الرفيق خالد رضوان
إيسكرا – القاهرة
عندما يصبح الحق في التقاضي امتيازاً طبقياً
قامت وزارة العدل المصرية في 31 أغسطس 2026 بإطلاق منصة «التقاضي الجنائي عن بُعد»، تمهيداً لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد ابتداءً من الأول من أكتوبر المقبل 2026.
تفاجأ المحامون عند التسجيل في المنصة بوجود قائمة أسعار تشبه إلى حد بعيد باقات الهواتف المحمولة أو اشتراكات المنصات الرقمية الترفيهية الهادفة للتربح، وتمثلت في: (500 جنيه اشتراك سنوي للمحامي – 500 جنيه رسوم حضور إلكتروني عن كل جلسة – 100 جنيه لحضور جلسات تجديد الحبس – 2500 جنيه اشتراك في خدمة الرسائل النصية – 10 جنيهات عن كل ورقة تصوير من ملف القضية). وتتضاعف الأزمة مع ضعف البنية التحتية الرقمية لشبكة الإنترنت، بما قد يؤدي إلى تعطيل الفصل في القضايا وإهدار حقوق المتقاضين بدلاً من تسريع إجراءاتها.
هذا التحول الرقمي والإداري هو تطور طبقي خطير، وليس سوى خطوة خطيرة نحو إخضاع إجراءات التقاضي لمنطق السوق وتسليع العدالة، وتحويلها من حق إنساني أصيل إلى خدمة مشروطة بالقدرة على الدفع. وهو جزء من استمرار تحوّل نظام الحكم وأجهزته نحو وجه نيوليبرالي متوحش، بتحويل التكنولوجيا من أداة لتسهيل الإجراءات إلى مقصلة اقتصادية لسحق الكادحين والطبقات الفقيرة، عبر فرض هذه الرسوم الباهظة التي سيتحملها في النهاية الأكثر فقراً وضعفاً.
كل ذلك دفع عدداً من المحامين الناشطين في مجال الحقوق السياسية وحماية الحق في السعي إلى العدالة إلى الطعن العاجل أمام مجلس الدولة على هذه الرسوم الجائرة بدعوى عدم دستوريتها؛ إذ فُرضت من الجهة الإدارية التنفيذية دون نص تشريعي من البرلمان يتفق مع نصوص الدستور التي تكفل حق التقاضي للجميع دون تمييز.
هذه المنصة والرسوم المفروضة من خلالها تمثل مرحلة خطرة في تحويل الوصول إلى العدالة من حق عام إلى امتياز طبقي تحدده القدرة المادية. إن خضوع القضاء لقواعد السوق ومتطلبات العرض والطلب والقدرة على الشراء يحوّل السعي إلى العدالة إلى حكر على الطبقة البرجوازية القادرة مادياً، ويحرم منها الطبقات الفقيرة والكادحة والشعبية؛ هذه الجماهير المقموعَة أمنياً أساساً والمحرومة من التمثيل والتعبير السياسي. كما يدفعها قسراً إلى التخلي عن حقها في التقاضي، ويطردها علانية من قاعات المحاكم، ويعمّق إحساسها بالعجز عن الدفاع عن نفسها بالطرق القانونية، ومن ثم يدفعها إلى اللجوء إلى طرق رجعية بدائية كالجلسات العرفية أو محاولة أخذ الحق بالقوة خارج نطاق القانون، مما يشكل تهديداً مجتمعياً واضحاً تسببت فيه الطبقة السائدة المسيطرة على السلطة والثروة بأجهزتها البيروقراطية.
لقد بدأ القضاء يُدفع تدريجياً نحو منطق الجباية وتحويل خدمات التقاضي إلى مصدر للإيرادات، في مسار لا ينفصل عن المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية الانتهازية التي استمرأت سحق الجماهير وتكديس الأرباح.
لقد رضي القضاء المصري «الشامخ سابقاً» بأن يكون تابعاً وسكرتيراً مدنياً يبرر بقراراته وأحكامه ترسانة القمع الرأسمالي البيروقراطي الوحشي. والأنكى من ذلك أن تُستخدم عوائد هذه الجباية مستقبلاً في زيادة دخول ومرتبات القضاة وأعضاء النيابة، تماشياً مع شكواهم المستمرة من انخفاض أجورهم، وهم يتناسون أنهم ليسوا الوحيدين الذين تآكلت دخولهم، بل إنهم من المحظوظين مقارنة بملايين العمال والفلاحين الفقراء وصغار الموظفين ذوي الدخل الثابت الذين يعيشون تحت خط الفقر.
وأمام هذا التغول والنهب الطبقي يبرز سؤال ملحّ: ما هو دور نادي القضاة في هذه المهزلة؟! وهو الجهة المنوط بها تاريخياً الدفاع عن منظومة العدالة وحق المواطنين، الذي لا يقبل المساومة، في اللجوء إلى القضاء بغض النظر عن مستواهم المادي والاجتماعي، كحائط صد أخير أمام تغول وتوحش السلطة التنفيذية على المجتمع ككل، بالنضال القضائي في ظل انسداد أفق النضال السياسي. إن صمت نادي القضاة هو برهان واضح على انحيازه الطبقي للمصالح الاقتصادية الفئوية لأعضائه على حساب دماء وحقوق الكادحين والمهمشين.
لطالما روّجت البرجوازية المصرية الجبانة التابعة الانتهازية لأكذوبة «استقلال السلطة القضائية». فهي لم تكن يوماً سلطة مستقلة، وما مُنح لها من هامش استقلال لم يكن إلا منحة من الحاكم العسكري المستبد، يمنحها ويمنعها طبقاً لظروف نظام الحكم واحتياجات السلطة. لكن الحقيقة الطبقية واضحة كما يبيّنها التحليل الماركسي للدولة: فحتى حين يتمتع القضاء بهامش من الاستقلال تجاه السلطة التنفيذية، فإنه لا ينفصل عن البنية الاجتماعية وعلاقات الملكية والسلطة التي تقوم عليها الدولة الرأسمالية، ويظل جزءاً من جهازها الحامي للنظام القائم.
إن إصلاح البنية القانونية للنظام من داخله وهم برجوازي سطحي وتشويه لوعي الجماهير، ولا بديل عن حل جذري يتمثل في:
أولاً: التطهير الشامل للجهاز القضائي البيروقراطي وتخليصه من العناصر التابعة ذات الولاء للرأسمالية العسكرية وأجهزتها الأمنية.
ثانياً: إلغاء جميع الرسوم القضائية وجعل التقاضي حقاً مجانياً بالكامل للكادحين والفقراء.
ثالثاً: انتخاب القضاة وأعضاء النيابة مباشرة من قِبل لجان شعبية وعمالية مناطقية، مع إمكانية عزلهم في أي وقت، والتوقف عن ترديد هراء أن القضاء يطهّر نفسه بنفسه من الداخل، وألّا تزيد رواتبهم على متوسط أجر العاملين في الجهاز الإداري أو متوسط أجر العامل الماهر.
العدالة لا تُباع بالتقسيط أو الاشتراكات البنكية، والتقاضي ليس خدمة استثمارية ولا وسيلة للجباية والنهب. والحق في العدالة لن يُنتزع بقرارات إدارية أو منصات استثمارية، بل بالنضال الطبقي المنظم الذي تخوضه الجماهير الشعبية بلا هوادة، وبخوض معركتها في سبيل التحرر الطبقي الشامل.