لم تكن رحلتي إلى كاتب العدل لإنهاء إجراءات فكّ عقد عملي مع شركتي السّابقة مجرّد مراجعة إداريّة روتينيّة، كما يُفترَض بمثل هذه المعاملات أن تكون. كانت تجربةً يوميّةً مكثّفةً، تكشف من خلال تفاصيلها الصغيرة واقعاً من الاكتظاظ، وضعف التّنظيم، وغياب التسهيلات الأساسيّة التي يحتاج إليها المواطن لإنجاز أبسط معاملاته.
كانت المفاجأة الأولى أنَّ كاتب العدل لم يكن موجوداً في قصر العدل، كما قد يتوقّع المرء، بل في الطابق الأرضي من مبنى المؤسّسة العامّة للأعلاف؛ مبنى قديم تبدو آثار الزمن واضحةً على جدرانه المتآكلة، التي بالكاد يصل إليها مايكفي من الضوء. ومنذ اللّحظة الأولى، لايحتاج الزّائر إلى كثيرٍ من الوقت ليدرك أن المكان لايوفّر الحد الأدنى من متطلّبات البيئة المناسبة لاستقبال أعدادٍ من المراجعين يوميّاً.
عندَ المدخل، مكتبٌ وخزانةٌ أنهكهما الإهمال والاستعمال الطويل، موضوعان بصورةٍ عشوائيّةٍ، مع اختفاءِ أيِّ مقاعدٍ تتيحُ للمنتظرين استراحةً قصيرةً خلال ساعات المراجعة.
لكنّ المشهد الأكثر وضوحاً يبدأ عند الدخول إلى الغرفة التي يوجد فيها كاتب العدل؛ غرفةٌ صغيرةٌ يتجاوز عدد المراجعين فيها قدرتها على الاستيعاب بكثير. أجسادٌ متقاربةٌ، وأصواتٌ متداخلةٌ، وأوراقٌ تنتقل بين الأيدي، وحركةٌ مستمرّةٌ في مساحةٍ لاتكاد تتّسع لمن فيها. ومع استمرار الانتظار، يصبح الشعور بالاختناق حقيقيّاً، لا مجازيّاً فحسب.
لا يوجد نظامٌ واضحٌ لتنظيم الدّور، ولا تقسيمٌ للمراجعين بحسب نوع معاملاتهم، ولا آليةٌ ظاهرةٌ تضمن أن يعرف كلّ شخصٍ متى يأتي دوره. الجميع ينتظر، والجميع يحاول أن يفهم كيف تسير الأمور، وفي ظلِّ غياب التنظيم، تتحوّل الفوضى إلى أمرٍ مألوفٍ، ويصبح رفع الصوت والمشادّة حول أسبقيّة الدّور جزءاً من المشهدِ اليوميِّ.
تتكرّر الخلافات: من جاء أوّلاً؟ من يحقّ له الدخول الآن؟ ومن سيُنهي معاملته قبل غيره؟ وفي خضمّ ذلك، يقف المواطن بين حاجته إلى إنجاز أوراقه ورغبته في تجنّب النزاع مع الآخرين.
ومايزيدُ المشهدَ غرابةً أنّ هذا الازدحامَ الشّديد لايُقابِلُهُ إيقاعُ عملٍ يتناسب معه؛ فبينما تتكدّس المعاملات ويتزاحم المراجعون في مساحةٍ ضيّقةٍ، يبدو إنجاز الأوراق بطيئاً للغاية، وكأنَّ الوقتَ داخلَ الغرفة يسيرُ بإيقاعٍ مختلفٍ عن الوقت الذي يعيشه المنتظرون خارجها. كلّ دقيقةٍ تمرّ على شخصٍ ينتظر دوره لها وزنها، خصوصاً حين يكون مُحاطاً بعشرات الأشخاص الذين ينتظرون الشيء نفسه.
ولا تقف المشكلة عند المكان أو آلية استقبال المراجعين، بل تمتدّ إلى طريقة حفظ المعلومات ومعالجتها. فما زالت البيانات تُدار ورقيّاً، ضمن ملفّاتٍ ضخمةٍ تُراجَع وتُعدَّل يدويّاً، وهو ماقد يترافقُ أحياناً مع أخطاءٍ في أرقام التراخيص والسجلات. وفي معاملاتٍ يُفترَض أن تقوم دقّتها على صحّة الأسماء والأرقام والبيانات، فإنَّ أيَّ خطأ من هذا النوع قد يعني مزيداً من المراجعات والانتظار، وربّما الحاجة إلى إعادة تصحيح ما كان يُفترَض أن يُنجَز بصورةٍ صحيحةٍ من المرّة الأولى.
ثمّ تأتي التكاليفُ لتضيف عبئاً آخراً إلى هذه الرّحلة، بعدَ أن بلغت تكلفة النسخة المصدّقة الواحدة من وثيقة فكّ عقد العمل ثلاثينَ ألفَ ليرةٍ سوريّةٍ، شاملةً الطوابع. وبما أنّني كنتُ بحاجةِ ثلاثِ نُسَخٍ مصدّقةٍ، فقد وصل المبلغُ الإجماليُّ إلى تسعينَ ألفَ ليرةٍ سوريّةٍ.
قد تبدو هذه التكلفةُ تفصيلاً صغيراً ضمنَ معاملةٍ إداريّةٍ، لكنّها ليست بمبلغٍ يُستهانُ به حينَ تُضاف إلى الوقت المهدور، وتكاليف التنقّل، واحتمال الاضطرار إلى تكرار المراجعة.
ومن هنا، يصبحُ من حقِّ المواطن أن يتساءل عن مبرّرات هذه التكاليف، ومدى تناسبها مع الخدمة المقدّمة، وعن إمكانية تبسيط الإجراءات وتخفيف الأعباء المرتبطة بها.
وبعدَ ساعاتٍ من الانتظار والفوضى ومحاولة استكمال الأوراق، انتهت المعاملة أخيراً.
خرجنا من المكان ووقفنا في الخارج، وكأنَّ الجزء الأصعب قد انتهى، لكنّ مشهداً أخيراً لفتَ انتباهي.
مرّ شيخٌ بالقرب من المكان، فسمعتُ صوتاً يصيحُ قائلاً: “خالتي، بَعدي، بدو يمرق الشيخ”.
مالَفَتَ انتباهي هنا لم يكن وجهة الشّيخ، بل الطريقة التي قُدِّم بها مروره.
لم يكن المشهد كافياً لأحكم على نوايا أحد، ولا لأجزم إن كان هذا التصرّف موجّهاً إلى النّساء تحديداً أم إلى الموجودين عموماً، لكنّه ترك لديّ تساؤلاً حول الحدود الفاصلة بين الاحترامِ الطبيعيِّ لشخص ما، وبين التعامل معه على أساس مكانته أو صفته، بما يجعل الآخرين يشعرون بأنّ عليهم إفساح الطريق له قبل أن يتّضح سبب الحاجة إلى ذلك.
فالاحترام لايتعارض مع المساواة، وتقدير أيِّ شخصٍ لاينبغي أن يعني أن يتحوّل وجوده -لمجرّد صفته- إلى سببٍ يجعل الآخرين يتراجعون أو يشعرون بأنّ عليهم الابتعاد.
وما يستحقّ التأمّل هنا ليس الشخص نفسه، بل تلك الاستجابة التلقائيّة التي قد تكشف، في بعض المواقف، عن تصوّراتٍ اجتماعيةٍ راسخةٍ حول المكانةِ والأولويّةِ، حتى في أبسط تفاصيل الحياة اليوميّة.
غادرْتُ المكانَ وأنا أفكّر في أنّ المشكلة لم تكن في ضيق الغرفة وحده، ولا في الجدران المتآكلة، ولا في بطء إنجاز المعاملات، ولا حتى في المبلغ الذي دفعته لقاء النسخ المصدّقة. المشكلةُ كانت في اجتماع كلِّ هذه التفاصيل ضمنَ تجربةٍ واحدةٍ؛ مكانٌ لايستوعب مراجعيه، وإجراءاتٌ تفتقر إلى التنظيم الكافي، وإيقاعُ عملٍ لايتناسب مع حجم الازدحام، وبياناتٌ مازالت عرضةً للأخطاء اليدويّة، وتكاليفٌ إضافيّةٌ، وانتظارٌ قد يتكرّر أكثرَ من مرّةٍ.
قد تبدو كلّ واحدةٍ من هذه المشكلات قابلةً للحلِّ إذا نُظِرَ إليها منفردةً، لكنّ اجتماعها يجعل المواطن يشعرُ بأنَّ إنجازَ معاملةٍ بسيطةٍ يحتاجُ إلى صبرٍ استثنائيٍّ، بدلاً من أن يكون إجراءً واضحاً ومحدّد الخطوات والوقت.
إنّ تحسين الخدمات العامّة لايبدأ بالضرورة بمشروعاتٍ ضخمةٍ أو تغييراتٍ جذريّةٍ. قد يبدأ من توفير مقاعد للانتظار، وتنظيم الدور، وتخصيص مساراتٍ واضحةٍ بحسب نوع المعاملة، وتحسين انسيابية العمل، ومراجعة تكاليف الخدمات، ثمّ الانتقال تدريجيّاً إلى أتمتة السجلات والحدّ من الأخطاء. وهي خطواتٌ تبدو بسيطة، لكنها قادرة على إحداث فرقٍ ملموسٍ في تجربة المواطن اليوميّة و بنفس الوقت وعي جديد بضرورة إنجاز خطوات إضافية جديدة باتجاه التغييرات الجذرية.
المؤسّسات العامّة ليست مجرّد أبنيةٍ تُنجَز داخلها الأوراق، بل هي واجهةُ العلاقةِ بين المواطن والإدارة. وطريقة استقبال الناس، واحترام أوقاتهم، وضمان المساواة بينهم، ليست تفاصيلاً ثانويّةً في هذه العلاقة، بل جزءاً أساسيّاً من جودة الخدمة ومن الثّقة التي يُفترَض بناؤها.
ذهبتُ إلى كاتب العدل لإنهاء عقد عمل، وغادرتُ بعد أن أنهيت المعاملة.. لكنّ السؤال الذي بقي معي لم يكن عن العقد الذي فُكّ، بل عن كل تلك العقبات التي كان يمكن تجنّبها، وعن حق المواطن في أن تُنجَز معاملته بكرامةٍ، ووضوحٍ، وعدالةٍ، ومن دون أن يتحوّل يومه إلى اختبارٍ طويلٍ للصّبر.