أثر ذلك، نشأت حركات عمالية قوية ومنظمة، إلى درجة جعلت الطبقة السائدة تخشى انتفاضة عمالية تسقط حكم القيصر. عندها طوّر بسمارك استراتيجية «السوط وخبز السكر»، التي تقوم على نقطتين:
1. السوط: حُظر الحزب الاشتراكي الديمقراطي ونشاط النقابات العمالية، وكان من ينشط سياسياً دفاعاً عن حقوق العمال معرضاً للاعتقال أو حتى للنفي.
2. خبز السكر: بعد فشل الموجة الأولى من الاستراتيجية، اضطرت الدولة إلى منح العمال بعض الحقوق وتنفيذ جزء من مطالبهم بدلاً من المخاطرة بخسارة السلطة.
وبالتالي، كان بناء الدولة الاجتماعية الحديثة، من ناحية، نتيجة ضغط عمالي كاد أن يهدد حكم القيصر، ومن ناحية أخرى، وسيلة لاستمالة العمال بعيداً عن الأحزاب الاشتراكية ووضعهم تحت سلطة الدولة، عبر تقديم الحكم بوصفه ديمقراطياً وملبّياً لمطالبهم، لضمان عدم نهوضهم ضده مرة أخرى. المشكلة الأساسية هنا ليست الحكم الأخلاقي على بسمارك أو الطبقة السائدة آنذاك، بل نسب انتصارات فرضها النضال العمالي إلى نظام القيصر وشخص بسمارك. لكن لماذا يحصل ذلك؟ ألم يكن التعليم مادياً، موضوعياً، نقدياً وحيادياً؟
آمل، أيها الرفاق، أن يدفعكم هذا السؤال إلى مزيد من التساؤل والتفكير في مدى قدرة النظام التعليمي على أن يكون نقدياً ومادياً وموضوعياً ما دام خاضعاً لسلطة الرأسمالية. فالتعليم، شأنه شأن أي قطاع آخر، تابع للنظام القائم ولا يمكن فصله عن مصالح الطبقة السائدة، التي تسعى دائماً إلى الحفاظ عليه، حتى لو كان ذلك عن طريق الكذب والتزوير التاريخي.
التحليل الأكاديمي لأزمة البطالة
لا تكتفي المناهج التعليمية بتقديم التاريخ من منظور منحاز، بل تقدم الواقع المعاصر أيضاً ضمن الإطار نفسه. وفي مسألة البطالة، تقدم لنا تحليلاً وحلولاً لهذا الواقع ضمن إطار إصلاحي مغطى بستار نقدي للرأسمالية. فوفقاً للتحليل الأكاديمي، البطالة ظاهرة دورية وطبيعية ناتجة عن التحولات في القطاعات الاقتصادية.
يعرض هذا التحليل تطور الاقتصاد من خلال أربع قطاعات. يضم القطاع الأول الأعمال المرتبطة مباشرة بالطبيعة، مثل الزراعة والصيد والتعدين، ثم يأتي القطاع الثاني، أي الإنتاج الصناعي الذي توسع مع الثورة الصناعية. ويليه قطاع الخدمات، ثم القطاع الرابع والأحدث في هذا التحليل، المرتبط بالتعقلن والأتمتة. وشهدت بداية توسع القطاع الصناعي ارتفاعاً كبيراً في الإنتاجية من خلال تقسيم العمل داخل المصانع الكبيرة وتجزئة عملية الإنتاج. ومن خلال هذه التجزئة أصبح بإمكان العمال إنتاج عدد أكبر من القطع. وبرزت هذه الطريقة بصورة واضحة في الولايات المتحدة في مصانع شركة فورد للسيارات، ثم تبنتها الدول القائمة اقتصاداتها على الإنتاج الصناعي. وفي ذلك الوقت لم يعد بإمكان الحرفيين والمزارعين والمنتجين الصغار منافسة الإنتاج الصناعي الواسع.
وفي مرحلة التوسع الصناعي بعد الحرب العالمية الثانية، استقدمت ألمانيا عمالاً أجانب بسبب كثرة العمل والطلب المرتفع على القوى العاملة. وكانت عملية الاستقدام تتم عبر مكاتب توظيف رسمية تابعة للمؤسسة الاتحادية للعمل في البلدان التي جرى التوظيف منها. ومن أجل ذلك، عُقدت اتفاقيات مع دول عدة، منها اليونان عام 1960 وتركيا عام 1961. وأدى كل هذا إلى زيادة إنتاجية العمل، وتحسن القدرة التنافسية في السوق العالمية، وازدياد معدل ربح رأس المال والنمو الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، ترافق هذا التوسع مع أضرار بيئية متسارعة هددت جوانب أساسية من شروط الحياة الإنسانية. ويلخص التحليل الأكاديمي هذه الأحداث بوصفها سياسة للطلب الفعال على مستويين:
الأول: الطلب الفعال الناتج من الاستهلاك الجماعي للسيارات والسلع الاستهلاكية الأخرى.
والثاني: الأجور المرتفعة نسبياً وتحسن دولة الرفاهية بوصفهما نتيجة لهذا الازدهار.
وبعد نهاية ستينيات القرن الماضي، بدأت حدود النمو الاقتصادي بالظهور بعدما بلغ اعلى مستوياته. ويقدم لنا التحليل الأكاديمي أسباباً مثل تشبع الأسواق والإفراط في الإنتاج، وبذلك انتهى العصر الذهبي للعمالة الكاملة. ومع هذا التحول ظهرت مطالب بأشكال جديدة لتنظيم العمل وباستخدام تقنيات جديدة. وفي ظل هذه الظروف أُنشئت جمعيات مثل «رابطة REFA لدراسات/تصميم العمل، وتنظيم المنشآت، وتطوير المؤسسات». وفي هذا الإطار تطور القطاع الحديث، أي التعقلن والأتمتة. وأتاح هذا التحول رفع الإنتاج وخفض الاعتماد على قوة العمل، كما ترافق مع ضغط منهجي على الأجور. وهنا تكمن نقطة التحول التي أسهمت في البطالة في هذا القطاع الجديد. وتشرح المصادر الأكاديمية ازدياد البطالة بسببين رئيسيين:
الأول: زيادة متطلبات الأداء.
والثاني: ارتفاع متطلبات التأهيل أو التحصيل العلمي للقوى العاملة، وهو ما لم يكن متوفراً آنذاك لدى كثيرين بسبب طبيعة العمل الأبسط في المرحلة السابقة.
ومن هنا ارتفعت البطالة بعدما كانت شبه معدومة، وأصبحت تحتاج إلى حلول سريعة. وتقدم سياسة سوق العمل تدابير لتعزيز فرص العمل، مثل إعادة التدريب والبرامج التعليمية والدعم المالي. تبدو هذه التدابير جميلة نظرياً، لكنها كلام على ورق. بلغ عدد العاطلين عن العمل 3.007 ملايين شخص عام 2026، مع زيادة بنسبة 0.2% مقارنة بالشهر السابق، في حين لا يتجاوز عدد العاطلين الذين يشاركون في برامج إعادة التدريب أو البرامج التعليمية لمواجهة البطالة 250 ألف شخص سنوياً. فلماذا لا تُتاح إعادة التدريب والبرامج التعليمية لجميع العاطلين عن العمل، ما دام أساس المشكلة واضحاً للحكومة الألمانية؟ لقد ذكرنا في بداية الفقرة أن الرأسمالية تستطيع دائماً تبرير أزماتها، ولو اضطرت إلى الاعتراف بها، من أجل الحفاظ على نظامها وتقديم حلول إصلاحية تغطي على فشلها وتمنح وهماً بالتغيير. والواقع أن الحكومات تقدم مثل هذه الحلول، ويجري الترويج لها في المدارس والجامعات بوصفها حلولاً فعالة وجيدة، على الرغم من محدوديتها.
وهناك سياسات أخرى، مثل دعم عودة العاطلين عن العمل من الأجانب. وعلى هذا الأساس صدر قانون مساعدات العودة عام 1983، الذي منح 10.500 مارك ألماني، بالإضافة إلى 1500 مارك لكل طفل مهاجر. وإضافة إلى ذلك، روّجت السياسة المحافظة لهذه القوانين عبر دعاية تزعم أن الثقافة الألمانية في خطر بسبب المهاجرين واللغات والثقافات الأجنبية، في حين كانت سياسة الاستقدام الرسمية في بداية الستينيات تستخدم الإعلانات بلغات أجنبية عندما احتاج الاقتصاد إلى العمال.

العولمة منذ تسعينيات القرن الماضي
من خلال فتح أسواق السلع والخدمات في جميع أنحاء العالم، استوجب ذلك إزالة الحواجز التجارية الوطنية، مثل الرسوم الجمركية وقيود الاستيراد. هذه الخطوات يصفها الأكاديميون بأنها «المزيد من الاستثمار في الوظائف»، وفي المصدر نفسه، بعد أسطر قليلة، تُذكر النقاط التالية:
– تستثمر الشركات العالمية مبالغ كبيرة في أنحاء العالم.
– وتبحث عن أفضل ظروف الاستثمار والربح، حتى لو نُقل الإنتاج إلى الأماكن الأقل تكلفة.
– وتختار أماكن ذات أدنى مستويات الأجور والمعايير البيئية ومعايير السلامة في مكان العمل.
وها هي إحدى النتائج: في 24 أبريل 2013 انهار مجمّع «رانا بلازا»، الذي ضم مصانع للمنسوجات، في العاصمة دكا ببنغلاديش، ولقي أكثر من 1100 شخص مصرعهم. هكذا تتناقض الرأسمالية مع نفسها، ويواصل النظام التعليمي أداء دوره في تثبيت هذا النظام.

حسب التحليل الماركسي؛ في ظل الظروف المهيأة للربح ولاستغلال العمالة في البلدان المستعمَرة وشبه المستعمَرة، تنقل شركات ألمانية وعالمية كثيرة، ولا سيما شركات الألبسة، إنتاجها إلى تلك البلدان. وتبرر ذلك بأن الضرائب في بلدانها الأصلية مرتفعة جداً، وأن البيروقراطية معقدة، وأن القيود المفروضة عليها كثيرة. وهكذا ترتفع البطالة أيضاً، ثم يُحمَّل العمال مسؤوليتها بذريعة مطالبهم «التعجيزية»، مثل المطالبة بأجر يكفل مستوى معيشياً كافيا على الأقل.
كذلك يتعرض العمال الأجانب، الذين يهاجرون بسبب تغير المناخ أو الحروب أو أسباب اقتصادية كالفقر والجوع، للاستغلال في البلدان المستقبلة. فكثير منهم يتقاضون أجوراً منخفضة ويعملون في أصعب الأعمال وأشدها مشقة. وغالباً ما يكون العمل عبر شركات توظيف تقتطع جزءاً من أجر العامل بحجة التوظيف. أما أصحاب العمل الذين منهم لا يوظف العمال الأجانب مباشرة، فيبررون ذلك بأنهم غير مؤهلين بسبب اللغة أو اختلاف الثقافة أو تدني التحصيل العلمي، لكنهم يقبلون العمال أنفسهم عندما يأتون عبر شركات التوظيف. فما الذي تغير؟ إنهم العاملات والعاملون أنفسهم؛ لم يتغير شيء سوى أنهم باتوا عرضة للاستغلال من طرفين أو أكثر. وفي النهاية، ومهما كان ضغط العمل كبيراً، يتمسك كثير من العمال الأجانب بعملهم خوفاً من عواقب قانونية، كسحب الإقامة أو حتى الترحيل. ويُضاف إلى ذلك الضغط الواقع على الشباب المهاجرين الراغبين في الدراسة الجامعية أو التدريب المهني، إذ يجد بعضهم نفسه مضطراً إلى العمل من دون شهادة أو تأهيل خوفاً من الترحيل، مع أنهم يسمعون في المدرسة أن القانون الألماني يدعم حرية الطالب في اختيار مهنته أو دراسته المستقبلية.
البطالة في الرأسمالية نتيجة طبيعية أيضاً لأننا كثيراً ما نرى عمالاً يعملون حتى 12 ساعة يومياً، بينما لا يعمل آخرون ساعة واحدة. لكن لماذا يحدث هذا؟ ولماذا لا يستطيع الاقتصاد الرأسمالي توزيع ساعات العمل على الجميع، بدلاً من تشغيل عامل واحد وترك ثلاثة آخرين بلا عمل ولا أجر؟ ولهذا نطالب في إيسكرا بالسلم المتحرك لساعات العمل والأجور، بحيث يُوزَّع العمل والأجر على الجميع، من دون إرهاق بعض العمال وترك آخرين عاطلين.
إضافة إلى ذلك، فإن البطالة حتمية في الرأسمالية بسبب الإنتاج الفوضوي غير المخطط. وقد رأينا في بداية الفقرة كيف وصل النمو الاقتصادي إلى حدوده في نهاية ستينيات القرن الماضي وارتفعت البطالة بسبب فائض الإنتاج الناتج من تشبع الأسواق، وعدم القدرة على تصريف المنتجات، والركود الاقتصادي الذي أعقب ذلك. لكن التحليل الأكاديمي يكتفي بالقول إن عصراً جديداً بدأ في القطاعات الاقتصادية، وإن البطالة نتجت من مشكلة أفراد لا يملكون التحصيل العلمي الكافي لأداء المهام الجديدة التي تتطلب مستوى أعلى من التأهيل. وفي الوقت نفسه ينتظر العمال دورات تعليمية تساعدهم على الخروج من البطالة، لكنها لا تُتاح لجميع العاطلين بسبب تكلفتها العالية والشروط التعجيزية المفروضة للحصول عليها. أما في مسألة العمال الأجانب، فقد رأينا كيف يجري استغلالهم بطرائق متعددة وقاسية: إما باستقدامهم في أوقات الازدهار ثم دفعهم إلى العودة أو ترحيلهم والادعاء بأنهم يهددون الثقافة المحلية، وإما باستغلالهم في بلدانهم في ظل أسوأ ظروف العمل وأدنى الأجور.
الخلاصة من هذه الفقرة هي توضيح الاختلاف الجوهري بين التحليل الأكاديمي للبطالة والتحليل الماركسي. فبينما يخبرنا المحللون البرجوازيون أن أزمة البطالة ظاهرة عابرة ومؤقتة ونتيجة طبيعية لتحولات القطاعات الاقتصادية، ترى الماركسية أن البطالة ملازمة للنظام الرأسمالي، حتى لو بدت معدومة في بعض السنوات. وهي ليست دائمة فحسب، بل ضرورية أيضاً؛ فالرأسمالية تصنع من العاطلين عن العمل جيشاً احتياطياً تستخدمه للضغط على العاملين الذين يطالبون بأبسط حقوقهم، مثل أجر يكافئ عملهم أو ساعات عمل أقل.
هل لا يزال هناك مجتمع طبقي؟
يشغل هذا السؤال أكاديميي علم الاجتماع الحديث، ويُطرح بصورة جدلية في كتاب علم الاجتماع «Die Sozialstruktur Deutschlands»، أي «البنية الاجتماعية لألمانيا»، ضمن فقرة بعنوان «الطبقات والفئات الاجتماعية في بوتقة الانصهار – جدل ألماني». تبدأ الفقرة بالإشارة إلى أن عدم المساواة الاجتماعية في ألمانيا يتزايد منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ ولذلك لم يعد النقاش يدور فقط حول ما إذا كانت البنية الاجتماعية منقسمة إلى فئات أو طبقات، بل حول سؤال: هل تذوب الطبقات والفئات الاجتماعية تدريجياً أم تستمر في الوجود؟ وبعبارة أخرى، لم يعد الجدل مقتصراً على وجود الطبقات من عدمه، بل أصبح يدور حول ما إذا كانت الفوارق الطبقية تتراجع فعلاً مع تطور المجتمع الحديث، أم أنها تستمر ولكن بأشكال أقل وضوحاً وأكثر تعقيداً.
بالنسبة إلى الماركسيين، الجواب واضح جداً: الصراع الطبقي موجود دائماً. وقد لا يظهر بوضوح في أوقات الرخاء الاقتصادي، لكن ذلك لا يعني أنه غير موجود، لأنه لا يوجد رخاء اقتصادي دائم. والدليل أن الصراع يظهر بسرعة وبصورة مباشرة عندما تشتد التناقضات الطبقية. فهل يظهر هذا فجأة؟ بالتأكيد لا. لكن دعونا نرَ كيف يحلل الأكاديميون هذا السؤال.
بحسب الفرضية الأولى في الكتاب، يؤدي تحسن الظروف المعيشية إلى أن يصبح المجتمع متقارباً طبقياً إلى درجة تطغى فيها الطبقة الوسطى، بفضل الازدهار المتزايد والاستهلاك الجماعي وسياسة إعادة التوزيع التي تنتهجها الدولة. ووفق هذه الفرضية، تتاح للطبقات الدنيا فرصة المشاركة في امتيازات الطبقتين الوسطى والعليا، مثل المساكن المريحة والأجهزة الكهربائية والسيارات والرحلات والتعليم. ويؤدي ذلك إلى تراجع رموز المكانة الاجتماعية التي تميز بعض الفئات من غيرها، بما أن الجميع يستطيع الوصول إليها. أما العامل الآخر الذي يوحد جميع الطبقات فهو المخاطر التي يُفترض أنها تؤثر في الجميع بالتساوي، مثل البطالة الجماعية والمخاطر البيئية والأمراض والتهديد النووي أو الحروب.
أما من وجهة نظر ماركسية، فيقوم تحقق هذه المساواة بين الطبقات في الفرضية الأولى على عاملين حاسمين: الازدهار الاقتصادي وإعادة توزيع الثروة على الطبقات الدنيا. لكن هاتين النقطتين تكشفان حدود الفرضية نفسها؛ فالنظام الرأسمالي قائم على الربح، والربح يولد طبقات متنافسة. ومع ذلك، تحدث دورياً فترات من الرخاء الاقتصادي، كما حدث في ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما حطمت الرأسمالية أسواقها، ثم أدت إعادة الإعمار إلى توسع الأسواق والإنتاج. في ذلك الوقت شهدت الجماهير امتيازات كثيرة، مثل وفرة السكن الرخيص، والعمل الجيد نسبياً، ونظام صحي وتقاعدي أفضل مقارنة بيومنا هذا. لكن هذا الازدهار لا يمكن أن يستمر داخل النظام الرأسمالي، ولا يعني أن المخاطر المذكورة في الفرضية، مثل المخاطر البيئية أو الوبائية، تصيب الجميع بالطريقة نفسها.
وقد شهد العالم في بداية عام 2020 وباء كورونا، وساد في بعض الخطابات العامة تصور بأن آثار الوباء تطال الجميع على نحو متشابه، وأن خطره واحد على جميع فئات المجتمع. لكن الدراسات والإحصائيات التي ظهرت لاحقاً بيّنت أن الطبقات الفقيرة كانت من أكثر الفئات تضرراً، لأسباب عدة. فقد تضررت المسيرة الدراسية للأطفال الذين لم تكن أسرهم تملك أجهزة حاسوبية لمتابعة التعليم عن بعد، وازداد الضغط النفسي على العائلات ذات الدخل المنخفض التي كانت تعيش مع أطفالها في شقق صغيرة وتعاني من ضيق المساحة خلال فترات القيود على الحركة، مقارنةً بأصحاب الدخل المرتفع الذين كانت لديهم مساكن أوسع ومساحات خارجية أكبر. هذا فضلاً عن تسريح العمال البسطاء بعد انتهاء عقودهم وعدم بقاء حاجة إليهم في ظل الركود الاقتصادي آنذاك.
نعود الآن إلى الفرضية الثانية التي يعرضها الكتاب. تقول هذه الفرضية إن الاختلافات موجودة بالفعل، لكنها ليست اختلافات اجتماعية أو طبقية، بل فردية وشخصية، مثل العمر والجنس ومنطقة السكن والحالة الاجتماعية وعدد الأولاد أو حتى الجيل. ومن وجهة نظر أصحاب هذه الفرضية، فإنها مشكلات شخصية لا علاقة لها بالفروق الطبقية. فالعاملة تُستغل بسبب جنسها، لا لأنها من الطبقة العاملة، والمسن يُستغل أو لا يؤخذ على محمل الجد بسبب عمره، لا لأنه لا يملك المال.
وبحسب هذه الفرضية، تعاني الجماهير من عدم المساواة لأسباب شخصية، وبذلك يبتعد التركيز عن الوعي الطبقي، ويجري تجاهل الفئات والطبقات في المجتمع.
أما من وجهة نظر ماركسية، فهنا يظهر مرة أخرى مدى ميكانيكية هذا التحليل وانفصاله عن الأساس المادي لهذه «الاختلافات الجديدة». فهي ليست جديدة، بل موجودة منذ نشوء المجتمع الطبقي. وفي مسألة اضطهاد المرأة تحديداً، تستند بعض القراءات الماركسية المبكرة إلى فرضية أن المرأة أدت في بعض المجتمعات المشاعية دوراً مركزياً، وأن أشكال القرابة الأمومية سبقت ترسخ النظام الأبوي. ووفق هذا التصور، ارتبط صعود النظام الأبوي بتطور الملكية الخاصة والمجتمع الطبقي.
ولا يستطيع الماركسيون فصل الاختلافات الشخصية، مثل الجنس والعمر، عن أساسها الطبقي. فالمرأة لا تتعرض للاضطهاد لأنها امرأة فحسب، بل لأننا نعيش في نظام أبوي ارتبط تاريخياً بتطور الملكية الخاصة والمجتمع الطبقي. ولكي نستطيع تحرير المرأة من الاستغلال، يجب أن نناضل ضد النظام الأبوي؛ ومن أجل ذلك، علينا أن نحارب النظام الطبقي. ولكي نحارب النظام الطبقي، علينا أولاً أن نعترف بأننا نعيش في مجتمع طبقي.
ويعرض الكتاب بعد ذلك فرضية أخرى بعنوان: «تعدّد الأوساط الاجتماعية وأنماط الحياة وتفرّدها، وما يرافق ذلك من فكّ ارتباطها بالظروف الموضوعية للحياة». يفترض الكاتب هنا أن الإنسان الفقير يستطيع أن يفصل نفسه عن بيئته الفقيرة، وأن يتبع نمط حياة يعيشه أناس من الطبقات العليا، فيبدو الناس متساوين ظاهرياً. ومن أمثلة ذلك نمط حياة صحي يتألف من رياضة صباحية، ثم حمام دافئ، وعصير برتقال على الإفطار، والعمل من المنزل على أحدث الحواسيب، وفي المساء ممارسة الهواية المفضلة، مثل الغولف.
أما من منظور ماركسي، فإن هذا التصور يفترض أن الفرد يستطيع، إلى حد بعيد، أن ينفصل عن ظروفه المادية والاجتماعية وأن يختار نمط حياته بصورة مستقلة عنها. وهنا تظهر مثالية هذا التحليل بوضوح، لأنه يفصل نمط الحياة عن الشروط المادية الضرورية لتحقيقه. فهل يستطيع العامل الذي يعمل ثماني ساعات يومياً بأجر منخفض، ويعاني ضغط العمل والسكن والوقت، أن يختار ببساطة النمط نفسه الذي يعيشه شخص يمتلك دخلاً مرتفعاً ووقت فراغ وموارد أكبر؟ إن نمط الحياة لا يتحدد بالإرادة الفردية وحدها، بل يرتبط أيضاً بالدخل، ووقت الفراغ، وطبيعة العمل، وظروف السكن، والموقع الطبقي.
وفي النهاية، يقدم الكتاب اقتباساً يلخص أفكار أولريش بيك على النحو الآتي: «الطبقات والفئات تختفي بصورة متزايدة، وهي أقل ملاحظة في الحياة اليومية. ولم يعد من الممكن التعرف إليها في الوعي، أو في التفاعلات والاتصالات والعلاقات الاجتماعية الملموسة، ولم تعد هدفاً للتعريف الواعي. وختاماً، صاغ أولريش بيك أطروحة التفكك الطبقي بأكثر الطرق إيجازاً، وطورها إلى نظرية جديدة تحت مسمى انعدام الطبقات».
لكن الكتاب نفسه ينتقل بعد ذلك إلى فرضيات معاكسة لما سبق، تدعم استمرار وجود الطبقات الاجتماعية. وهنا يبدو الكتاب أكثر توازناً، لأنه لا يكتفي بعرض الفرضيات التي تتحدث عن انصهار الطبقات، بل يعرض أيضاً أدلة تؤكد استمرارها.
وبحسب هذه الفرضيات المضادة، لا يعني التغير في أشكال المجتمع وتعدد أنماط الحياة أن الطبقات قد اختفت، لأن الموقع الطبقي ما يزال يؤثر بصورة مباشرة في فرص الأفراد ومخاطرهم.
وبحسب الكاتب، صحيح أن المجتمع الألماني عام 2013 لم يعد مجتمعاً طبقياً بالمعنى الراديكالي، أي إن الحدود بين الطبقات لم تعد تظهر دائماً بالشكل الصارم والواضح الذي كانت تظهر به في مراحل تاريخية سابقة، لكن فرص الحياة والمخاطر المهمة ما زالت، حتى في البنية الاجتماعية الألمانية التي أصبحت أكثر تمايزاً وتعددية، مرتبطة بدرجة كبيرة بالمعايير التقليدية للطبقة الاجتماعية، مثل مستوى التعليم والمكانة المهنية. كما أن هذا النوع من عدم المساواة الرأسية لا يزال حاضراً في وعي السكان.
وتثبت مجموعة كبيرة من الدراسات القديمة والحديثة أن فرص الحياة لا تتوزع بالتساوي بين جميع أفراد المجتمع، بل تختلف بوضوح بحسب موقعهم الطبقي، ومنها فرص الحصول على تعليم جيد وتحقيق الحراك الاجتماعي إلى الأعلى، وفرص الحصول على عمل مريح ومؤهل وجيد الأجر، وفرص امتلاك ثروة كبيرة والحصول على الميراث، وفرص المشاركة السياسية والوصول إلى المعلومات المهمة. كذلك تزداد مخاطر مهمة، مثل البطالة والفقر والتجريم، كلما اتجهنا إلى الطبقات الاجتماعية الأدنى.
ويُعد الترابط بين الطبقة الاجتماعية والصحة، منذ زمن طويل، من الموضوعات المركزية في الطب والسوسيولوجيا الصحية. ويتضح في هذا السياق أن الأبعاد الأساسية لعدم المساواة الاجتماعية، مثل التعليم والمهنة والدخل، تؤثر بصورة حاسمة في الوضع الصحي. فعلى سبيل المثال، تُعد أمراض الجهاز القلبي الوعائي والجهاز الحركي، ومرض السكري وأمراض الأسنان، وكذلك الوفاة المبكرة، من المخاطر المرتبطة بالطبقة الاجتماعية. وتنشأ هذه المخاطر، من بين أسباب أخرى، عن ظروف العمل والحياة المرهقة، والتدخين، والإفراط في استهلاك الكحول، والتغذية غير المتوازنة وزيادة الوزن، ونقص النشاط البدني، أو ضعف الاستفادة من الرعاية الصحية بسبب عوائق الوصول إليها.
يرى نوربرت إلياس أن الناس يدركون التقسيم الطبقي من خلال تجربتهم في المجتمع. وتُظهر استطلاعات أُجريت بين الطلاب والعمال والموظفين في المصانع أن جميعهم تقريباً ينظرون إلى محيطهم الاجتماعي بوصفه منظماً بصورة هرمية. وفقط 3% من الطلاب و6% من العمال الصناعيين، بمن فيهم مديرو العمل، يفترضون أنه لم تعد هناك طبقات أو شرائح اجتماعية في المجتمع الحالي.
وعندما طُرح السؤال: «ما التناقضات الحقيقية في ألمانيا، أي ما الذي يميز الناس في مجتمعنا بعضهم عن بعض قبل كل شيء؟»، أجاب 74% من السكان: «الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد». وكثيراً ما ذُكرت أيضاً الفروق المرتبطة بها: الدخل 65%، والتعليم 58%، والملكية أو الثروة 52%. في المقابل، ذُكرت فروق أخرى، مثل العمر أو الجيل 41%، والحالة العائلية 31%، وشرق ألمانيا أو غربها 31%، والمدينة أو الريف 27%، والدين 27%، وفروق متنوعة أخرى تراوحت بين 19% و27%.
وأخيراً، وبحسب الإحصائيات، ظلت الصراعات الرأسية بين الفقراء والأغنياء وبين العمال وأصحاب العمل، إلى جانب الصراع الإثني بين الألمان والأجانب، من خطوط الصراع الأساسية في تصور السكان للمجتمع عام 2010. أما الصراع بين الأجيال والصراع بين الجنسين، فقد صُنّفا في المرتبتين الثانية والثالثة على التوالي من حيث الأهمية.
وهنا يصبح الفرق بين مجموعتي الفرضيات واضحاً: فالفرضيات الأولى ترى أن تحسن ظروف المعيشة، وتعدد أنماط الحياة، وتزايد أهمية الاختلافات الفردية أضعفت الانقسام الطبقي؛ أما الفرضيات المضادة فتبيّن أن الموقع الطبقي ما يزال مرتبطاً بالتعليم والعمل والدخل والثروة والصحة والمشاركة السياسية، وكذلك بمخاطر البطالة والفقر.
وبحسب الكاتب، تبدو أطروحة زوال الطبقات الاجتماعية كأنها إعادة بناء «أكاديمية» و«نظرية» للبنية الاجتماعية، صُممت على المكتب أو على الحاسوب، وهي بعيدة جداً عن تجارب الناس اليومية في ممارساتهم الاجتماعية. «ومن هنا، وعلى الرغم من أن كثيراً من محللي البنية الاجتماعية الألمان يتحدثون عن زوال الطبقات والشرائح الاجتماعية، فإن من يتبنون هذا الرأي لا يمثلون سوى أقلية صغيرة جداً من الفاعلين الاجتماعيين».
وبكلمات الكاتب، يمكن تلخيص الأمر على النحو الآتي: ليست النتيجة التي أفرزتها عملية التحديث زوال الطبقات والشرائح الاجتماعية، بل نشوء بنية طبقية أكثر ديناميكية وتعددية، وأكثر خفاءً أيضاً.
وهنا نصل إلى نقطة اختلافنا الأساسية مع هذا التحليل.
نحن نتفق مع أغلب الفرضيات المناقضة لفكرة انصهار المجتمع الطبقي، ونرى أهمية الإحصائيات والدراسات التي تثبت هذا الواقع المادي الراسخ في وعي الجماهير، لكننا نختلف مع التحليل الأكاديمي لأصل مشكلة عدم المساواة. فبحسب الكاتب، تكمن المشكلة، من ناحية، في بنية طبقية أكثر ديناميكية وتعددية وخفاءً، ومن ناحية أخرى، في عملية التحديث أو الحداثة. لكن هذا التحليل لا يبدو كافياً ولا واضحاً؛ فالكاتب لا يوضح معنى المصطلحات التي يستخدمها، مثل عملية الحداثة أو البنية الطبقية الديناميكية الخفية. فما المقصود بهذه البنية؟ وما عملية التحديث التي يتحدث عنها ويقدمها بوصفها سبباً للمشكلات التي تنتج عدم المساواة؟
بعد البحث في مراجع سوسيولوجية أخرى، نصل إلى مفهوم عملية الحداثة. وبحسب المفهوم السوسيولوجي، بدأت عملية الحداثة في القرن الثامن عشر مع عصر التنوير، الذي رافقته أفكار مثل التحرر والفردية والحقوق الديمقراطية ومفاهيم العدالة الاجتماعية وغيرها من أفكار المجتمع الحديث. ويربط هذا الاتجاه السوسيولوجي عملية الحداثة بتحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية أعادت تشكيل أنماط عدم المساواة في المجتمع.
لكن من وجهة نظر ماركسية، يبقى السؤال: لماذا تؤدي عملية التحديث إلى استمرار التفاوت الطبقي أصلاً؟ وهل نشأت اللامساواة مع الحداثة، أم أن جذورها أقدم بكثير من المجتمع الحديث؟
من خلال هذه التساؤلات يتضح لنا أن مشكلة عدم المساواة في المجتمع بدأت قبل القرن الثامن عشر بزمن طويل؛ فهي ليست مشكلة حديثة، بل ظاهرة ملازمة للمجتمعات الطبقية. والمجتمع الطبقي لا يقوم فقط على التناقض بين العامل والرأسمالي، بل عرف أيضاً تناقضات بين الإقطاعيين والأقنان، وبين الأحرار والعبيد، وبين المعلّمين والصنّاع، كما يوضح البيان الشيوعي. وفي كل مرة نشأت هذه التناقضات، نشأ على أساسها صراع طبقي انتهى إما بتحول ثوري للمجتمع برمته وانهيار النظام القديم، وإما بانحلال الطبقتين المتصارعتين.
وفي وقتنا الراهن، لا تختلف المشكلة في جوهرها عن ماضي المجتمع الطبقي. فلا شك أن عالمنا يشهد عملية حداثة، لكن هذه العملية والأفكار المرتبطة بها ليست مجردة، بل هي جزء لا يتجزأ من تناقضات المجتمع الحالي. فالتحديث والتطوير نتيجتان طبيعيتان لتطور المجتمع البشري على مدى قرون؛ إذ تطورت البشرية باستمرار، في المجتمعات الأولى والعصور الحديثة، من اكتشاف النار إلى الهواتف الذكية. لكن ما تكرر في مراحل كثيرة من تاريخ المجتمع الطبقي هو أن أقلية امتلكت مكتسبات أو موارد مهمة، ومنعت انتقالها إلى الطبقات الدنيا أو عرقلت تعميمها من أجل الاحتفاظ بها لنفسها، فنتج من ذلك تعطيل التطور.
وهنا نرى أيضاً تناقضات النظام الرأسمالي وعجزه عن توظيف الحداثة لمصلحة الأكثرية، أي الطبقة العاملة، فتظهر الحداثة نفسها كأنها مصدر للتفاوت الطبقي. فبدلاً من تطوير الأجهزة والتقنيات الحديثة في مجالات عمل كثيرة، مثل القطاع الصحي أو الرعاية، لتسهيل عمل العاملات والعاملين ودفع المجتمع إلى الأمام، قد يُعرقل هذا التطور عندما لا يخدم الربح أو عندما يتطلب استثمارات لا تتفق مع مصالح رأس المال.
لكن الإحصائيات السابقة تشير إلى أن الفوارق الطبقية لا تختفي تماماً من وعي السكان، حتى عندما تعرض بعض التحليلات عدم المساواة بوصفها أزمة دورية أو نتيجة لعملية الحداثة. فقد يجري إيهام الطبقة العاملة أحياناً بأن الثروة توزعت، وأن طبقة وسطى صعدت وطغت على سائر الطبقات، لكن عندما يزول هذا الرخاء يزول الوهم، وتعود التناقضات إلى الظهور بوضوح.
يقول لينين: «جميع العلوم الرسمية والليبرالية تدافع، بطريقة أو بأخرى، عن العبودية المأجورة… إن توقع أن يكون هناك علم محايد في مجتمع قائم على العبودية المأجورة هو سذاجة صبيانية، كأن تتوقع الحياد من جانب الرأسماليين فيما يتعلق بمسألة ما إذا كان ينبغي خفض أرباح رأس المال لزيادة أجور العمال».
ومن خلال هذا المقال نود أن نذكّر كل من يعتبرنا جامدين عقائديين: لا ينبغي التعامل مع النظام التعليمي بوصفه مؤسسة محايدة قائمة خارج المجتمع؛ فهو، مثل غيره من المؤسسات، يتأثر بمصالح الطبقة السائدة. وكذلك لا ينبغي قبول ادعاء الفلسفة البرجوازية للنزاهة والحياد والانفتاح من دون نقد، ما دام تحليلها يتجاهل الأساس المادي والطبقي للمجتمع.
إذا كنتم تنتمون إلى الطبقة العاملة، فعليكم أن تمتلكوا فلسفة الطبقة العاملة لا فلسفة نقيضها. ولا يمكن أن يكون حليفنا الأكاديمي الذي يصوغ، من موقع مريح، أنماط حياة لا يستطيع العاملات والعاملون بلوغها، في حين يقوم النمط البرجوازي على تعب الطبقة العاملة. حليفنا الحقيقي هو من يحلل على أساس طبقي، أي على أساس ماركسي، بما يمكّننا من النضال ضد النظام الرأسمالي. وإذا كنا نريد مستقبلاً أفضل لنا ولأولادنا، فعلينا أن نكشف حدود الخطاب الأكاديمي السائد، وأن نناضل من أجل الفلسفة الاشتراكية.